الجمعة، 14 أبريل، 2017

البنيـــة العميقــــة السيميولوجية

البنيـــة العميقــــة السيميولوجية
تنبني البنية العميقة - من جهة أولى- على دراسة السيمات النووية السيميولوجية ودراسة السيمات السياقية الدلالية، والتركيز على التشاكل الدلالي والسيميائي. ومن جهة أخرى، تدرس البنية العميقة ما يسمى بالمربع السيميائي أو النموذج الدلالي والمنطقي التأسيسي.

المطلب الأول:  المستـــوى الـــدلالي

ينبني المستوى الدلالي على دراسة المكونات الخطابية على مستوى البنية العميقة، بالتركيز على السمات السيميولوجية والسيمات الدلالية، ودراسة التشاكل الدلالي والسيميولوجي على حد سواء.

الفرع الأول:  السيمات السيميولوجية

نعني بالسيمات السيميولوجية تقسيم اللكسيمات السياقية إلى مجموعة من المقومات أو السمات الجوهرية والعرضية التي تتكون منها الصورة الدلالية أو السياقية، كما كان يفعل رومان جاكبسون (R.Jackobson) مع الأصوات باستعمال الموجب والسالب، كما يتضح لنا ذلك بجلاء في مثالنا هذا" الرجل ينبح".
-" الرجل":/ حي/+/مذكر/+/عاقل/+/بالغ/
- " ينبح":/فعل/+/ صوت/+/حي/+ /يسند إلى حيوان/-/عقل/
وهكذا، فقد فككنا الصورتين أو الليكسيمين إلى مجموعة من السمات النووية أو المقومات الجوهرية والعرضية. ومن ثم، فهما يتشاركان في صفة الحياة، ويختلفان في الكثير من الصفات المميزة ، وخاصة صفة العقل.

الفرع الثاني: السيمات الدلالية

نعني بالسيمات الدلالية المقولات التصنيفية أو المقولات الفكرية والكونية الخارجية التي تحدد مجموعة من السيمات السيميولوجية أو النووية. وتحيل هذه السيمات المقولاتية التصنيفية على القيم الكونية والإيديولوجيا النصية. ففي المثال السابق، يمكن الحديث عن مقولتين: /إنساني/ +/حيواني/. ويمكن الحديث في أمثلة نصية أخرى عن الاقتصادي والاجتماعي والنفسي والأخلاقي والجنس، وغير ذلك من مقولات فكرية تصنيفية يستوجبها التحليل السيميائي للسيمات النووية والسياقية.

الفرع الثالث:  بنيـــة التشاكــل

يقصد بالتشاكل مجموعة من السيمات السياقية أو الكلاسيمات المتكررة والمترددة بشكل متواتر داخل خطاب أو نص ما، وهو الذي يحقق انسجام النص، ويزيل عنه غموضه وإبهامه الدلالي. ويعني هذا أن التشاكل بمثابة تكرار لوحدات دلالية ومعنوية وتيماتيكية تشكل أهم تمفصلات النص .أي: إن التشاكل هو قطب دلالي متداخل ومتقابل. ومن هنا، فالتشاكل نوعان: تشاكل دلالي وتشاكل سيميائي. فالتشاكل السيميائي هو الذي يقوم على تواتر السيمات النووية أو المقولات النووية، مثل:
- صورة" الفرح"
- السيمات النووية: /إحساس/+/شعور/+/الرضا/+/ إيجابي/+/فعالية/
في حين، يقوم التشاكل الدلالي على المقولات التصنيفية أو التصنيفات المادية الكونية أو التصنيفات الفكرية والذهنية الفلسفية الخارجية أو تواتر المقولات الكلاسيماتيكية، مثل:
/اقتصادي/+/ إنساني/+/طبيعي/+/جنس/...

المطلب الثاني:  المستـــوى المنطقــي

يتمثل المستوى المنطقي من التحليل السيميائي في المربع السيميائي الذي يعد بمثابة جهاز منطقي صرفي يحوي مجموعة من العلاقات المنطقية المضمرة، كعلاقات التناقض، وعلاقات التضاد، وعلاقات التضمن. وهذه العلاقات هي التي تحرك النص فعلا على مستوى الظاهر والسطح. ومن هنا، يسمى المربع السيميائي بمربع الصدق.

الفرع الأول: المربع السيميائي

تنبني البنية العميقة - من جهة- على دراسة السيمات النووية السيميولوجية ودراسة السيمات السياقية الدلالية، والتركيز على التشاكل الدلالي والسيميائي. ومن جهة أخرى، تدرس البنية العميقة ما يسمى بالمربع السيميائي أو النموذج الدلالي والمنطقي التأسيسي. ويسمى كذلك بمربع الصدق الذي يستلزم مجموعة من العلاقات التقويمية كالصدق والكذب والوهم والسر. بالإضافة إلى التحكم في ثنائية الكينونة والظهور. ويعني هذا أن المربع السيميائي هو الذي يحدد علاقات النص الصادقة والكاذبة والواهمة والسرية.
هذا، ويقوم المربع السيميائي على استكشاف البنيات الدلالية البسيطة المولدة لمختلف التمظهرات السطحية للنص. كما يتضمن المربع السيميائي علاقات التضاد وشبه التضاد، وعلاقات التناقض، وعلاقات التضمن والاستلزام اتصالا وانفصالا. ويشكل المربع السيميائي كذلك جملة من الأزواج الدلالية البسيطة التي تشكل العالم الدلالي الإنساني.ومن هنا، " فالمربع السيميائي ليس إلا البنية الأصولية للدلالة حين تستعمل كشكل لتنظيم الجوهر الدلالي"[1]
وهكذا، يمكن تصور المربع السيميائي" كمعطى ثابت منظم على أساس العلاقات الأصولية (تضاد- تناقض- تضمن). لكن يمكن تصور الدلالة ككيان متحرك ينتج عنه توليد المعاني وتحريك المربع السيميائي. فالتناقض كعلاقة شكلية أو منطقية (على مستوى الصرف) تصلح لبناء أزواج دلالية متناقضة العناصر يصبح عملية قصصية أو دلالية (على مستوى التركيب) يترتب عنها نفي عنصر وإثبات أو إقرار عنصر آخر(هو في الواقع نقيض العنصر المرفوض أو المنفي). وإذا طبقت هذه العملية على مربع علامي مشحون بالقيم ينتج عنها حتما نفي بعض الدلالات الواردة وإبراز دلالات أخرى بصيغة الإيجاب والجزم.
وفي ضوء هذه الاعتبارات نستطيع أن نضع لبنة أولى لتعريف علم التركيب القصصي، إذ يتمثل هذا الأخير في تحريك المربع السيميائي وفي تغيير المعاني المدرجة ضمن محاوره."[2]
هذا، ويهدف المربع السيميائي إلى تقديم صورة العالم ضمن شبكات دلالية إيديولوجية قائمة على التعارض والاختلاف، وتتحدد إيديولوجيا النص من الداخل النصي لا من خارجه، عبر استخلاص التشاكلات الممكنة والبنيات الدلالية البسيطة الثاوية في المربع السيميائي. بمعنى أن  تحريك المربع السيميائي " يكون بتوجيه العمليات في إطار سلاسل منطقية تنتج عنها إيديولوجية النص.أي تغيير المضامين والقيم حسب علاقات ومسار معين.
وخلاصة القول: إن النحو الأصولي يرتكب من صرف أصولي يقوم على المربع السيميائي ذي العلاقات الثابتة، ومن تركيب أصولي يقوم بتوجيه وتنظيم العمليات المغيرة للمضامين الأولى، سواء بالنفي أم بالإقرار، بالفصل أم بالضم. وبما أن هذه العمليات الموجهة تحدث في إطار المربع السيميائي، فهي من جراء ذلك قابلة للتوقع وللإحصاء ، وبالإضافة إلى شكلها الموجه تكون هذه العمليات منظمة في سلاسل ومكونة لسياقات يمكن تقسيمها إلى وحدات تركيبية. وعلى هذا الأساس اهتم كريماص بتصنيف الملفوظات السردية، ثم عمل على إبراز حقيقة الوحدة أو المقطوعة السردية."[3]
وعليه، فالمربع السيميائي بنية دلالية منطقية تقع في المستوى العميق، وهو بمثابة نموذج تأسيسي ينظم دلالة النص والخطاب سطحا وعمقا.

المبحث الرابع:  المسار المنهجي للتحليل السيميوطيقي

تعتمد المقاربة السيميوطيقية - تطبيقا وممارسة- على مجموعة من المراحل المنهجية المتكاملة فيما بينها، ويمكن تحديدها في الخطوات التالية:
u تحديد المقاطع والمتواليات السردية:تتحدد المقاطع السردية بواسطة مجموعة من المعايير السيميائية، كالمعيار الحدثي، والمعيار البصري، والمعيار الفضائي، والمعيار الأسلوبي، والمعيار الدلالي...وبعد ذلك، تقسم المقاطع إلى ملفوظات الحالة وملفوظات الأفعال، وترصد مختلف التحولات التي تستند إليها مختلف البرامج السردية الموجودة في النص، في علاقتها بالبنية العاملية والبنية التيماتيكية، وصولا إلى البنية العميقة حيث التشاكل والمربع السيميائي. ومن المعلوم أن كل مقطع سردي يقوم على مقياسين: مقياس وظائفي(مجموعة متكاملة من الأحداث)، ومقياس أسلوبي وتعبيري.[4]
v تحليل مظهر الخطاب: تدرس مختلف التمظهرات الأسلوبية على مستوى سطح النص، كدراسة العتبات والبنية الفضائية، ودراسة الشخصيات، ودراسة اللغة والأسلوب.
w تحليل المكون السردي: يعتمد على دراسة الأفعال والحالات والتحولات اتصالا وانفصالا، والتركيز على البرامج السردية تحفيزا وكفاءة وإنجازا وتقويما.
x تحليل البنية العاملية: ينبغي التركيز – هنا- على عناصر التواصل العاملي (المرسل والمرسل إليه، والذات والموضوع، والمساعد والمعاكس)، والاهتمام بمختلف العمليات التعاقدية الموجودة بين المرسل والمرسل إليه، واستكشاف محاور البنية العاملية (محور التواصل ومحور الصراع ومحور الرغبة).
yتحليل المسار الغرضي: يرتكز المسار الغرضي أو المسار المتعلق بالأغراض على إبراز المعاني والأدوار الدلالية والأحداث وفق المسار السردي(قبل(الوضعية الافتتاحية) – وأثناء (اضطراب وتحول وحل)- وبعد (وضعية نهائية)) . ويمكن تقسيمه إلى محاور متداخلة كالمحور المعجمي، والمحور الدلالي، والمحور السيميولوجي، ومحور التشاكل. وهذا كله من أجل الحصول على صورة العالم.
z التحليل المنطقي: يعنى بتحديد البنية الدلالية المنطقية العميقة للنص أو الخطاب، من خلال التركيز على المربع السيميائي وعملياته وعلاقاته الدلالية والمنطقية[5].
وهكذا، نصل إلى أن المقاربة السيميوطيقية هي منهجية تحليلية تقوم على لعبة التفكيك والتركيب، وتبحث عن المعنى وراء بنية الاختلاف، وتحاول تصيد الدلالة سطحا وعمقا،مرورا بالتمظهرات النصية المباشرة. ويلاحظ أن التحليل السيميوطيقي مثل النحو الكلي يبحث عن البنيات المنطقية والدلالية البسيطة التي تولد مختلف النصوص والخطابات اللامتناهية العدد،  بالانتقال من بنية العمق إلى بنية السطح، عبر مجموعة من التحويلات الصرفية والتركيبية والدلالية القائمة على الحذف والتوسيع والاستبدال والزيادة ...ومن هنا، فلابد للمحل السيميائي أثناء تطبيق المنهج السيميائي أن يراعي مجموعة من الخطوات المحورية التي يمكن حصرها في مرحلة التحليل السردي، ومرحلة التحليل العاملي، ومرحلة التحليل الغرضي( الحقل المعجمي، والحقل الدلالي، والأدوار المعجمية، والتشاكل بنوعيه: الدلالي والسيميولوجي)، ومرحلة التحليل المنطقي بتشغيل المربع السيميائي.














[1] - سمير المرزوقي وجميل شاكر: نفسه،ص: 129.
[2] - سمير المرزوقي وجميل شاكر: نفسه، ص: 131.
[3] - سمير المرزوقي وجميل شاكر: نفسه، ص: 132.
[4] - سمير المرزوقي وجميل شاكر: نفسه، ص: 127.
[5] - يراجع: عبد الحميد بورايو: نفسه، ص:5.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق