الجمعة، 14 أبريل 2017

علم النفس المعرفي في المراهقة

علم النفس المعرفي في المراهقة
        علاج المراهقة:
        لا يوجد إلا علاج واحد ووحيد للمراهقة، هو علاج لا يمنع عن الفتى والفتاة حالة القلق. العلاج المقصود هو الزمان الذي يمر بشكل طبيعي ومعه سيرورة النضوج التدريجي التي تسمح بتشكل شخصية الإنسان الراشد. لا يمكن التدخل في هذه السيرورة لا بإسراعها ولا بتبطئتها. وكل محاولة للتدخل في النضوج قد تؤدي إلى الإختلال به وقد تكون النتيجة الزج بالفرد في مهالك المرض النفسي.
        المراهقة ظاهرة ملازمة للإنسان لا محيد عنها. لكن ما لا ينبغي أن ننساه هو أن مراهق اليوم هو راشد الغد. كل مراهق سيصبح بعد بضع سنين راشدا. هذا الأمر يعرفه الآباء ربما أكثر من بعض المتخصصين في علم الإجتماع. ومخاوف عامة الناس من المراهقة والشباب ما هي نتيجة لفعل وسائل الإعلام الرخيص وغير المسؤول وكذا لتصريحات بعض المسؤولين الذين يقدمون المراهقة كمصدر للمتاعب متناسين أن كل مراهق هو في حقيقة الأمر في طريقه إلى الرشد وأن حسه الإجتماعي في طور التشكل.
        النمو الأخلاقي العاطفي:
        إن اهتمام"جان بياجي" الكبير بالجوانب الفكرية لم يمنعه من الإلتفات إلى جوانب أخرى تخص الأخلاق والعواطف، والتأكيد على أن هناك تلازما بين الجانبية، وغن كان النمو الأخلاقي/العاطفي لا يبدأ إلا انطلاقا من المرحلة ما قبل الإجرائية ( 2 –7).
        ويلاحظ أن أولى بوادر هذا النمو تتجلى في مفهوم "الإهتمام" الذي يشكل العنصر العاطفي البدائي لأنه مرتبط بالحاجة (Desire)، ومن هنا يصبح الإهتمام المبدأ الذي يقود أنشطة الطفل ويرسم في ضوء أهدافه، وهكذا يبني علاقاته مع الآخرين انطلاقا من هذا الإهتمام الذي يحقق حاجاته (قد يهتم بالأم أكثر لأنها تحقق حاجاته)، فتظهر بذلك علاقات القبول والرفض اتجاه الآخرين.
        بموازاة هذا المبدأ يبرز مبدأ آخر هو مبدأ الإحترام (Respect) مصدر ما يسميه "المشاعر الأخلاقية"، ويكفي، في هذا الصدد، أن تأتي بعض الأوامر والنواهي من أفراد نحترمهم لنعتبر ذلك واجبا ينبغي اعتباره، وهنا يظهر "الإحساس بالواجب"، وقد يترسخ عند بعض الأطفال (في هذه المرحلة)كون أن الأخلاق عي الخضوع، وأن الخير مرتبط بإرادة الوالدين. ولعل ما يطبع هذه المرحلة (2-7)، على العموم، هو ما يسميه جان بياجي "الواقعية الاخلاقية" على الرغم ما يمكن أن تخلقه هذه الأخيرة من مشاكل نفسية وسلوكية في بعض الحالات (2-7). في هذه الفترة يبدأ الطفل بالإبتعاد عن المركزية عن المركزي الذاتية، ويتجه تدريجيا نحو الآخرين خاصة وأنه في هذه المرحلة، ينفتح الطفل على علاقات أخرى خارج إطار الأسرة، مع أقران له مثلا في المدرسة، أو في الحي، أو في القرية ..، وهنا تبدأ بعض المبادئ في الظهور، من قبل "الإحترام المتبادل"، و"التعاون"، هذان الأخيران قد يؤديان إلى "الصحبة" و"الصداقة"، باعتبارهما سيرورة عاطفية اجتماعية، وإلى "الإحساس بالقاعدة"(القانون) من حيث كونه إطارا نفسيا / قيميا / أخلاقيا، وكل هذا سيساعد على تبلور مبادئ أخرى مثل: الإخلاص، والصد، والعدل، وتعني كلها عبارة عن قيم أخلاقية تؤسس لمنطق سن الثامنة، من أن يصل إلى "التوازن" وإدراك الإستقلال الشخصي، في جو من الإحترام للآخر وفي علاقته معه.
        12 ــ وما فوق:
        بهذه المبادئ وباستشعار ذلك الإستقلال الذاتي، يلج الطفل عالم المراهقة، مسلحا بوصول تفكيره إلى المرحلة الصورية، مما سيسمح له بعقلنة كل المبادئ والقيم التي اكتسبها خلال المراحل السابقة، إن تفكيره الصوري سيساعده على مراجعة بعضها، وانتقام البعض الآخر، تبعا لطبيعة الخبرات والتجارب التي سيواجهها خاصة وأنه في هذه المرحلة توضع الأسس الأخيرة "للشخصية" التي هي عبارة عن "معيار للضبط" يقوم المراهق نحو الأفضل والأمثل، ونحو ما يسميه بياجي "برنامج الحياة" الذي من خلاله يحاول المراهق الغندماج في عالم الراشدين. إن التفكير الصولاي الذي اكتسبه المراهق سيسمح له بطرح "الممكن" انطلاقا من تصوره لبرنامج حياته، الذي هو عبارة عن "مثل عليا" سيسعى من خلالها، إلى المساهمة في بناء المجتمع والتوجه نحو المستقبل، وغالبا ما يكون استشراف المستقبل مصحوبا بـ"إرادة التغيير"، أو "الإصلاح"، ومؤديا إلى إضعاف الإرتباط بالحاضر والواقع والإلتصاق بالمثل العليا، مما يجعل مشاريع سن المراهقين ينخرطون في جماعات لمناقشة هذه المثل وطرح مشاريع المستقبل، كطل ذلك يتم في بعض الأحيان، هروبا من الواقع والآني، ونشدانا للصداقة الحقة، "الحب الحقيقي"، و"العدل المطلق"، و"العلاقات الإجتماعية المثلى".
        وختاما يتضح أن الجوانب العاطفية والأخلاقية والفكرية لا تنفصم بل تتوحد لتتشكل في السلوك والعلاقات.
        Développement échieco-affech.
إعداد: ذ. عمر أزنكوط، م.ت.ج. مراكش.

3-1-النظرية العضوية: كيف تفسر المراهقة؟
لقد برز العالم الأمريكي"ستانلي هول"، في اهتمامه بفترة المراهقة ويعتبر مؤسس سيكولوجية المراهقة، فإليه يغعود الفضل في غدخال هذه المرحلة إلى مجال الدراسات النفسية المعاصرة منذ 1882، وهو اول من درس المراهقة في ذاتها دون ربط خصائصها بالوسط الإجتماعي الذي يعيش فيه المراهق.
        إن مفهوم هول عن المراهقة، لا يخلو من بعض الغموض، فدرسته لا تعدو أن تكون نوعا من الملاحظة والتحليل النظري للمراهقة في ذاتها وفي معزل عن الوسط الإجتماعي والمحيط المادي الذي يعيش فيه المراهق، فهول هو الذي اعتبر المراهقة ولادة ثانية أو ميلاد جديد للإنسان في حياته وتطوره، إن اعتبار المراهقة كمظهر نفسي للتغيرات الفيزيولوجية التي تتم في فترة البلوغ ليست بجديد يذكر، إذ نوهت الكتابات القديمة كأرسطو في عهد اليونان وجون جاك روسو في القرن 18، لكن الجديد عند هول هو اعتبارها مرحلة أزمة، فحادثة البلوغ في نظره تحدث قطيعة تامة وفجائية للمراهق عن حياة الطفولة، فالميلاد الجديد أو الولادة الثانية تعد انفصالا وقطيعة وانقلابا جذريا في حياته فالبلوغ هو السبب في إحداث هذه الازمة النفسية ويؤدي للمراهقة، وبذلك يفقد الشخص توازنه فيصعب عليه التكيف مع البيئة الإجتماعية ومادام الأمر كذلك فإن هذه الخصائص التي تتسم بها هذه المرحلة تعتبر خصائص عامة يعيشها جميع المراهقين مهما اختلفت بيئاتهم وهذا لا يعني ان نظرية هول عن المراهقة تنفي بشكل عام ومطلق أثر الثقافة على شخصية الفرد وإنما هي لا تعير لعوامل البيئة الثقافية سوى حظا قليلا، وتؤمن بأن التغيرات الملاحظة في سلوك المراهقين خلال هذه الفترة مرتبطة أساسا بالتغيرات الفيزيولوجية ذات علاقة بوظيفة الغدد، فهو يتركز في جانب كبير من نظريته على التصور الدارويني للتطور. وقد جعل من فرضية التلخيص والإستعادة أحد فروضه الهامة التي تستند إليها آراؤه، وملخص أفكار هذه النظرية أن الإنسان خلال رماحل نموه وتطوره يعيد تاريخ الجنس البشري فالطفل الصغير إلى حدود سن 14 سنة تقريبا يجتاز طورا من النمو شبيه بالمرحلة البدائية في تاريخ الإنسانية وهو أيضا قريب من الحيوان كنوع، لكن معظم المهارات الحسية الحركية في الإنسان، وهي الفترة التي كان يعمل خلالها للإرتقاء بنفسه من الحياة البدائية إلى صور وأشكال الحياة المجتمعية الأكثر تعقيدا ...
        3-1-علم النفس المعرفي في المراهقة (بياجي):
        إن بياجي لا ينكر بأن دخول الطفل مرحلة البلوغ ونضج الغريزة الجنسية يؤدي إلى اضطرابات في التوازن العام، غير أن هذه الحالة مؤقتة وهذا الإضطراب يعطي طابعا عاطفيا خاصا لهذه المرحلة على امتداد تطورها النفسي لكن المهم عند بياجي خلال هذه المرحلة هو التفكير والعاطفة الذي اتخذ منها عاملين أساسيين في تحليل ودراسة المراهقة لكونهما المؤثران الرئيسيان فيها:
        -العامل الأول: يتعلق بالتفكير: إذ في هذه المرحلة يبني المراهق أنسقة فكرية ونظريات في حين أن الطفل يبنيها انما تتواجد لديه بكيفية لا شعورية أي بشكل حسي بحسب ما يطرح عليه في الواقع المعيش، وهذا يعكس ما يحدث للمراهق الذي يصبح لديه اهتمام بمشاكل وقضايا غير راهنة وليس لها علاقة بالوقائع المعيشة في الحاضر ويكون هذا النمط من التفكير استمرارية لنمط سائد مسبق، فالإنتقال يتم بشكل تدريجي ولا يحدث هذا الإنقلاب المفاجئ إلا حوالي السنة 12، حيث يتميز التفكير بانسلاخه من الواقع وبه ينتقل الطفل من التفكير العيني أو الحسي إلىة لتفكير الشكلي أو الإفتراضي الإستنباطي. إن العمليات الذهنية الشكلية تأتي في مرحلة المراهقة لنمو التفكير بقدرة وقوة جديدة تحرره من الإرتباط بالواقع ومن المميزات القلبية لمرحلة المراهقة الأنانية، حيث يظهر إيمان المراهق بقدرته وقوته العقلية والتي يجب لمختلف الأشياء أن تخضع لها.
        -العامل الثاني: الجانب العاطفي كنتيجة لتكوين العمليات الشكلية وانتهاء ببناء التفكير، فإن الحياة العاطفية للمراهق تتعزز وتتأكد بما حققته شخصيته عن طريق الإندماج مع مجتمع الراشدين، أي الشخص مرتبط بالدور الذي يلعبه المجتمع.
        هذه هي أهم ملامح النفس المعرفي، كما يمثلها بياجي لفترة المراهقة وهي صورة تحاول ان تظهر أكثر المظهر العقلي المعرفي.
        3-نظرية التحليل النفسي وكيفية تفسيرها لمرحلة المراهقة:
        تختلف وجهة نظر التحليل النفسي مع ما سبق، إذ أن رأيها يستند إلى أن النمو عند الفرد عبارة عن نمو متواصل، وتبعا لذلك فإن الراشد تمتد جذوره إلى المراهق الذي كان عليه من قبل والمراهق تمتد جذوره إلى الطفل الذي كان عليه، فتطور القرد يتم عبر سيرورة عضوية مترابطة الحلقات. ولفهم وجهة نظر التحليل النفسي للمراهق ينبغي استحضار التصور الثلاثي للأبعاد الشخصية الذي رسمه فرويد:
        1-الهو: ممثل لمستودع الدوافع والحاجات البيولوجية. ولمنطق الذي يحكم هذا البعد هو تحقيق اللذة بصرف النظر عن أي شيء آخر يحول دون هذا التحقيق. ويظهر هذا مع الوليد الإنساني إذ يستجيب بالبكاء والصراخ لكل حاجياته متحديا كل العوائق التي تحول دون ذلك.
        2-الانا: الممثل للواقع ولمقتضياته، وهو يدخل في صراع مع رغبات الهو وحاجاته التي لا تعير الواقع ومتطلباته أي اهتمام يذكر.
        3-الأنا الأعلى: بزوغ قوة منظمة ضابطة كونتها التنشئة الإجتماعية ورسمت التربية مجالها وآفاقها ويقوم الأنا عقب بزوغ الأنا الأعلى وقيامه بدوره، بدور الوسيط بينه وبين رغبات الهو وحاجاته، وذلك بإحداث نوع من التوازن. وذلك بإشباع رغباته هو مع مراعاة تطبيق معايير السلوك التي استدخلها خلال التنشئة الإجتماعية.
        هذه بعض الأسس كمحاولة لفهم دينامية الشخصية وتفاعلاتها بمحيطها الإجتماعي خلال تكوينها وتؤكد دراسة التحليل النفسي أن عدة تغيرات تحدث على مستوى الأبعاد الثلاث المكونة للشخصية خلال فترة المراهقة نتيجة البلوغ، فالهو الذي كانت تسيطر عليه رغبات البداية فقط انضافت إليه في طور البلوغ دوافع ورغبات التناسل والتكاثر بعد ان كانت هذه الرغبات والدوافع كامنة. وهناك تغير يطرؤ على جانب الأنا الأعلى في مرحلة المراهقة وتغير ملامس بالأساس الجانب العاطفي الوظيفي إذ بحلول البلوغ تهتز أسس الأنا الاعلى نتيجة التغيرات التي تحدث في علاقة المراهق بوالديه وخاصة مع الوالد الذي يتفق معه في الجنس وذلك بإحساسه بالرغبة في الإستقلال الشخصي، ومنه يتحول من طفل هادئ مطيع إلى مراهق مشاكس إن لم نقل محارب ومصارع لأقرب الناس إليه وهم الأبوين، ويواكب هذا الوضع في الغالب اتساع العلاقات الإجتماعية للمراهق التي تتجاوز الأسرة لتشمل جماعات اخرى مما يسبب في نقل وتوزيع عواطف طارئة ذاتية بعيدا عن غطار أسرته. إذ ان هذا الصراع يعتبر ظاهرة طبيعية في نظر التحليل النفسي بين المراهق وأبويه. غذ يمر المراهق بأزمة البحث لتحقيق الهوية ورفض الذات الطفيلية محاولة منه للنمو والنضج الفكري. وفي هذا الإطار جاء المنحلل النفسي إركسون ليعزز ويضيف ما قاله فرويد الذي تأثر به كثيرا في المجال السيكولوجي وتوسيع للمراحل النفسية الجنسية وبذلك نجد إركسون يصور النظرة التي صاغها فرويد في الإطار الثلاثي الضيق (الطفل، العم،  الأب)، ليصوغ نمو الطفل في قالب واسع يشمل إطار الأسرة وإطار المجتمع بكل ثقله الثقافي والتاريخي والتراثي. وكانت معظم أبحاثه حول معرفة الهوية التي تشكل النقطة المركزية لاهتمامات المراهقين ونموهم. وقد بين أن الأزمات التي ترافق نمو الفرد وتطوره يمكن تفسيرها دائما بتحليل الأزمات التاريخية التي تميز نمو المجتمعات. كما بين أن احتكاك المراهق بالواقع المجتمعي يؤطره الظرف التاريخي الذي يعيش فيه يكسبه إمكانية تأكيد أو نفي ذاته.
        تلك هي الخطوط العامة لوجهة نظر إركسون في النمو بشكل عام وارتباطه بوجه خاص بالثقافة الإجتماعية والظروف التاريخية التي يجتازها المجتمع والتي تترك أثرها على شخصية الأفراد. ومن هنا ما يمكن الخروج به من نظرية التحليل النفسي بمختلف اتجاهاتها أنه لا يعتبر المراهقة ولادة جديدة بقدر ما هي إعادة تجديد نشاط العديد من العمليات التي تتم منذ الطفولة.
       

7-اتجاه المراهقة نحو المعارف المدرسية:
        تعيش المؤسسة المدرسية اليوم مضايقة كبيرة بفعل الثورة الإعلامية التي ادت إلى ظهور العديد من وسائل المعرفة وقنواته المختلفة.
        فالحاسوب والتلفاز وشرائط "الكاسيط"، والفيديو وغيرها أغرت وتغري أطفال اليوم وتشغل جل أوقاتهم، وقد احتل جهاز التلفاز بوجه خاص مكانة خاصة في نفوس الناشئة، بفعل ما ينقله من معلومات حية ومتنوعة عبر ساعات يومية طويلة. ولا يجادل أحد في سحر وإغراء العديد من الصور والبرامج الموجهة للصغار والكبار على السواء.
        وإذا أردنا استعارة تعبير أحد السوسيولوجيين، لقلنا إن وسائل الإعلام وخاصة التلفاز عمل على تغيير نظرتنا إلى العالم وحولته إلى قرية صغيرة، ذلك أن ما يتم في أقصى مكان على كوكب الأرض تنقله إلينا هذه الشاشة الصغيرة التي يكاد لا يخلو منها أي بيت.
        إننا في نظر بعض الباحثين ندخل عصرا جديدا، هو حضارة الصورة Lma civilisation de l’image، فالصورة ماثلة اليوم في جميع الأماكن، في السينما وفي الصحف اليومية والمجلات وعلى الجدران والألواح الإشهارية ... إلخ، ولإبراز المكانة التي تحتلها الصورة في عالم اليوم، يكفي مقارنة ما تشغله من حيز في كتب وصحف ومجلات اليوم، مع مثيلاتها منذ نصف قرن. بل إن نظرة مقارنة للكتاب المدرسي اليوم مع نظيره منذ مطلع هذا القرن يوضح لنا ان الصور تكاد تقصي على النصوص وتبلغ مكانها، وليس المهم المكانة التي تشغلها الصور في حد ذاتها أو النصوص المكتوبة، وإنما الوظيفة التي تمارسها كل منهما على المتعلم. إن الصورة تتميز بكليتها وشموليتها خلال إدراك المتعلم لها وهي تتوجه إلى مخاطبة خياله، سواء على مستوى النظر أو على مستوى السمع، وهي تؤثر على انتباهه بشكل مباشر وتسحر نظره ولا تطالبه ببذل أي جهد. إن الصور تغرق الفكر في اللحظة الراهنة، وكانما خارجها لا يوجد أي شيء آخر وتصبح تبع لذلك، علاقة المشاهد بالواقع علاقة حسية مباشرة، وكانها شبيهة بمعارف الإنسان قبل اختراع الحروف والكتابة، فهي عودة إلى عالم المعارف البدائية التي لا تتطلب أي تفكير أو تدخل للعقل حتى يقوم بإدراكها ([1]).
                إن هذه الثورة في نمط معارفنا هي ما حدا بعالم الإجتماع "ماك لوهان" Mac Luhan، إلى التأكيد بأن المراهق الذي خضع منذ طفولته إلى تأثير وسائل الإعلام، هو قطعا شخص مختلف عن سابقيه، ففضلا عن الإنسان الكوني الذي تكونه هذه الوسائل فإنها تزود، بمختلف الصفات وأخلاق الإنسان العالمي. ويذهب نفس الباحث المشار غليه، إلى انه بفضل وسائل الإعلام يمكن للتلاميذ أن يعيشوا في وسط حفل معرفي أكثر غنى من كل ما يمكن أن يقدمه لهم التعليم التقليدي، الذي لم يعد يتلاءم مع متطلبات العصر، وأصبح غير ذي جدوى في الحياة الواقعية.
        "وإنها لمسألة غاية في الإستعجال التي تنتظر المسؤولين على قطاع التربية، للوعي بالحرب المعلنة حاليا بين عالم المحسوس الذي خلقته وسائل التواصل الجمعي والعالم المدرسي المجرد الذي ما يزال يسيطر عليه ما هو مطبوع. إن قاعة الدرس غدت مسرحا للصراع من أجل البقاء، وذلك في الوقت الذي تتعرض فيه لهجوم من العالم الخارجي ومن الإغراء الذي أوجدته وسائل الإعلام الجديدة" ([2]).
        بالفعل إن طبيعة النص المكتوب والجهد الفكري الذي يتطلبه لفك رموزه يختلف عن ما تجود به الصورة من جمال ولون وأفكار تدرك في لمح البصر، إلى طابع السيولة والتغير الذي يميز هذا النوع من المعرفة.  وهذا الإختلاف بين طبيعة القناتين المعرفيتين: المدرسة ووسائل الغعلام (وخاصة التلفزة)، خلقنوعا من النفور لدى تلاميذ اليوم من كل ما هو مبرمج ومقرر في الكتب المدرسية، فهم يفضلون مشاهدة الصور’ على بذل أي جهد فكري تأملي في المقررات والبرامج الدراسية، بشكلها التقليدي الذي لا يوظف تكنولوجيا التربية ووسائلها الديداكتيكية. وأفضل مثال يوضح سيطرة الصورة وأداتها عدة وسائل، منها الشرائط (الكاسيط)، أن نوادي "الفيديو" أصبحت جد منتشرة، وأصبح الناس ينخرطون فيها ويأتون كل يوم تقريبا بشرائط لتغيييرها، عوض استعارة الكتب، كما كان عليه الحال قبل شيوع التلفاز والفيديو، كما أنه من الظواهر المألوفة اليوم ان التلاميذ يتبادلون فيما بينهم شرائط الكاسيط عوض تبادل الكتب والقصص كما كانت تفعل الأجيال السابقة.
        إن القيمة العلمية والفكرية للصورة تختلف عن القيمة العلمية المعرفية المقروءة، أو المكتوبة بشكل عان فإذا كانت الصورة تلعب دور الإعلام والأخــبار فإن المـكتوب يقوم بدور المكون، وشتان ما بين الإخبار والتكوين (Informer et former) فالجملة المكتوبة تتطلب استخدام الجهد الفكري بكل قواه وقدراته من تحليل وفهم ونقد ... إلخ، في حين أن الصورة لا تمدنا إلا بما هو جاهز ومكتمل وسطحي. كما أن المعارف التي تزودنا بها رغم اعتقادنا بانها كثيرة معارف تظل مصطنعة ولا تتغلغل إلى أعماق الواقع لاكتشاف عناصره ومحدداته.
        إن الحرب إذن بين وسائل الإعلام المتنوعة والوسائل المعرفية المعتمدة على المكتوب والمقروء تعني في نهاية الأمر حرب بين وسائل أداتها في الإغراء المحسوس بشكله وحركته وصوته، وبين وسائل اداتها التفكير الشكلي والدقة في التصور والتأمل العقلي.
        إن الخطورة في هذه المسألة بالنسبة للتلميذ تكمن- كما يلاحظ ذلك"وايلن Ouillon" و"ورجليا Origlia"- أن لغة الوسائل السمعية البصرية، هي أنسب اللغات ** لسيكولوجيا المراهق، وذلك بالنظر إلى سيطرة الجانب العاطفي والوجداني على سلوكه وتصرفاته، فالجانب الوجداني لشخصية المراهق تجعله في هذه المرحلة منفتحا على الرموز  وعلى كل ما يثير الخيال، وهو فضلا عن ذلك، منغمس بكليته في الحاضر الآني، ويجد ** بواسطة الصورة على اتصال تام بالعالم. وهذه اللغة المحسوسة تسمح له بتعبير أفضل ** بلغة الشفرات الرمزية التي تكونها الحروف التي لا تتلاءم مع حساسيته الظرفية قبل أن ** ويتقدم في مرحلة المراهقة ويكتسب أسلوب التفكير الشكلي او الإفتراضي، الإستنباطي، يسميه "بياجيه".
        بيد أن اعتماد التلميذ على هذه اللغة التواصلية الحسية قد تعرقل لديه نمو القدرة العقلية التي ينبغي أن تصل إلى اكتمال نضج أجهزتها وأدواتها خلال هذه الفترة من العمر. إن التطرق في الإعتماد على لغة الملموس والمحسوس قد يقتل لديه الرغبة في التعلم  ** الدائم إلى الإعتماد في اكتساب الخبرات على كل ما جاهز. وهذا بالضبط ما يهدد ** المدرسي، وهو جوهر المشكل الذي نعرضه، ذلك أن اللغة العقلية التي تعتبر اداة التواصل المدرسي لم تعد أمام زخم وسائل الإعلام المرئية والمسموعة- تثير لديه أي رغبة في علوم الماضي والإطلاع على الإرث الحضاري للإنسانية، وهي لإحدى المهام الرئيسية التي ** بها المدرسة.
        هذا فضلا عن أن المعارف المدرسية، بشكلها المنفر، ما تزال هي التي تمنح الشهادة والألقاب العلمية، لذلك فالتلاميذ اليوم يوجدون في موقف لا يحسدون عليه. فهم على وعي بأهمية اكتساب هذه الألقاب العلمية والحصول على هذه الشهادات التي تمنحها المدارس والمعاهد، من اجل ضمان مستقبلهم. غير أنهم في الوقت ذاته لا يطيقون بذل الجهد ** الذي يتطلبه التعلم المدرسي، الذي لا يمنح هذه الأقلاب وهذه الشهادات دون ** والأستسلام لنظامه الصارم وإيقاعه الرتيب والممل. والذي عمل على شحن الذهن بمعارف الماضي، هذا في الوقت الذي يشهد فيه العالم تطورا صناعيا وتقدما تكنولوجيا هائلا ** بموجبها مختلف الكواكب وأرسل إليها الأقمار ونتيجة ذلك إن التلميذ */* يستقبل اكتساب وتعلم قوانين الفيزياء فكرة، فكرة، ومشتتة، دونما رابطة حية تجمع بينهما، يثقل على ذهنه ولا يطيق فكره الذي يتوق إلى العيش في الحاضر والتطلع إلى المستقبل، وكفى. لذلك فإنه يفضل قراءة الحضارة الإنسانية بدء من نهايتها، والإقتصار إن امكن على الإهتمام بما يتعلق بحاضرها، وهذا على عكس ما يفرضه التعليم المدرسي الذي يحرص على نقل وترجمة الحضارة الإنسانية منذ بدايتها الأولى ([3]).
        وهكذا ظهر لدى تلاميذة اليوم نفور واضح وشديد من المدرسة ومن كل رموزها. وظهرت مفاهيم عديدة تعبر عن هذا الطلاق الذي تم عن سوء فهم المطالب الطرفين، مطالب المراهق وحاجاته من التعليم والتربية المدرسية بنظامها وقوانينها وأسلوبها التقليدي في التعلم. فهناك من عبر عن سوء الفهم هذا بعبارة "سوء التوافق الدراسي"، وهناك من أطلق عليه عبارة "الفشل الدراسي"، وهناك من أطلق عليه "الإنقطاع الدراسي"، وهناك من عبر عنه "بالتسرب المدرسي"، وهناك وهناك... إلخ. المهم انها عبارات مهما اختلفت معانيها ونوع المداخيل التي سلكتها لدراسة الظاهرة وتشخيصها، فهي كلها تعبر عن ظاهرة معيشة تجتازها المدرسة المغربية كغيرها من العديد من المدارس في العالم.
        إن على المدارس اليوم إذن، أن تعيد النظر في برامجها ومقرراتها وطرائقها البيداغوجية ووسائلها الديداكتيكية، حتى تتوفق في إثارة اهتمام المتعلمين وتعيد إليهم الثقة بأهميتها كمؤسسة اجتماعية، تهدف إلى الإدماج الإجتماعي.
        وبغير إعادة النظر هذه وتجديد أثاث هذا البيت العتيق وإعادة ترتيب محتوياته وترشيد أسلوب معاملة العاملين فيه، فإن هذا البيت يهدد بفناء نفسه بنفسه، ففي بحث عن تمثل La représentation التلاميذ للمؤسسة ودروها في حياتهم، بينت نتائج الدراسة الميدانية التي قام بها مصطفى حدية ([4])، عن خيبة امل التلاميذ في الدور الذي تلعبه المدرسة في عالم اليوم، ذلك ان 65,29% من افراد العينة المبحوثة صرحت بأن التمدرس قد تقهقر ولم يعد له أي قيمة** كانت له في الماضي، كما صرح 14,53% من أفراد العينة أن التمدرس لم تعد له فائدة ولا يحقق أي هدف، في حين أن نسبة 14,92% لم تعد تر في المدرسة سوى وسيلة للحصول على الثقافة.
        كما بين ما نسبته 11,56% أن المدرسة وتعليمها لا يحقق العمل للخريجين. كما أكدت نسبة 20,89% على وجود صراع قائم بين المدرسين والتلاميذ، في حين أشارت فقط نسبة 41,41% من التلاميذ إلى اهمية المدرسة وقيمتها في المجتمع، وبعلل هؤلاء سبب ** اهمنية المدرسة في نظرهم بعدم جدوى المعارف التي تقدمها وعدم ارتباطها المباشر ** الحياة المجتمعية الواقعية، أو على حد تعبير احدهم "لا تقوى سوى دروسا لاجتياز الإمتحان".
        إن هذا الإتجاه السلبي الذي نجده لدى عينة هذا البحث نحو المدرسة ونحو ** برامجها ومقرراتها الدراسية يتفق مع النتائج التي وصلنا إليها في بحث سابق حول المراهقين المتمدرسين نحو بعض الموضوعات، ومن جملتها اتجاههم نحو المدرسة ** فالتلاميذ على وعي كبير بواقعهم وحاجاتهم وهم ليسوا غير مبالين او متخاذلين وإنما ** قيمة المعرفة العلمية وحاجاتهم إليها، لتطوير مجتمعهم وتحقيق الشروط الضرورية ووجودهم، في عالم اقتصادي مستهلك لا يرحم.
        لذلك فرفض التلاميذ للمردسة ولبرامجها ومقرراتهاليس رفضا لذاته، وعنما *  لتعليم يفني فيه هؤلاء الشباب زهرة شبابهم، ومع ذلك لا يتيح لهم في نهاية المطاف الإندماج في الحياة المجتمعية والإقتصادية لبلادهم. إن التعليم النظري التجريدي الذي ** مدارسنا على مدى عدة سنوات أثبت فشله في تحقيق غايات الفرد وغايات المجتمع ** فنحن "بحاجة إلى مدارس ذات تعليم يجمع بين النظر والتطبيق، مدارس يحيا فيها ويعمل ليحس بوجوده في العمل وبقيمته في الإنتاج ... عن تعليمنا لم يعد مناسبا لهذا العصر واوضاعه الجديدة، لهذا نجد أن الشباب والمراهقين غير راضين عنه، لأنهم ** تعليما كهذا تعليم عقيم".

9-المراهق والأدقاء وزملاء الدراسة:
        لقد ألهمت علاقة الصداقة التي تتم بين المراهقين العديد من الشعراء الذين تغنوا بجمالها وروعتها، كما أن العديد من كتاب القصص والروايات اتخذ منها موضوعا للوصف والتحليل الدقيق. وذلك قبل مجيء علم النفس لتحليل هذه العلاقة والإهتمام بها من الوجهة العلمية.
        إن الصداقة بين المراهقين تلعب دروا هاما في حياتهم ونموهم ونضجهم النفسي والإجتماعي، فهذه العلاقة تتيح للمراهق رؤية ذاته من خلال منظار الغير وفي ذلك تلاحظ "بياكنازازو" B.Zazzo "أن الوعي بالذات يتم التعبير عنه ببذل جهد للتمييز عن الأقران" فالإحساس بالذات والوعي بها يتبلور أكثر ويكتسب مختلف أبعاده عن طريق علاقة المراهق بغيره.
        ويلاحظ ان المراهقين والمراهقات يعطون أهمية بالغة للصداقة خلال هذه الفترة من حياتهم. وكثيرا ما تمتد علاقات صداقاتهم بالغير في هذه الفترة إلى سن الرشد وما بعده. فالمراهق لا يفهمه إلى مراهق مثله، يعاني ما يعانيه. لهذا فإنه عندما يشتد اليأس بأحدهم وتسود الدنيا في عينيه، فكثيرا ما لا يلجأ سوى إلى صديق حميم يفهمه ويواسيه، وكثيرا ما نسمع بقصص تكاد تكون خيالية يتحمل فيها المراهقون الكثير من الشدائد والتضحيات من اجل مساعدة أحدهم، وإذا كان علم النفس يعتبر ربط الصداقة بالغير حاجة من الحاجات الأساسية لنضج الشخصية وسواءها، فإن هذه الحاجة تشتد وتقوى خلال فترة المراهقة، فالمراهفون يولون أهمية قصوى لكسب صداقة أقرانهم، لما تلعبه هذه الصداقة من ادوار في حياتهم، وفضلا عن الوظائف التي تقوم بها هذه الصداقة خلال تبادل المعلومات وطلب المشورة والنصيحة والسند في أوقات عسيرة، فإن المراهق لا يستغني عن ما يقوم به الصديق من عكس المكانة وتحديد الصورة وقيمة الشخصية.
        ومما يلاحظ، أن المراهقين عادة شديدي الولاء، والمحبة والتقدير لبعضهم البعض، أن الواحد منهم سرعان ما يتأثر بالآخر، والتقدير والولاء لجماعة الأقران بهذه الكيفية الشديدة  جعلت بعض الباحثين يذهبون إلى القول بأن المجتمع المعاصر يشهد انتقال السلطة من الآباء إلى جماعات المراهقين. ففي هذه الجماعة أصبح المراهقون يكتسبون العديد من القيم والإتجاهات وأساليب التفكير ومقاييس الحكم على مختلف الموضوعات. ولشدة وقوة هذه الجماعات ومكانتها في نفسية المراهقين، فإننا نشهد أحيانا مواجهة بعض المراهقين لآبائهم بالرفض لبعض المسائل في حين لا يجرؤون على مواجهة أفراد جماعتهم بمثل ذلك.
        وخطورة تأثير جماعة الأقران في أفرادها مسألة ذات اهمية، في الحالة التي يكون معظم أفراد هذه الجماعة أو تلك  لا يتوفرون على المعلومات العلمية أو السليمة عن مختلف الموضوعات التي تتم مناقشتها فيما بينهم، إذ من شان الأخذ بأفكار غير صحيحة أن يؤثر بالسلب على شخصية المراهق، وتتغلب معظم المجتمعات المتقدمة على الوجه السلبي لجماعة الأقران بتخصيص نوادي ودور للثقافة لإيواء الشباب والمراهقين تحت تأطير مربين دورهم المساعدة على التنشيط التربوي. وبذلك يجنبون المراهقين الإختلاط المشبوه السلبي المتبادل فيما بينهم.
        أما عن اختيار الصديق في مرحلة المراهقة، فإنه لا يتم بنفس المعايير التي يتم رفيق اللعب في الطفولة أو اختيار رفيق الطريق، فالذي يبحث عنه الرماهق احيانا هو الصديق الذي يصدقه القول أو النصيحة ويبرز محاسنه ومساوئه. وقد يكون المراهق أحيانا ** بأنه من الصعب اكتساب شخص مخلص، خارج أفراد الأسرة، بيد أن ولاء ** استنفذ منه جهدا كبيرا ورغبته وطموحه في الإستقلال عن الاسرة، يجعله يحاول فك كل القيود التي ربطته ردحا من الزمان بالأسرة. باحثا عن مجالات جديدة وأشخاص ** خارج أفراد الأسرة، كمصدر من مصادر الوشائج العاطفية الجديدة.
        وفيما يتعلق بصفات الصديق الحق لدى الجنسين من المراهقين قام و"ادلسون" Douvant et Adelson بدراسة استطلاعية في هذا الموضوع استخدم فيها المراهقين في المجتمع الأمريكي تتراوح أعمارهم ما بين 14 و16 سنة. وقد دلت ** على وجود اختلافات. فالمراهقون بحاجة إلى جماعة ليشكلوا في مجموعة وقوة، وعن طريق هذه الجبهة والتكتل يستطيع المراهق أن يحل العديد من مشاكل بتأكيد الذات وتدعيم النزعة إلى الإستقلال.
        أما المراهقات فإنهن يحتجن إلى عدد قليل من الصديقات الحميميات ممن يمكن بهن في بعض الأمور المستعصية والتغلب على المعاناة وحل بعض المشاكل ذات *-*الجنسية، كما يتخذن وسيلة لضبط وإشباع بعض البواعث والدوافع.
        كما أكدت نتائج هذه الدراسة أيضا أن المراهقات يرغبن أن تتخلى صديقاتهن: والصدق وأن يكن جديرات بالثقة ويشكلن مصدرا من المصادر التي يمكن الإعتماد *** الحاجة إلى السند والدعم. أما المراهقون فهم يرغبون في أصدقاء يتحلون بالعلاقات ذات المشاعر الدافئة. كما أن المراهقين بحاجة إلى الأصدقاء الذين يلقون منهم والمساندة خلال العرض لقهر السلطة الوالدية.
        وقد دلت نتائج الدراسة الميدانية التي أجريناها (أوزي 1986) أن 82% من المتمدرسين يعتبرون الصديق الحق هو ذلك الذي يتحلى بالمشاعر الإجتماعية اللائقة *** أجاب 82% من المفحوصين بما يلي:"أشعر أن الصديق الحق هو الذي يشارك في البأساء والضراء" وقد حدد بعض المراهقين ما هو مطلوب من الصديق تجاه صديقه، وهو **.
        أما الأفراد الذين يفضل المراهق التعامل معهم، فإن الإستجابة على الجمل التالية تقيس ذلك وهي:
        1-"عملي أنا أكثر انسجاما مع ...".
        2-"إن هؤلاء الذين أدرس معهم...".
        3-"عندما لا أكون بين أصدقائي ...".
        4-"الزملاء الذين يدرسون معي عادة ..".
        وكانت الإستجابات عليها كما يلي:
        "عملي أنا أكثر انسجاما مع من هم في مستواي". وذلك بنسبة 76%.
        "إن هؤلاء الذين أدرس معهم معظمهم طيبين" وذلك بنسبة 59,6%.
        "عندما لا أكون بين أصدقائي لا يطلب لهم الحديث" 56%.
        "الزملاء الذين يدرسون معي عادة لا يفهمون أفكاري" 33,5%.
        4-العلاقة مراهق / مدرس:
        يجمع المدرس في شخصه بين المعرفة والسلطة، ويوجد في نفس الوقت في ملتقى الأب الذي قد يكون موضع إعجاب الطفل أو موضع كراهيته، فنظرة الطفل إذن إلى المدرس ليست بريئة وإنما يسقط عليها نوع العلاقة أو الإتجاه الذي يكنه لشخص ** لهذا فإن الممارسة البيداغوجية للمدرس قد تختلط بخيال الطفل وإبهاماته، ومن ثمة ** عملية التعليم، تعلم مؤسسة على سيكولوجية جد معقدة.
        ويعتبر المدرس وسيلة في تحقيق أهدافها وعن طريقة بواسطته يتم التأثير التلميذ.
        والواقع أن العلاقة مدرس تلميذ ثلاثة جوانب متداخلة متداخلة فيما بينها ومتبادلة ** والتأثر، فالمدرس يتفاعل مع التلميذ في مجال تربوي يمثله الفصل الدراسي، والفصل الدراسي بدوره يدخل في تفاعل واسع مع المؤسسة المدرسية بكل مكوناتها ونظامها، ثم إن ** المدرس بالتلميذ من جهة ثانية، تتم انطلاقا من ميثاق مشترك يربطهما وهو ** والمقرات الدراسية التي يسير المدرس على هديها في علاقته بالتلميذ، ومن جهة ثالثة، ** علاقة المدرس بالتلميذ ليست علاقة ثنائية وإنما يأثر الخطاب المتبادل بينهما بمجال ** الدراسي الذي يشغله عدد كبير من التلاميذ يحسب يحسب لهم حسابه، في عملية التواصل والتفاعل التربوي، وسنحاول خلال الصفحات المقبلة المقبلة تحليل بعض هذه الجوانب.
        وفيما يخص علاقة التلميذ بالمدرس فإن هناك عدة دراسات ميدانية تناولت بالوصف والتحليل هذه العلاقة ركز معظمها على الخصائص والصفات التي يرغب التلميذ توفرها في المدرس. فقد قام "بييرطاب" P.Tap يبحث حول "الصورة المثالية للأستاذ" محللا ** أوضحت التخصصات الدراسية على هذا البحث أن المراهقين ينتظرون من المدرس التفهم قبل كل شيء. وهذا الأمر ينطبق على تلاميذ التعليم الثانوي أكثر ما ينطبق على تلاميذ التعليم الإعدادي. أما تلاميذ التعليم المهني، فإنهم ينتظرون من المدرس قبل كل شيء، أن يمنحهم تعليما جيدا، وأن يحيطهم بالحب والإهتمام، وترغب الإناث من المراهفات أن تكون للمدرس سلطة وهيبة ووقار في القسم *** فإنها صفة مرغوبة لدى ** معا من التلميذ، الذكور والإناث، ولدى النوعين معا من التلاميذ سواء الذين  يتابعون ** العام او التعليم المهني.
        وفي بحث آخر قام به "فيلدمان" Veldman (1963) لتحديد خمسة صفات تجعل ** ناجحا في عيون التلاميذ، وكانت عينة البحث مكونة من 500 تلميذ تبلغ أعمارهم ما بين **
أ-أن يكون المدرس شخصا محبوبا ومشجعا.
ب-أن يعرف كيف يمزج الإهتمام والرغبة في الدراسة.
ج-أن يعرف كيف يجمع بين الطاعة والسلطة.
د-أن يتقن جيدا مادة تخصصه.
هـ-أن يتحلى في معاملته للتلاميذ بالديموقراطية.
وقد توصل "وايتي" Witty (1964) إلى نفس النتائج باستخدام منهج مخالف للمنهج الذي استخدم "فيلدمان". فقد طلب من التلاميذ عن طريق الكتابة الإنشائية تحديد الأستاذ الناجح في نظرهم. فكانت معظم الإجابات تشير إلى أن المدرس الناجح والكف، هو الذي يملك اتجاها نحو التلاميذ يتحلى فيه بالصبر ويقوم بتشجيعهم والتحلي بالمواساة في معاملتهم. والقدرة على الإدماج مع التلاميذ (المرونة، اتساع الإهتمام ..) وأخيرا إتقان مهنته على افضل وجه.
وفي بحث آخر قام به "جراسو" Grasso، حدد في التلاميذ جملة من الصفات التي يرغبون توفرها لدى المدرس. نذكرها بحسب الأهمية لديهم:
أ-التفهم.
ب-التسامح.
ج-الموضوعية.
د-الإنسانية.
هـ-الثقافة.
و-الحزم.
ي-المعرفة السيكولوجية للتلاميذ.
إن الطفل من طبيعته حساس بالظلم ومدرك للامساواة وقد يزداد لديه في مرحلة المراهقة، حيث تتقوى قواه الإدراكية وتنضج، لهذا فإن جميع المبحوثين من التلاميذ المراهقين يؤكدون على صفة الديموقراطية والمساواة في معاملته التلاميذ كصفة أساسية ينبغي ** كما أكد معظمهم على صفة تواصل المدرسين مع تلاميذهم والإقتراب منهم لفهمهم ومساعدتهم بقدر  الإمكان على حل مشاكلهم. ولعل هذا ينشدها التلاميذ المراهقين مهما كانت بيئتهم وواقعهم السوسيو-ثقافي والإقتصادي البحث الذي قام به مصطفى حدية حول التنشئة الإجتماعية في الوسط القروي. أكد بحثه أن 65,83% من المراهقين المتمدرسين يرون أن المدرسين لا يبذلون أي جهد أو ** المشاكل الشخصية التي يعاني منها تلامذتهم، هذا في الوقت الذي يرى فيه ** المراهقين في الوسط القروي أحوج ما يكونون إلى ذلك أكثر من غيرهم من المراهقين واقعهم الأسري، بالمقارنة مع نظيرهم في الوسط الحضري، ومع ذلك فإن المدرسين لا ** بتكوين شخصية المتعلمين ونضجها، بقدر ما يهتمون بالتحصيل المعرفي لهم، فدور ** ينحصر في نقل المعلومات وغكمال المقررات، ودونما تكليف المدرسين لأنفسهم بالحبث ملاءمة ما يقدمونه للتلاميذ من معلومات لوسطهم البيئي ولحاجاتهم الأساسية.
وبالفعل فإن من مظاهر أزمة نظامنا التعليمي، طغيان الطابع "المدرسي"، ** عليه، المتمثل في الحفظ والغسترجاع وفي اهتمام المدرسين بإنجاز المقررات، وطغيان الشكلية في التدريس، واعتماد أسلوب الإلقاء والكتاب المدرسي ذو البعد المعرفي والثابت، واتجاه كل الأنشطة التعليمية إلى هدف واحد وهو الإمتحان.
ومن الصعوبة بمكان في نظامنا التعليمي كهذا، الإهتمام بشخصية المتعلم وبحاجاتها المتعلم وبحاجاتها ** على أن ما يؤخذ على بعض البحوث الميدانية التي تناولت علاقة التلميذ ** وجهة نظر التلاميذ، هون ان معظم هذه البحوث اعتمدت على تقييم التلاميذ لمدرسيها ما يقدمه لهم المدرسون من خدمات تتعلق بجنسهم وسنهم وبمستواهم السوسيواقتصادي غير أن هناك بحوثا أخرى اكتشفت عاملا آخر له تأثير على طبيعة إدراك التلميذ ** وهو "الرأي الجماعي" فالفكرة السائدة عن مدرس ما في القسم تشكل إدراك التلاميذ، ومن ثمة تبلور اتجاها معينا نحوه.
وهكذا ياتي تقييم التلاميذ لمدرسيهم كنتيجة لتأثير مشترك لحاجات القسم ** التلاميذ ونوع الإستجابة التي يبديها المدرس نحوها.
وحول اتجاهات المراهقين المتمدرسين نحو المدرسين، فإن نتائج البحث الميداني ** الإتجاهات النفسية-الإجتماعية للتلاميذ تؤكد ميل المراهقين إلى استنادهم وحبهم ** يتمنون "ربط العلاقات معهم"، فقد بينت استجابات المراهقين لاختيار تفهم الموضوع أن بعض التلاميذ الذين فقدوا  الأب أو الأب موجود وله تأثير ضعيف عليهم، أسقطوا على الصورة المخصصة لإدراك صورة الأب، ادركوا فيها صورة المدرس عوض الأب (البطاقة 7). فقد أدركوا في البطاقة صورة مدرس يحاور تلميذه ويوجهه توجيها في أذهان التلاميذ، الذين شكلوا عينة البحث. فالمدرس في بعض الحالات بديل الاب المفقود، وأنه الشخص الكفء الذي يحل محل الأب غير الواعي.
اما نتائج استخدام اختبار تكملة الجمل (وهو اختبار إسقاطي) فقد بينت ردورها الخلو من الإضطراب في العلاقة بالأساتذة، فقد بلغت النسبة لذلك 62,25% أي أن حوالي الثلثين من المفحوصين الذين كان عددهم 200 قد اكملوا الجمل الناقصة المخصصة للغتجاه نحو الأساتذة بما يفيد تقديرهم واحترامهم وتمنيهم أن يصبحوا في مراتبهم العلمية والمعرفية. فالمراهقون المبحوثون يشعرون بقيمة الأستاذ المقتدر الذي يحظى بكل إعجاب وتقدير لديهم. فعن الجملة "في المدرسة المدرسون الذين يدرسون لي .." أجاب حوالي % 55.5 من المراهقين بما معناه "أحترمهم وأتمنى الوصول إلى مرتبتهم وثقافتهم".
من خلال هذه النتائج يتضح لنا ما ينتظره التلاميذ من مدرسيهم من خصائص وصفات، فهم يحبذون المدرس الذي لا يقتصر في عمله المهني على نقل المعارف وإيصالها إليهم، وإنما ينتظرون منه أيضا النزول إلى عالمهم الوجداني لفهم مشاكلهم، ومعاناتهم، كما أنهم يجمعون على ضرورة تحلي المدرس بمبدأ الديموقراطية في التعامل معهم وعدم التجرد من العطف والحنان في معاملتهم. ومن خلال هذا كله يبدو وجليا وجود المدرس في موقع جد حساس لا يحسد عليه. إذ التلميذ المراهق في هذه المرحلة العصيبة من حياته ينتظر من المدرس أكثر من غيره، فهم معاناته ومشاكله، فإذا صادف الجفو واللامبالاة، فإنه قد يستجيب له بالتحدي والصراع، ومن هنا نفسر أسباب عدول وانقطاع كثير من التلاميذ في هذه السن، على متابعة دراستهم بسبب سوء العلاقة بينهم وبين مدرسيهم.
إن مساهمة المدرسين في مرحلة المراهقة في عملية بناء شخصية المراهق ونضجها وتوفير إياه فرص التعبير عن مشاكله وقضاياه التدريب على أعباء تحمل المسؤولية يظل مطلبا وحاجة من أهم المطالب والحاجات في هذه المرحلة من النمو.
4-المراهق والقيم:
يرى عدد كبير من السيكولوجيين المعاصرين أن موضوع القيم ونموها يعتبر من بين أهم الموضوعات في المجال النفسي للمراهقين، لهذا فإن القيم التي يتبناها المراهق تفسر العديد من مظاهر سلوكه في هذه المرحلة.
ويؤكد عدد من الباحثين من أمثال "برجي" Breger (1962) و"كوناب" Konokap (1973) و"شووب" Schoeppe (1974) وغيرهم أن نسق القيم أو نظامه يتشكل في هذه المرحلة ويبدأ هذا النظام القيمي  الكشف عن نفسه خلال مرحلة الدراسة الثانوية، كما لاحظ ** أن القيم تتطور خلال فترة المراهقة، وأن الأحكام الأخلاقية تعرف تغيرات هامة في هذه المرحلة بسبب التغيرات التي يعرفها الجهاز المعفري لديه Système congnitif.
كما يرى "سينجر" Singer (1954) و"ستيفلر" Stefeler (1954) و"بيرون" Peron (1973) أن القيم المرتبطة بالشغل واختيار نوعه تخضع بدورها في مرحلة المراهقة للتغيير وذلك لارتباطها بنمو الميل المهني والنضج المتعلق بها.
كما كشفت العديد من الأبحاث أن القيم من اهم الوسائل المميزة، من الوجهة النفسية للإختلافات القائمة احيانا بين جماعات المراهقين، فتجعلهم يقتربون فيما بينهم أو يتباعدون، سواء لدى جماعات الذكور أو الإناث من المراهقين.
وهكذا، فإن نتائج العديد من الدراسات الميدانية اكدت ان مفهوم القيم من المفاهيم الهامة في تحديد المظاهر البنيوية والتكوينية في شخصيات المراهقين، وخاصة منهم المراهقين التلاميذ والطلاب.
إن المكتسبات المعرفية للمراهق المتمدرس تساهم بقسط وافر في إعادة النظر في العديد من الأمور، تلك المتعلقة باتجاهاته وميوله ومعتقداته أو تلك التي ترجع إلى الحياة والظروف التي تسود مجتمعه أو تجري أو تجري فيه، مما يدفعه إلى تكوين صور جديدة قد يتقبلها أو يرفضها.
إن تفاعل المعلومات والخبرات التي يكتسبها المراهق تؤدي إذن رؤية للعالم، مختلفة عن رؤيته له وهو طفل. ففي هذه الفترة يصبح له اتجاه معين نحو الأسرة ونحو الأمور السياسية والدينية، والتشريعية وغير ذلك من القضايا والمسائل التي يتفاعل معها خلال حياته اليومية. وتقوم التي يتبناها بدور توجيه وتحديد اختياراته ومواقفه، في كل المسائل التي تعرض عليه.

مواضيع ذات صلة
 
مواضيع ذات صلة
علم النفس المعرفي في المراهقة
مشكلات مرحلة المراهقة
مرحلة المراهقة
مرحلة المراهقة عند البنات
بحث عن المراهقة
المراهقة والحب
خصائص المراهقة
تعريف المراهقة
المراهقة في الاسلام



[1] - إننا نستلهم هنا ما حلله Ouillon وOriglia في كتابهما المشار إليه سابقا، ص 219 وما بعدها.
[2] - "ماك لوهان "Mac Luhan" عن المرجع السابق، ص 219.
[3] - D. Origilia et H Ouillon, Op cit, P 22.
[4] - Dr El Mostafa Haddya : Processus de la socialisation en milieu Urbain au Maroc, Publication de FLSH. Rabat. 1991. PERSONNE 37-49.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق