الأحد، 16 أبريل، 2017

الأساليب الكلاسيكية في الإدارة

الأساليب الكلاسيكية في الإدارة

 

التمكين في الفكر الإداري

بدأ مفهوم التمكين المعاصر يتبلور في أدبيات الإدارة وفي ممارسة بعض المؤسسات في البيئة الغربية بعد التسعينات من القرن العشرين. فلم يظهر فكر التمكين بشكل مفاجئ، وإنما ظهر نتيجة تراكمية وتطّورية عبر ما يزيد عن مائة عام من التطور في الفكر الإداري بمفاهيمه المختلفة بشكل عام، وبالمفاهيم التي تتعلق بإدارة الموارد البشرية وإدارة العلاقات مع الإنسان داخل المؤسسة (العاملين) أو خارج المؤسسة ( الزبائن).
من هنا، سيتطرق هذا الجزء من الفصل الأول لأهم ملامح التطور والتدرج في مفاهيم ونظريات الفكر الإداري من خلال بعض المفكرين والفلاسفة الذين ساهموا أكاديميا، وعلميا في تطوير نظريات ظلت ترتقي بالفكر حتى مهدت السبيل لمفاهيم ومصطلحات، ترتبط بشكل مباشر أو غير مباشر بمفهوم التمكين المعاصر.

المراحل التاريخية

من أهم المراحل التاريخية في الفكر الإداري الحديث والأساليب التي رافقت تلك المراحل[i]:
1.      النظريات التقليدية (الأساليب الكلاسيكية) في الإدارة.
2.      الأساليب السلوكية في الإدارة.
3.      الأساليب الحديثة في الإدارة.
4.      ما بعد الأساليب الحديثة في الإدارة.
5.      أساليب أخرى في الإدارة.
يعود الفكر الإداري إلى أحقاب تاريخية ضاربة في التاريخ، لأن الإنسان خلقه الله واستخلفه في الأرض ومنحه قدرة على التخطيط والتنظيم والقيادة والرقابة والمتابعة والتنسيق وتوظيف الموارد، والعمران على خلاف بقية المخلوقات التي خلقها الله سبحانه وتعالى. فصفة التدبير أي الإدارة هي حالة فطرية في الإنسان منذ أن أوجد الله سبحانه وتعالى آدم عليه السلام. وهذا الأمر بديهي ولا يحتاج إلى أدلة علمية أو تاريخية، ولكن بعض العلماء أرّخوا لبعض المراحل التاريخية مثل  [ii]Daniel Wren (1993) الذي أرجع مراحل التطور في الإدارة إلى عهد السومريين، أي ما قبل 5000 عام قبل ميلاد المسيح عليه السلام، وذلك عندما استخدموا عملية التوثيق في السجلات لمساعدة الدولة والمؤسسات التجارية في عملياتها الإدارية. والإدارة كانت أيضا مهمة في عهد الفراعنة عندما بنوا الاهرامات التي تطلّب بناء الواحد منها عشرين عاما وعشرات الآلاف من العاملين. إنّ هؤلاء العاملين وأعدادهم الكبيرة ما كانت لتنجز مشروعا في غاية العظمة والدقة والجمال دون توجيه وتنظيم وتفكير مبدع خلاق.
وفي التاريخ الإسلامي ظهرت مصطلحات وممارسات، إدارية منها مفاهيم إلهية مثل الشورى ومنها مفاهيم احتاج المسلمون إلى استنباطها مثل الدواوين، مثل ديوان الحسبة وغيرها.
وفي القرن السابع عشر بدأت الثورة الصناعية وظهرت معها أفكار آدم سميث حول الكفاءة الإنتاجية من خلال مبادئ التخصص وتقسيم العمل. وقد بدأت الإدارة ونظرياتها تتبلور في الكتب والأبحاث والجامعات والمؤتمرات العلمية مع بداية القرن العشرين، من خلال المدارس الكلاسيكية وتلاها السلوكية والنظريات الحديثة.
أما النظريات الكلاسيكية فقد كان في مقدمتها نظرية الإدارة العلمية التي جاء بها المهندس فريدريك تيلور (Fredrick Taylor) في عام 1911.

الأساليب الكلاسيكية في الإدارة

تنقسم الأساليب الكلاسيكية في الإدارة إلى ثلاثة أقسام:
النظرية الإدارية.
النظرية البيروقراطية.

أولا نظرية الإدارة العلمية:

أما بالنسبة لنظرية الإدارة العلمية التي تبلورت في كتاب مبادئ الإدارة العلمية لفردريك تيلور(Fredrick Taylor) الذي سُمي بأبي الإدارة العلمية، فنلاحظ في المبادئ التي نادى بها "تيلور" محاولة منه لوضع أسس ومبادئ علمية مدروسة، ومحددة لتعظيم إنتاجية العاملين[iii]. لقد كانت تلك المبادئ بمثابة رد فعل من أبي الإدارة العلمية تجاه حالة عدم التقيد من قبل العاملين بأي أسس أثناء قيامهم في العمل، فكل يعمل على هواه وكيفما أتفق، مما يؤدي إلى تذبذب في الإنتاج، وهذا التذبذب قد يفقد الإدارة قدرتها على التنبؤ والتخطيط ومعرفة حجم الإنتاج المستقبلي. فإما أن تكون هنالك طريقة مثلى محددة في تأدية العمل ضمن خطوات وأسس محددة وموحدة، وإما أن يعمل كل واحد بالطريقة التي يراها مناسبة، فلا تتحقق الكفاءة ولا تتحقق مستويات الإنتاج المتوقعة. فاقترح فردريك تيلور منهجه المشهور "بالطريقة المثلى" في العمل، تلك الطريقة التي تتحقق من خلال دراسة خطوات العمل وتحديد الخطوات الضرورية والإبقاء عليها وتحديد الخطوات غير الضرورية وإلغائها، فتبقى الطريقة المثلى لتأدية أي عمل يقوم به العامل.
أما التمكين ونظرية الإدارة العلمية فعلى طرفي نقيض، ولم يكن أصلا مفهوم التمكين معروفا في ذلك الوقت، وما ورثه فردريك تيلور من الثورة الصناعية من آدم سميث يتنافى أصلا مع مبدأ التمكين في الإدارة المعاصرة. النظرة التي كانت سائدة تجاه العامل على أنه آلة يجب ضبطها بالطريقة المثلى لإنجاز أكبر كم من الإنتاج، حتى لو تطلب الأمر تقديم حوافز للعاملين من أجل زيادة إنتاجيتهم فقط، ومن أجل زيادة الكفاءة وتحسين مستوى الإنتاج، وخاصة أن ما يتم إنتاجه يتم بيعه، فمستوى الطلب في تلك الفترة من الزمن كان كبيرا من قبل مجتمع المستهلكين المتعطش للمنتجات الصناعية.
لذلك كان الفكر السائد في تلك الفترة من الزمن بعيدا عن مفهوم التمكين أو حتى التفويض، وذلك بسبب الظروف التي كانت سائدة في تلك الفترة وخاصة ضعف المفاهيم ذات العلاقة بالبعد الإنساني وسيطرة المفاهيم ذات البعد المادي. و على الرغم من ذلك فنظرية المبادئ العلمية تضر، على المدى البعيد، حتى في البعد المادي الذي طالما أسس له فردريك تايلور، بسبب المغالاة في مبدأ الطريقة المثلى التي جاء بها والتي تؤدي بالعامل إلى الشعور بالملل والسأم والإرهاق من إتباع أساليب محددة وثابتة لا يستطيع أن يحيد عنها قيد أنمله، فضلا عن أنها لا تترك للفرد مجالا للتفكير الخلاق وخلق بدائل مختلفة لحل المشكلة. وما تزال هنالك مؤسسات تطبق مبادئ الإدارة العملية إلى وقتنا الحاضر، بوضع قواعد محددة للعامل للقيام بها دون أي مجال من المرونة أو التفاوت، وذلك من أجل ضمان نتائج محددة تحديداً مسبقا.

ثانيا: النظرية الإدارية Administrative Management

النظرية الثانية في الأساليب الكلاسيكية هي النظرية الإدارية (Administrative Management) التي جاء بها Henri Fayol في عام[iv]1916 والمتفحص بعمق لهذه النظريات التقليدية يجد درجة عالية من التركيز على تحقيق الضبط والنظام والثبات في العمل، ولكن لا يجد مجالا فيها لمنح الموظف أي دور في المشاركة وإبداء الرأي أو حرية التصرف.
 أما ماري باركر فوليت وأفكارها الإنسانية التي قدمتها في تلك الحقبة فقد سبقت زمانها بعقود طويلة كما وصفها Peter Drucker.

ماري باركر فوليت (Mary parker Follett)

لقد كان صوت Follett الصوت الوحيد المختلف في عهد المدارس الإدارية التقليدية الذي تميز عن بقية الأصوات[v] وإذا كان Taylor يدعى بأبي الإدارة العلمية، فإن Follett كانت كما يصفها  Peter Drucker أم الإدارة. فقد تحدثت في مواضيع في أوائل القرن الماضي، ينظر إليها على أنها حديثة حتى في وقتنا الحاضر. فتناولت مواضيع مثل التعاون والعمل الجماعي، ونظرت إلى المؤسسات على أنها مجتمعات متعاونة علبها أن تعمل لتحقيق أهداف مشتركة. وشجعت العاملين والمديرين على العمل بتوافق وتعاون وانسجام دون سيطرة جهة على أخرى. وأكدت أهمية الحرية في التعبير وأهمية التعاون لحل الخلاف في العمل. ورأت بأنه من واجب المدير أن يساعد الناس في المنظمة على التعاون معا وتحقيق التكامل في المصالح والأهداف.
وفي مجموعة من المقالات التي تم جمعها وتوثيقها عن Follett[vi]   تبرز هذه المقالات إيمان تلك المرأة الكبير بدور الموظف في المنظمة كمالك لها، لخلق شعور بالمسؤولية الجماعية تجاه العمل وتجاه أهداف المنظمة واليوم وبعد ما يقارب من مئة عام بدأت أدبيات الإدارة تناقش مواضيع مثل "الموظف المالك" "Employee Ownership" و "المشاركة في الربح" و " المشاركة في المكاسب". وهذا يؤكد اهتمام هذه العالمة بالبعد الإنساني في العمل، من خلال نظرة متوازنة بين أهداف العمل وأهداف وحاجات الإنسان. على أي حال، كانت أفكارها متميزة ومتقدمة على الحقبة التي كانت تعيشها وهذا يدل على أن الاهتمام بالجانب الإنساني وتنميته لا يرتبط  بزمان أو مكان أو فكر معين.

ثالثا: النظرية البيروقراطية:

ولدت النظرية البيروقراطية على يد المفكر  الألماني ماكس ويبر (Max Weber) وهو الذي جاء بمبادئ النظام البيروقراطي للمؤسسة، لكي يضع نهاية لحقبة تاريخية من الفوضى في المؤسسات الحكومية وغير الحكومية في ألمانيا في نهاية القرن التاسع عشر. ورأى بأن الحل هو في ما أسماه "النظام البيروقراطي" الذي يعني حكم المكتب بوضع القوانين الرسمية وتقسيم العمل ووضوح التسلسل الرئاسي وتغليب المصلحة العامة على المصلحة الشخصية[vii].
وكان يؤمن بتحقيق مستويات عالية من الكفاءة الإنتاجية من خلال الضبط والدقة في العمل ووضوح القوانين والتشريعات. والتركيز على جانب من الجوانب الإدارية قد يكون على حساب جوانب أخرى ويحدث هنا مرة أخرى. ما حدث مع تيلور من ردة فعل تجاه التسيب فنجد النتيجة هنا مبالغة في التشدد والبطء في الإجراءات والجمود في القوانين. وكان جل هدف وغاية المفكر البيروقراطي هو تحقيق النظام والكفاءة والعمل الجاد والبعد عن المصالح الشخصية لحساب مصلحة المنظمة. وهذه الغايات مهمة جدا في حياة المنظمات، وهنالك الكثير من المنظمات في العالم التي أصبحت منذ ذلك الوقت تأخذ بالنظريات البيروقراطية وتستفيد منها. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل نستطيع أن نعتبر البيروقراطية وغيرها من النظريات الكلاسيكية هي الحل المناسب لمنظمات القرن الواحد والعشرين بعد التغيرات الكبيرة التي حدثت في العالم من حيث التغيرات التكنولوجية والمعلوماتية والاجتماعية وتغيرات العولمة؟. وهل البيروقراطية تفي بالغرض في ظل هذه التغيرات والتطورات؟. وهل تلبي متطلبات موظف المعرفة وموظف المهارة والموهبة؟ وهل تفي في ظل الدعوة لإعادة هيكلة المنظمات أفقيا بدلا من هيكلتها عموديا كما كان سائدا في زمن الفلاسفة الكلاسيكيين؟
لم تنتظر هذه التساؤلات زمنا طويلا، فقد بدأت تتفاعل منذ عام 1920 مع بداية بروز حركات جديدة توجه انتقاداتها لمبادئ الإدارة الكلاسيكية التي لا يحظى فيها الجانب الإنساني بحض وافر، فظهرت النظريات السلوكية. 

مواضيع ذات صلة
 

الأساليب الكلاسيكية في الإدارة

المدرسة الكلاسيكية في الادارة

مدارس الإدارة ونظرياتها

نظرية الادارة العلمية فريدريك تايلور

المدرسة الكلاسيكية في الادارة

الإدارة العلمية فريدريك تايلور

انواع المدارس الادارية

المدارس الادارية

اهم رواد المدرسة الكلاسيكية

 




[i]     للمزيد من التفاصيل حول مراحل تطور الفكر الإداري يمكن الحصول عليها من أي كتاب من كتب مبادئ الإدارة أو وظائف الإدارة أو أسس الإدارة. 
 [ii]    Daniel A. Wren (1993), The Evolution of Management Thought, 4th ed. New York: Wiley.
[iii]    Taylor, Fredrick. (1911), The Principles of Scientific Management, New York: w. W. Norton. 1967. Harper & Brothers.
[iv]    Henri Fayol(1949), General and industrial administration , London: Pitman, UK.
[v]     Follett, M (1949), Freedom and Coordination, London: Management Publications Trust.
[vi]    Garwood, Judith (1984), A Review of Dynamic Administration: The Collected papers of Mary Parker Follett, New Management , vol. 2, pp. 61-62.
[vii]   Henderson, A. M and Parsons, T (1947). Max Weber : The Theory of Social Economic Organization, New York: Free Press.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق