الأربعاء، 12 أبريل، 2017

غير المسلمين في المجتمع الإسلامي

غير المسلمين في المجتمع الإسلامي




إنّ الموقف من غير المسلمين في المجتمع الإسلامي هو جزء لا يتجزأ من الشريعة الإسلاميّة. واللافت للانتباه أنّ الإسلام قد حرص من أول يوم على تنظيم العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين في المجتمع الإسلامي، مما يعني أنه يعترف بالآخر في مستوى العلاقات الدنيوية. ولم يقتصر الأمر على الاعتراف، بل تعدّاه إلى الحماية، في عصر كان فيه اضطهاد الآخر من المباحات، بل من الواجبات. وأية مقارنة تُعقد اليوم بين السلوك الإسلامي مع غير المسلمين، وسلوك غير المسلمين مع المخالفين عبر التاريخ تبرهن على أنّ الانضباط الإسلامي يرجع في حقيقته إلى النصوص الواضحة في القرآن الكريم والسنّة النبويّة، بل إنّ الشذوذ كان يصدر عن مواقف غير ملتزمة بقيم الإسلام.
في الوقت الذي حدد فيه الإسلام القواعد والمبادئ الأساسيّة، على مستوى العقيدة والتشريع، وجدناه يترك للإنسان مساحة كبيرة للاجتهاد، مما أضفى مرونة على موقف المسلم وحركته في التاريخ. من هنا نجد أنّ موقف الكثير من فقهاء المسلمين يتأثر بالأجواء التي تسود بين المسلمين وغيرهم، فطبول الحرب لا بد أن تؤثّر في منحى الاجتهاد البشري. فمن الصعب، مثلاً، تقبّل الوجود اليهودي هذه الأيام في المجتمعات المسلمة، على اعتبار أنّه عدو لا يؤمن جانبه. وهذا الموقف يتناقض مع موقف المسلمين في الأندلس، نظراً لاختلاف الملابسات التاريخيّة. وفي الوقت الذي نبدو فيه اليوم أكثر مرونة وتسامحاً في التعامل مع الآخرين، إلا أننا نجد أنفسنا عاجزين عن التسامح مع جرائم اليهود وعدوانيتهم، بل إنّ دعوات التسامح اليوم تثير الشكوك والرّيبة. ويصح مثل هذا القول في حق الأمريكيين الذين يرتكبون الجرائم والفظائع صباح مساء. من هنا يتوقّع أن يتشدد المسلمون في مواقفهم ووجهات نظرهم من الأمريكيين البروتستانت على مدى عقود، بل ربما قرون.
عندما يكون موقف أي أمّة من الآخر مستنداً إلى فكرها وفلسفتها فإنّ هذا يجعل المسألة تتراوح بين التعصب المقيت، كما هو في بعض العقائد والأمم، وبين التسامح الإيجابي، كما هو في الإسلام، بل إنّ من أساسيّات الاعتقاد الإسلامي أنَّ النّاس هم أخوة في الأصل، وهم متساوون في الكرامة. وفي الوقت الذي يحدد فيه الإسلام موقفه بوضوح من الفلسفات والتشريعات الأخرى نجده يعتبر جميع البشر أخوة في الإنسانيّة، ويعتبرالاختلاف القائم على الأساس العرقي والقومي مدعاة إلى التعارف والتآلف:"يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم…" (الحجرات:13).
وفي الوقت الذي يرفض فيه الإسلام النفاق العقدي والمهادنة الفكريّة نجده يحرص على حريّة الاعتقاد، بل ويضع التشريعات التي تنظم علاقة المسلم بالذين يخالفونه في فكره واعتقاده، مما يجعل وجود الآخر في المجتمع هو من مألوفات المسلم، ومن بدهيات وجوده الإجتماعي. وبمثل هذا التصوّر، وبمثل هذه الفلسفة، نكون قد أوجدنا صمّام الأمان، لأنّ الخلاف العقدي والفكري هو من أهم أسباب العداء والصراع بين الأمم، بل إنّ الاختلاف في الفكرة قد يفسد العلاقة ما بين الزوج وزوجته والأب وابنه والأخ وأخيه.
لقد ميّز القرآن الكريم بوضوح بين المخالفة في الدين والعقيدة وبين العداء، أي أنّ المخالف في العقيدة لا يُعتبر عدواً، يقول سبحانه وتعالى في سورة الممتحنة:"لا ينهاكم اللهُ عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يُخرجوكم من دياركم أن تَبرّوهم وتقسطوا إليهم، إنّ الله يحب المقسطين" (الممتحنة:8). بل لقد شدد القرآن الكريم على ضرورة التزام أحسن الوسائل في الحوار الفكري:"ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن" (العنكبوت:46). وأكد على وجوب الوفاء بالعهود والمواثيق، حتى عندما يتعلق الأمر بنصرة الموافقين لنا في العقيدة:"وإن استنصروكم في الدين فعليكم النّصر، إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق" (الأنفال:72).
أهل الذمة تعبير لا يروق للبعض لأسباب لا تهمنا هنا، ولكن من واجبنا أن نُبيّن مفهومه عند المسلمين. ولتقريب المعنى نقول: في المعاملات الماليّة يَثبتُ الدَّين في ذمة المدين، أي أنّ المدين مسؤول عن إرجاع الدَّين حتى عندما يتلف مال الدين من غير تقصير منه. في حين أنّ المال الذي هو أمانة لا يثبت في الذمة وبالتالي لا يُلزم الأمين بإرجاع المال الذي تلف من غير تقصير. وعليه نقول: تميل الأكثريات في المجتمعات البشريّة إلى اضطهاد الأقليات أو هضم حقوقها أو الاستعلاء عليها أو الاستهانة بها وبحقوقها. وهذا مرض يصيب المجتمعات إلى درجة أنه قد أصبح ظاهرة طبيعيّة، بل لقد تحوّل التسامح في نظر البعض إلى مرض. من هنا يأتي مفهوم أهل الذمة ليرسّخ في ضمير المسلم أنّ حقوق الأقليّة مطلوبة من ذمة الأكثريّة، بل إنّ الأكثريّة ملزمة بحماية الأقليّة. وعليه لا يكفي أن تكف الأكثريّة أذاها عن الأقليّة، بل يجب عليها أن تتحقق من إقامة العدل مع الأقليات التي تخالف في الدين والعقيدة. وقد يقول البعض: إنّ وجود مفهوم أهل الذمة يعزز الفرقة في المجتمع الواحد، فكان الأولى السكوت عنه!! في الحقيقة إنّ هذا هروب من مواجهة الإشكاليّة، ومثاليّة يكذبها الواقع، وتفريط بحقوق الأقليات. ولا تلام الشريعة الإسلاميّة لأنّها واجهت الواقع ورفضت أن تترك الأمور لأمزجة البشر وتسامحهم الموهوم، ولا تلام لأنّها جعلت المساواة من أساسيّاتها.
يُطلق تعبير أهل الذمة على غير المسلمين الذين يقيمون في المجتمع الإسلامي ويحملون جنسية الدولة الإسلاميّة. جاء في الموسوعة الفقهيّة:"أهل الذمة هم المعاهدون من اليهود والنصارى وغيرهم ممن يقيم في دار الإسلام.."[1]، ولأهل الذمة ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين. وقد اشتهر قول الخليفة علي بن أبي طالب كقاعدة مستمدة من الشريعة عندما قال:" لهم ما لنا وعليهم ما علينا". ويتّضح مما سبق أنّ الذمة عقد مُلزم للمسلمين ولغيرهم في المجتمع الإسلامي، وهو عقد مؤبّد. جاء في الموسوعة الفقهيّة:"يشترط في عقد الذمّة التأبيد، فإنْ وُقِّتَ الصلحُ لم يصح العقد، لأنّ عقد الذمة بالنسبة لعصمة الإنسان في ماله ونفسه بديل عن الإسلام، والإسلام مؤبّد، فكذا بديله، وهو عقد الذمّة، وهذا شرط متفقٌ عليه… وعقد الذمة عقد مؤبّد لا يملك المسلمون نقضه ما دام الطرف الآخر ملتزماً به"[2]. وهنا يثور سؤال: متى يُعتبر عقد الذمة منقوضاً من قبل غير المسلم؟ اختلف العلماء في هذا، ويعجبنا هنا قول الحنفيّة من المذاهب المشهورة:"ينتقض عقد الذّمّة بأحد أمور ثلاثة وهي: أن يُسلم الذمّي، أو يلحق بدار الحرب، أو يَغْلِب الذّمّيون على موضع فيحاربوننا"[3].
بالنظر إلى إمكانيّة أن تقوم الأكثريّة بظلم الأقليّة كان لا بد من التشديد على حقوق الأقليات في المجتمع الإسلامي، ومن هنا كان تشريع أحكام أهل الذّمّة، والذين هم أهل عهد وميثاق يلتزم به المسلمون التزامهم بدينهم. وإليك بعض الأحاديث الشريفة المتعلّقة بذلك والمشتهرة بين المسلمين:
"من قتل رجلاً من أهل الذّمّة لم يجد ريح الجنّة…"[4].
"من قتل معاهداً لم يَرح ريح الجنّة…."[5] .
"ألا من ظلم معاهداً، أو انتقصه، او كلّفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفس، فأنا حجيجه يوم القيامة"[6].
"اتقوا دعوة المظلوم وإن كان كافراً، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب"[7].
إنّ اشتهار مثل هذه الأحاديث النبويّة الشريفة يساعد كثيراً في تقبّل الآخر، مما يساعد على إقامة مجتمع يتساوى فيه الناس، وتتضافر فيه الجهود. أمّا المراهنة على مجرد التثقيف والوعي فلا يكفي، بل إنّ التجارب البشريّة تثبت بأنّ العقيدة الدينيّة هي أساس التعصب أو التسامح. والتجربتان اليوغسلافيّة والايرلنديّة لا تزالان ماثلتين للعيان. ثم إنّ واقع المسلمين المتراجع في بلد كفرنسا، مثلاً، يهدم مزاعم المجتمعات الديمقراطيّة، والتي أهملت دورها في غرس وتعميق الشعور الديني المتسامح. فالمشكلة ليست في وجود أديان مختلفة، بل تكمن المشكلة في قصور بعض الأديان والفلسفات وعدم تصدّيها لمعالجة العوارض السلبية لظاهرة الاختلاف. وبما أنّ الاختلاف في العقيدة والفلسفة والدين أمر حتمي فكان لا بد من الارتكاز على المبادئ الدينيّة في تقريب وجهات النظر. من هنا نجد أنّ الإسلام قد بيّن لأتباعه أنّ وجود الآخر أمر حتمي، لأنّ الله لم يرد أن يجعل الناس أمّة واحدة، وكذلك لم يرد، سبحانه وتعالى، أن يجعل البشر مخلوقات مجبرة لا خيار لها ولا حريّة. بل إنّ العقيدة الدينيّة لا يمكن الإكراه فيها، يقول تعالى:"لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي"[8].
جاء في كتاب الرسول، عليه السلام، إلى أهل اليمن:"… ومن كان على يهوديّته أو نصرانيّته فإنّه لا يُفتن عنها…"[9]، "وقد أجمع فقهاء الإسلام على أنّ قتل الذمي من كبائر المحرّمات"[10]، وبذلك يكون الإسلام قد جعل وجود الآخر من حقائق المجتمع المسلم.
الجزية: اسم يتمنى البعض أن يزول من الذاكرة، ويبدو أنّهم يفضلون كلمة ضريبة على اعتبار أنّ ضريبة على وزن فعيلة بمعنى مفعولة، أي مضروبة بالقوة والجبروت، فلا مجال للتهاون في جبايتها، بل إنّ أخذها بسطوة هو من أهم أركانها في الدولة المعاصرة والقديمة. أما جزية فهي كلمة خجولة لأنّها مأخوذة من الجزاء، وهذا يشير إلى الوظيفة التي تقوم بها الدولة فتستحق على أساسها الجزاء المناسب. ويبدو أنّ الجزية تقابل الزكاة، إلا أنّ الزكاة فريضة دينيّة قبل أن تكون واجب الفرد تجاه الدولة. ولا نظن أنّ غير المسلم يرغب في أن تُفرض عليه الزكاة أسوة بالمسلمين، لما للزكاة من دلالة دينيّة، أما الجزية فذات دلالة دنيويّة بعيدة عن الحسابات العقديّة. وعلى الرغم من أنّ كلمة الجزية ذات جرس لطيف ودلالة مؤنسة، إلا أنّها التزام إجباري من قِبل غير المسلم تجاه الدولة ذات السيادة والتي تقوم بواجباتها تجاه المواطن. من هنا فإنّ الجزية رمز للخضوع لسلطة الدولة المستمدة من قيامها بواجبها. فهي جزاء لا يجوز أن يفهم على أنه مِنّة، بل جزاء تفرضه سطوة القيام بالواجب من قبل الدولة. ويبدو أنّ هذا هو المقصود بالصّغار في قوله تعالى:"حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون"[11]. وكلمة صاغرون تجعل دلالة كلمة جزية تشبه دلالة كلمة ضريبة، إلا أنّ كلمة ضريبة لا تشير من قريب أو بعيد إلى مسؤولية الدولة، بل تشير فقط إلى خضوع المواطن دافع الضرائب.
كون الجزية ضريبة تُفرض على غير المسلم، فإنّ ذلك قد يجعل لكلمة (صاغرون) دلالات سلبية في نفوس غير المسلمين. وقد جاء في التاريخ أنّ قبيلة تغلب، وهم من نصارى الشام، قد شعروا بأنّ في الجزية شيئاً من الذِّلة، فطلبوا من عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، أنّ يدفعوا الزكاة بدلاً من الجزية، فوافقهم عمر، رضي الله عنه، على ذلك. وهذا يعني أنّ الدولة المعاصرة بإمكانها أن تُوَحِّد الجزية والزكاة في الجانب الدنيوي؛ فتأخذ الزكاة من المسلم وتأخذ النسبة نفسها من غير المسلم، فتكون للمسلم عبادة ولغير المسلم التزاماً ضريبياً تجاه الدولة.

لماذا الخليفة مسلم؟!
لا تكون الدولة إسلاميّة حتى يستند دستورها وقانونها إلى الإسلام، ويعتبر رأس الدولة (الخليفة) حارساً للدستور والقانون. وعليه يشترط في الخليفة أن يكون مسلماً، وهذا موقف واضح وصريح، وهو من أساسيات نظام الحكم في الإسلام. ونرى أنّ ذلك من البدهيات، إذ لا يُعقل أن يكون رأس الدولة متنكّراً لمبادئ الدستور. أما في الدول العلمانيّة فيمكن نظرياً أن يتبوّأ هذا المنصب أي مواطن تتوافر فيه الشروط، بغض النظر عن دينه ومعتقده. أمّا من الناحية العمليّة فيغلب أن يدين رأس الدولة بدين الأكثريّة على الرغم من أنّ الدين لا دخل له بالدولة. والأمثلة على ذلك كثيرة؛ ففي الولايات المتحدة لم يكن الرئيس يوماً إلا مسيحيّاً بروتستانتياًً، إلا الرئيس كندي، الذي تم اغتياله، فقد كان الكاثوليكي الوحيد بين الرؤساء الأمريكيين. وما يقال في حق أمريكا يقال أيضاً في حق بريطانيا وفرنسا والغالبيّة الساحقة من الدول الغربيّة. وعلى أية حال فهذا أمر منطقي ومقبول في المجتمعات التي تجعل للدين أهميّة في حياتها. ولكن من غير المنطقي ومن غير المقبول أن يكون ذلك ظاهراً في المجتمعات التي أقصت الدين عن الحياة وتغنّت بالعلمانيّة!!
نقرأ في كتب الفقه الإسلامي تفصيلات عن حكم تولي غير المسلم لمنصب الوزارة، مما يعني أنّ المجتمع الإسلامي كان يقبل أن يتبوّأ غير المسلم أعلى المناصب، وذلك في الوقت الذي لم يكن فيه العالم يتقبّل وجود المخالفين في الدين والاعتقاد. وقد تولى غير المسلمين مناصب وزاريّة في أكثر من دولة إسلاميّة وفي أكثر من عصر. واليوم لم يعد منصب الوزارة في الدولة المعاصرة يُطلِق يد الوزير، كما في العصور السابقة، فقد تطوّرت أنظمة الرقابة وتمّ الحد من صلاحيات الوزراء، وغَلب الأسلوب الجماعي على أنظمة الحكم المعاصرة. من هنا يمكن أن يختلف اليوم الموقف من تولي غير المسلمين للمناصب العليا في الدولة الإسلاميّة، وهذا طبعاً إذا كانت السلطة بيد الأمة. أمّا عندما يكون النظام دكتاتورياً فالمصلحة تقتضي مقاومة أي توجه لتنصيب غير المسلمين في مناصب عليا وحسّاسة، حتى لا تُستغل المناصب في ترويج الأفكار والسلوكيّات المناهضة لفكر الأمة وقيمها.

ماذا عن الزواج والردّة؟
يبيح الإسلام للمسلم أن يتزوّج اليهوديّة والنصرانيّة ولا يبيح له أن يتزوج الوثنيّة أو الهندوسيّة أو البوذيّة… في المقابل لا يُبيح الإسلام للمسلمة أن تتزوج من غير المسلم، وهذا أمر من خصوصيات المسلم الدينيّة ولا يخص غير المسلمين. ولو كان الدين المسيحي، مثلاً، ينص على حرمة الزواج من غير المسيحي لما وجد المسلم في ذلك غضاضة، لأنّ المسألة تتعلق بالاعتقاد الديني، وليس الأمر من قبيل التصوّرات البشريّة. والمسلم غير مُخيّر دينياً في هذا الأمر، وليست المسألة من المسائل الاجتهادية. وما يقال في الزواج يقال في الرّدّة، فليست المسألة أيضاً مسألة اجتهاديّة، وهي تتعلق بالمسلم فقط ولا تخص غير المسلم، ولذلك فلسفة لا مجال لبسطها هنا. ومن المفارقات في عصرنا هذا أنْ نجد قانون الردّة غير معمول به في دول مسلمة تُحكم بالدكتاتوريّات، في حين نجد أنّ الدول التي تمارس الانتخابات الحرة، كالباكستان مثلاً، تتبنى قانون الردة. ويرجع ذلك إلى أنّ قانون الردّة يُقصد به حماية كيان المجتمع. والمراقب لواقع المجتمعات الإسلاميّة المعاصرة يدرك أنّ قانون الردّة هو أشد إلحاحاً، وعلى وجه الخصوص في المجتمعات الإسلاميّة غير العربيّة، نظراً لتخلف هذه المجتمعات وفقرها، ونظراً لجهلها باللغة العربيّة، ونظراً لامكانيّة ممارسة غسل الأدمغة من قبل القوى الغربيّة المستعمرة، والتي تستغل جهل وحاجة الشعوب في الدول الأقل تقدّماً. وقد لوحظ في هذا العصر أنّ المجتمعات العربيّة أشدّ تحصيناً في هذا الجانب من المجتمعات الإسلاميّة غير العربية. ويبدو أنّ السبب الرئيس لذلك هو كون اللغة العربيّة هي لغة القرآن الكريم والسّنة الشريفة.

ماذا عن القانون؟
الإسلام دين شامل يمس كل جوانب الحياة. من هنا نجد أنّ التشريع الإسلامي هو أساس القانون في الدولة الإسلاميّة. ويتميّز هذا القانون بأنّه يأخذ بعين الاعتبار خُصوصِيّات الأديان الأخرى في الأمور التي تمس أساسيات الاعتقاد فيها. والأصل أنْ يسري القانون في الدولة الإسلاميّة على الجميع، كما هو الشأن في الكثير من الدول المعاصرة، إلا أنّه يتميّز، كما قلنا، بمراعاة الأساسيات الاعتقاديّة للآخرين. فالدولة العلمانيّة المعاصرة لا تقيم وزناً لاعتقاد المسلم أو اليهودي أو المسيحي...، وتفترض أنّ الدين مجرد علاقة بين العبد والرب. وقد يصح ذلك في حق المسيحيّة إلى حد بعيد، على اعتبار أنها تَعْتَبر الدين علاقة بين العبد والرب، ولكن كيف يصح ذلك في حق الإسلام الذي يتميّز بالشمول فيُشَرِّع لكل صغيرة وكبيرة من أمور الحياة.
إنّ القانون الإسلامي هو أقرب إلى روح المسيحيّة واليهوديّة من القانون العلماني. وإذا لم يكن لدى المسيحي أو اليهودي المسوّغ لرفض قوانين العلمانيات، فما مسوّغه في رفض القانون الإسلامي الأقرب إلى جوهره.
نعم إنّ الإسلام يُحرّم الخمر ويحارب انتشاره، وقد سبق لدولة علمانيّة كالولايات المتحدة أن منعت الخمر لسنوات ليقينها بأنّ للخمر أضراراً ومساوئ فاحشة. وعلى الرغم من ذلك فإنّ الدولة الإسلاميّة قد أخذت بعين الاعتبار مكانة الخمر عند أهل الكتاب، لذا لم تكن تعاقب غير المسلم في حالة شربه للخمر،. وبالتالي يمكن لغير المسلم أن يقتني الخمر ولكن ليس بإمكانه أن يُسوّقه لعامّة الناس. في مثل هذه الحالة ما الذي يمنع أن لا يكون هناك مساواة في قانون العقوبات، فنعاقب على ما يمس المصلحة العامة ولا نعاقب على ما هو من الخصوصيات الدينيّة. بل ينبغي أن يكون ذلك في كل قانون يسعى إلى العدالة، إذ لا يمكن لأي قانون أن يساوي بين الناس من غير مراعاة للظروف والملابسات.
تُحرّم بعض المذاهب الفقهيّة الإسلاميّة قتل المسلم عندما يقتل شخصاً غير مسلم، في المقابل هناك من المذاهب من يقول بقتل المسلم إذا قتل ذميّاً. وتعارض الأقوال هذا يدل على موضوعيّة الفقهاء وبعدهم عن التعصب. فهم يجعلون النص الشرعي الأساس الذي تقوم عليه أحكامهم. وقد ذهب الأحناف في هذه المسألة إلى قتل القاتل المسلم إذا قتل ذمّياً، وذهبوا أيضاً إلى أنّ ديَة الذّمي هي كدِيَة المسلم[12].
عندما نقارن موقف المسلمين من غير المسلمين، في المجتمع الإسلامي، بموقف الأمم الأخرى عبر القرون المختلفة، نجد أنّ المجتمع الإسلامي قد تميّز بموقفه الإيجابي،. ويرجع ذلك حصراً إلى التوجه الديني المستند إلى القرآن والسّنّة. إلا أنّ مثل هذه المقارنة غير مقبولة إسلامياً، لأننا نقيس الأمور من حيث قربها أو بعدها عن المبادئ الإسلاميّة المستمدة من القرآن والسنّة. وإذا قمنا بتطبيق هذه المقاييس نجد أنّ العصور الأولى كانت هي الأقرب إلى روح الإسلام في تعاملها مع المخالفين في العقيدة. ولم يكن التاريخ الإسلامي نموذجياً في كل مراحله، فقد كان للصراع بين المسلمين وغير المسلمين انعكاساته على اجتهادات العلماء في فهم النصوص وتأويلها، بل إنّ بعض النصوص المنسوبة إلى الخلفاء الأوائل لم تظهر إلا في مراحل متأخرة عن العصور الأولى. يقول الدكتور صبحي الصالح في مقدمة كتاب (أحكام أهل الذّمة) لابن القيم:"إنّ المؤرخين الذين أسهبوا في مواد هذا العهد وتفصيلاته_يقصد العُهدة العمريّة_، ولا سيما في موضوع الغيار وإلزام الذميين بالزنّار، كانوا من المتأخرين، فما عَرَض قط لأزياء الذميّين ابن جرير الطّبري، ولا البلاذري، من أئمة التاريخ المتقدّمين، بل من العجب أنّ عهد عمر بصورته التقليديّة ظل مجهولاً خلال القرن الهجري الأول، ولم يبدأ ظهوره إلا في أواخر القرن الثاني".
نعم، تحدّث العلماء المسلمون عن تميّز أهل الذّمّة بملابس خاصة، وهذا من قبيل السياسة الشرعيّة، أي أنّ الشرع تركها لتقدير المصلحة العامّة، وقد يدعو إلى مثل ذلك أمور كثيرة، ولكن لا ننسى أنّ التميّز في اللباس كان يرتبط قديماً بالدين. من هنا نجد أنّ الذّميين، بشكل عام، كانوا يتمسّكون بملابسهم ولا يرغبون في تقليد المسلمين المخالفين لهم في العقيدة. في المقابل كنا نجد أنّ المسلم، في بعض العصور، يعتبر زيّه خصوصيّة دينيّة، وبالتالي يستفزه تقليد الآخرين له. ولتقريب الفكرة نقول: ماذا لو لبس اليوم رجال الدين المسيحي لباس شيوخ المسلمين المتمثل بالجُبّة والعمامة البيضاء، ألا يُعد ذلك عندها تعدّياً واستفزازاً؟! واليوم لم تعد هذه المسألة مطروحة، لأنّها كانت من إفراز واقع معين، ولا علاقة لها بمبادئ الدين.
جاء في كتاب الحريّات العامّة في الدولة الإسلاميّة: "للإنسان في الدولة الإسلامية، أيّاً كان مذهبه وجنسيته، حقوق ثابتة في العيش الكريم… يملك حق الاختيار في أن يؤمن بأهداف الدولة والأسس التي قامت عليها… أو أن يرفض ذلك. فإن آمن بها كان مسلماً…وإن اختار الرفض فهو مجبر من أجل اكتساب حقوق المواطنة أن يوالي الدولة ويعترف بشرعيتها فلا يتهدد نظامها العام"[13].
وقبل أن نختم قد يكون من المناسب الاستشهاد بأقوال المؤرخ الأمريكي درابر:"إنّ المسلمين الأولين في زمن الخلفاء لم يقتصروا في معاملة أهل العلم من النصارى… ومن اليهود على مجرد الاحترام، بل فوّضوا لهم كثيراً من الأعمال الجسام ورقّوهم إلى المناصب في الدولة… واستوزر عدد من الخلفاء عدداً من اليهود والنصارى"[14].
إنّ الزعم بأنّ إقصاء الدين عن الحياة وقيادة المجتمع يساعد في توحيد ولاءات الناس ويجعلهم شعباً واحداً متجانساً هو زعم غير واقعي بل يزيد المشكلة تعقيداً.

 ويجدر أخيراً ملاحظة الآتي:
1.    الدين أصيل في النفس البشريّة وبالتالي لا مجال لطمس نزعة التدين في هذه النفس. وإنّ إخفاق الماركسيّة في القرن العشرين عزز من صِدقيّة هذه المقولة.
2.     في الوقت الذي نفقد فيه الدين يفقد كل شئ معناه، ولا يعود هناك مسوّغ للحياة ولا للقيم والمبادئ الأخلاقيّة. بل إنّ الدعوة للمساواة بين البشر تصبح من الدعاوى الفارغة التي لا تقوم على أساس واقعي.
3.     عندما نوظّف مبادئ الدين السامية من أجل التقارب بين الأمم والشعوب نكون قد ارتكزنا على أساس متين.
4.     إذا لم يختلف الناس على أساس من الدين فسوف يختلفون على أسس أخرى يصنعها البشر، وعندها سنفقد الضوابط التي تضبط الجميع، وسنفقد السيطرة على كل شئ.
5.     الاعتراف بواقع التعدد، وبضرورة التعايش وإيجاد الصيغ الملائمة لذلك، هو الحل الأمثل. أما المثاليات فستبقى الهدف الذي يسعى إليه الناس في محاولاتهم لإقامة واقع أفضل. 

 مواضيع ذات صلة


حقوق اهل الذمة
المقصود بغير المسلم
حقوق غير المسلم على المسلم
حقوق غير المسلمين في بلاد الإسلام
حقوق غير المسلمين في الدولة الإسلامية
هل يقام الحد على غير المسلم
كيفية التعامل مع غير المسلمين
نحنُ والحضارة الغربيّة




[1]. الموسوعة الفقهية الكويتية،ج15،صفحة163،164.
[2]. المرجع السابق ، ج15 ،صفحة 165.
[3]. المرجع السابق ، ج15 ، صفحة 166.
[4]. سنن النسائي،كتاب القسامة، الحديث 4668.
[5]. البخاري، كتاب الجزية والموادعة، الحديث ،2930.
[6]. سنن أبي داود، كتاب الخراج والإمارة ، الحديث 2654.
[7]. مسند أحمد ، الحديث 1291.
[8]. سورة البقرة ، الآية 256.
[9]. الأموال لأبي عبيد ، صفحة 31.
[10]. معاملة غير المسلمين في الدولة الإسلامية ، إبراهيم عيسى ، صفحة 119.
[11]. سورة التوبة ، الآية 29.
[12]. الموسوعة الفقهية ،ج 7 صفحة 144، ج 3  صفحة 263
[13]. الحريات العامة في الدولة الإسلامية : راشد الغنوشي ، صفحة290.
[14]. الحريات العامة في الدولة الإسلامية: راشد الغنوشي ، صفحة 292.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق