الأربعاء، 12 أبريل 2017

أسس نظام الحكم في الإسلام

أسس نظام الحكم في الإسلام
نظام الحكم




نظام الحكم ضرورة من ضرورات الاجتماع البشري، وعلى وجه الخصوص في المجتمعات المتقدمة. أما في المجتمعات البدائيّة فتتمثل السلطة في الزعيم. وحتى في عالم الحيوان نجد أنّ القطعان تتخذ لها قائداً يقودها. وقد عرفت المجتمعات البشريّة في مسيرتها التطوريّة مستويات مختلفة لنظم الحكم، وكان كل نظام يُعبّر عن مستوى التطور الذي بلغه المجتمع؛ فالنظام القبلي يفرز زعيم القبيلة وما يحيط به من وجوه وحكماء القوم، وعندما تستقر القبيلة وتُنشِئ حضارة يُفرز الواقع الحضاري الجديد نطاماً يتلاءم مع هذا التطوّر، مثل النظام الملكي، الذي قد يتطوّر بدوره بتطور الواقع إلى نظام إمبراطوري، كما كان الأمر في الإمبراطوريّة الرومانيّة والفارسيّة.
عندما بُعث الرسول، صلى الله عليه وسلم، عام 610م كانت السلطة في مكة تتمثل في عدد من الزعماء والوجهاء، وكانت العادات والتقاليد تحكم الجميع. أما في المدينة المنورة فقد جاء في السيرة أنّ أهل المدينة كانوا قبل الهجرة يقومون باستعدادات لتنصيب عبد الله بن أبي بن سلول ملكاً عليهم، أي أنّ الواقع المدني كان مُهيأً لمثل هذه التطور.
كان دخول الرسول، صلى الله عليه وسلم، المدينة مهاجراً هو بداية الإعلان عن قيام المجتمع الإسلامي والدولة الإسلاميّة، بل إنّ تحويل اسم يثرب إلى المدينة كان بمثابة الإعلان عن قيام المدينة الفاضلة التي يبحث عنها فلاسفة البشر. وبعد عشر سنوات من الهجرة النبويّة أصبحت الجزيرة العربيّة، ولأول مرة في تاريخها، تخضع لسلطان دولة الرسول، عليه السلام، الذي لم يكن يقبل بإسلام شخص حتى يُعلن عن انضوائه تحت راية الدولة الإسلاميّة والالتزام بطاعتها. أما غير المؤمنين بالإسلام فكانوا يبايعون على طاعة الدولة فيحوزون بذلك على التابعيّة ويتمتعون بحقوقهم كالمسلمين.
وعندما توفي الرسول، صلى الله عليه وسلم، تصورت قبائل العرب أنّ بإمكانها أن تمارس الإسلام بعيداً عن سلطان الدولة، تماماً كما كان أجدادهم يفعلون بعد إيمانهم بدين إسماعيل، عليه السلام. أما أهل مكة والمدينة فكانوا قد استوعبوا حقيقة الإسلام وما جاء به من شريعة شاملة لكل مناحي الحياة بما في ذلك الدولة. من هنا كانت حروب الرّدة، حيث استطاع أبو بكر، رضي الله عنه، أن يجمع العرب تحت سلطان دولة واحدة في زمن قياسي يثير الدهشة، مما يشير إلى متانة البناء الذي وضع أسسه الرسول، صلى الله عليه وسلم.
قلنا إنّ نظام الحكم (الدولة) هو من ضرورات الاجتماع البشري، وبارتقاء الحضارات تصبح حاجة الناس أشد إلى نظام سياسي يلبي حاجة ومتطلبات التطور والنهوض. وبما أنّ الإسلام جاء لينهض بالمجتمعات البشريّة وليدفعها نحو إقامة نظام اجتماعي فاضل، وبما أنّ الشمول هو من أهم خصائص الإسلام والفكر الإسلامي، فإنّ النظام السياسي هو من أبرز حقائق الإسلام عقيدة وشريعة. وغني عن البيان أنّ الإسلام لا تكتمل صورته، ولا تتجلى فاعليته، ولا تتحقق إيجابياته، ولا يقطف الناس ثماره المباركة، حتى ترعاه دولة تقوم أسسها على مبادئه وقيمه. والمتدبر للنظم الإسلاميّة يدرك أنّ الدين الإسلامي جاء ليُحقق التغيير الإيجابي في كل جوانب الحياة من غير استثناء؛ فالنظام الاقتصادي، ونظام العقوبات، ونظام القضاء، والنظام الاجتماعي، والنظام التربوي..، كل ذلك لا يقوم إلا بالنظام السياسي. وعليه يمكن أن نقول إنّ نظام الحكم هو ضرورة اجتماعيّة وحقيقة دينيّة.
         وعليه يمكن تعريف النظام السياسي في الإسلام بأنه: النظام الذي يسوس حركة المجتمع المسلم الملتزم بالإسلام عقيدة وشريعة. ومن يزعم أن لا نظام سياسياً في الإسلام فكأنه يقول: إنّ الإسلام لا يؤمن بضرورة تنظيم وسياسة المجتمع المسلم، وأنّه لا يأبه بتطبيق شريعة الله تعالى. وكأنّه يقول أيضاً: إنّ الله تعالى قد أنزل شريعته لتكون ترفاً فكرياً، ولم ينزلها لتكون حركة اجتماعيّة. وكل مسلم يدرك عبثيّة مثل هذا الزعم ومجافاته لبدهيات الإسلام عقيدة وشريعة.
جاء في معجم الطبراني عن الرسول، صلى الله عليه وسلم:" إذا كنتم ثلاثة في سفر فأمِّروا عليكم أحدكم ...فإذا كان هذا العدد، الذي هو أقل الجمع، يحتاج إلى أمير في السفر، فكيف بمجتمع تتزاحم فيه مصالح ملايين البشر؟!

آيات وأحاديث تتعلق بالحكم:
§        جاء في الآية 59 من سورة النساء:" يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأُولي الأمر منكم".
§        جاء في الآية 83 من سورة النساء:" ولو ردّوه إلى الرسول وإلى أُولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم".
§        جاء في الآية 49 من سورة المائدة:"وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك".
§        نهض الرسول، صلى الله عليه وسلم، في الفترة المدنيّة بمختلف شؤون الحكم، وأقام حكماً تتوفّر فيه كل عناصر الدولة.
§         جاء في الحديث:"من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهليّة" (أخرجه مسلم)
§        جاء في الحديث:"كلكم راع وكل راع مسئول عن رعيته؛ فالإمام راعٍ وهو مسئول عن رعيته" (أخرجه البخاري وغيره).
§        جاء في الحديث:"من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرّق جماعتكم فاقتلوه" (أخرجه مسلم).

قضية للنقاش:
§        يقول الماوردي في كتابه الأحكام السلطانيّة: " عقد الإمامة لمن يقوم بها في الأمّة واجب بالإجماع"، ويقول ابن خلدون في مقدمته:"إنّ نصب الإمام واجب قد عُرف وجوبه في الشرع بإجماع الصحابة والتابعين".

أسس نظام الحكم في الإسلام:[1]
1.    الحاكميّة لله: فالحكم لله تعالى.
2.    السيادة للشرع: بما أنّ الحكم لله تعالى، وبما أنه سبحانه لا ينزل من عليائه ليحكم بين الناس، فإنّ السيادة تكون لشرعه الحكيم.
3.    السلطة للأمة: سلطة تطبيق شرع الله تعالى هي للأمة. وبما أنّ الأمة لا يمكنها بمجموعها أن تمارس سلتطها بنفسها فإنها تقوم باختيار السلطة التنفيذيّة لتنوب عنها في إقامة وحراسة الدين.
4.    الشورى: جاء في الآية 159 من سورة آل عمران:"وشاورهم في الأمر، فإذا عزمت فتوكل على الله". وجاء في الآية 38 من سورة الشورى:"والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون".
والشورى منهج حياة يُفترض أن يتميّز به المسلمون أفراداً وجماعات. وهي من أخص خصائص أهل الإيمان ومن أبرز صفاتهم التي امتدحهم الله تعالى بها. بل لقد سُمّيت سورة من سور القرآن الكريم بالشورى، وهذا يشير إلى خصوصيّة هذا السلوك وأهميته القصوى في حياة المسلمين: "والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون، والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون، والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون" (الشورى: 37- 39)
فأمرُ الأفراد وأمر الجماعات وأمر الحكومات ينبغي أن يكون شورى. وقد أتى الرسول، صلى الله عليه وسلم، بالشورى في أجمل صورها، وكان أكثر الناس مشاورة لأصحابه، فقد جاء في الحديث عن أبي هريرة، رضي الله عنه:" لم يكن أحد أكثر مشاورة لأصحابه من رسول الله، صلى الله عليه وسلم".

شروط الحاكم المسلم:
اشترط الفقهاء للحاكم المسلم شروطاً استنبطوها من النصوص الشرعيّة، منها شروط تمّ الاتفاق عليها، وأخرى اختلف فيها. من أهم هذه الشروط الآتية:
1.    الإسلام: وهذا شرط بدهي لأننا نتكلم عن نظام الحكم في الإسلام. ومعلوم أنّ وظيفة الحاكم تطبيق الشريعة الإسلامية وحراستها، ثم إنّ الشريعة الإسلاميّة هي الدستور والقانون، ولا يُعقَل أن يكون الحارس للدستور من لا يؤمن به.
2.    التكليف: أي البلوغ والعقل. فلا يجوز تولية الصغير والمجنون والمعتوه. والذي نراه أنّ شرط البلوغ لا يكفي، وكان الأولى اشتراط ما هو أكثر من البلوغ، أي الرشد. جاء في الآية 6 من سورة النساء:" وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم"، فإذا كان البلوغ غير كافٍ لأعطاء اليتيم ماله، بل لا بد من توفر الرشد كذلك، فكيف نشترط ما هو دون الرشد لمنصب الخليفة والذي هو المقرر الأخير في الدولة؟!
ومن أعجب العجب أن نجد في التاريخ البشري وقائع كثيرة يكون الحاكم فيها صبياً. وقد رأينا في القرن العشرين من يتولى الملك وهو في الثامنة عشرة من عمره، في الوقت الذي نجد فيه من يطالب أن يكون سن الزواج المسموح به أكبر من هذا السن. إنّ مثل هذا التصرف لا يرجع إلى التخلف فقط، بل يرجع إلى أمور منها احتقار الشعوب واستعبادها، والارتفاع بالعائلات الحاكمة إلى مستوى التقديس، وهذا مظهر من مظاهر الوثنيّة التي جاء الإسلام ليحاربها ولينقذ البشريّة من غلوائها.
3.    العدالة: وتعني أن يكون الحاكم تقياً وصاحب مروءة، أي أنّه بعيد عن أسباب الفسوق والانحراف، ومشهود له بالأخلاق الفاضلة. والإمامة أمانة عظمى، والعدالة أقل ما يشترط  فيمن يتحمل هذه المسئوليّة.
4.    السلامة: أي سلامة الأعضاء والحواس اللازمة للقيام بالوظيفة، ومن أهمها السمع والبصر. أما بقية الأعضاء والحواس فيتفاوت تأثيرها بتفاوت الأزمنة والمجتمعات. ففقدان اليد أو الرجل كان قديماً يؤثّر بشكل كبير في فعالية الحاكم، أما اليوم فلم يعد مؤثراً. فهذا روزفلت الرئيس الأمريكي، الذي قاد الولايات المتحدة خلال سنوات الحرب العالمية الثانية، كان مصاباً في رجليه ويتحرك وهو جالس على مقعد، وقد كان حكمه استثناءً وسابقة في القانون الأمريكي، حيث انتخب لدورة ثالثة، وتولى منصب الرئاسة من عام 1933م إلى عام 1945م.
5.    العلم: وهذا شرط مُختَلف فيه، حيث اشترط بعض العلماء أن يكون الحاكم من العلماء المجتهدين. ولا شك أنّ في ذلك تشدداً يتناقض مع التهاون الظاهر في اشتراط البلوغ. والصحيح أنّ المطلوب هو الإلمام بالعلوم التي تساعده في وظيفته. وهذا يعني أن يكون عالماً بالإسلام وعالماً بالواقع الذي يعيشه، فيجمع بين العلم الشرعي والعلم الدنيوي المطلوب لمثل هذه الوظيفة الجليلة.
6.    الذكورة: تتجلى القوة والسيطرة والقدرة على الضبط والتماسك في صفة الذكورة. أما صفة الأنوثة فيتجلى فيها اللطف واللين وعدم الرغبة في المنافسة، ويتجلى فيها النفور من الصراع والرغبة في المسالمة ... إلى غير ذلك من الأمور التي هي بعيدة عن متطلبات منصب الحاكم الأعلى والقائد العام الذي هو المقرر الأخير.
جاء في البخاري وأحمد والنسائي والترمذي عن أبي بكر، رضي الله عنه، قال: لما بلغ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أنّ أهل فارس ملّكوا عليهم بنت كسرى قال:" لن يُفلح قومٌ ولوا أمرهم امرأة". والذي نراه هنا أنّ هذا نص في الإمامة العظمى (الخلافة) فقط، لأنّ سبب ورود الحديث هو أنّ بنت كسرى تولت أعلى منصب في الدولة الفارسيّة، ثم إنّ تعبير (ولوا أمرهم) يشير إلى ذلك، على خلاف ما لو قلنا: (ولوا أمراً من أمورهم). وعليه فقد اتفق الفقهاء على القول بعدم جواز تولي المرأة منصب الخليفة (المقرر الأخير) واختلفوا في غير ذلك من الأمور. فمنصب القاضي، مثلاً، قال بجواز توليه من قبل المرأة بعض الفقهاء. واليوم يمكن أن يُقبَل شرعاً أن تتولى المرأة منصب الوزارة في حال توفّر شروط الأفضليّة فيها. أما توليتها مثل هذه المناصب بدافع الرغبة في التظاهر بالمساواة فهو أمر غير مقبول، لأنّ في ذلك تفريطاً بمصالح الأمّة، وكذلك الأمر عندما يتولى المنصب رجل لا تتوفر فيه الأهليّة والأفضليّة.
7.    الكفاية: أي تتوفر فيه الصفات والقدرات المطلوبة لمثل هذا المنصب. وكل وظيفة لها شرط كفاية، والكفاية المطلوبة تختلف من وظيفة إلى أخرى؛ فكفاية الطبيب تختلف عن كفاية المهندس، وكفاية المزارع تختلف عن كفاية المعلم ... ولا شك أنّ كفاية الحاكم (الإمامة العظمى) لا تتوفر شروطها إلا في قلة من الناس، لأنّها مواصفات عالية يجب أنّ تتناسب مع جلال الوظيفة وعظمتها.
 ليس بعيداً عن الصواب أن نقول إنّ شرط الكفاية هو الشرط الذي يتضمن كل الشروط؛ فعندما نشترط العقل فينبغي أن يبلغ العقل درجة الكفاية المطلوبة. وعندما نشترط البلوغ فينبغي أن يكون في سنٍ يمكن أن تتوفر فيه الكفاية المطلوبة. وعندما نشترط العلم فينبغي أن يكون بالأمور التي تلزم للقيام بالوظيفة. وعندما نشترط العدالة فينبغي أن تكون متلائمة مع جلال المهمّة. وعندما نشترط السلامة في الأعضاء والحواس فينبغي أن يكون ذلك في الأعضاء والحواس اللازمة للقيام بالوظيفة على خير وجه. وعندما نشترط الذكورة، فلأنها صفة تتجلى فيها القوة والسيطرة والضبط وقوة الشخصية. وعندما نشترط الإسلام، فلأنّ الإيمان بالدستور والقانون، والقناعة بأحقيّة الإسلام في الحكم، والإخلاص في العمل لإقامة الشرع، كل ذلك يعتبر المقدمة الضروريّة لتحقق شرط الكفاية.
8.    القُرشيّة: أي أن يكون الحاكم من قريش. وهذا شرط مختلف فيه؛ فجمهور العلماء يشترط أن يكون الحاكم قرشياً استناداً إلى الحديث الصحيح، الذي تعددت طرقه حتى قيل أنّه متواتر، وهو الحديث الذي احتج بمعناه المهاجرون ولم ينكره الأنصار، وهو قول الرسول، عليه السلام:" الأئمة من قريش". ومن اللافت أنّ الخلفاء الراشدين وكذلك الأمويين والعباسيين كانوا كلهم من قريش.
أما الخوارج وبعض المعتزلة فقد قالوا بجواز أن تكون الخلافة في غير قريش، واستندوا في ذلك إلى الحديث الذي أخرجه البخاري وأحمد وابن ماجة:"اسمعوا وأطيعوا وإن استُعمِل عليكم عبد حبشي كأنّ رأسه زبيبة". وهذا الحديث لا يُعتبر حجّة في محل الخلاف، لأنّ كلمة (استُعمِل) تشير إلى من يستعملهم الخليفة في شؤون الدولة المختلفة، ولا يدل على الإمامة العظمى.[2]

مراحل اختيار الخليفة:
         من خلال استقراء الكيفيّة التي تمّ بها اختيار كل خليفة من الخلفاء الراشدين يمكن أن نخلص إلى أنّ اختيار الخليفة تم في مراحل ثلاث:

1.    مرحلة الترشيح: ويكون الترشيح من قِبَل أهل الحل والعقد الذين يمثلون الشعب.
2.    مرحلة الاختيار: وتتم أيضاً عن طريق أهل الحل والعقد الذين يمثلون الشعب.
3.    مرحلة البيعة: وتكون من قِبَل الناس بحيث يبايعون على الطاعة بعد أن يتم الاختيارمن قِبَل ممثليهم.
قضايا للنقاش:
§        تسمية الحاكم بالخليفة أمر غير ملزم شرعاً.
§        يجوز تحديد مدّة حكم الخليفة، ويجوز عدم التحديد.
§        مراحل اختيار الخليفة هي من الأمور الإجتهادية.
§        يجوز للأمّة أن تضيف شروطاً أخرى لتنصيب الخليفة وعزله.

 

الأئمّة من قريش: مقال مقتبس من كتابنا: (رسائل نون):

         يرجع تاريخ إبراهيم وإسماعيل، عليهما السلام، إلى ما يقارب سنة 1800 ق.م. وهذا يعني أنّ الفترة  بين إسماعيل، وبعثة الرسول، عليهما السلام، تقارب 2400 سنة. وإذا عرفنا أنّ قبائل العرب كانت تحج إلى مكة في كل عام، وكذلك كانت تعتمر وتزور البيت المعظّم، ناهيك عمّا كان يقام من أسواق تجاريّة وأدبيّة كانت تجمعهم في كل عام. فمن البدهي بعد ذلك أن ينتج عن هذا الاختلاط والاحتكاك، الذي امتد آلاف السنين، الأمور الآتية:

1.    اجتماع العرب في أداء هذه الشعيرة الدينيّة جعلهم يشعرون بأنّهم أمّة. ومعلوم تاريخياً أنّ العرب قبل الاسلام لم يجتمعوا في دولة واحدة، ولم يُحكموا بنظام سياسي واحد، كما هو الحال عند الفرس والرومان واليونان وغيرهم. وعليه يكون اجتماعهم في العبادة واجتماعهم على قِبلة واحدة قد خلق لديهم الشعور بأنّهم أمّة. وعندما جاء الإسلام جمعهم على عقيدة واحدة وشريعة واحدة، ثم جمعهم، ولأول مرّة في التاريخ، في نظام سياسي واحد، ودولة واحدة. وهذا يقودنا إلى القول بأنّ الدين هو الذي شكّل ما يسمّى بأمّة العرب، سواء أكان ذلك قبل الإسلام أم بعد نزول الإسلام.
2.    إن اجتماع العرب في أكثر من مناسبة خلال 2400 سنة كان لا بُدّ أن يخلق لغة مشتركة، وكان لا بد أن تكون لهجة قريش (أهل مكة) هي اللهجة المشتركة بين قبائل العرب. من هنا ندرك بعض أسرار نزول القرآن الكريم بلهجة قريش، حيث هي اللهجة التي يفهمها كل العرب.
3.    كانت قريش تقوم بإطعام وسقاية الحجاج العرب الوافدين من كل أنحاء الجزيرة العربيّة. وعندما يستمر مثل هذا التقليد آلاف السنين– حوالي2400 سنة- فإنه يجعل العرب، كل العرب، يُجلّون قريشاً، مما أدّى في النهاية إلى تبلور مكانة خاصّة لقريش في نفوس جميع قبائل العرب. وبمضي الوقت ترسّخت هذه المكانة في ضمير العربي، فأصبحت السيادة الدينيّة لقريش من غير منازع. وهذا  يكشف لنا بعض أسرار جعل مكة مهبطاً للوحي الربّاني، واختيار الرسول، عليه السلام، من قريش مولداً ونسباً.
4.    نتيجة لمكانة قريش الدينيّة، ونتيجة لإكرام قريش لوفود العرب التي كانت تقدّس البيت، ونتيجة لقيام قريش بسدانة البيت، كل ذلك جعل قوافلها، من دون القوافل، تسير آمنة في أرجاء الجزيرة العربيّة. كيف لا، وهذه القوافل تعود بالخير على أهل مكة، فينعكس ذلك على حجاج بيت الله الحرام. وهذا جعل علاقة قريش بباقي العرب علاقة سلميّة لا يشوبها حرب، في الوقت الذي كانت فيه الجزيرة العربيّة مشحونة بالخلافات والحروب القبليّة. إنّ هذا الوضع المتميّز لقريش يكشف لنا عن بعض أسرار جعل مكة مهبطاً للوحي على رسولٍ قرشي، فحاجز العداوة غير موجود. وأنّى لعبسٍ، مثلاً، أن تؤمن إذا كان الرسول من ذُبيان، لما كان بينهما من حروب وأضغان؟!
5.    بقيت قبائل العرب مترددة في موقفها من الإسلام، بل معادية له، حتى فُتحت مكة وأسلمت قريش. عندها رأينا كل القبائل العربيّة تُقبل على الإسلام. ويرجع هذا إلى المكانة التي كانت لقريش في نفوس العرب، والتي ترسّخت عبر القرون المتطاولة. ويعبّر القرآن الكريم عن هذه الحقيقة أبلغ تعبير، وذلك في سورة النصر:" إذا جاء نصر الله والفتح، ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً، فسبّح بحمد ربك واستغفره إنه كان تواباً ".
6.    عندما توفي الرسول، عليه السلام، ارتدّت قبائل العرب المختلفة. والملاحظ أنّ الارتداد لم يكن عن الإسلام، بل عن التابعيّة للدولة. نعم، فالعرب لم تجمعها دولة في يوم من الأيام، واستقلاليّة القبائل هي شيء راسخ. وقد تصوّر العرب أنّ تابعيتهم للرسول، عليه السلام، كانت بصفته رسولاً، ولم تكن بصفته حاكماً. ويبدو أنّهم لم يتنبّهوا إلى أنّ الرسول،عليه السلام، قد أقام دولة. لذا ظنّوا أن لا تناقض بين إيمانهم واستقلاليتهم عن صيغة الدولة الإسلاميّة الناشئة. وعزز مثل هذا الظن لديهم أنهم كانوا قبل الإسلام يجتمعون في عبادة الحج والعمرة من غير أن يمس ذلك باستقلالهم. وهم اليوم، وبعد نزول الإسلام، يمكنهم، بحسب ظنّهم، أن يبقوا مسلمين يصومون ويصلّون ويحجّون إلى مكة. ولكن لا داعي لأن يجبي منهم أبو بكر الزكاة.
ومما يدل على ما قلناه، من أنّ ردّتهم كانت عن طاعة الدولة ولم تكن عن الإسلام، الأمور الآتية:

‌أ.        مراجعة عمر بن الخطاب لأبي بكر واستنكاره قتل المسلمين، حتى قال له أبو بكر، رضي الله عنه، فيما قال: "أجبّار في الجاهليّة خوّار في الإسلام"، وقال: "والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدّونه لرسول الله لقاتلتهم عليه".
‌ب.    قول أبي بكر بأنّه سيقاتل من يُفرق بين الصلاة والزكاة. فالخلاف إذن في الزكاة والتي هي عنوان التابعيّة والالتزام بالسّلطة القائمة.
‌ج.    حتى مسيلمة الكذّاب لم ينكر رسالة الرسول، عليه السلام، بل جعل من نفسه شريكاً في الرسالة. لذا نجده يسأل أسيراً مسلماً فيقول: ماذا تقول في محمد؟ فقال الصحابي الكريم: رسول الله. قال مسيلمة: وأنا؟...وللقصة تتمّة ليس هذا مقامها.
‌د.      قال شاعر من المرتدين:
أطعنا رسول الله عشرين حِجةً        فيا لعباد الله ما لأبي بكر
أيورثها بكراً إذا مات بعده              فتلك وايم الله قاصمة الظّهر
واضح أنّ الشاعر يؤمن برسالة الرسول، عليه السلام، ولكنّه غير متصوّر لوجود دولة. ثم هو غير متصوّر أن يحل أحد مكان رسول الله، عليه السّلام . والذي يبدو لنا هنا أنّ هذا الالتباس قد جعل فريقاً من الناس يرفض الانصياع لسلطة الدولة الإسلاميّة.
اللافت أنّ قريشاً قد تصدرت الجهاد لإعادة الأمور إلى نصابها. واستطاعت أن تنهي ظاهرة التمرد العربي على سلطة الدولة الإسلاميّة، يدعمها في ذلك مجتمع الأنصار في المدينة المنورة. وقد استطاعت قيادات قريش أن تقيم دولاً عظمى بمقاييس تلك العصور؛ كدولة الخلافة الراشدة، والأمويّة، والعباسيّة. وهذا الواقع يُجلّي لنا حكمة الإسلام في جعل الخلافة ابتداءً في قريش حيث يقول الرسول، صلى الله عليه وسلّم في الحديث الصحيح الذي تعددت طرقه وصححه الألباني: "الأئمة من قريش"، فقد حسم هذا الحديث الخلاف الذي حصل في سقيفة بني ساعدة، ومنع أي مطالبات تهدد كيان الدولة الإسلاميّة الناشئة، وحافظ على استمرار وصعود واستقرار الدولة الإسلاميّة، وذلك بالتفاف الناس حول قريش، وعدم ظهور مطالبات في أرجاء الدولة الشاسعة. فلم نجد الفرس، مثلاً، يطالبون بالخلافة. حتى أنّ أبا مسلم الخراساني يُسقط الخلافة الأمويّة ولا يخطر بباله أن ينافس على السلطة، لأنّه يعلم أنّ الأئمّة من قريش. واليوم، وبعد أن أصبح الإسلام عالميّاً يعزّ على الاجتثاث، وبعد أن أصبح الانتماء إلى قريش كالانتماء إلى آدم من حيث بُعد العهد وكثرة الناس، وبعد أن لم يعد الانتساب إلى قريش يحظى بصدقيّة، فهل لا تزال القرشيّة شرطاً من شروط الخليفة المسلم؟!
المتدبر لحديث الرسول، عليه السلام،  يلاحظ أنّ هذا الشرط كان في البداية من أجل حماية كيان الدولة واستمرارها حتى  تتجاوز مرحلة الخطر. ويظهر ذلك عند التدقيق في نصوص  الأحاديث التي وردت ومنها:
"الأئمّة من قريش ما إذا حكموا عدلوا"، فالحرف (ما) يبين المدى الذي تستمر فيه خلافة قريش. ففي الوقت الذي ينحرف فيه الحكام من قريش عن مقاييس العدل الشرعيّة ينتهي شرط خلافتهم، وقد حصل ذلك في التاريخ. ويقال هذا الكلام أيضاً في فهم حديث:" الأئمّة من قريش ما إن استرحموا رحموا ".
وأما حديث:" الأئمة من قريش إذا حكموا عدلوا"، فإنّه يخلو من حرف (ما)، الذي يُبين المدى والغاية التي تنتهي إليها إمامة قريش، ولكنه يتضمن بيان العلّة التي من أجلها كانت الخلافة في قريش، وهي أنّهم إذا حكموا عدلوا. وإذا زالت العلة زال المعلول، وهذا ما حصل تاريخيّاً، فلم يعد العدل من مميّزات حكم قريش. وأوضح من هذا كله الحديث الصحيح الذي أخرجه البيهقي وجاء فيه:" ...الأئمة من قريش، ولي عليكم حق عظيم ولهم مثلهم ما فعلوا ثلاثاً؛ إذا استرحموا ورحموا، وحكموا فعدلوا، وعاهدوا فوفوا، فمن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين".
فالحكمة الربّانيّة، التي جعلت  الرسالة في العرب وفي قريش ابتداءً، تتجلى ثانياً في جعل الخلافة تستمر في قريش إلى المدى الزمني الذي تؤمن فيه المخاطر على بناء الإسلام. ومن ينظر في حرب المرتدين وكيف انتهت، وفي نشأة الدولة الإسلاميّة العظمى بعيداً عن الصراعات المحتملة بين الأمم على السلطة، يدرك بعض الحِكم التي يتضمنها  الحديث الشريف:"الأئمّة من قريش".
واليوم، وبعد أن أصبح الإسلام عالمي الإنتشار، وبعد أن فقدت قريش إمامتها المشروطة بالعدل والرحمة، لم يعد شرط القرشيّة قائماً. ونُذكّر أخيراً بأنّ العثمانيين الأتراك لم يكونوا من قريش، وعلى الرُّغم من ذلك فقد صحّت خلافتهم.  [3]

في نظام الحكم: مقال مقتبس من كتابنا: (رسائل نون)
      سعد بن معاذ زعيم من زعماء الأنصار في المدينة المنوّرة. استمع إلى مصعب بن عمير فأسلم. ثم ما لبث أن ذهب إلى قومه وقال:" كلام رجالكم ونسائكم عليّ حرام حتى تسلموا"، فما لبثوا أن أسلموا إرضاءً لسعد. وإن دلّت مثل هذه الحادثة على شيء فإنما تدل على مكانة سعد في قومه. وهذا ليس بعجيب، لأنّ العقائد الوثنيّة هشّة لا يصعب تركها، وعلى وجه الخصوص عندما يَطلُب ذلك من كان أرجحهم عقلاً، وأتمّهم أخلاقاً، وأكثرهم بذلاً، وأشدهم شجاعة. كيف لا، والزعامة والسيادة عندهم يصنعها الفرد ولا يرثها. وقد اشتهر بين العرب السؤال الآتي: "يا فلان بمَ سُدت قومَك؟!"، فالسيادة والقيادة دالّة على جوهر القائد وحقيقته. أمّا اليوم فإنّ هذا الأمر لا يفهم في بلاد العرب والمسلمين، لأنك إذا سألت حاكماً: بم سدت قومك؟! ماذا سيقول لك؟! ربما يقول: سدتهم عن طريق انقلاب عسكري. وربما يقول عن طريق التحالف مع قوى عظمى معادية لأمتي، فهي تساندني بأساطيلها وهيبتها …الخ
         إذا بحثنا عن الجوهر فسوف نجد، بلا شك، أنّ سعد بن معاذ يمثّل قومه تمثيلاً حقيقياً، وبالتالي لا داعي لشكليّات الانتخابات. بل نرى أنّ انتخابات اليوم لا تُعبرّ حقيقة عن تقديرنا ورضانا عن الحاكم الذي نختاره، فربما نختارهُ في الصباح ونشتمهُ في المساء. وما قيل في سعد يقال في عمر بن الخطاب، وأبي بكر، وعثمان، وغيرهم من كبار الصحابة. فإذا اجتمع هؤلاء في سقيفة بني ساعدة واختاروا أبا بكر خليفة لرسول الله، صلى الله عليه وسلّم، ألا يكون هذا الاختيار من قبل هؤلاء المرضيين اختياراً حقيقياً معبراً عن رضى الأمّة؟
         ابن حزم الظاهري فقيه ومجتهد أندلسي، عاش قبل ما يقارب ألف سنة. له في الفقه كتاب موسوعي هو (المُحلى). قرأنا له رأياً في اختيار الخليفة خلاصته أنّه إذا جاء زمان نستطيع فيه أن نصل كل فرد من رعايا الدولة نسأله عن رأيه عند اختيار الخليفة فيجب علينا شرعاً أن نفعل ذلك. وهذا يعني أنّ مجتهداً اشتهر بأخذ ظواهر النصوص يرى أنّ الشريعة تُوجِب مشاركة الأمّة في اختيار الخليفة. ولكنه يعلم أنّ ذلك غير ممكن في عصره، بل هو أقرب إلى الاستحالة، لذلك نجده يتخيل عصراً تتوفر فيه هذه الإمكانيّة. عندها يصبح الأمر واجباً. ومستند مثل هذا القول هو بدهيّات وأبجديّات الفقه الإسلامي. فمعلوم أنّ الخليفة يجب أن يكون مَرْضِيّاً من الأمة، ولا بد أن يكون الرضى حقيقياً جوهرياً لا شكلياً، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها. فإذا اعتذر بعض القدماء من الأجداد، عندما اقتصروا على رأي أهل الحل والعقد في اختيار الخليفة، بضعف وسائل الاتصال والقدرات التنظيميّة والإداريّة، فبماذا نعتذر نحن اليوم؟!
الرضى أساس:
         في مسألة اختيار الحاكم هناك ثابت، وهناك متغيّر؛ أمّا الثابت غير القابل للتغيير مهما اختلف الزمان فهو أن تكون الأمة راضية عن الخليفة، وأن تكون هي التي تختار، بغض النظر عن الوسيلة المعبرّة عن ذلك الاختيار. أمّا المتغيّر، فهو الوسائل التي يتم بواسطتها أخذ رأي الأمّة والتحقق من رضاها الجوهري الحقيقي. ومعلوم أنّ الوسائل القديمة لا تستطيع أن تحقق ما تحققه الوسائل المعاصرة. وقد تتطور الوسائل والخبرات بشكل أفضل مما هي عليه اليوم، فهل يجوز لنا شرعاً أن نتوقف عند وسيلة وأسلوب بعينه، بحجة أنّه كان معمولاً به عند السلف الصالح ؟!
         المطلوب الرضى الحقيقي للأمّة، ويُعبّر عنه اليوم بالاختيار الحر. ويجب علينا أن نتوسّل بالوسائل التي تجعلنا نتحقق من ذلك بنسبة 100%. ولكنّ ذلك غير ممكن، فيكون البديل عنه بذل غاية الإمكانيّة، والتي قد تكون في عصر من العصور معبّرة عن الواقع بنسبة 50 %. وفي حال تطور خبراتنا وإمكاناتنا وأساليبنا وطرائقنا بحيث تصبح معبّرة عن الواقع بنسبة 70% فلا يجوز عندها أن نلجأ إلى الأسلوب والطريقة التي تعبّر بنسبة 50% ؟! بالطبع لا يجوز ذلك، لأنّ الواجب التحقق من الرضى بنسبة 100%، والقبول بما هو أدنى نوع من التيسير، لأنّ الله تعالى لا يُكلّف نفساً إلا وسعها، ولا يكلّفها إلا ما آتاها. وعليه، فإذا تطورت وسائل الانتخاب والاختيار فيجب علينا شرعاً أن نتمسّك بالوسائل الجديدة باعتبارها الأقرب إلى تحقيق ما أوجبه الشرع. وزيادة في الإيضاح نطرح السؤال الآتي: هل يجوز لخليفة معاصر أن يقاتل بالسيف ويترك وسائل القتال المعاصرة بحجة أنّ السيف كان سلاح السلف الصالح؟‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍!  ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍
         إذا عرفنا ذلك أدركنا لماذا يَعتبر المسلمون الاختيار في عصر الراشدين اختياراً حقيقياً جوهرياً ومُرضياً، بغض النظر عن الأسلوب والشكل الذي تم فيه هذا الاختيار، والذي اختلف في بعض تفاصيله من خليفة إلى آخر. وعندما حرص معاوية بن أبي سفيان، رضي الله عنه، على تحقيق الشكل بعيداً عن الجوهر الدّال على رضى الأمة، وجدنا أنّ الأمّة، وعلى رأسها العلماء، تعتبر ذلك انحرافاً عن المبدأ. ويكفي للتدليل على ذلك أن نلفت الانتباه إلى أنّ تعبير (الخلفاء الراشدون)  يحمل في طيّاته الإدانة لنظام الخلافة بعد ذلك، لأنّه إذا كان هذا هو الراشد، فما هو حكم ذاك؟ لذلك نجد أنّ العلماء قد ألحقوا عمر بن عبد العزيز بالخلفاء الراشدين.
العصر الراشد:
         يختلف تأثّر الناس بالدين، وكذلك تختلف درجات قناعتهم ويقينهم، فهم يختلفون في علاقتهم بالدين الحق قوة وضعفا. جاء في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم:"المؤمنُ القوي خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير". وعلى ضوء درجات الناس الإيمانيّة والسلوكيّة في الدنيا تكون درجات الآخرة:"وللآخرةُ أكبرُ درجاتٍ وأكبرُ تفضيلاً" (الإسراء:21) ويندر أن تجد إنساناً في بلادنا العربيّة والإسلاميّة لم يتأثر بالدين بطريقة أو بأخرى. وهذا يعني أنّ الدين يعمل في الناس في مستويات متفاوتة، ويختلف ذلك من عصر إلى آخر، ويبقى الإنسان قاصراً عن بلوغ الكمال الإيماني والسلوكي. ولقد كانت الخلافة الراشدة صورة فريدة ومتميّزة من صور النجاح المجتمعي، إلا أنها كانت دون المستوى الذي تَحَقق في عصر الرسول، عليه السلام. وليس غريباً أن نشهد نوعاً من التراجع بعد عصر الراشدين، فهذا أمر حتمي، لأنّ مجتمع الصحابة هو المثال الذي أعطي للناس ليحتذوا به، وليكون النموذج في كل العصور. يقول الله تعالى في حق مجتمع الصحابة الكرام:"كنتم خير أمّة أخرجت للناس". (آل عمران:10) ويقول الرسول،عليه السلام، في الحديث الصحيح:" خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم". وإذا كان وعي الناس ومستوى تقدّمهم في القرون الأولى لم يصل بهم إلى الدرجة التي تعينهم على أن يحافظوا على المثال الذي قدّمه مجتمع الصحابة الكرام- وهذا أمر بدهي يرجع إلى طبائع الاجتماع الإنساني- فإنّ هذا المثال سيبقى الحجة على البشريّة، وهي ملزمة أن تسعى إلى الاقتداء به ما استطاعت.
السعي نحو المثال:
إنّ عدم القدرة على مقاربة هذا المثال الأمثل لا ينفي عن المجتمع إسلاميّته، لأنّ مجتمع الصحابة كان استثناءً قصد به أن يكون الصورة المثلى للمدينة الفاضلة التي يشتاق إليها الناس فيسعون إليها. ويتميّز عصرنا اليوم على العصور السالفة بما تحصّل من وعي وعلم وطاقات وقدرات ووسائل وخبرات، وكل ذلك يساعد على مقاربة الصورة الاجتماعيّة المثلى، فالتطوّر الهائل في النظم السياسيّة، مثلا، يجعلنا الأقدر على التعويض عن التراجع الذي حصل في عالم القيم لدى الشعوب والحكومات، فالضمانات التي يوفرها الدستور والقانون ونظم القضاء والمؤسسات المجتمعيّة والوعي الشعبي والإعلام والوسائل المتطورة، كل ذلك يساعد في جعل قيمة كالعدل، مثلاً، أمراً يفرضه الواقع بعيداً عن ذاتية الحاكم.
البيعة عقد:
         البيعة عقد بين الرعيّة والراعي، بين الشعب والحاكم، وأي عقد لا يتوفّر فيه رُكن الرضى فهو باطل. وبما أنّ السلطة في الإسلام بيد الأمّة فهي حرّة أن تشترط على الحاكم ما تشاء من الشروط ما لم تتعارض هذه الشروط مع نصوص شرعيّة صريحة. وبما أنّ الحاكم هو نائب عن الأمّة في تطبيق شرع الله فالأمّة حرّة في إنابة من تشاء لإقامة شرع الله، وهي أيضاً حرّة في إقالة هذا النائب واستبداله.
 أجمع الفقهاء على جواز أن يبقى الخليفة في خلافته مدى الحياة. وقد ظن البعض أنً ذلك يعني أنّه لا يجوز شرعاً تنصيب خليفة لمدة معلومة مشترطة. وهذا خلط عجيب، فللأمّة أن تشترط ما تشاء، بما لا يتعارض مع نص صريح. فأين النص الذي يقول بوجوب بقاء الخليفة حتى الموت أو الاستعفاء؟! وإذا كانت مسألة تحديد مدّة تنصيب الحاكم هي من ابتداع النظم الغربيّة، فإنّ الحكمة هي ضالّة المؤمن، أنّى وجدها فهو أحقُّ بها.
         ما يقال في تنصيب الخليفة لمدّة محددة مسبقاً يقال في أمور أخرى يبدعها البشر، أو تمليها عليهم ظروفهم وأوضاعهم، مثل مسألة الشورى ومتى تكون ملزمة للحاكم ومتى تكون غير ملزمة. فمعلوم أنّ مسألة الشورى الملزمة هي مسألة خلافيّة بين المذاهب الفقهيّة، مما يشير إلى أنّ هناك حالات تكون فيها الشورى ملزمة. وبالتالي يمكننا أن نحدد بالقانون الحالات التي تكون فيها الشورى ملزمة للخليفة كشرط من شروط الأمة، على اعتبار أنها صاحبة السلطة. ويمكن أيضاً تحديد صلاحيات الخليفة وتقييدها مع بقائه المقرر الأخير الذي تجب طاعته في إطار الشريعة وإطار عقد البيعة الملزم له.
الإسلام والديمقراطية:
         أدت التطورات الفكريّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة في العالم الغربي إلى تحولات سياسيّة أفرزت، فيما أفرزت، ما يسمى بالديموقراطيّة. ويثور جدل حول موقف الإسلام من هذه الديمقراطيّة. ومن يعرف حقيقة الإسلام وحقيقة الديموقراطيّة يدرك أنّ هناك نقاط اختلاف ونقاط اتفاق. ونحن هنا نوجز نقاط الاتفاق والاختلاف في الآتية:

1. في الإسلام تكون الحاكميّة العليا لله، وفي الديموقراطيّة الحاكميّة هي للشعب. ولا يُتصوّر قبول موقف الديموقراطيّة هذا في البلدان الإسلامية، إذ إنّ الغالبية الساحقة من الشعوب الإسلاميّة ترى أنّ الحاكميّة لله: "إن الحكم إلا لله..". والخلاف يرجع في حقيقته إلى التباين في الأسس الفلسفيّة والاعتقاديّة. وعلى أية حال فإنّ الشعوب الإسلاميّة باتت تحرص على أن تكون الحاكميّة لله. فإذا كانت الحاكميّة في الديمقراطيّة هي للشعب فإنّ الشعوب الإسلاميّة ترى أنّ الحاكميّة هي لله تعالى.
2. بما أنّ الحاكميّة عند المسلمين هي لله تعالى فلا بد أن تكون السيادة لشريعته. وعليه فإنّ الدستور والقانون يُستمدّان من القرآن والسنّة والإجماع والقياس. أمّا في الديموقراطيّة فإنّ السيادة هي للشعب أيضاً.
3. حتى نحكم بشريعة الله لا بد أن تُنيب الأمّة عنها سلطة تقوم بمهام الحكم؛ فسلطة تطبيق الشريعة هي للأمّة، والأمّة تنيب عنها من تشاء باختيارها. وكذلك الأمر في الديموقراطيّة فإنّ السلطة هي للأمّة، وتقوم الأمّة باختيار السلطة النائبة عنها، ويكون ذلك بالاختيار الحر. هنا يلتقي الإسلام والديموقراطيّة، فالديموقراطيّة التي تعني الاختيار الحر والنزيه هي من روح الإسلام ومقاصده. وقد يظن البعض أنّ الديموقراطيّة، بهذا المفهوم، هي من اختراع الغرب، في حين أنها من بدهيّات العقول، أي أنها من الأمور التي فطر الله الناس عليها، فالعقل البشري لا يرى مسوّغاً للأخذ برأي الأقليّة في مقابلة رأي الأكثريّة، وعلى وجه الخصوص عندما يصعب الترجيح عقليّاً بين رأي واخر 
  
مواضيع ذات صلة
في الإسلام
أساسيات في نظام الحكم في الإسلام
نظام الحكم في الاسلام
نظام الحكم في الاسلام
خصائص النظام السياسي في الاسلام
مبادئ نظام الحكم في الاسلام
مبادئ نظام الحكم في الإسلام عبد الحميد متولي
تحميل كتب عبد الكريم بكار
بحث عن نظام الحكم في الاسلام
[1]. للمتابعة:
1.       نظام الإسلام الحكم والدولة، محمد المبارك، دار الفكر، دمشق، 1974م
2.       الحكومة الإسلامية، أبو الأعلى المودودي، مطابع المختار، القاهرة، ط1، 1977م
3.       دراسات في الفكر العربي الإسلامي، محمود أبو عجمية وزملاؤه، دار الهلال، عمان، ط1، 1990م
[2]. للمتابعة:
1.       ثقافة المسلم بين الأصالة والتحديات، موسى إبراهيم، دار عمار، عمان، ط1، 1998م
2.       على طريق العودة إلى الإسلام، البوطي، مؤسسة الرسالة، دمشق، 1980م
3.       الأحكام السلطانية، الماوردي، مطبعة البابي الحلبي، ط3، 1973م
4.       أصول الدعوة، عبد الكريم زيدان، دار عمر بن الخطاب، الإسكندرية، 1976م
5.       الإسلام، سعيد حوى، دار الكتب العلمية، بيروت، ط2، 1979م
[3]. رسائل نون، بسام جرار، ص9-13، مركز نون للدرايات القرآنية، البيرة، فلسطين، ط1، 2000م
للمتابعة: (يتبع)
1.       النظام السياسي والإقتصادي في الإسلام، يوسف حامد العالم، دار القلم، بيروت، 1975م
2.       النظم الإسلامية، صبحي الصالح، دار العلم للملايين، بيروت، ط2، 1968م
3.       الثقافة الإسلامية، عزمي طه السيد وزملاؤه، دار المناهج، عمان، ط1، 1996م
4.       معالم الثقافة الإسلامية، عبد الكريم عثمان، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1982م
[4]. رسائل نون، بسام جرار، ص23-29، مركز نون للدراسات القرآنية، البيرة، فلسطين، ط1، 2000م

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق