الخميس، 13 أبريل، 2017

تطور الدراسات المستقبلية ومفهومها.

تطور الدراسات المستقبلية ومفهومها.
اهتمام الإنسان بالمستقبل ليس بالأمر الطارئ عليه، وليست ظاهرة حديثة، فالإنسان منذ أن وُجِد على هذه الأرض وهو يبحث عن مصيره، ويتحثث مستقبله؛ فالإنسان البدائي ـ وهو يبحث عن ذلك ـ بحث عن القوى الخارقة التي تتحكم فيه واعتقد فيها بأنها من تسيطر عليه وتحدد مستقبله، فلجأ إلى قوى الطبيعة وعبدها، بل قدم إليها القرابين، وتوقف نمط حياته على فهم الدورة الطبيعية التي تُكوّن الليل والنهار، والفصول الأربعة، والحياة والموت، وكانت نظرته إلى المستقبل نظرة الخوف والترقب من أهوال وغضب الطبيعة عليه، وكان المستقبل لديه بالغ الغموض، يتراوح بين التفاؤل والتشاؤم، وحين بدأ يبحث عن أدوات يستكشف بها هذا المصير المجهول لجأ إلى النبوءات والمذاهب والسحر والأساطير وأيضًا الفلسفة ـ بعد ذلك ـ القائمة على أسئلة تأملية في وجوده ومستقبله، لا تؤدي به إلى إجابات لكن تقوده إلى دورة وسلسلة أخرى من الأسئلة التأملية، التي قامت عليها فروع العلم بعد ذلك، والذي كان أساس كل ذلك هو الخوف من الموت والمصير المجهول، ثم استخدم بعد ذلك الوسائل المنطقية للتنبؤ بالمستقبل لمعرفة حركة النجوم والفياضانات وتقلبات الطقس، وهيمَن الكهنة ورجال الدين والعرّافون على تلك الأدوات، ثم شاع الفكر الفلسفي والذي بدأ يبحث عن العوامل التي تتحكم في المستقبل، واستخدام الحدس والفراسة والتأمل والخيال في رسم صور المستقبل، ومع التطور العسكري والثورة الصناعية، وتزايد سرعة التغير، وحدة المنافسة؛ بدأ الإنسان يتسابق باستخدام الأدوات العلمية وتسخير إمكاناته التكنولوجية، مثل: الأساليب الرياضية والإحصائية والاستقراء والاستكشاف لتحديد العوامل التي ثؤثر في شكل المستقبل، ومحاولة التحكم في سرعتها واتجاه حركتها على النحو الذي يَكفل له تحقيق أهدافه وتحسين وضعه المستقبلي، وأصبح المستقبل اتجاهًا جديدًا في حقل البحوث والدراسات العلمية، وهو ما يعرف بالدراسات المستقبلية Futures Studies أو علم المستقبل  Futurology أو بحوث المستقبل Furfures Research أو دراسات البصيرة Foresight Studies وغيرها. وهذا ما يؤكد أن الإنسان مستقبليًا بفطرته.
ورغم قِدَم التوجه الاستشرافي؛ فإن الخطوات المنهجية لدراسته قد تأخرت ـ رغم ثراء التراث الفكري والفلسفي المهتم بالمستقبل ـ حتى ستينيات القرن الماضي، حيث رصد مؤرخوا المستقبليات أعمالًا لمفكرين وأدباء وعلماء أرهصت مبكرًا للمنهجية العلمية للدراسات المستقبلية. بعضهم رد هذه البدايات إلى القرن التاسع عشر كما في النبوءة ذائعة الصيت التي ارتبطت بـ "مقال في السكان" للقس الإنجليزي الشهير توماس مالتوس الذي عرض فيه رؤية مستقبلية تشاؤمية للنمو السكاني، وردها البعض الآخر إلى المفكر الفرنسي "كوندرسيه" في كتابه "مخطط لصورة تاريخية لتقدم العقل البشري" نُشر قي عام 1973م، واستخدم فيه أسلوبين منهجيين في التنبؤ ما زالا يستخدمان ـ على نطاق واسع ـ من قبل المستقبليين المعاصرين، وهما التنبؤ الاستقرائي Extrapolation والتنبؤ الشرطي Conditional Forecasting، وضم الكتاب تنبؤات مذهلة تحققت فيما بعد، كاستقلال المستعمرات في العالم الجديد عن أوربا، وزوال ظاهرة الرق، والحد من النسل، وزيادة إنتاجية الفدان، ومنهم من ردها إلى جهود "ليني" في التخطيط المركزي للاتحاد السوفيتي السابق، إلى أن تمكن الإنسان لأول مرة في الستينيات ـ بفضل تطور العلم وتقدم التكنولوجيا ـ من وضع المستقبل في إطار علمي دقيق، لكن الجدل ظل محتدمًا حول طبيعة الدراسات المستقبلية وتأرجحها بين العلم والفن أو الدراسات البينية التي تتقاطع فيها التخصصات وتتعدد المعارف( ).
وتعرف الدراسات المستقبلية من ناحية أهدافها بأنها "مجموعة من الدراسات التي تهدف إلى تحديد اتجاهات الأحداث، وتحليل مختلف المتغيرات التي يمكن أن تؤثر في إيجاد هذه الاتجاهات أو حركة مسارها"، ومن ناحية طريقة حلها للمشكلات بأنها "مجموعة الدراسات التي تكشف عن المشكلات الحالية، أو التي بات من المحتمل أن تظهر في المستقبل، وتتنبأ بالأولويات التي يمكن أن تحددها كحلول لمواجهة هذه المشكلات والتحديات"( ).
كما تعرف بأنها "تلك الدراسات التي تهتم باستشفاف المستقبل ومشكلاته، والتنبؤ بالقوى المؤثرة فيه والحوادث التي يمكن أن تحدث فيه، ثم توجيه حركة سير الأحداث في المستقبل لخدمة أغراض المجتمع والفرد، وهذه المحاولة للتحكم في صورة المستقبل هي ما تسمى بالهندسة الاجتماعية أو التكنولوجيا الاجتماعية"( ).
وبالتركيز على أنها ليست خيالًا للباحث أو تصورات غير مشروطة تعرف بأنها "جهد علمي منظم يرمي إلى صياغة مجموعة من التنبؤات المشروطة التي تشمل المعالم الرئيسة لأوضاع مجتمع معين، أو مجموعة من المجتمعات عبر مدة زمنية معينة تمتد لأكثر من عشرين عامًا، وذلك عن طريق التركيز على المتغيرات التي يمكن تغييرها بواسطة القرارات أو التي قد تتغير بفعل أحداث غير مؤكدة. وينطوي هذا التعريف على عدة أمور( ):
        إعمال العقل والخيال المنظم في طرح التنبؤ المشروط بأفعال معينة قد يلبي طموحات مجتمع واحد أو عدة مجتمعات.
        اتساع المدى الزمني للاستشراف، فهو يبدأ من الزمن القريب ويتجه إلى الزمن المنظور لأكثر من عشرين عامًا.
        التحكم في المتغيرات الداخلية بهدف تحقيق الأهداف المنشودة، ومحاولة توخي أخطار المتغيرات الخارجية عن طريق توقع أحداثها التي قد لا تكون في الحسبان.
كما تؤكد "الجمعية العلمية للدراسات المستقبلية" أن الدراسات العلمية للمستقبل هي مجال معرفي أوسع من العلم، يستند إلى أربعة عناصر رئيسة( ):
        دراسات تركز على استخدام الطرق العلمية في دراسة الظواهر الخفية.
        أوسع من حدود العلم، فهي تتضمن المساهمات الفلسفية والفنية جنبًا إلى جنب مع الجهود العلمية.
        تتعامل مع مروحة واسعة من البدائل والخيارات الممكنة، وليس مع إسقاط مفردة محدودة على المستقبل.
        تلك الدراسات التي تتناول المستقبل في آجال زمنية تتراوح بين خمس سنوات وخمسين سنة.
فدراسة المستقبل ليست ولا ينبغي أن تكون مجرد رياضة عقلية؛ بل هي عمل علمي، يهدف إلى تيسير عملية صناعة المستقبل، وتجسيد الآمال والطموحات، وتجنب المشكلات والمخاطر التي تهدد المجتمعات، وتهدف من جانب آخر إلى مساعدة صانع القرار على تخطيط سياسات رشيدة وتنفيذها، كما تعمل على تحديد غايات تكافح المجتمعات من أجل بلوغها، وبلورة آمال تعمل على الوصول إليها( ).
وتظل الدراسات المستقبلية ـ رغم تعدد الرؤى حول طبيعتها ـ مجالًا إنسانيًا تتكامل فيه المعارف وتتعدد، هدفها تحليل وتقييم التطورات المستقبلية في حياة البشر بطريقة عقلانية وموضوعية، وهي تفسح بذلك مجالًا للإبداع الإنساني، فهي لا تصدر نبوءات؛ ولكنها اجتهاد علمي منظم، يوظف المنطق والعقل والحدس والخيال في اكتشاف العلاقات المستقبلية بين النظم والعوامل الكلية والفرعية، مع الاستعداد لها ومحاولة التأثير فيها، فالمستقبل ليس مكتوبًا ولا مقدم لنا في صورة نهائية، ولكنه قيد التشكيل والتحكم، كما أن الدراسات المستقبلية لا تقدم مطلقًا صورة يقينية ومتكاملة للمستقبل، كما أنها لا تقدم مستقبلًا واحدًا، فالمستقبل متعدد وغير محدد، وهو مفتوح على تنوع كبير في المستقبلات الممكنة.
‌أ-       أهداف الدراسات المستقبلية وأهميتها.
محاولة استشراف المستقبل تهدف إلى التمكن من السيطرة عليه، وصناعة عالم أفضل يعيش فيه الإنسان، كما أنها تهدف إلى مساعدة صانعي القرار على اتخاذ قرارات وسياسات رشيدة، فليس الهدف منها هو الإنباء عن المستقبل، بمعنى تقديم تنبوءات غير شرطية وغير احتمالية بالأحداث المستقبلية. وبشكل أكثر تحديدًا يمكن القول أن الدراسات المستقبلية تساعدنا على صنع مستقبل أفضل، من خلال ما تحققه لنا من أهداف. أهمها( ):
        تفسير الماضي وتوجيه الحاضر، فالماضي له تأثير على الحاضر وعلى المستقبل، وإن كثيرًا من الأمور تتوقف على كيفية قراءة وإعادة قراءة الماضي.
        تقديم الأفكار والمقترحات التي تساعد المجتمع على التكيف مع المتغيرات الاقتصادية والتكنولوجية والاجتماعية السريعة، حيث تحاول رسم صور للمجتمع من حيث القيم الاجتماعية والعادات التي من الممكن إهمالها أو إدماجها في ثقافة المجتمع، وكذلك النظم والاتجاهات السياسية المتوقع حدوثها في المستقبل، ومدى تأثيرها على النظم التعليمية السائدة في المجتمع في المستقبل.
        توفير القاعدة المعرفية التي تلزم لصياغة الاستراتيجيات ورسم الخطط، فكل عمل تخطيطي جاد غالبًا ما يكون مسبوقًا بنوع ما وبقدر ما من العمل الاستشرافي، كطرح بدائل أولية مثلًا لمعدلات مختلفة للنمو.
        توفير إطار زمني طويل المدى لما قد يُتخذ من قرارات اليوم، ومن ثم العمل لا على هَدي الماضي ولا بأسلوب تدبير العيش يومًا بيوم، أو معالجة الأزمات ومواجهتها بعد أن تكون قد وقعت؛ بل العمل وفق نظرة طويلة المدى وبأفق زمني طويل نسبيًا.
        فحص مجموعة متنوعة من المتتاليات أو المترتبات "إذًا ... عندئذٍ"، وهذا الهدف يضعنا غالبًا في مجال توليد السيناريو أو أسلوب مباراة المحاكاة، أي استكشاف مجموعة من النواتج التي قد تكون ذات تأثير علينا وعلى مستقبلنا.
        إعادة اكتشاف أنفسنا ومواردنا وطاقاتنا. واكتشاف مسارات جديدة يمكن أن تحقق تنمية شاملة وسريعة ومتواصلة.
        مساعدة الأفراد على الحياة في عالم متغير، وذلك عن طريق توفير خبرات سابقة، حتى لا يأتي المستقبل صدمة، وإحداث التوازن بين متطلبات الحاضر في مواجهة تلك الخاصة بالمستقبل.
ومن هنا تكتسب الدراسات المستقبلية طابعها الخاص وأهدافها النوعية داخل العلوم الإنسانية والاجتماعية. فهذه الدراسات لا تهدف إلى التنبؤ بالمستقبل أو تقديم نبوءات غير مشروطة وغير احتمالية بالأحداث المستقبلية؛ بل تقدم فهمًا احتماليًا ومشروطًا للمستقبل، لذا تتعدد السيناريوهات التي يقدمها الاستشراف. كما لا تهدف إلى وضع الخطط والاستراتيجيات، وإن كانت تفيد في توفير القاعدة المعرفية اللازمة لرسم الخطط وصياغة الاستراتيجيات، كما تفيد في اكتشاف المشكلات قبل وقوعها والتهيؤ لمواجهة التغيرات الحادثة في المستقبل، بالإضافة إلى ذلك تساعد الدراسات المستقبلية في اكتشاف مواردنا وطاقاتنا، وبلورة الخيارات الممكنة والمتاحة وترشيد عملية المفاضلة بينها( ).
         فالدراسات المستقبلية عملية ممنهجة تخضع للأساليب العلمية، تقدم عدة صور للمستقبل وفق قاعدة علمية وبيانات وإحصاءات، تهدف إلى تحديد العوامل الحاكمة في تشكيل المستقبل، وكيفية التدخل لتوجيه تلك العوامل لتحقيق أهداف منشودة تم وضعها سلفًا، والاستعداد للمستقبل بما يحمله من مخاطر.
‌ب-      أنماط الدراسات المستقبلية.
         يمكن التمييز بين أربعة أنماط أساسية للدراسات المستقبلية من حيث طبيعتها ومصداقيتها ودرجة الثقة فيها. هذه الأنماط هي:
1.      النمط الحدسي:
         يقوم هذا النمط على الخبرة الذاتية للباحث الذي يجري الدراسة المستقبلية، ويعتقد البعض أن هذا النمط ينتمي إلى العمل الفني أكثر منه إلى العمل العلمي، حيث يفتقر إلى القاعدة الموضوعية من البيانات والملاحظات التي يمكن بالاعتماد عليها  تقويم التنبؤات التي يتوصل إليها الباحث تقويمًا علميًا، ولذلك يوصف هذا النمط بالذاتية التي تقوم على الرؤية الحدسية التي تعكس ذاتية الفرد وخبراته الخاصة، كما يقوم هذا النمط على محاولة التعرف على التفاعلات والتشابكات التي تؤدي إلى صورة معينة يتوقعها الباحث سلفًا دون أن يدعي إثباتها، وهنا تبرز العوامل الذاتية؛ فالحدس ليس إلهامًا ولكنه تقدير يراه بعض الناس الذين ينشغلون بهموم مجتمعهم، ويٌسلِّمون علميًا ببعض الأفكار والنظريات التي يمكن أن تلخص وتعبر عن مصالح محددة( ).
2.      النمط الاستطلاعي:
يعتمد هذا النمط على استطلاع مستقبل علاقات قامت في الماضي، حيث يتم التعبير الصريح عن كيفية إجراء هذا الاستطلاع، وبذلك؛ فهو يهدف إلى استكشاف صورة المستقبل المتوقع أو المحتمل أو الممكن تحقيقه، لكن في ضوء افتراضات معينة يضعها الباحث من البداية، وفي ضوء قاعدة موضوعية من البيانات ذات الطابع الكمي أساسًا، أي أنه نمط يتحقق فيه قدر كبير من الموضوعية( ).
3.      النمط الاستهدافي أو المعياري:
يعتبر هذا النمط تطويرًا للنمط الحدسي المستمد من الخبرة والتحليل والبصيرة، وينطلق النمط المعياري من ذاتية الباحث لكنه يتجاوزها مستفيدًا بشتى الإضافات المنهجية التي استحدثتها العلوم التطبيقية والرياضية مع عدم إغفال أهمية الخبرات والاستبصارات، ويتميز هذا النمط بالتدخل الواعي من أجل تغيير المسارات المستقبلية للظواهر المدروسة في ضوء أهداف وأحكام محددة سلفًا، وبذلك تبدأ خطواته المنهجية من المستقبل بتحديد أهداف معينة ثم العودة إلى الحاضر مع تحديد الإجراءات والسياسات الكفيلة بتحقيق تلك الأهداف في المستقبل( ). 
4.      نمط الأنساق الكلية:
يركز هذا النمط على مجمل المتغيرات والمتشابكات في إطار موحد يجمع بين النمطين السابقين في شكل تغذية مرتدة، تعتمد على التفاعل المتبادل بينهما، حيث لا تهمل ماضي الظاهرة المدروسة ولا تتجاهل الأسباب الموضوعية التي سوف تفرض نفسها لتغيير المسارات المستقبلية لها، كما يستفيد هذا النمط من مزايا النمطين السابقين، أي يجمع بين البحوث الاستطلاعية التي تستند إلى البيانات والحقائق الموضوعية، وبين البحوث المعيارية التي تولي أهمية خاصة للقدرات الإبداعية والتخيل والاستبصار، ويمثل هذا النمط خطوة متقدمة في المسار المنهجي للبحوث المستقبلية المعاصرة( ).
ومن الملاحظ ـ على الرغم من وجود بعض الاختلافات المنهجية بين تلك الأنماط ـ تتفاوت في درجة اعتمادها على الذاتية، لكن في نفس الوقت لا يمكن أن يخلو أيًا منها من تلك الصفة؛ حتى النمط الاستطلاعي الذي يعتمد على البيانات، ويستكشف الآثار المستقبلية المحتملة والقائمة على افتراضات معينة، قد لا تخلو تلك الافتراضات من التأثر بمواقف الباحث الذاتية تجاه القضية المدروسة وكذلك توجهاته الأيدلوجية والقومية، كما أنه لا يمكن ترجيح كفة نمط على الآخرين؛ فلكل منهما مزاياه وخطواته، مع اعتبار أن نمط الأنساق الكلية يجمع بين مزايا الأنماط السابقة له، ويبقى الفارق الجوهري بين النمط المعياري والنمط الاستطلاعي في أن الأول يبدأ من المستقبل ويرسم صورة له، ثم ينتقل إلى الحاضر ليحدد العوامل التي يمكن تغيرها على نحو معين لتحقيق تلك الصورة.
المحور الثاني: دور أسلوب السيناريو في التخطيط التربوي.
تتضح أهمية الدراسات المستقبلية في عملية التخطيط التربوي؛ فهي تمثل الأساس المعلوماتي الذي تقوم عليه عملية التخطيط الحقيقي للتعليم، وهي التي تزود المخططيين التربويين بشتى صور المستقبليات التربوية والمجتمعية البديلة (المحتملة والممكنة) ومترباتها مما يُسهل اختيار أفضلها. في نفس الوقت فإن الاعتماد على علم الدراسات المستقبلية في التربية يجعل التخطيط التربوي مكملًا لسياسة مستقبلية عامة للتنمية المجتمعية، وبالتالي يصبح جزءًا من التخطيط العام لتطوير وتجديد الحياة، بالإضافة إلى ذلك؛ تعتبر الدراسات المستقبلية أحد المحددات المهمة في وضع الاستراتيجية التعليمية، وذلك لأن صانعي الاستراتيجيات التربوية والتعليمية يهتمون بالبحوث التي تتنبأ بالمستقبل المحتمل، والممكن لأي نظام تربوي في المجتمع، وذلك يعتبر أمرًا ضروريًا عندما نفكر في إصلاح النظم التعليمية والتخطيط لها، كما أنها تساعد النظام التعليم على التكيف مع المتغيرات المتسارعة؛ لأنها تمد صانعي القرارات برؤية أفضل للمستقبل وتزيد من دقة التنبؤ، وذلك لرفع كفاءتهم للتحكم في التغيير( ).
فالتغير ـ تلك السمة المميزة للعالم مطلع الألفية الثالثة ـ فَرضَ التداخل الواضح لأمور الاقتصاد والاجتماع والسياسة والثقافة؛ ولذلك فإن بناء السيناريوهات يٌنظم بشكل فعّال كثير من المعلومات المتعلقة بالجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية، ويساعد على تحويل هذه المعلومات إلى إطار منظم يساعد على تقييم جوانب الأخطار والتهديدات المستقبلية، أو إلقاء الضوء على الخيارات الاستراتيجية الجديدة.
لذا تعد السيناريوهات أكثر فعالية في التخطيط التربوي خاصة عندما يتعلق الأمر بوضع رؤية استراتيجية، وتخطيط للاختيارات Option Planning فهناك اختلافًا بين مداخل التخطيط التقليدي والسيناريوهات، حيث تتسم الأولى بوجود أبعاد ثابتة ومستقرة، بينما تتسم السيناريوهات بوجود علاقة ديناميكية بين المتغيرات وقدر من عدم اليقين يتطلب درجة كبيرة من الإبداع والخيال المنضبط.
وتتضح أكثر فعالية السيناريوهات في عملية التخطيط التربوي بالنظر إلى الأهداف التي ترمي إلى تحقيقها. وهي( ):
1.      عرض الاحتمالات والخيارات البديلة التي تنطوي عليها التطورات المستقبلية كما تكشف عنها السيناريوهات المختلفة.
2.      عرض النتائج المترتبة على الخيارات أو البدائل المختلفة.
3.      تركيز الانتباه على الأحداث الرئيسية وعلى استراتيجيات المواجهة والعلاقات السببية وعلى النقاط الحرجة لاتخاذ القرارات.
4.      تركيز الانتباه على القضايا التي يجب أن تحظى بالأولوية في اهتمام متخذي القرار.
5.      تمكين المجتمع من التفكير في كل هذه الأمور واستشارة النقاش حولها واستدعاء ردود الفعل منهم بشأنهم.
6.      تنشيط الخيال، ومن ثم المساعدة على اتخاذ قرارات أفضل اليوم بشأن المستقبل.
وتتلخص أهداف السيناريوهات في عرض الاحتمالات والإمكانات والخيارات البديلة التي تنطوي عليها التطورات المستقبلية كما تكشف عنها السيناريوهات المختلفة وعرض النتائج المترتبة على الخيارات أو البدائل المختلفة، وتركيز الانتباه على العوامل والتوجهات التي تحكم المستقبل وعن استراتيجيات تلك العوامل والعلاقات السببية، وعلى النقاط الحرجة لاتخاذ القرارات، وعلى القضايا التي يجب أن تحظى بالأولوية في اهتمامات المخططين، واستشارة النقاش حولها، واستدعاء ردود الفعل بشأنها.
لذلك، يعتمد المشتغلون بالتخطيط على السيناريوهات في وصف المجتمع عند فترة زمنية معينة، تؤدي في النهاية إلى صورة معينة للمجتمع في نهاية تلك الفترة.


 مواضيع ذات صلة


تطور الدراسات المستقبلية مفهومها.
الدراسات المستقبلية
الدراسات المستقبلية منظور تربوي
الدراسات المستقبلية فى التربية
الدراسات المستقبلية في العلوم السياسية
الدراسات المستقبلية
دراسات مستقبلية 2022
الدراسات المستقبلية في العلاقات الدولية
التفكير المستقبلي
علم المستقبل
علم المستقبليات أو الدراسات المستقبلية
الدراسات المستقبلية: ماهيتها وأهمية توطينها عربياً

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق