الأربعاء، 12 أبريل 2017

النقلة النوعية التي أحدثها الإسلام:

النقلة النوعية التي أحدثها الإسلام:
1.     النقلة المعرفيّة: من أجل إحداث تغيير جوهري لا بُدّ من الارتقاء المعرفي، ولا بد من تصحيح الأخطاء العلميّة. عندها سينعكس ذلك في واقع الناس في كافة المجالات وعلى رأسها الجانب العقَدي؛ فعندما تحدّث القرآن الكريم عن بعض مظاهر الكون، وأعطى فكرة صحيحة عن حقيقة الشمس والقمر والأفلاك، ساعد ذلك في تغيير اعتقادات الناس المتعلقة بهذه الأجرام.
2.     النقلة العقديّة: نزل الإسلام على مدى 23 سنة، منها 13 سنة في مكة. ويُلحظ أنّ القرآن المكي يركّز بالدرجة الأولى على الجانب العقدي، والذي لا ينفصل عن المعرفي، واستمر هذا الاهتمام في المرحلة المدنيّة أيضاً، مما يشير إلى ضرورة التغيير في الأسس العقدية حتى نتمكن من إحداث نقلة نوعيّة وجوهريّة، لأنّ الجانب العقدي يُشكل الأساس الذي يقوم عليه البناء الفكري لأي أمة من الأمم، وهو أيضاً المؤثر الأساس في الجانب السلوكي. أي أنّ الجانب العقدي ينعكس على كل جوانب الحياة.
3.     النقلة الأخلاقيّة: وهي تستند بالدرجة الأولى إلى التصورات العقديّة. ولا تكفي القناعات لتحقيق نقلة أخلاقية، بل لا بد من سلطة إلزام تتسلّط على الضمير فتوجّه السلوك، وهذا لا ينجح إلا إذا قام على أساسٍ ديني، فيه بُعد أخروي.
4.     النقلة التشريعيّة: وهي تستند أيضاً إلى الجانب العقدي. وقد كانت النقلة في هذا المجال كبيرة إلى درجة أنّ الكتّاب المعاصرين، وعلى وجه الخصوص العلماء بالقوانين والتشريعات، يعتبرون التشريع الإسلامي من أهم وجوه الإعجاز في الرسالة الإسلاميّة.
5.     النقلة في منهجيّة التفكير: إنّ النقلة الهائلة التي حدثت في الجانب العلمي والمعرفي لا ترجع في جوهرها إلى كم المعلومات والمعارف التي جاء بها القرآن الكريم بقدر ما ترجع إلى تأثيره في منهجيّة التفكير. ومن أراد أن يراجع التاريخ، ليبحث عن أساس الانفجار المعرفي والعلمي في العصور الأخيرة، فسيجد أنّ ذلك يرجع في الأساس إلى لحظات نزول " إقرأ باسم ربك الذي خلق ... ". وليس هناك من مسار تاريخي آخر يمكن السير فيه لاستكشاف مصدر النبع الأول لنهر العلوم والمعارف المعاصرة.

ولمزيدٍ من التوضيح إليك هذا المقتبس من كتابنا: (نظرات في كتاب الله الحكيم) تحت عنوان القرآن ومنهجيّة التفكير:

        " القرآن الكريم يزيد قليلاً عن 77 ألف كلمة، وهذا يعني أنّه يعادل كتاباً من 300 صفحة تقريباً. ومثل هذا الحجم لا يتضمن، في العادة، الكثير من المعلومات والمعارف والخبرات. وعلى الرغم من ذلك، فقد أحدث القرآن الكريم تغييراً هائلاً وجذرياً في مسيرة البشريّة الفكريّة والسلوكيّة، مما يجعلنا نتساءل عن سر الانطلاقة الفكرية التي حدثت بعد نزوله. وظاهر الأمر أنّ السر لا يكمن في الكم الهائل من المعلومات، لأنّ مقدار 300 صفحة لا يكفي في العادة لإعطاء إلا القليل من المعلومات. والذي نراه أنّ السّر يكمن في المنهجيّة التي يكتسبها كل من يتدبر القرآن الكريم.
       عند تَصفُّح أي كتاب نجده في الغالب يتسلسل في الفكرة والمعلومة من البداية حتى النهاية. ويرجع هذا الأمر إلى رغبة الكاتب في إعطاء القارئ المعلومات والخبرات. ولكن من يتصفّح القرآن الكريم يلاحظ أنّ اكتشاف التسلسل يحتاج إلى تفكّر وتدبّر. من هنا نجد أنّ غير العرب يشعرون عند قراءة ترجمة القرآن الكريم بأنه غير مترابط في كثير من المواقع. ويرجع هذا إلى أنّ القرآن الكريم يخالف في صياغته مألوف البشر، ثمّ إنّ كلماته المعدودة تحمل المعاني غير المتناهية. ولا ننسى أنّ إعجاز القرآن الكريم يرجع بالدرجة الأولى إلى لغته، وبيانه وإيجازه…وأنّ فهمه يحتاج إلى تدبّر. ويُلحظ أنّ من يعتاد تدبّره تنشأ لديه منهجيّة في التفكير والاستنباط. وإذا وُجدت هذه المنهجيّة أمكن أن يوجد الإنسان المبدع. وكل من يتعمق في تدبّر القرآن الكريم ودراسته يلمس الترابط بين معاني كلماته، وجُمله، وآياته، بل وسوره. ولا يزال علماء التفسير يشعرون بحاجتهم إلى التعمق أكثر من أجل إبصار معالم البنيان المحكم للألفاظ والجمل القرآنيّة.

العلوم المنهجيّة أولاً:
       الدارس لتاريخ الفكر الإسلامي يلاحظ أنّ ظهور علم أصول الفقه، وعلم أصول الحديث، وعلم الكلام، وعلم النحو والصرف،... كل ذلك كان قبل ظهور علوم مثل؛ الطب، والصيدلة، والكيمياء، والبصريات…وغيرها من العلوم. من هنا، فقد ظهر العلماء والفقهاء واللغويّون من أمثال مالك، والشافعي، والخليل بن أحمد، قبل ظهور الرازي وابن سينا وجابر بن حيّان... وغيرهم. وهذا أمر بدهي؛ فعلم أصول الفقه هو علم في منهجيّة الاجتهاد والاستنباط، وعلم أصول الحديث هو علم في منهجيّة البحث التاريخي، وعلم النحو هو علم قائم على منهج الاستقراء، وعلم الكلام هو الأساس الفلسفي للفكر الإسلامي.
    لقد أدّى التطور في منهجيّة التفكير لدى المسلمين إلى ظهور العلوم المختلفة؛ فكانت البداية تتعلّق بالأسس المنهجيّة، ثم كانت الثمار المتمثلة بالعلوم المختلفة، ومنها العلوم الكونيّة. ويمكننا اليوم أن نقسّم تاريخ الفكر البشري إلى مرحلتين؛ مرحلة ما قبل الإسلام، ومرحلة ما بعد الإسلام؛ حيث تميّزت المرحلة الثانية بمنهجيّة مستمدة من القرآن الكريم، أدّت إلى نهضة فكريّة وعلميّة هائلة أفرزت في النهاية الواقع العلمي المعاصر، إذ من المعلوم أنّ الغرب قد تتلمذ على المسلمين، وعلى وجه الخصوص في الأندلس وجامعاتها، إلى درجة أنّهم لم يعرفوا آباء الفلسفة الغربية من أمثال سقراط وأفلاطون وأرسطو... وغيرهم من الفلاسفة اليونانيين، إلا من خلال ترجمات علماء المسلمين.

التدبّر يورث المنهجيّة:
       إذا كان القرآن الكريم قد طوّر  منهجيّة التفكير لدى الصحابة والتابعين وأتباعهمفلماذا لا يؤثر اليوم في منهجيّة التفكير لدى كثير من المسلمين، على الرغم من كونهم يتلونه صباح مساء؟!
للإجابة عن هذا التساؤل نقول: اللافت للانتباه أنّ الغالبيّة الساحقة ممن يقرأ القرآن الكريم اليوم لا تزيد على أن تتلوه بصوت مسموع، أو بشفاه متحركة، ويندر أن نجد من يقرؤه متدبراً لمعانيه، متفكراً في مُشكلاته؛ إذ لا تتشكّل منهجيّة التفكير لدينا إلا عند تسريح الفكر في معانيه، وتراكيبه وأساليبه وتصريفاته
والدارس لتاريخ التفسير والفقه، ومناهج المفسرين والفقهاء، يدرك أنّ  بوادر هذه المنهجيّة قد تجلّت لدى المفسرين والفقهاء المجتهدين. أي لدى الذين تعاملوا بعمق مع النص القرآني الكريم. وحتى يتحقق الأثر المنشود على مستوى مناهج التفكير، لا بد من أن نضيف إلى تلاوة القرآن الكريم التدبّر. بل لا بد من تقديم التدبّر على التلاوة، والفهم على الحفظ. ولسنا نقلل من أهميّة التلاوة والحفظ؛ فالمتدبّر الحافظ هو أقدر من غيره على النظر بشمول إلى القرآن الكريم، وهو الأقدر على تفسير القرآن بالقرآن، ثم هو الأقدر على الملاحظة والربط....وفوق ذلك كله يبقى الحفظ عن ظهر قلب من مقاصد التربية القرآنيّة.

الصحابة والقرآن:
      عندما كان الصحابة والتابعون، رضوان الله عليهم، وهم أهل اللغة والبيان، يتدبّرون القرآن الكريم، فيشكل عليهم، يأخذ ذلك حظاً من تفكيرهم، ويلجأ بعضهم إلى بعض يتشاورون؛ فهذا معاوية، يدخل عليه عبد الله بن عباس، رضي الله عنهما، فيقول معاوية: "لقد ضربتني أمواجُ القرآن البارحة، فلم أجد لنفسي خلاصاً إلا بك"، ويعرض عليه آية من الآيات التي استشكلها، فيبيّنها عبد الله بن عباس، رضي الله عنهما. وهذا عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، وفي أكثر من موقف، يجمع الصحابة ويناقش معهم معنى آية كريمة أو أكثر. أما اليوم، فيكتفي الكثير من الناس، عند استشكال معنى آية من الآيات، بالرجوع إلى كتابٍ من كتب التفسير. ويندر أن يتمّ الرجوع إلى أكثر من كتاب في التفسير، ويندر أيضاً أن تتم مناقشة ذلك مع آخرين للتوصل إلى فهم أفضل. فلا عجب بعد ذلك أن لا تتشكل عند الكثيرين منا المنهجيّة المأمولة. في المقابل لا عجب أن يتأثر الصحابة والتابعون بالقرآن الكريم، ثم تتشكّل لديهم المنهجيّة في التفكير، فيظهر أثر ذلك فيما تحصّل من تطوّر سريع ومتصاعد على مستوى الفكر والمعرفة ومناهج البحث والعلوم المختلفة، حتى بلغ كل ذلك أوجهُ في القرن الرابع الهجري.

المنهجيّة وتقسيمات القرآن الكريم:
قلنا إنّ عدد كلمات القرآن الكريم يزيد قليلاً عن 77 ألف كلمة، وهذا يعادل 300 صفحة. ويتألف القرآن الكريم من 114 سورة، منها السور الطويلة ومنها القصيرة. ولا تزيد أطول سورة عن 24 صفحه، في حال كون كل صفحة تتألف من 260 كلمة. في المقابل تتألف أقصر سورة من عشر كلمات. أما باقي السور، فهي بين ذلك طولاً وقِصراً. وتتألف كل سورة من عدد من الآيات. وإذا عرفنا أنّ متوسط عدد كلمات الآية الواحدة هو 12.4 كلمة، وأنّ بعض الآيات تتكون من كلمة واحدة أو كلمتين، تبيّن لنا أنّ هذا الأسلوب يختلف عما اعتاده البشر في كتاباتهم.
في أكثر من مّرة أعرضنا عن شراء كتب نفيسة بسبب أسلوب العرض فيها؛ حيث السرد المتواصل، فلا تبويب، ولا فقرات، ولا علامات ترقيم... ولو عُرِضت علينا مثل هذه الكتب بالمجّان لترددنا في أخذها، لعِلمنا أنّها ستأخذ من مساحات رفوف المكتبة، ولعِلمنا بأن لا دافعيّة لدينا لقراءَتها، بل إنّ القراءة فيها ضرب من المعاناة. وقد تُفاجأ بعد حين بهذا الكتاب نفسه وقد أُخرِج بثوب جديد، وقُسّم إلى فُصول وأبواب، وازدان بالعناوين الواضحة والفقرات القصيرة، ولوّنت فيه بعض العبارات الهامّة، ووضعت الفواصل والحدود بين الفصل والفصل، والباب والباب، والفقرة والفقرة، والجملة والجملة... نعم، فبإمكاننا الآن أن نركز على التفاصيل، وأن نُلمّ بكُلّ صغيرةٍ وكبيرة؛ فقد أصبح الوضوح نوعاً من الجمال الجذّاب، والمتعة الدافعة. فلا بُد من الفصل والتحديد، حتى يتسنّى للقارئ أن يركّز ويميّز. ألا ترى أنّ القرآن الكريم يتألّف من 114 سورة، وكل سورة هي عدد من الآيات؟! فهل من قبيل الصدفة أن تسمّى (السورة) سورة؟! فكلمة سورة تذكِّرُنا بالسُّور، الذي يفصل بين قطعة أرضٍ وأخرى وبيتٍ وآخر. وهل من قبيل الصّدفة أن تسمّى الآية آية؟! فهذه الكلمة تُذكرنا بالعلامة الواضحة، والتي يُشكّلُ وُضوحها دليلاً، هو في النهاية حجّة وبرهان.
وقد يكون هذا المنهج في العرض من أسرار تأثير القرآن الكريم. والمتدبّر يلاحظ أنّ الآيات المكيّة غالباً ما تتسم بالقصر، في حين أنّ الآيات المدنية، إجمالاً، تتسم بالطول النسبيّ. ومعلوم أنّ التركيز في المرحلة المكيّة كان على الجانب العَقَديّ. وهذا يعني أنّ طرح العقيدة يحتاج إلى الأفكار المركّزة والسريعة، بعيداًَ عن التطويل والتفريع. وهذا يرشدنا إلى اعتماد أسلوب الشِّعار في الدعوة إلى الأفكار والعقائد؛ فذلك أسرع في تبليغ الفكرة وتعميمها ويجعلها أسهل وأسرع تناولاً. أما أسلوب الفلاسفة، فلا يصلح إلا لفئة قليلة متخصصة.
 من ينظر في سورة الإخلاص، مثلاً، يلاحظ أنها شعار واضح ورسالة سريعة وحاسمة، تجلجل بعقيدة التوحيد: "قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد". وهذا يرشدنا إلى المنهجيّة التي يجدر بنا أن نتبعها عند مخاطبة عامّة الناس وعند الدعوة إلى الفكرة والمبدأ. ويدعونا ذلك أيضاً إلى الاستفادة من منهجيّة القرآن المكي والمدني، لتوظيفها في مخاطبة الناس، بحيث يكون لكل مقامٍ مقال.

أولوية المنهجيّة:
غالباً ما يهدف الكُتّاب في كتاباتهم إلى تزويد الناس بمعلومات وخبرات جديدة. لذلك فهم يتسلسلون في الأفكار من البداية وحتى النهاية. ومن ذلك تتسلسل الأبواب والفصول. ويكون ذلك واضحاً غاية الوضوح وإلا عُدّ عدم التسلسل خللا وقصوراً. وهذا أمر مفهوم في العمل الذي يُقصد به نقل المعلومة والخبرة. أمّا إذا أردنا الحث على التفكير والتدبّر وخلق المنهجيّة السويّة في التفكير والبحث والاستنباط، فإنّ أسلوب العرض يجب عندها أن يختلف؛ فلا نعود بحاجة إلى التسلسل الواضح، بل نكون بحاجة إلى التسلسل الذي يجتهد القارئ في اكتشافه.
عند تدبّر القرآن الكريم نقوم أولاً بتدبّر آية ثم آية أخرى. فإذا فهمنا معانيها يصبح من السهل علينا بعد ذلك أن نربط بين الآيات. ويُفترض بعدها أن نلاحظ أنّ آيات السورة جاءت في مجموعات.  وإذا فهمنا معاني المجموعة الأولى، ثم المجموعة الثانية، أمكن أن نربط بين معاني المجموعات. وبعد أن ننتهي من فهم سورةٍٍ كآل عمران، مثلاً، نقوم بتدبر سورة النساء. فإذا فهمناها؛ كلمات وجُملاً وآيات ومجموعات، أصبح بإمكاننا أن نربطها بسورة آل عمران التي تسبقها في ترتيب المصحف. ولا يسهل علينا أن نربطها بسورة المائدة، التي تليها، حتى نتدبر سورة المائدة أيضاً، وذلك في مستوى الكلمات والجمل والآيات والمجموعات. وكمال الفهم للسورة الأولى، و كمال الفهم للسورة الثانية، يؤدّي ذلك كله إلى استكشاف الروابط والصلات بين السورتين،...الخ. وتكون المفاجأة عندما نكتشف أنّ القرآن يفسر القرآن، فيتجلّى لنا بناءاً متكاملاً متراصاً. وسيبقى الإنسان ينظر في تفاصيل هذا الكتاب العظيم من أجل تصوّرٍ أفضل لحقيقة بنائه، تماماً كما يفعل وهو يحاول أن يفهم حقيقة بناء الكون البديع.

المنهجيّة والقصص القرآني:
المتدبر للقرآن الكريم يلحظ أنّ بعض القَصص القرآني يتكرر في أكثر من سورة. والذين يظنون أنّ القرآن الكريم نزل ليزوّد الناس بمعلومات ومعارف قد يرون في هذا التكرار ظاهرة غير إيجابية. وهم بذلك إنما يذهلون عن حقيقة أنّ القرآن الكريم يُربّي الناس تربية شاملة، ومن ذلك تربيتهم على منهجيّة التفكير. والملحوظ أنّ القَصص القرآني يختلف عن القصص البشري، الذي يغلب أن يكون سرده  متسلسلاً ومفصّلاً. بل هو، إن صحّ التعبير، لقطاتٌ قد تطول قليلاً وقد تقصُر. ولكنها إن طالت تبقى في إطار القصة القصيرة، بل القصيرة جداً. أما التكرار في القصة القرآنيّة فإنّه ظاهري يتوهمه من يتلو القرآن الكريم من غير تدبّر. أما أهل التدبّر فيعلمون أن لا تكرار إلا في الشكل، أما في الجوهر فلا تكرار. من هنا نجد من المناسب أن نلفت الانتباه إلى الآتي:
1.     تكرار القصة القرآنيّة لا يعني أنّها تتكرر بتفاصيلها؛ بل قد تزيد في بعض التفاصيل والحيثيّات وقد تنقص.
2.     تختلف السياقات التي يتكرر فيها القَصص القرآني، مما يعني أنّ المعنى المستفاد يختلف باختلاف السياق.
3.     تُستبدل بعض المفردات أو الجُمل بغيرها، ويكون تقديم وتأخير في الألفاظ والجُمل. ويختلف الجَرْس، وتختلف الموسيقى، وتختلف فواصل الآيات.
4.     تختلف أهداف القصة القرآنيّة عن أهداف القصة في كتابات البشر. من هنا تتعدد المقاصد عند تكرار القصة.
5.     إنّ الأسلوب القرآني في التكرار يُطوّر في منهجيّة التفكير لدى المتدبّر، لأنّه يساعد على ملاحظة الأنماط المحتملة، والصيغ التي يمكن أن تتعدد، والتغييرات المطلوبة لتحقيق الانسجام مع السياق من حيث الجوهر، ومن حيث الشكل البلاغي الذي لا بد أن تتجلى فيه المعاني. ثم هو يعين على تصوّر البدائل الممكنة، والاحتمالات المُدّخرة.


الذي خلق هو الذي أنزل:
تتألف المادة من: إلكترونات، وبروتونات، ونيوترونات. ومجموع هذا يسمّى ذرّةً، ومجموع الذّرات يسمّى جُزيئاً، ومجموع الجزيئات يسمّى مُركّباً. ومن هذه الذرات والجزيئات والمركبات تكون التنوعات التي تبدو لا متناهية. ولو أخذنا عنصر البوتاسيوم، كمثال، فسوف نجد أنّ اختلاف نسبة هذا البوتاسيوم في النباتات المختلفة يؤدّي إلى اختلاف الأطعام. ولا يقال إنّ طعم الموز، مثلاً، هو نفسه طعم التفاح على اعتبار أنّ مردّه إلى البوتاسيوم، فقد أدّى اختلاف نِسَب البوتاسيوم إلى اختلافٍ كبير في المذاق. وإذا تعمّقنا أكثر نجد أنّ مكونات التفاحة هي في الحقيقة إلكترونات وبروتونات ونيوترونات، وهذه هي نفسها مكونات الحديد، والنحاس...
فالتكرار في عالم المادّة هو الأساس الذي يقوم عليه كل التنّوّع والثراء الذي يتصف به الوجود. وإذا كان تكرار الكلمة لا بد منه وتكرار الجملة لا بأس به، فإنّ لتكرار القصة فوائد كثيرة؛ حيث يؤدّي ذلك إلى ظهور أبنية جديدة، ويولّد صوراً متنوعة، ويلهم آفاقاً رحبة، ويكشف عن دروس غنيّة، ويخلق منهجيّه في التفكير والاستنباط.
 وعليه فإنّ المطلوب هنا هو تركيز الاهتمام بالنص القرآني من أجل محاولة استكشاف الأنماط التي تؤسس لمنهجيّة سويّة في التفكير". ا.هـ[1]



[1].  نظرات في كتاب الله الحكيم، بسام جرار، ص9-19، مركز نون، البيرة، فلسطين، ط1، 2004م

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق