الجمعة، 14 أبريل، 2017

التصـــور النظـــري سيميوطيقا التوتر

التصـــور النظـــري سيميوطيقا التوتر

تنبني سيميوطيقا التوتر على مجموعة من المرتكزات النظرية ، وهي على الشكل التالي:

المطلب الأول: الأبعــــاد الأساسية

التوتر هي نقطة تقاطع بين بعدين أساسين هما: الشدة (Intensivité) والمدى (extensivité). ويتضمن محور الشدة الأهواء والوجدان والانفعالات (محور الذات)، ويتسم هذا المحور بفاصل رئيس يتحدد في[ القوة/ الضعف]. في حين، يضم محور المدى كل ما يتعلق بالأشياء من عدد، وكمية، وامتداد، وتنوع، وزمان، ومكان (محور الاشياء)، ويتحدد في فاصل[ المركز/ المنتشر]. ويترابط المحوران زيادة ونقصانا. فحينما ترتفع الشدة والمدى معا يكون اتجاه التوتر مباشرا، وحينما يكون أحدهما مخالفا للآخر، كأن يكون المدى مرتفعا، أو تكون الشدة منخفضة، أو العكس صحيح أيضا، فنحن - هنا- أمام توتر معاكس أو مخالف[1].
هذا، وتعرف الشدة والمدى معا تغيرات في قوتهما ضمن سلم مستمر ومتدرج، ينطلق من قوة صفرية إلى قوة منخفضة، وقوة معتدلة، و قوة مرتفعة، وقوة قصوى (قوة غير نهائية).
ويترتب عن تداخل البعدين (الشدة /المدى) في مجال المعرفة وجود أربعة أنماط مختلفة من أنواع المعرفة:
u شدة منخفضة ومدى منخفض ( نعرف القليل عن القليل).
v شدة مرتفعة ومدى منخفض (نعرف الكثير حول القليل).
w شدة منخفضة ومدى مرتفع (نعرف القليل حول الكثير).
x شدة مرتفعة ومدى مرتفع (نعرف الكثير حول الكثير).
ونمثل لذلك بهذه الخطاطة التوضيحية:
ونمثل لذلك بهذه الخطاطة التوضيحية:
الشدة          المدى منخفض        المدى مرتفع
مرتفعة        نعرف الكثير حول القليل     نعرف الكثير حول الكثير
منخفضة      نعرف القليل عن القليل       نعرف القليل حول الكثير
فمحور القوة هو بعد ذاتي، يتضمن ماله علاقة  بالجسد أو له صلة بالذات المتلفظة المدركة. ويغير هذا المحور طاقات الصراع المتواصل الإدراكي، ويجعل الحافز أكثر أو أقل حيوية. إذ تحس الذات بشدة أقل أو أكثر، وتشعر أيضا بالسلطة والجاذبية في حضور الأشياء أو غيابها في العالم الخارجي المدرك أو العالم الداخلي الهووي. ويحيل هذا المحور على المنظور الداخلي اللغوي (المدلول أو المضمون)، في علاقة جدلية بمستوى التعبير الذي يقوم على الزمان والمكان. أما بعد المدى، فيدرك بطريقة موضوعية باستحضار المسافة، والشساعة، والزمان، والمكان، والعدد، والكم. ومن هنا، تتداخل الذات الداخلية مع الموضوع أو مع العالم الخارجي أو مع ذات أخرى.
المطلب الثاني: الأبعــــاد الفرعيـــــة
تتضمن سيميوطيقا التوتر بعدين رئيسيين هما: الشدة والمدى. وفي الوقت نفسه، تتضمن بعدين فرعيين مكملين هما: الطابع (النغمة/Tonicité) والإيقاع(السرعةTempo/) اللذين يتموقعان معا على مستوى الشدة، في علاقة تامة بفرعين آخرين: الزمان(Temporalité) والمكان (Spacialité)  اللذين يتموقعان معا على مستوى المدى. وهدف هذين البعدين هو قياس المضامين ، وتبيان درجة الشدة ومسافة المدى. ومن ثم، إذا كان محور الشدة يتحكم في محور الامتداد والمسافة تأثيرا وقوة وطاقة، فإن الإيقاع أو السرعة يتحكم بدوره في الزمانية، والنغمة تتحكم بدورها في المكانية:
البعدان الرئيسيان    الشدة  المدى         التحكــــم
البعدان الفرعيان     الإيقاع le tempo الزمانية la temporalité       يتحكم الإيقاع في الزمانية  قوة أو ضعفا
البعدان الفرعيان
        النغمة la tonicité       المكانية la spatialité   تتحكم النغمة في المكانية قوة وضعفا
-                    خطاطــــة نبــــر التوتــــر-

وعليه، يكون الإدراك حيا وحاضرا ، حينما يكون طابع النغمة قويا، فنتحدث – هنا- عن الإدراك المنغم (perception  toniqueويرمز له بعلامة (+). وحينما يكون الإدراك غائبا أو صفريا أو ضعيفا، يكون طابع النغمة ضعيفا، و يسمى بالإدراك الراكد(perception  atoneوعلامته (-).
ومن المعروف أن الشدة أو القوة تراقب السرعة والطابع التنغيمي للزمان. ومن هنا، تحيل المشاهد الحارة فضائيا على دلالة القرب، وتدل المشاهد الباردة على معنى الابتعاد. وقد يوحي الطابع أو النغمة بالرقة والخشونة والنشاز والليونة. وإذا كان محور الامتداد يحوي الزمان والمكان، فإن محور الشدة يتكون من النغمة والإيقاع.
وينتج عن الإيقاع والنغمة ، بشكل من الأشكال، ما يسمى بالانتشار الساطع أو قيم الانتشار ، فيؤدي ذلك إلى إبراز قيمة التفوق والعلو. وتشتغل الزمانية والمكانية باعتبارهما علامات مساعدة لتزكية القيم الكونية وتقويتها.
المطلب الثالث: الذات المدركة والذات المتلفظة
إذا كانت سيميوطيقا كريماص تدرس البنية السردية الكونية للخطاب سطحا وعمقا، فإن سيميوطيقا التوتر تهتم بدراسة الذات في أبعادها: الانفعالية، والإدراكية، والتلفظية، والأخلاقية. ويعني هذا أن البنيوية اللسانية موضوعية تنبني على دراسة ما هو ثابت على مستوى البنى السردية والخطابية سطحا وعمقا . في حين، تتميز سيميوطيقا التوتر بكونها مقاربة ذاتية تهتم كثيرا بالذات، ولكن في علاقة بالموضوع أو الأشياء المدركة. وبهذا، تتجاوز السيميوطيقا الذاتية عند جان كلود كوكي التي تركز على عنصر الذات دون الموضوع. وهذا ما يضعف الطرح البنيوي اللساني والسيميائي الذي يقصي من حسابه الذات والمرجع معا.
هذا، و لا يتحقق حضور الذات إلا عن طريق الجسد و الحساسية، فعبرهما تدرك الذات الموضوعات والأشياء الخارجية من أشكال، وزمان، ومكان، وعدد، وكمية. ونقصد بالذات مجمل المشاعر والأحاسيس والقيم، وهذه المشاعر - بطبيعة الحال- لها عمق وشدة وقوة وامتداد وفواصل هندسية وحدود قياسية (بين... بين).
ومن المعروف أيضا أن الذات تعبر عن المتكلم المتلفظ الذي يحضر في الخطاب عبر ملفوظات اندماجية - حسب إميل بنيفينست- ، ويتم هذا الحضور التلفظي بواسطة ضمائر التكلم والحضور في الزمان والمكان، وتوظيف مجموعة من القرائن والمؤشرات الدالة على الاندماج كضمائر التكلم ، والفعل المضارع الدال على الحضور، وضمائر التواصل(أناÙأنت)... ولا يمكن الحديث عن الذات في قوتها وامتداداتها إلا باستحضار محوري: الشدة والمدى، والنغمة والإيقاع والزمان والمكان والعدد والكم. ومن هنا، يستلزم حضور الذات طرح الأسئلة التالية: من يتكلم؟ ومن يدرك؟ وماذا يدرك؟ وكيف يدرك؟ وما مقدار ما يدرك؟
وعليه، يعتمد المستوى الظاهراتي على ربط الذات بالموضوع أو ربطها بالمقصدية، وتحديد ما يجمع الذات بالموضوع، فهل ذلك هو الخيال أو الرغبة أو التمني أو الإدراك أو الإرادة أو الرغبة...؟ إذاً، فهناك ذات تبحث عن موضوع الرغبة. ومن ثم، يدخل مبدأ التوتر الذات في مهب قوى مختلفة ومتعددة تحوله من حضور بسيط إلى حضور متعدد الوجهات والرؤى، مع وضعها في فضاء متدرج متعدد القيم. وهذا الفضاء التوتري هو الذي يحدد مواقع الذات وأوضاعها داخل فضاء توتري قد يكون معينا أو رمزيا. وعلى العموم، تمتاز الذات بكونها مركبة وإدراكية وتلفظية. لذا، تدرس هذه الذات الهووية والإدراكية والتلفظية في ترابطها مع تاريخها الشخصي والاجتماعي، ضمن بنية سيميائية مركبة. ومن هنا، يدرس حضور الذات عبر مستويات متظافرة: إدراكية، وتلفظية، وقيمية، وهووية. ومن هنا، فالذات الحاضرة في طابعها العام مزدوجة، فهي ذات مدركة للأشياء، ويسمى ما تدركه بالوقائع أو الأحداث، وذات متلفظة ، ويسمى ما تلفظه بالملفوظات.
المطلب الرابع: المنظور الداخلي والمنظور الخارجي
يمكن الحديث عن منظورين متماثلين: المنظور الداخلي والمنظور الخارجي، فالمنظور الأول يركز على المضمون واللغة الطبيعية. بينما يستند المنظور الثاني إلى التعبير والعالم الطبيعي، ويتأرجحان معا  بين سيميوطيقا الوقائع والأحداث وسيميوطيقا الملفوظ. وينتج السيميوزيس أو آثار الدلالة السيميائية عن عملية  الجمع بين المنظورين أو المحورين أو الجمع بين الدال والمدلول. ويعني هذا وجود ذات مزدوجة: ذات مدركة للأشياء وذات تتحدث عن الأشياء. ويعود الفضل في ذلك إلى جاك فونتاني الذي أدخلهما في سيميوطيقا التوتر، بعد أن استبدل الدال والمدلول بمحورين مترابطين هما:المنظور الخارجي (العالم الطبيعي والتعبير)، والمنظور الداخلي (اللغة الطبيعية والمضمون).
المطلب الخامس: الزمــــان والمكــــان
يقصد بالزمان الفترة المعاشة التي يمكن قياسها، وقد تكون مختصرة وجيزة أو ممتدة طويلة، أو قديمة أو حديثة، أو فترة مستمرة دائمة أو فترة متوقفة ومنقطعة. وتكون الزمانية على مستوى الإشعاع مخففة أو باهتة. وبالتالي، يكون الحضور إما حضور اغتراب عن الواقع أو حضور اندماج قوي. و قد يكون الزمان حيويا أو بطيئا أو طويلا، وقد يتحدد بالاتجاهات المتقابلة (قبل/ بعد). ويعني هذا أن الزمان من حيث السرعة قد يكون حيويا أو بطيئا، وقد يكون من حيث الديمومة مستغرقا أو وجيزا.
أما فيما يخص المكان، فإنه يرتبط بمحور المدى أو الامتداد، وله سمات ثلاث هي: الاتجاه، والحركة، والتموضع. ومن ثم، قد يكون الاتجاه سريعا أو بطيئا، واضحا أو غير واضح. ومن حيث التموضع، قد يكون علويا أو سفليا، أو أماميا أو خلفيا. وقد تكون الحركة سريعة أو بطيئة، قوية أو ضعيفة. و قد يكون المكان داخليا أو خارجيا من جهة، أو يكون منفتحا أو منغلقا من جهة ثانية، أو يكون مكانا للتنقل أو مكانا للاستقرار من جهة ثالثة. ويذكرنا هذا كله بشعرية كاستون باشلار (Gaston Bachlard) حول الفضاء المغلق والمنفتح أو الفضاء الحميم والفضاء العدواني.
المطلب السادس: القيـــم الكونيــة والمجـــردة
تخضع القيمة على مستوى المضمون للتحليل والتحديد والرصد، وهي نتاج تقاطع بعد الشدة مع بعد المدى. ومن ثم، فهناك قيم مجردة قائمة على التميز والفرادة والاستثناء والنقاء والصفاء، وقيم كونية مبنية على  الانتشار والتشاركية والانصهار.
وهكذا، يمكن الحديث عن نوعين من القيم : قيم مجردة هي قيم إقصائية ، وقيم كونية عامة هي قيم تشاركية . وترتبط القيم الأولى بالفرز والانتقاء (Tri) بسبب خلوها من التركيب والتعددية . ومن ثم، فهي قيم صفرية. في حين، تعرف الثانية بالخلط والانصهار (Mélange) بسبب وجود خاصية التعدد والتركيب والانقسام.
المحدد/المحددات      القيم المجردة  القيم الكونية
الزمانية        ثابتة   متلاشية
المكانية        مركزة منتشرة
وتأسيسا على ما سبق، فهناك قيم مجردة وقيم كونية تترابط انفتاحا وانغلاقا على محور الشدة، وقد تترابط انتقاء ومزجا على محور المدى. ويعني هذا أن القيم الكونية ترسخ فكرة الانفتاح والكمال بدل  الانغلاق، وترجح مبدأ التشاركية  على مبدإ الانتقاء أو الفرز. ويحيل الانفتاح على دلالة الحرية.  كما يحيل الانغلاق على دلالة التقييد. أما القيم المجردة، فيهيمن فيها الانغلاق على الانفتاح، مع هيمنة الانتقائي على المختلط. فقيمة الكراهية - مثلا- قيمة مجردة فردية مبنية على الانغلاق والانتقاء وعدم الكمال. في حين، يعد التسامح أو التفاهم قيمة كونية لأنها قيمة انفتاح وتشارك وتضامن وحرية.  ومن ثم، تتسم القيم الكونية بأنها قيم إشعاع عالمي في الزمان والمكان.
وخلاصة القول،  تتميز الأشياء على مستوى النحو التوتري بالانقسام أو عدمه ، فالانقسام الصفري هو الذي يعطينا عملية الصفاء أو النقاء، والانقسام المتعدد أو المركب هو الذي يعطينا عملية الخلط، ويتم هذا كله بطبيعة الحال بوجود الذات الحاضرة التي تدرك الأشياء ، وترصد حالاتها المتنوعة والمتغيرة. ومن ثم، يترتب عن القيم المجردة وجود قيم الانتقاء. بينما ينتج عن القيم الكونية  وجود قيم التشارك والتضامن والمحبة.

الخطاطـــة التوتريـــة

لا يمكن الحديث عن الخطاطة التوترية إلا باستحضار مجموعة من الجوانب النظرية بغية تكوين نظرة واضحة عن دور الخطاطة التوترية في بناء الدلالة أو تحصيل السيميوزيس إن مضمونا وإن تعبيرا، وهذه المبادئ هي:

المطلب الأول: محور الشدة ومحور المدى

إذا كان المربع السيميائي(le carré sémiotique) لدى غريماص هو البنية الدلالية والمنطقية المولدة للمعنى السردي:



 فإن الخطاطة التوترية (Le chema tensif) عند فونتاني وزلبيربيج هي المولدة الأساسية للدلالة الخطابية. ومن ثم، تتكون الخطاطة من محورين: محور الأفاصيل ومحور الأراتيب، ويشكلان معا معلما متعامدا في المستوى (0). أو تتكون الخطاطة من محورين مترابطين: محور أفقي يمثل المدى بين الارتفاع والانخفاض، ومحور الشدة بين الارتفاع والانخفاض. وينتج التوتر عن تقاطع المحورين معا مباشرة أو انعكاسا. كما يمثل المحور العمودي المستوى الذاتي الوجداني، ويمثل المحور الأفقي المحور المعرفي:
الشـــدة
المـــــــــدى

ويترابط المحوران ترابطا مباشرا ، حينما يكون المدى والشدة مرتفعين( أكثر...أكثر)، أو ترابطا معاكسا أو مخالفا ، حينما يكن المدى مرتفعا والشدة منخفضة (أكثر...أقل)، أو تكون الشدة مرتفعة والمدى منخفضا (أقل...أكثر)[2]:


                     الشــــــدة                                    الشـــدة

      المـــــدى                                     المــــــدى

     ترابـــــط معاكس                                ترابط مباشــــــر                                                                            

 ومن هنا، توضع القيم على المحور العمودي، مثل: الإحساس والقوة والطاقة والهوية...،  وهي قيم مجردة أو كونية، وتنتمي إلى محور الشدة . وتوضع على المحور الأفقي ما يتعلق بالمعرفي من زمان، ومكان، وعدد، وكم.  ويعني هذا أن هناك بنية كمية خارجية أفقية، وبنية عمودية قيمية وجدانية.
وعليه، يتمثل السيميوزيس التوتري في الجمع بين الشدة والمدى دالا ومدلولا. أي: إن علامة التوتر مبنية على التعالق بين محوري الشدة والمدى مضمونا وشكلا[3].وإذا كان محور الشدة هو محور الإدراك والوجدان، فإن محور المدى خاص بالمعرفي. ويعني هذا أن محور الشدة يرتبط بحالات الذات والأهواء. في حين، يتعلق محور المدى بحالات الأشياء.
محور الحساسية (الرؤية الإدراكية)

محــــور المعرفـــــي (الرؤية)

- الخطاطة التوترية لقيمة الرؤية-

ويتبين لنا من هذا أن الوجداني داخلي نابع من الذات على مستوى محور الشدة، ومرتبط بحافز خارجي على مستوى المدى. ويمكن الحديث أيضا عن الهدف المقاصدي المرتبط بالعالم على محور الشدة، والمعرفة على محور المدى. وتقترن المعرفة بالوضع، والشساعة، والامتداد، والكم .ومن هنا، فالهدف والمعرفة عمليتان مهمتان داخل الخطاب التوتري. وحين، يكون الهدف أكثر أو أقل شدة، تكون المعرفة أكثر أو أقل امتدادا. ويترتب عن هذا أن محور الشدة قائم على ماهو ذاتي وانفعالي وهووي. بينما يقوم محور المدى أو الشساعة على ماهو معرفي. بيد أن محور الشدة هو الذي يتحكم في محور المدى مراقبة وتأثيرا وتطويعا.
هذا، ويتضمن كل بعد من هذين البعدين الرئيسين (الشدة والمدى) بعدين متفرعين عنهما يتضمنان: الطابع التنغيمي (la tonicité)  الذي يرتبط بالشدة والانخفاض والارتفاع والقوة والضعف، والإيقاع (السرعة) (tempo) ، وهو مصطلح موسيقي يحيل على السرعة أو البطء في الأداء والإنجاز، والزمانية التي تحيل على الإطار الزمني للأحداث والوقائع،  والمكانية التي تشير إلى السياق المكاني لما هو وجداني ومعرفي. ومن جهة أخرى، يقترن بالشدة ما يسمى بالارتفاع والانخفاض، ويقترن بالمدى ما يسمى بالفرز (le tri) الذي يرفع العدد والتنوع، والخلط (le mélange) الذي يخفضهما معا.
هذا، وتنطلق الخطاطة التوترية من  سميوطيقا المحدود في علاقة باللامحدود، ومن سيميوطيقا الفاصل في علاقة  بمفاهيم العلاقة، وسيميوطيقا الحدث في علاقة بسيميوطيقا الحالات. كما تتضمن هذه الخطاطة مجموعة من التعارضات المتماثلة: الدال والمدلول، والشدة والمدى، والداخل والخارج، والأهواء والأشياء، والهدف والمعرفة، ومستوى المضمون ومستوى التعبير، والمستوى الإدراكي الوجداني والمستوى المعرفي السياقي، والمنظور الداخلي والمنظور الخارجي...
وللإشارة، فقد يكون الإحساس على محور الشدة بمعنى الحسي الذي يرتبط بالإدراك والرؤية والحواس، وقد يكون بمعنى الوجدان والعاطفة والانفعال، فيكون معاكسا للعقل والمنطق، وهذا ما يثبته جاك فونتاني في كتابه (سيميوطيقا الخطاب)[4]. وينضاف إلى هذا أن الإدراك يوجد على محور الشدة، ويقترن بالمنظور الخارجي. وهنا، لابد من ربط الإدراكي بالمعرفي بشكل من الأشكال.

المطلب الثاني: القيم و الأبعــــــاد

أما فيما يخص القيم والأبعاد، فالقيمة تستوجب وجود بعدين لكل ظاهرة ما: بعد الشدة وبعد المدى. وأكثر من هذا، يعد المدى بمثابة الشساعة التي توجد فيها الشدة في الزمان والمكان في علاقة بالتنوع والكم. ويعني هذا أن بعد الشدة هو قياسي، بينما بعد المدى عددي وكمي.

المطلب الثالث: قــــــوة الأبعــــــاد

يعرف المدى والشدة معا ، فيما يتعلق بقوة البعدين، تدرجا في سلم القوة، من قوة صفرية إلى قوة قصوى، قد تكون نهائية أو غير نهائية، مرورا بقوة منخفضة ومعتدلة ومرتفعة.
ومن هنا، فالخطاطة التوترية ، مقارنة  بالمربع السيميائي والبنية العاملية، عبارة عن شبكة من العلاقات والعمليات، أو هي بنية ذهنية مفاهيمية أو تمثيل بصري لهذه البنية، وهي التي تترجم لنا آثار الدلالة التوترية التي تتحكم في مختلف تجليات النص أو الخطاب.

المطلب الرابع: المقاطـــع والنواحـــي

يمكن التمييز بين مجموعة من المقاطع المختلفة والمتنوعة على سلم التوتر. فحينما يكون للبعد مسلكان : مسلك مرتفع ومسلك منخفض، فهنا ، يمكن الحديث عن أربع نواح توترية مختلفة على الشكل التالي:
الناحية الأولى: الشدة منخفضة، والمدى منخفض.
الناحية الثانية: الشدة مرتفعة، والمدى منخفض.
الناحية الثالثة: الشدة منخفضة ، والمدى مرتفع.
الناحية الرابعة: الشدة والمدى مرتفعان معا.
ولا تقتصر الخطاطة التوترية على مسلكين فقط (مرتفع ومنخفض)، بل قد  تكون هناك عدة مسالك ، مثل: القوة الصفرية، والقوة المنخفضة، والقوة المعتدلة، والقوة المرتفعة، والقوة القصوى، والقوة اللانهائية...

المــــــدى

- خطاطة المقاطع والنواحي الأربعة-

إذا أردنا الحديث عن الحب والصداقة، فيمكن الحديث، في الناحية الأولى، عن حب عاد، وصداقة عادية. وفي الناحية الثانية، نتحدث  عن حب صادق(كبير)، وصداقة عادية. وفي الناحية الثالثة ، هناك حب عاد وصداقة حقيقية خالصة (كبيرة). وفي الحالة الرابعة، هناك حب صادق، وصداقة صادقة. ويعني هذا كله أن هناك قيما إيجابية (حب صادق، وصداقة صادقة)، وقيم سلبية ( حب عاد، وصداقة عادية)، وقيم مختلفة ( حب عاد، وصداقة صادقة، وصداقة عادية، وحب صادق).

المطلب الخامس: المظاهر الديناميكية للخطاطة التوترية

يترابط بعدا الخطاطة ترابطا إما مباشرا ، حينما ترتفع الشدة ، ويرتفع المدى في الوقت نفسه( أكثر...أكثر) أو (أقل...أقل). ومن جهة أخرى، يكون الترابط معاكسا أو مخالفا، حينما ترتفع الشدة ، وينخفض المدى (أكثر...أقل)، أو تنخفض الشدة ، ويرتفع المدى(أقل...أكثر).


الترابط بين البعدين  الشدة  المدى
الترابط المباشر      مرتفعة        مرتفع
        منخفضة      منخفض
الترابط المخالف     مرتفعة        منخفض
        منخفضة      مرتفع
-                    الخطاطة الديناميكية المتعددة القوة-


                       الشدة                                        الشدة

       المـــــــدى                                       المـــــدى

      ترابط مخالف                                ترابط مباشر    








ناحية الترابط المباشر                        ناحية الترابط المعاكس

المــــــدى

- خطاطة الترابط بصيغة أخرى-

تتميز الخطاطة التوترية بكونها نتاج علاقات متعارضة على مستوى سلم القوة والامتداد. فهناك دائما تعارض بين الشدة والمدى، وتركيز على تنوع العناصر وكمها.إنها لا تكتفي بوصف العناصر المتعارضة أو ذات الارتباط المخالف التي تحيلنا على ثنائية التوازن والسيطرة، بل تحيلنا أيضا على الارتباط المباشر. ومن ثم، تنبني الخطاطة التوترية على العناصر المتعارضة أو المتقابلة من خلال بعدي: الشدة والمدى.
وعليه، تتميز الخطاطة التوترية بوجود ترابطين مختلفين: مباشر ومخالف اللذين ينتج عنهما تحويل في درجة القوة والضعف عبر محوري الخطاطة.

المطلب السادس: أنواع الخطاطات التوترية الأساسية

يمكن الحديث عن أربعة أنواع من الخطاطات التوترية الأساسية حسب درجة القوة والضعف. فهناك خطاطة صاعدة من محور المدى نحو محور الشدة، وخطاطة هابطة من محور الشدة نحو محور المدى، وخطاطة موسعة  تضع حدا فاصلا بين الشدة والمدى، وخطاطة مخففة أو مهذبة تفصل بين المدى والشدة.


- أنواع الخطاطات التوترية الأساسية-

تعبر هذه الخطاطات عن تغيرات التوازن الموجود بين الحسي( الشدة، والوجداني...)، والمعرفي( الفهم، والكمية، والشساعة...)، وقد يترتب عن هذا ارتفاع في الوجداني، وانخفاض في المعرفي، ويعني ارتفاع في الشدة ارتفاع في التوتر. في حين، يعني ارتفاع في المدى تحقيق نوع من الاسترخاء. فخطاطة الهبوط تحدث استرخاء معرفيا، وخطاطة الارتفاع تحدث توترا شعوريا، وخطاطة التوسع تحدث توترا وجدانيا، وخطاطة الاختزال أو التخفيف تحدث تفسخا عاما وجدانيا ومعرفيا.
وللتوضيح أكثر، يمتلك الإشهار قوة هووية بالغة، وطاقة وجدانية مؤثرة ، لكن امتداده الاستهلاكي ضعيف، خاصة فيما يتعلق بالملصق، وهذا نموذج للخطاط الهابطة. أما في الخطاطة الصاعدة، فنرى امتدادا ضعيفا وشدة قوية كما في الأدب، فامتداد جسد القصة في علاقته بنهاية الحبكة السردية يكون ضعيفا، بينما تكون شدة وقع النهاية مرتفعة. أما في الخطاطة الموسعة، فننتقل موسيقيا - كما في التآليف الموسيقية السمفونية- من استخدام أداة موسيقية واحدة إلى استخدام أدوات كثيرة بشدة مرتفعة. أما الخطاطة التخفيفية أو التهذيبية، فنجدها - مثلا- في الكوميديا، إذ تتخفف أزمة العقدة مع آخر المسرحية، وتصبح النهاية سعيدة.
ويمكن الجمع بين خطاطتين فأكثر ضمن نتاح سيميوطيقي معين. وحين، تتسلسل هذه الخطاطات ضمن مسار سيميائي معين يسمى بالتوتر المقنن (tensif canonique) كما في التراجيديا الفرنسية الكلاسيكية، حيث نرى خطاطة مخففة في الفصلين الرابع والخامس، وخطاطة موسعة  أثناء حدوث مشكلة وتعميمها.
ويعرف جاك فونتاني الخطاطات التوترية المقننة[5] بأنها الخطاطات المركبة التي تنتج عن وجود عدة خطاطات توترية عبر المسار التسلسلي ، حيث تتخذ صيغة معهودة ومسكوكة و معروفة بشكل مباشر،  كما يتجلى ذلك واضحا في قوانين الأجناس والأنواع التي تقودنا إلى  معرفة مسبقة بالخطاب، انسجاما مع قوانين  الخطاطات الثقافية الخاضعة لاتفاق أو إرث ناتج عن العادات والتقاليد. لذا، نسميها بالخطاطات المقننة "[6]

- نماذج من منحنيات توترية تبين علاقة الشدة بالزمان-

وعليه، فالخطاطة التوترية هي أساس بناء الدلالة التوترية بإسقاط محور الشدة على محور المدى. ويعني هذا أن سيميوزيس التوتر ناتج عن تداخل المحورين معا قوة وضعفا . ويمكن توظيف هذه الخطاطة لتشخيص مختلف العمليات التوترية المتعلقة بالشدة والمدى والنغمة والإيقاع والزمان والمكان.


[1] - Couégnas Nicolas : ) Sémiotique tensive (, dans Le Vocabulaire des études sémiotiques et sémiologiques. D. Ablali & D. Ducard (dir.), Presses universitaires de Franche-Comté et Garnier, 2009.

[2] - Claude Zilberberg :(Précis de grammaire tensive ,Tangence, Rimouski/Trois-Rivières, no 70, automne 2002, p. 111-143).
[3] -Louis Hébert :( Le schéma tensif : synthèse et propositions), Tangence, n° 79, 2005, p. 111-139.
[4] - Jacques Fontanille, Sémiotique du discours, ouvr. Cité, p. 40.
[5] - Jacques Fontanille, Sémiotique du discours, ouvr. Cité, p. 110.
[6] -  Jacques Fontanille :Sémiotique du discours, ouvr. Cité, p. 116.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق