الأربعاء، 12 أبريل، 2017

تنظيم وتحديد النسل

تنظيم وتحديد النسل




تنظيم النسل: يُقصَد به اتفاق الزوجين على تنظيم الإنجاب بما يرونه مناسباً، مستعينين بالوسائل المؤقتة لمنع الحمل؛ كحبوب منع الحمل، واللولب، أو غيره من الوسائل القديمة والحديثة. والراجح أنّ تنظيم النسل جائز شرعاً طالما أنّه يمارس بخيار الزوجين.

تحديد النسل: وله صور من أشهرها:
‌أ.        تدخّل الدولة في خصوصيّات الأسر، بحيث تفرض على الأزواج عدداً محدداً من الأولاد. ويكون ذلك عن طريق إصدار تشريعات مُلزمة، كما هو الأمر في الصين، بحيث تجبر الأسر على الاقتصار على ولد واحد أوعدد محدد.
‌ب.    اتخاذ الزوجين وسائل دائمة لمنع الحمل، كأن تقوم المرأة بعملية جراحيّة تزيل المبيض أو الرحم، أو أن يقوم الرجل بقطع الحبل المنوي.
‌ج.    اتخاذ الزوجين وسائل مؤقتة لمنع الحمل ولكن بشكل دائم. وهذه الصورة لا يجيزها الكثير من الفقهاء المعاصرين. والذي نراه أنّ هذه الصورة هي من صور تنظيم النسل وليست من صور تحديده، لأنّ الزوجين يحتفظان بخيار الإنجاب، ولا يُلحقان بنفسيهما ضرراً، ولا يوجد في الشريعة الإسلاميّة نص يوجب الإنجاب والتكاثر إلى ما لا نهاية، بل جاءت النصوص لتشجّع على الإنجاب المؤدّي إلى تكاثر المجتمع وبقائه. وأي زوجين أنجبا عدداً من الأولاد فقد حققا هذا الهدف. ومعلوم أنّ الزواج عند جمهور الفقهاء هو سُنّة مؤكدة وليس بواجب. فكيف يكون الزواج سُنّة والإنجاب فرضاً؟![1]

متى يكون الإنجاب فرضاً شرعياً؟
يكون الإنجاب فرضاً شرعياً في الحالات الآتية:
‌أ.        إصرار أحد الزوجين على حقه في أن يكون له ولد. فلا يجوز للزوج، مثلاً، أن يتزوج امرأة ثمّ يطلب منها أن لا تنجب مع رغبتها في الإنجاب. وكذلك لا يجوز للزوجة التي قبلت أن تكون زوجة أن ترفض الإنجاب مع إصرار زوجها على ذلك. أمّا عندما يكون الإنجاب متحصّلاً وفق ما هو متعارف في المجتمع ثم أصر أحد الزوجين على التوقف عن الإنجاب، لأسباب وجيهة، فينبغي أن يحدد الحكم الشرعي بعد دراسة الحالة وتحديد الحقوق لكلِّ واحد من الزوجين. ومعلوم أنّ على الزوجة أن تطيع الزوج في حدود ما يُعتبَر معروفاً في الدين.
‌ب.    عندما يكون المجتمع مهدداً بالانقراض يُصبح الإنجاب فرض عين على أفراد المجتمع. أما في الأوضاع الطبيعيّة فيعتبر الإنجاب في رأينا من فروض الكفاية. ومعلوم أنّ فرض الكفاية إذا أقامه البعض سقطت فرضيّته عن الآخرين، وإذا لم يقم به أحد أثموا جميعاً.




حكم التنظيم وحكم التحديد:
حكم تنظيم النسل:
الراجح عند العلماء أنّ تنظيم النسل جائز شرعاً طالما أنه بخيار الزوجين. وقد استدل العلماء على جواز ذلك بالأحاديث الصحيحة التي أجازت العزل، وهو طريقة قديمة لمنع الحمل، حيث يعمد الزوج إلى قذف الحيوانات المنويّة خارج الرحم. ولا تخلو هذه الطريقة من بعض الأضرار البسيطة، ومنها حرمان الزوجة من الاستفادة من الخصائص الطبيّة الفعّالة للسائل المنوي. وإليك بعض الأحاديث الصحيحة التي أجازت العزل:
جاء في صحيح البخاري عن جابر بن عبد الله قال:" كنّا نعزلُ على عهد النبي، صلى الله عليه وسلم، والقرآن ينزل".
وجاء في صحيح مسلم:" كنا نعزل على عهد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فبلغ ذلك نبي الله فلم ينهنا".
وهذا إقرار من النبي، صلى الله عليه وسلم، لفعلهم.
وجاء في صحيح البخاري أنّه عندما سُئل الرسول، صلى الله عليه وسلم، عن العزل قال:" لا عليكم أن لا تفعلوا، فإنّه ليست نسمة كتب الله أن تخرج إلا هي كائنة"، أي أنّ قدر الله غالب، وفعل الناس من قدر الله، وتمكين الناس من الوسائل العلمية من قدر الله أيضاً... الخ.
وأورد ابن القيم في زاد المعاد الحديث الصحيح الآتي: " لمّا أخبر الرسول، صلى الله عليه وسلم، أنّ اليهود تُحدّث أنّ العزل الموؤدة الصغرى قال: كذبت يهود لو أراد الله أن يخلقه ما استطعتَ أن تصرفه".
وكره بعض العلماء العزل إذا كان الدافع إليه الفقر وقلة ذات اليد. والصحيح أن لا كراهة في ذلك، لأنّ تقدير المصلحة في تنظيم النسل متروك للزوجين ما لم يرتكبا مخالفة شرعيّة. ومعلوم أنّ القرآن الكريم قد حرّم قتل الأولاد خشية الفقر، والعزل ليس من قبيل قتل الأولاد، لورود الأحاديث الصحيحة بجوازه. [2]
تنبيه:
يجب التنبّه هنا إلى أنّ ما قلناه من جواز تنظيم النسل يتعلق بخيار الزوجين، أمّا السياسات الغربيّة التي تعمل على الحد من النسل في بلاد العرب والمسلمين فهي سياسات غير بريئة تهدف إلى إبقاء المنطقة العربيّة والإسلاميّة تحت السيطرة الاستعماريّة المستغِلّة لموارد الأمة. فبلد كالعراق كان تعداده عام 1964م أربعة ملايين نسمة، وكان هذا أيضاً تعداد سكان تونس، وبعد أربعين سنة نجد أنّ عدد سكان تونس يقارب الـ 11 مليون نسمة، في حين نجد أنّ عدد سكان العراق حاليّاً يتجاوز الـ 25 مليون نسمة، وكان ممكن أن يصل عدد السكان إلى 30 مليون نسمة لولا الحروب الطاحنة من عام 1980 إلى اليوم. وهذا يعني أنّ السياسات الغربيّة قد نجحت نجاحاً مذهلاً في بلدٍ كتونس.

حكم تحديد النسل:
‌أ.        لا يجوز للدولة أن تتدخل في شؤون الأسرة، ولا يحل لها أن تفرض على الناس عدداً محدداً من الأولاد. وفي الوقت الذي تُشكل فيه الزيادة السكانيّة خطراً حقيقياً على حياة الأمة يُمكن عندها اتخاذ سياسات للحد من الزيادة السكانيّة، لأنّ ضرورة المحافظة على النفس مقدمة في الشرع على ضرورة المحافظة على النسل. ولكن هذا الافتراض غير واقعي، فبلد كالصين، وهو الأشهر في ممارسة سياسات التحديد، عندما يبلغ عدد سكانه 3.3 مليار نسمة تكون كثافته قد بلغت كثافة فلسطين. ومعلوم أنّ عدد سكانه اليوم يقارب المليار وثلث المليار فقط.
‌ب.    لا يجوز شرعاً تعمّد الإضرار بالنفس باتخاذ وسائل دائمة لمنع الحمل؛ كإزالة المبيض أو الرحم أو قطع الحبل المنوي للرجل. وفي الوقت الذي يُشكل فيه الحمل خطراً على حياة المرأة عندها يجوز تحديد النسل بالوسائل الدائمة، لأننا نقدّم ضرورة المحافظة على النفس على ضرورة المحافظة على النسل.[3]
قضية للنقاش:
§       قامت الولايات المتحدة في سنة من سنوات التسعينيات بتقديم مساعدة لمصر بقيمة 100 مليون دولار، وكانت هذه المساعدة تتمثل بموانعٍ للحمل!!

قرار المجمع الفقهي بشأن تنظيم النسل:
                   قرر مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد بالكويت عام 1409هـ الموافق 1998م الآتي:
أولاً: لا يجوز إصدار قانونٍ عام يَحدّ من حرية الزوجين في الإنجاب.
ثانياً: يحرم استئصال القدرة على الإنجاب في الرجل والمرأة، وهو ما يُعرَف بالإعقام أو التعقيم، ما لم تدع إلى ذلك الضرورة بمعاييرها الشرعيّة.
ثالثاً: يجوز التحكم المؤقت بالإنجاب – بقصد المباعدة بين فترات الحمل، أو إيقافه لمدة معينة من الزمان – إذا دعت حاجة معتبرة شرعاً بحسب تقدير الزوجين، عن تشاور بينهما وتراض، بشرط ألا يترتب على ذلك ضرر، وأن تكون الوسيلة مشروعة، وألا يكون فيها عدوان على حمل قائم.

 
مواضيع ذات صلة 
تنظيم وتحديد النسل في الاسلام
حكم تنظيم النسل
حكم تحديد النسل اسلام ويب
تحديد النسل ذكر او انثى
حكم تحديد النسل بسبب الفقر
تحديد النسل في الاسلام
دليل تحريم تحديد النسل
حكم قطع النسل
حكم تنظيم الحمل

[1]. للمنابعة:
1.       حركة تحديد النسل، أبوالأعلى المودودي، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1975م (يتبع)
2.       تحديد النسل على ضوء الكتاب والسنة، موسى محمد علي، عالم الكتب، بيروت، 1985م
[2]  للمتابعة:
1.       تنظيم النسل وموقف الشريعة الإسلامية منه، عبد الله الطريقي، مكتبة الرياض، ط2، 1990م
2.       معالم الشريعة الإسلامية، صبحي الصالح، دار العلم للملايين، بيروت، ط4، 1982م
[3] للمتابعة:
1.       القرآن والمرأة، محمود شلتوت، القاهرة، دار الطباعة المحمدية، 1960م
2.       مسألة تحديد النسل، محمد سعيد رمضان البوطي، دمشق، مكتبة الفارابي، ط4، 1988م
3.       قضية تحديد النسل في الشريعة الإسلامية، أم كلثوم خطيب، الدار السعودية، جدة، ط2، 1982م

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق