الأربعاء، 12 أبريل، 2017

الحضارة الإسلاميّة من منظور إسلامي:



الحضارة الإسلاميّة من منظور إسلامي:
مقتطفات من كتاب: (من روائع حضارتنا) للدكتور مصطفى السباعي
1. المؤسسات الخيريّة:
ومن المؤسسات الخيريّة الخانات والفنادق للمسافرين المنقطعين وغيرهم من ذوي الفقر. ومنها التكايا والزوايا التي ينقطع فيها من شاء لعبادة الله عز وجل، ومنها بناء بيوت خاصة للفقراء يسكنها من لا يجد ما يشتري به أو يستأجر داراً، ومنها السقايا أي تسبيل الماء في الطرقات العامة للناس جميعاً، ومنها المطاعم الشعبيّة التي كان يفرّق فيها الطعام، من خبز ولحم وحساء وحلوى. ولا يزال عهدنا قريباً بهذا النوع في كل من تكيّة السلطان سليم وتكيّة الشيخ محيي الدين بدمشق، ومنها بيوت للحجاج في مكة ينزلونها حين يفدون إلى بيت الله الحرام، وقد كثرت هذه البيوت حتى عمّت أرض مكة كلها، وأفتى بعض الفقهاء ببطلان إجارة بيوت مكة في أيام الحج لأنّها كلها موقوفة على الحجاج. ومنها حفر الآبار في الفلوات لسقي الماشية والزروع والمسافرين، فقد كانت كثيرة جداً بين بغداد ومكة، وبين دمشق والمدينة، وبين عواصم البلاد الإسلاميّة ومدنها وقراها، حتى قلّ أن يتعرض المسافرون – في تلك الأيام – لخطر العطش. ومنها أمكنة المرابطة على الثغور لمواجهة خطر الغزو الأجنبي على البلاد، فقد كانت هنالك مؤسسات خاصة بالمرابطين في سبيل الله، يجد فيها المجاهدون كل ما يحتاجون إليه من سلاح وذخيرة وطعام وشراب، وكان لها أثر كبير في صد غزوات الروم أيام العباسيين، وصد غزوات الغربيين في الحروب الصليبية عن بلاد الشام ومصر. ويتبع ذلك وقف الخيول والسيوف والنبال وأدوات الجهاد على المقاتلين في سبيل الله عزوجل، وقد كان لذلك أثر كبير في رواج الصناعة الحربيّة وقيام مصانع كبيرة لها، حتى كان الغربيون في الحروب الصليبية، يفدون إلى بلادنا – أيام الهدنة – ليشتروا منا السلاح، وكان العلماء يفتون بتحريم بيعه للأعداء. فانظر كيف انقلب الأمر الآن فأصبحنا عالة على الغربيين في السلاح لا يسمحون لنا به إلا بشروط تقضي على كرامتنا واستقلالنا
ويتبع ذلك أوقاف خاصة يُعطى ريعها لمن يريد الجهاد، وللجيش المحارب حين تعجز الدولة عن الإنفاق على كل أفراده. وبذلك كان سبيل الجهاد ميسراً لكل مناضل يودُّ أن يبيع حياته في سبيل الله ليشتري بها جنة عرضها السموات والأرض ...
ومن المؤسسات الاجتماعيّة ما كانت وقفاً لإصلاح الطرقات والقناطر والجسور، ومنها ما كانت للمقابر حيث يتبرع المسلم بالأرض الواسعة لتكون مقبرة عامة. ومنها ما كان لشراء أكفان الموتى الفقراء وتجهيزهم ودفنهم.
أما المؤسسات الخيريّة لإقامة التكافل الاجتماعي، فقد كانت عجباً من العجب، فهناك مؤسسات للقطاء واليتامى لرعايتهم، ومؤسسات للمقعدين وللعميان والعجزة، يعيشون فيها موفوري الكرامة، لهم كل ما يحتاجون من سكن وغذاء ولباس وتعليم أيضاً.
وهنالك مؤسسات لتحسين أحوال المساجين ورفع مستواهم وتغذيتهم بالغذاء الواجب لصيانة صحتهم، ومؤسسات لإمداد العميان والمقعدين بمن يقودهم ويخدمهم. ومؤسسات لتزويج الشباب والفتيات العزّاب ممن تضيق أيديهم أو أيدي أوليائهم عن نفقات الزواج وتقديم المهور ... فما أروع هذه العاطفة وما أحوجنا إليها اليوم!
ومنها مؤسسات لإمداد الأمهات بالحليب والسكر... وقد كان من مَبرّات صلاح الدين أنّه جعل في أحد أبواب القلعة – الباقية حتى الآن في دمشق – ميزاباً يسيل منه الحليب، وميزاباً آخر يسيل منه الماء المذاب فيه السكر، تأتي إليه الأمهات يومين في كل أسبوع ليأخذن لأطفالهن وأولادهن ما يحتاجون إليه من الحليب والسكر ...
ومن أطرف المؤسسات الخيريّة وقف الزبادي للأولاد الذين يكسرون الزبادي وهم في طريقهم إلى البيت، فيأتون إلى هذه المؤسسة ليأخذوا زبادي جديدة بدلاً من المكسورة، ثم يرجعوا إلى أهليهم وكأنّهم لم يصنعوا شيئاً.
وآخر ما نذكره من هذه المؤسسات، المؤسسات التي أقيمت لعلاج الحيوانات المريضة، أو لإطعامها، أو لرعيها حين عجزها، كما هو شأن المرج الأخضر في دمشق، فقد كان وقفاً للخيول والحيوانات العاجزة المسنّة ترعى منه حتى تلاقي حتفها.[1]

2. المدارس والمدرّسون:
ثم قامت المدرسة بجانب الكتّاب والمسجد، وكانت الدراسة فيها تشبه الدراسة الثانوية والعالية في عصرنا الحاضر. وكان التعليم فيها مجانياً ولمختلف الطبقات، فلم يكن يدفع الطلاب في دراستهم الثانوية والعالية رسماً ما من رسوم الدراسة التي يدفعها طلابنا اليوم، ولم يكن التعليم فيها محصوراً بفئة من أبناء الشعب دون فئة، بل كانت فرصة التعليم متوفرة لجميع أبناء الشعب، يجلس ابن الفقير بجانب ابن الغني، وابن التاجر بجانب ابن الصانع والمزارع. وكانت الدراسة فيها قسمين: قسماً داخلياً للغرباء والذين لا تساعدهم أحوالهم المادية على أن يعيشوا على نفقات آبائهم، وقسماً خارجياً لمن يريد أن يرجع في المساء إلى بيت أهله وذويه. أما القسم الداخلي فكان بالمجان أيضاً، يُهيأ للطالب فيه الطعام والنوم والمطالعة والعبادة... وبذلك كانت كل مدرسة تحتوي على مسجد، وقاعات للدراسة، وغرف لنوم الطلاب ومكتبة ومطبخ وحمام. وكانت بعض المدارس تحتوي فوق ذلك على ملاعب للرياضة البدنيّة في الهواء الطلق. ولا تزال لدينا حتى الآن نماذج من هذه المدارس التي غمرت العالم الإسلامي كله، ففي دمشق لا تزال المدرسة النوريّة التي أنشأها البطل العظيم نور الدين الشهيد، وهي الواقعة الآن في سوق الخياطين، لا تزال قائمة تعطينا نموذجاً حياً لهندسة المدارس في عصور الحضارة الإسلامية. لقد زارها الرحالة ابن جبير في أوائل القرن السابع الهجري، فأُعجب بها وكتب عنها:" من أحسن مدارس الدنيا مظهراً مدرسة نور الدين رحمه الله"....
وجدير بنا ونحن نتحدث عن المدارس أن نتحدث عن المدرّسين وأحوالهم ورواتبهم. لقد كان رؤساء المدارس من خيرة العلماء وأكثرهم شهرة. وإنا لنجد في تاريخ مشاهير العلماء المدارس التي درسوا فيها، فالإمام النووي وابن الصلاح وأبو شامة وتقي الدين السبكي وعماد الدين بن كثير، وغيرهم ممن كانوا يدرسون في دار الحديث بدمشق، والغزالي والشيرازي وإمام الحرمين... والخطيب التبريزي والقزويني والفيروز أبادي، وغيرهم ممن كانوا يدرسون في المدرسة النظامية ببغداد، وهكذا ... ولم يكن المدرّسون في صدر الإسلام يأخذون أجراً على تعليمهم حتى امتد الزمن واتسعت الحضارة وبنيت المدارس وأوقف لها الأوقاف جُعِل للمدرسين فيها رواتب شهرية. ومن الطريف أن نذكر صنيع علماء ما وراء النهر حين بنى نظام الملك مدارسه الشهيرة في الأمصار وجعل للمدرسين فيها رواتب معلومة، فقد اجتمعوا لينكروا هذا الصنيع، وليقيموا مأتماً للعلم ينعون فيه ذهاب العلم وبركته، وقد قالوا: كان يشتغل بالعلم أرباب الهمم العلية والأنفس الزكيّة، الذين يقصدون العلم لشرفه والكمال به. وإذا صار عليه أجرة تدانى إليه الأخساء...
كانت المدارس على هذا، وخاصة المعاهد العليا، تملأ مدن العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه، ويذكر التاريخ بكثير من الإكبار والإعجاب نفراً من أمراء المسلمين كانت لهم اليد الطولى في إنشاء المدارس في مختلف الأمصار، منهم صلاح الدين الأيوبي، فقد أنشأ المدارس في جميع المدن التي كانت تحت سلطانه في مصر ودمشق والموصل وبيت المقدس. ومنهم نور الدين الشهيد الذي أنشأ في سورية وحدها أربعة عشر معهداً، منها ستة في دمشق وأربعة في حلب واثنان في حماة واثنان في حمص وواحد في بعلبك. ومنهم نظام الملك الوزيرالسلجوقي العظيم الذي ملأ بلاد العراق وخراسان بالمدارس حتى قيل فيه إنّ له في كل مدينة بالعراق وخراسان مدرسة. وكان يُنشىء المدارس حتى في الأماكن النائية، فقد أنشأ في جزيرة ابن عمرو مدرسة كبيرة حسنة. وكلما وجد في بلدة عالماً قد تميز وتبحّر في العلم بنى له مدرسة ووقف عليها وقفاً وجعل فيها دار كتب. وقد كانت نظاميّة بغداد أولى المدارس النظاميّة وأهمها، درس فيها مشاهير علماء المسلمين فيما بين القرن الخامس والتاسع الهجري، وقد بلغ عدد طلابها ستة آلاف تلميذ، فيهم ابن أعظم العظماء في المملكة وابن أفقر الصناع فيها، وكلهم يتعلمون بالمجّان، وللطالب الفقير فوق ذلك شيء معلوم يتقاضاه من الريع المخصص لذلك.[2]

3. المستشفيات:
وكانت المستشفيات نوعين: نوعاً متنقلاً، ونوعاً ثابتاً؛ أما المتنقل، فأول ما عرف في الإسلام في حياة النبي، صلى الله عليه وسلم، في غزوة الخندق، إذ ضرب خيمة للجرحى فلما أصيب سعد بن معاذ في أكحله (والأكحل عرق في الذراع) قال، صلى الله عليه وسلم: "اجعلوه في خيمة رفيدة، حتى أعوده من قريب"، وهو أول مستشفى حربي متنقل في الإسلام، ثم توسع فيه الخلفاء والملوك من بعد حتى أصبح المستشفى المتنقل مجهزاً بجميع ما يحتاجه المرضى من علاج وأطعمة وأشربة وملابس وأطباء وصيادلة، وكان ينقل من قرية إلى قرية في الأماكن التي لم يكن فيها مستشفيات ثابتة. كتب الوزير عيسى بن علي الجراح إلى سنان بن ثابت، وكان يتولى النظر على مستشفيات بغداد وغيرها:" فكّرتُ فيمن بالسواد – أي القرى – من أهله، وأنّه لا يخلو من أن يكون فيه مرضى لا يشرف مطبب عليهم، لخلو السواد من الأطباء، فتقدّم بإيفاد مطببين (أي أطباء)، وخزانة من الأدوية والأشربة، يطوفون السواد، ويقيمون في كل صقع منه مدة ما تدعو الحاجة إلى مقامهم، ويعالجون من فيه، ثم ينتقلون إلى غيره". وقد بلغ بعض المستشفيات المتنقلة في أيام السلطان محمود السلجوقي حداً من الضخامة بحيث كان يُحمل على أربعين جملاً.
وأما المستشفيات الثابتة، فقد كانت كثيرة تفيض بها المدن والعواصم، ولم تخل بلدة صغيرة في العالم الإسلامي يومئذ من مستشفى فأكثر، حتى أنّ قرطبة وحدها كان فيها خمسون مستشفى.
وتنوعت المستشفيات؛ فهناك مستشفيات للجيش يقوم عليها أطباء مخصوصون، عدا عن أطباء الخليفة والقواد والأمراء. وهناك مستشفيات للمساجين، يطوف عليهم الأطباء في كل يوم فيعالجون مرضاهم بالأدوية اللازمة. ومما كتب به الوزير علي بن الجراح إلى سنان بن ثابت رئيس أطباء بغداد:" فكّرتُ في أمر من في الحبوس، وأنه لا يخلو مع كثرة عددهم وجفاء أماكنهم أن تنالهم الأمراض، فينبغي أن تفرد لهم أطباء يدخلون إليهم في كل يوم، وتحمل إليهم الأدوية والأشربة، ويطوفون في سائر الحبوس، ويعالجون فيها المرضى".
وهناك محطات للإسعاف كانت تقام بالقرب من الجوامع والأماكن العامة التي يزدحم فيها الجمهور. ويحدثنا المقريزي أنّ ابن طولون حين بنى جامعه الشهير في مصر عمل في مؤخره ميضأة وخزانة شراب (أي صيدليّة أدوية) وفيها جميع الشرابات والأدوية، وعليها خدم، وفيها طبيب جالس يوم الجمعة، لمعالجة من يصابون بالأمراض من المصلين.
وهناك المستشفيات العامة، التي كانت تفتح أبوابها لمعالجة الجمهور، وكانت تقسم إلى قسمين منفصلين بعضهما عن بعض: قسم للذكور، وقسم للإناث. وكل قسم فيه قاعات متعددة، كل واحدة منها لنوع من الأمراض؛ فمنها للأمراض الداخليّة، ومنها للعيون، ومنها للجراحة، ومنها للكسور والتجبير، ومنها للأمراض العقليّة. وقسم الأمراض الداخليّة كان مقسماً إلى غرف أيضا؛ فغُرف منها للحميّات، وغرف للإسهال، وغير ذلك. ولكل قسم أطباء عليهم رئيس؛ فرئيس للأمراض الباطنيّة، ورئيس للجراحين والمجبّرين، ورئيس للكحالين (أي أطباء العيون). ولكل الأقسام رئيس عام يسمى (ساعور) وهو لقب لرئيس الأطباء في المستشفى. وكان الأطباء يشتغلون بالنوبة، ولكل طبيب وقت معين يلازم فيه قاعاته التي يعالج فيها المرضى. وفي كل مستشفى عدد من الفراشين من الرجال والنساء، والممرضين والمساعدين، ولهم رواتب معلومة وافرة. وفي كل مستشفى صيدليّة كانت تسمى (خزينة الشراب) فيها أنواع الأشربة والمعاجين النفيسة، والمربيات الفاخرة، وأصناف الأدوية، والعطورات الفائقة التي لا توجد إلا فيها، وفيها من الآلات الجراحيّة والأواني الزجاجيّة والزبادي، وغير ذلك، ما لا يوجد إلا في خزائن الملوك.
أما نظام الدخول إلى المستشفيات، فقد كان مجاناً للجميع، لا فرق بين غني وفقير وبعيد وقريب، ونابه وخامل. يُفحص المرضى أولاً بالقاعة الخارجيّة، فمن كان به مرض خفيف يكتب له العلاج ويُصرَف من صيدليّة المستشفى. ومن كانت حالته المرضيّة تستوجب دخوله المستشفى كان يُقيّد اسمه ويدخل إلى الحمام، وتخلع عنه ثيابه فتوضع في مخزن خاص، ثم يُعطى ثياباً خاصة للمستشفى، ويدخل إلى القاعة المخصصة لأمثاله من المرضى، ويخصص له سرير مفروش بأثاث جيد، ثم يُعطى الدواء الذي يعيّنه الطبيب، والغذاء الموافق لصحته، بالمقدار المفروض له. وكان غذاء المرضى يحتوي على لحوم الأغنام والأبقار والطيور والدجاج. وعلامة الشفاء أن يأكل المريض رغيفاً كاملاً ودجاجة كاملة في الوقعة الواحدة. فإذا أصبح المريض في دور النقاهة أُدخل القاعة المخصصة للناقهين، حتى إذا تم شفاؤه أعطي بدلة من الثياب الجديدة، ومبلغاً من المال يكفيه إلى أن يُصبح قادراً على العمل. وكانت غرف المستشفى نظيفة تجري فيها المياه، وقاعاته مفروشة بأحسن الأثاث. ولكل مستشفى مفتشون على النظافة، ومراقبون للقيود الماليّة. وكثيراً ما كان الخليفة أو الأمير يتفقّد بنفسه المرضى ويشرف على حسن معاملتهم.[3]

4. الرفق بالحيوان:
وكان من وظيفة المحتسب (وهي وظيفة تشبه في بعض صلاحياتها وظيفة الشرطي في عصرنا الحاضر) أن يمنع الناس من تحميل الدواب فوق ما تطيق أو تعذيبها وضربها أثناء السير، فمن رآه يفعل ذلك أدّبه وعاقبه:" ويجبرهم المحتسب على فعل ذلك لما فيه من المصلحة، ولا يحمّلون الدواب أكثر من طاقتها، ولا يسوقونها سوقاً شديداً تحت الأحمال، ولا يضربونها ضرباً قوياً، ولا يوقفونها في العراص (الساحات العامة) وعلى ظهورها أحمالها، فإنّ هذا كله نهت الشريعة المطهرة عن فعله. وعليهم أن يراقبوا الله عز وجل في علف الدابة وعليقها، ويكون موفراً عليها بحيث يحصل به الشبع، ولا يكون مبخوساً ولا نزرا".
وأما المؤسسات الاجتماعيّة فقد كان للحيوان منها نصيب كبير. وحسبنا أن نجد في ثبت الأوقاف القديمة أوقافاً خاصة لتطبيب الحيوانات المريضة، وأوقافاً لرعي الحيوانات المسنة العاجزة، ومنها أرض المرج الأخضر (التي أقيم عليها الملعب البلدي بدمشق) فإنّها وقف للخيول العاجزة التي يأبى أصحابها أن ينفقوا عليها لعدم الانتفاع بها، فترعى في هذه الأرض حتى تموت. ومن أوقاف دمشق وقف للقطط تأكل منه وترعى وتنام، حتى لقد كان يجتمع في دارها المخصصة لها مئات القطط الفارهة السمينة التي يقدّم لها الطعام كل يوم...
وهذا كله يدلك على روح الشعب الذي بلغ من الرفق بالحيوان إلى هذا الحد، وهو ما لا تجد له مثيلاً. ولعل أصدق مثال على روح الشعب، في ظل حضارتنا الإسلاميّة، أن ترى صحابياً جليلاً كأبي الدرداء يكون له بعير فيقول له عند الموت: يا أيها البعير لا تخاصمني إلى ربك فإنّي لم أكن أحملك فوق طاقتك. وأنّ صحابياً كعدي بن حاتم كان يفتّ الخبز للنمل ويقول: إنّهن جارات لنا ولهنّ علينا حق. وأنّ إماماً كبيراً كأبي إسحق الشيرازي كان يمشي في طريق ومعه بعض أصحابه، فعرض له كلب فزجره صاحبه فنهاه الشيخ وقال له: أما علمت أنّ الطريق مشترك بيننا وبينه؟[4]

5. صفحات مُضيئة:
ثار بعض سكان لبنان، من أهل الذمّة، على عاملها علي بن عبدالله بن عباس، فحاربهم وانتصر عليهم، ورأى من الحكمة أن يفرّقهم ويجلي فريقاً منهم عن ديارهم إلى أماكن أخرى، وهذا أقل ما يمكن أن يفعله اليوم حاكم في أرقى الأمم. فما كان من الإمام الأوزاعي، إمام الشام ومجتهدها وعالمها، إلا أن كتب إلى والي لبنان رسالة يُنكر عليه ما فعل، من إجلاء بعض اللبنانيين عن قراهم، ومعاقبة من لم يشترك في الثورة كمن اشترك فيها. وكان مما كتب إليه في ذلك:" وقد كان من إجلاء أهل الذمّة في جبل لبنان، ممن لم يكن ممالئاً لمن خرج على خروجه، ممن قتلت بعضهم ورددت باقيهم إلى قراهم مما قد علمت، فكيف تؤخذ عامّة بذنوب خاصّة حتى يخرجوا من ديارهم وأموالهم، وحكم الله تعالى أن لا تزر وازرة وزر أخرى، وهو أحق ما وُقف عنده واقتُدي به، وأحق الوصايا أن تُحفَظ وترعى وصية رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فإنّه قال:" من ظلم معاهداً أو كلفه فوق طاقته فأنا خصمه يوم القيامة".
وفي حروب التتار في بلاد الشام، وقع بأيديهم كثير من أسرى المسلمين والنصارى واليهود، ثم تدخّل شيخ الإسلام ابن تيمية مع أمير التتار في أمر الأسرى وفك أسرهم، فأجابه الأمير إلى فك أسرى المسلمين فقط دون النصارى واليهود، فأبى شيخ الإسلام ذلك وقال له:"لا بد من افتكاك جميع من معك من اليهود والنصارى الذين هم أهل ذمتنا، ولا ندع أسيراً لا من أهل الملة ولا من أهل الذمة"...

6. صفحات مُظلمة:
حين وصل الصليبيّون في الحملة الثانية إلى مَعرّة النعمان حاصروها حتى اضطر أهلها للاستسلام، بعد أن أخذوا من رؤساء الحملة عهوداً مؤكدة بالمحافظة على النفوس والأموال والأعراض. فما كادوا يدخلونها حتى ارتكبوا من الفظائع ما تشيب له الولدان. وقدر بعض المؤرخين الإفرنج الذين كانوا في هذه الحملة عدد الذين قتلوهم بين رجال ونساء وأطفال بمائة ألف! ثم تابعوا سيرهم إلى بيت المقدس، وشددوا الحصار على أهلها، ورأى أهلها أنهم مغلوبون لا محالة فطلبوا من قائد الحملة (طنكرد) الأمان على أنفسهم وأموالهم، فأعطاهم رايته يرفعونها على المسجد الأقصى ويلجؤون إليه آمنين على كل شيء. ودخلوا المدينة بعد ذلك. فيا لهول المجزرة، ويا لقسوة الإجرام! .. لجأ سكان القدس إلى الأقصى الذي رفعوا فوقه راية الأمان، حتى إذا امتلأ بمن فيه من شيوخ وأطفال ونساء ذبحوا ذبح النعاج، فسالت الدماء في المعبد حتى ارتفعت إلى ركبة الفارس. وطهرت المدينة بذبح كل من فيها تماماً، حتى كانت شوارعها تعج بالجماجم المحطمة والأذرع والأرجل المقطعة والأجسام المشوهة. ويذكر مؤرخونا أنّ عدد الذين ذبحوا في داخل المسجد الأقصى فقط كان سبعين ألفاً، منهم جماعة كبيرة من الأئمة والعباد والزهاد، فضلاً عن النساء والأطفال. ولا ينكر مؤرخو الفرنج هذه الفظائع، وكثير منهم يتحدثون عنها فخورين.


7. إضاءة:
وبعد تسعين سنة من هذه المجزرة فتح صلاح الدين بيت المقدس فماذا فعل ؟ .. لقد كان فيها ما يزيد على مائة ألف غربي بذل لهم الأمان على أنفسهم وأموالهم، وسمح لهم بالخروج لقاء مبلغ قليل يدفعه المقتدرون منهم، وأعطاهم مهلة للخروج أربعين يوماً، فجلا منها أربعة وثمانون ألفاً لحقوا بإخوانهم في عكا وغيرها، ثم أطلق كثيراً من الفقراء من غير الفدية، وأدى أخوه الملك العادل الفدية عن ألفي رجل منهم ... ولما أراد البطريرك الإفرنجي أن يخرج، سمح له بالخروج ومعه من أموال البِيَع والصخرة والأقصى والقيامة ما لا يعلمه إلا الله. واقترح بعض حاشية صلاح الدين عليه أن يأخذ ذلك المال العظيم، فأجابه السلطان:" لا أغدرُ به"، ولم يأخذ منه إلا ما كان يأخذه من كل فرد. ا.هـ[5]




[1].  من روائع حضارتنا، مصطفى السباعي، ص119-122، دار السلام، دمشق، ط1، 1959م
[2].  من روائع حضارتنا، مصطفى السباعي، ص126-130، دار السلام، دمشق، ط1، 1959م
[3]. من روائع حضارتنا، مصطفى السباعي، ص138-141، دار السلام، دمشق، ط1، 1959م
[4].  من روائع حضارتنا، مصطفى السباعي، ص106-107، دار السلام، دمشق، ط1، 1959م
[5]. من روائع حضارتنا، مصطفى السباعي، ص91-94، دار السلام، دمشق، ط1، 1959م
للمتابعة:
1.       أسس مفهوم الحضارة في الإسلام، سليمان الخطيب، الزهراء للإعلام العربي، القاهرة، ط1، 1986م
2.       أسس الحضارة الإسلامية ووسائلها، عبد الرحمن حبنكة، دار القلم، دمشق بيروت، ط2، 1980م
3.       دراسات في الحضارة الإسلامية، أحمد إبراهيم الشريف، دار الفكر العربي، القاهرة، 1976م
4.       المدخل في تاريخ الحضارة العربية الإسلامية، ناجي معروف، بغداد، 1960م
5.       الحضارة الإسلامية، أبو الأعلى المودودي، الدار العربية، بيروت، د.ت
6.       معالم الثقافة الإسلامية، عبد الكريم عثمان، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1982م
7.       جوانب علمية في الحضارة الإسلامية، جمعية الدراسات والبحوث الإسلامية، عمان، ط1، 1985م

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق