الجمعة، 14 أبريل 2017

سيميوطيقـــا الصورة المرئية أو البصرية

سيميوطيقـــا الصورة المرئية أو البصرية
كثيرة هي الأبحاث الفلسفية والأنتروبولوجية التي تثبت أن الإنسان في البداية كان يفكر بطريقة بصرية مادية، يترجم كل منظوراته الحسية عن طريق الصورة أولا ، واللغة المنطوقة ثانيا. والدليل على ذلك الطقوس الأنتروبولوجية والدينية.
هذا، ويلاحظ أن جميع الأديان السماوية قد حرمت إنتاج الصورة الحسية، ومنعتها من التداول، كما يتجلى ذلك واضحا في موقف اليهودية من التجسيم السامري، وموقف الإسلام من الرسم والتشكيل وتعليق الصور المجسمة؛ لأن ذلك يحيل على فعل الخلق والوثنية وعبادة الأصنام. بيد أن المسيحية التي رفضت التجسيم في البداية، سرعان ما استعانت بالصورة الحسية بشكل كبير في تزيين كنائسها وبيعها ومعابدها، وحولت صور الأنبياء إلى صور منحوتة مع مجموعة من النحاتين، مثل: ميكائيل أنجلو، ورفائيل، وليوناردو دافنشي. وبدأت المؤلفات والكتب في الثقافة الغربية تستعين بالصور للاستشهاد والتدليل والتوضيح.
هذا، وقد بلغت الصورة أوجها وازدهارها إبان مرحلة التصوير في نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، إذ ظهرت الصورة الشمسية، والصورة السينمائية، والصورة التلفزيونية الملونة وغير الملونة لالتقاط المجسمات والمجردات.
وفي العقود الأخيرة، انتشرت الصورة الرقمية في جميع مجالات الحياة الثقافية والأدبية والفنية والجمالية والعلمية والبيداغوجية، وهيمنت الصورة الرقمية على الموسيقا والغناء والإشهار والكليب، وتقلصت اللغة المنطوقة، فانتقلت الصورة من الحالة الثابتة إلى المتحركة، ومن الحالة الصامتة إلى الحالة الناطقة و النابضة بالحركة.
إذاً، مامفهوم الصورة المرئية؟ وما أهم مراحلها؟ وما أهم مقارباتها المنهجية؟ وما أهم مكوناتها البنيوية والدلالية والوظيفية؟ هذا ما سوف نرصده في العناوين التالية:

المبحث الأول: مفهـــوم الصـــورة المرئية

تحيلنا كلمة الصورة على التصوير والتمثيل والمحاكاة. ومن ثم، فالصورة هي التي تنقل لنا العالم إما بطريقة حرفية مباشرة، وإما بطريقة فنية جمالية. أي: إن الصورة تلتقط ما له صلة بالواقع أو الممكن أو المستحيل. والآتي، أن الصورة قد تكون لغوية بيانية كما هو حال الصور البلاغية من تشبيه، واستعارة، ومجاز، وكناية،...وقد تكون صورة حسية بصرية أيقونية، أو عبارة عن أنساق سيميائية غير لفظية ، تتجسد بشكل جلي في الجسد والسينما والمسرح والفوتوغرافيا والحاسوب والكنيسية والميم ...وغير ذلك من الأنساق الحسية المتعلقة بالموضة والطعام والعمران والأزياء والإشهار...
ومن المعلوم أن الصورة خير من ألف كلمة على مستوى التبليغ والتواصل والإفهام. أضف إلى ذلك، أن الصورة قد تنقل العالم بإيجاز وإيحاء واختصار، أو قد تنقله مفصلا واضحا وجليا. وإذا كانت العلامة اللغوية في التصور اللساني ثنائية الطابع، تجمع بين الدال الصوتي والمدلول المفهومي المجرد، فإن الصورة المرئية تقوم على عناصر ثلاثة: الدال، والمدلول، والمرجع. ويقوم المرجع- هنا- بدور هام في تسنين الصورة وتشفيرها بصريا ومرئيا وحسيا.

المبحث الثاني: مراحل الاهتمام بمبحث الصورة

يمكن الحديث عن مجموعة من المراحل التي قطعتها الصورة البصرية في الثقافة الغربية، وهي على النحو التالي:

المطلب الأول: المرحلة التأسيسية

لقد ارتبطت هذه المرحلة مع مجموعة من أعلام السيميولوجيا أو السيميوطيقا ، مثل: فرديناند دو سوسير(F.De Saussure) ، ولوي هلمسليف(Louis Hjelmslev)، وشارل ساندريس بيرس(CH.S.Peirce) على الوجه التالي[1]:

الفرع الأول: فرديناند دو سوسير

من المعروف أن فرديناند دو سوسير (1857-1913م) عالم لغوي سويسري ،  ساهم بجدية في تأسيس اللسانيات والسيميولوجيا معا، كما يتضح ذلك جليا في كتابه ( محاضرات في اللسانيات العامة) الذي ألفه عام 1916م. بيد أن السيمائيات لها تاريخ طويل، وجذور موغلة في القدم، إذ تعود في امتداداتها إلى الفكر اليوناني مع  كل من : أفلاطون وأرسطو والرواقيين ... كما تطورت أيضا مع فلاسفة عصر النهضة، وفلاسفة مرحلة عصر الأنوار، وعطاءات العرب القدامى. لكن تبقى هذه المساهمات متواضعة جدا، أو هي عبارة عن أفكار متناثرة تحتاج إلى تنسيق نظري ونظام منهجي ومنطقي. أما البداية الحقيقية للسيميولوجيا، فقد كانت مع التصور السوسيري، حيث قطع هذا العلم الجديد أشواطا علمية ملحوظة، واخترق العديد من العلوم والمعارف، بل إنه  أعاد ترتيب العلاقات بينه وبين اللسانيات والإبستمولوجيا والفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع والأكسيوماتيك. ومن ثم، فلقد انتقلت السيميائيات من تبعيتها للسانيات، إلى قيامها بجمع شمل العلوم، والتحكم فيها، وأنتجت أدوات معرفية لمقاربة مختلف الظواهر الثقافية التي ترد في شكل أنساق تواصلية ودلالات.
وعلى الرغم من أنها تبدو متعددة، حيث إن هذه الكلمة قد استعملت لتغطي ممارسات متنوعة، فإن لها وحدة عميقة، تتجلى في كونها تنظر إلى مختلف الممارسات الرمزية للإنسان باعتبارها أنشطة رمزية وأنساقا دالة. وبذلك، أوجدت لنفسها موقعا إبستمولوجيا شرعيا[2].
هذا، ولقد عد دو سوسوير السيميولوجيا علما للعلامات، وحدد لها مكانة كبرى، إذ جعلها العلم العام الذي يشمل في طياته حتى اللسانيات، وحدد لها وظيفة اجتماعية، وتنبأ لها بمستقبل زاهر. وفي هذا السياق، يقول دو سوسير:" يمكننا أن نتصور علما يدرس حياة الدلائل داخل الحياة الاجتماعية، علما سيكون فرعا من علم  النفس الاجتماعي. وبالتالي، فرعا من علم النفس العام. ونطلق على هذا العلم السيميولوجيا من( Sémion أي الدليل)، وسيكون على هذا العلم أن يعرفنا على وظيفة هذه الدلائل وعلى القوانين التي تتحكم فيها. ولأن هذا العلم لم يوجد بعد، فلا يمكن التكهن بمستقبله، إلا أن له الحق في الوجود، وموقعه محدد سلفا."[3]
هذا، وتدرس السيميولوجيا - حسب دو سوسير- الأنساق القائمة على اعتباطية الدليل. ومن ثم، لها الحق في دراسة الدلائل الطبيعية كذلك. أي: إن لها موضوعين رئيسيين: الدلائل الاعتباطية والدلائل الطبيعية. وعلاوة على ذلك، ينبغي على  السيميولوجيا أن تستعير من اللسانيات مبادءها ومفاهيمها وتصوراتها النظرية، لكي تحظى باستقلالها، وتخصص مجالها الإبستمولوجي، وتحدد مفاهيمها التطبيقية ومصطلحاتها الإجرائية، كما فعل رولان بارت (R.Barthes)، عندما قال:" بمثل هذه النظرة، ما يترتب عنها صارت السيميولوجيا تابعة للسانيات ، بل وفرعا منها. والمنهج الذي رصده دوسوسير بخصوص التحليل اللساني، من المفروض ، وفق هذا الطرح، أن ينسحب على الأنساق السيميولوجية، مثل: التزامنية(السانكرونية) ، والقيمة، والتعارض،والمحورين الترابطي والمركبي."[4]
علاوة على ذلك، تقوم العلامة عند دو سوسير على الدال والمدلول مع إقصاء المرجع المادي الحسي. ومن ثم، فالعلاقة الموجودة بينهما علاقة اعتباطية، ماعدا المحاكيات للطبيعة(onomatopées)، وصيغ التعجب. ومن هنا، لايتحد الدليل من خلال مجاله المادي، بل من خلال العلاقات الاختلافية والتعارضية على مستوى تجاور الدوال والمدلولات.
ومن مميزات الدليل السوسيري:
1- الدليل صورة نفسية مرتبطة باللغة لا بالكلام.
2- يستند الدليل إلى عنصرين أساسيين: الدال والمدلول مع إبعاد الواقع المادي أو المرجعي؛ لأن إقصاء المرجع يعني أن لسانيات دو سوسير شكلانية، وليست ذات بعد مادي وواقعي كما عند جوليا كريستيفا(Julia kristeva).
3- اعتباطية الدليل، مع استثناء الأصوات الطبيعية المحاكية، وصيغ التعجب والتألم.
4- يعتبر النموذج اللساني في دراسة الأدلة غير اللفظية هو الأمثل والأصل في المقايسة.
5- إن الدليل السوسيري محايد ومجرد ومستقل، يقصي الذات والإيديولوجيا.
هذا، وقد أغفل دو سوسير بعض المؤشرات الضرورية في التدليل، كالرمز، والإشارة ، والأيقون، وقد حصر علامته في إطار ثنائي قائم على الدال والمدلول. وقد استفادت من هذه الثنائية مجموعة من المقاربات السيميوطيقية في تحليل النص ، حينما ركزت على دراسة شكل المضمون، وإبعاد الواقع أو المرجع بمحاولاته المختلفة.
هذا، ويتخذ مفهوم اعتباطية الدليل صبغة اصطناعية أو ضرورية لدى العالم اللغوي بنفنست(  Benveniste )، في كتابه(طبيعة العلامة اللغوية)(1979). أما رولان بارت ، فقد اعترض على  تصور دو سوسير للسيميولوجيا ،  حينما جعلها العلم العام الذي يحوي اللسانيات برمتها، وأكد على قلب الأطروحة جاعلا السيميولوجيا فرعا من اللسانيات، وهي تتطفل على مفاهيم اللسانيات ومبادئها ومصطلحاتها. كما انتقد بارت " الجانب النفسي الذي غلفت به العلاقة بين الدال والمدلول، كما في توكيد سوسير أنهما " يتحدان في دماغ الإنسان بآصرة التداعي (الإيحاء)"،... وقد عزا جورج مونان    G.Mounin هذه النزعة النفسية في نظرية سوسير إلى أنه كان  " رجل عصره"، مما يعني أن نظريته تدخل في سياق علم النفس الترابطي، كما شدد البعض الآخر على المبنى الثنائي للعلامة عند سوسير، وانغلاقها على نفسها؛ بسبب إهمالها للمرجع، أو المشار إليه".[5]
وعلى الرغم من هذه الانتقادات، فقد أثرى دو سوسير المقاربة السميوطيقية بكثير من التصورات والمفاهيم والمصطلحات اللسانية ذات الفعالية الكبيرة في الإجراء، وفك مغالق النصوص تشريحا وإعادة بناء.
بيد أن ما يهمنا عند دوسوسير هو الصورة الحسية. فقد أشار في محاضراته إلى أن علم اللغة (اللسانيات) يهتم بماهو لفظي وغير لفظي. بمعنى أن هناك علمين متجاورين: اللسانيات والسيميولوجيا. ومن ثم، فاللسانيات تدرس اللغة دراسة علمية في ضوء المعطيات الصوتية والصرفية والتركيبية والدلالية والتداولية . في حين، تدرس السيميولوجيا ماهو بصري وأيقوني ومرئي، مثل: الصور، والدوال البصرية، والمخططات، والرسوم ، واللوحات التشكيلية، والصور بأنواعها المختلفة ( الفوتوغرافية-الإشهارية- السينمائية- المسرحية- الرقمية...). وقد اعتبر فرديناند دو سوسير السيميولوجيا علما عاما، مادام يدرس ماهو لفظي وغير لفظي. بينما تكتفي اللسانيات بدراسة اللغة المنطوقة. لكن رولان بارت (R.Barthes)، في كتابه (عناصر السيميولوجيا)، قد قلب الكفة، إذ يعتبر اللسانيات علما عاما، أما السيميولوجيا فهي علم خاص؛ لأن السيمويولوجيا تعتمد، في وصفها للظواهر البصرية والمرئية، على معطيات اللسانيات ، فتستخدم مجموعة من مفاهيمها، كالدال والمدلول، والسانكروني والدياكروني، والمحور التركيبي والاستبدالي، والكلام واللسان، والتضمين والتعيين...

الفرع الثاني: شارل ساندريس بيرس

ارتبط الاتجاه الرمزي بالفيلسوف المنطقي تشارلز ساندرس بيرس (1838-1914م) ، وهو الذي أطلق على علم العلامات مصطلح السيميوطيقا (Sémiotique) ، وتقوم هذه الأخيرة لديه على المنطق والظاهراتية والرياضيات. ومن ثم، فالسيميوطيقا مدخل ضروري إلى المنطق. أي: إن هذا الأخير فرع متشعب عن علم عام للدلائل الرمزية. وبالتالي، يرادف المنطق السيميوطيقا. وفي هذا النطاق، يقول بيرس:" إن المنطق بمعناه العام... ليس سوى تسمية أخرى للسيميوطيقا، إنه النظرية شبه الضرورية أو الشكلية للدلائل، وحينما أصف هذه النظرية باعتبارها شبه ضرورية أو شكلية، فإني أود أن أقول: إننا نلاحظ خاصيات الدلائل التي نعرفها، وأننا ننساق، انطلاقا من هذه الملاحظة، بواسطة سيرورة لا أتردد في تسميتها بالتجريد إلى أقوال خادعة للغاية. وبالتالي، فهي بأحد المعاني أقوال غير ضرورية إطلاقا. وتتعلق بما ينبغي أن تكون عليه خاصيات كل الدلائل المستعملة من قبل عقل علمي. أي: من قبل عقل قادر على التعلم بواسطة الاختبار".[6]
وهكذا، فالسيميوطيقا لدى بيرس مبنية  على الرياضيات(صياغة الفرضيات، واستنباط النتائج منها)، والمنطق ، والفلسفة، والظاهراتية.
ويبدو  لنا من هذا كله أن السيميوطيقا البيرسية بمثابة بحث رمزي موسع. وبالتالي، فهي تنكب على الدلائل اللسانية وغير اللسانية. ومن الواضح"أن مفهوم الدليل ما كان له أن يكون كذلك لو لم يوسع ليشمل مختلف الظواهر كيفما كانت طبيعتها. وقد أكد بيرس أنه لم يكن بوسعه أن يدرس أي شيء، مثل: الرياضيات والأخلاق والميتافيزيقا والجاذبية وعلم الأصوات والاقتصاد وتاريخ العلوم...إلخ إلا بوصفه دراسة سيميوطيقية."[7]
وعليه، فسيميوطيقا بيرس ذات وظيفة فلسفية ومنطقية، لا يمكن فصلها عن فلسفته التي من سماتها: الاستمرارية، والواقعية، والتداولية. ومن ثم، تكمن وظيفة السيميوطيقا البيرسية" في إنتاج مراقبة مقصودة ونقدية للعادات أو الاعتقادات، وهنا يوجد المجال الخاص بالمعرفة الفلسفية أو العلمية التي تبلور، في أوقات محددة من تاريخها، سلسلة من المعايير التي تسمح بتحديد ماهو صادق، سواء كان هذا الصدق مفكرا فيه باعتباره ملاءمة(كفاية) أم باعتباره انسجاما داخليا أم باعتباره مشاكلا للواقع".[8]
وتعد سيميوطيقا بيرس أيضا بمثابة سيميوطيقا الدلالة والتواصل والتمثيل في آن واحد. كما أنها سيميوطيقا اجتماعية وجدلية، تعتمد على أبعاد منهجية ثلاثة : البعد التركيبي، والبعد الدلالي، والبعد التداولي. والسبب في ذلك يعود إلى أن الدليل البيرسي ثلاثي؛ نظرا لوجود الممثل باعتباره دليلا في البعد الأول، ووجود موضوع الدليل(المعنى) في البعد الثاني، ويتمثل البعد الأخير في المؤول الذي يفسر كيفية إحالة الدليل على موضوعه، انطلاقا من قواعد الدلالة الموجودة فيه.
وعلى أي حال، فقد سيق بيرس دوسوسير إلى الحديث عن العلامة وأنماطها في كتابه ( كتابات حول العلامة)، قبل ظهور كتاب فرديناند دوسوسير (محاضرات في اللسانيات العامة) عام 1916م.
ومن ثم، تتكون العلامة عند بيرس من الممثل ، والموضوع، والمؤول، وتنبني على نظام رياضي قائم على نظام ثلاثي صارم. ومن هنا، أصبحت ظاهريات بيرس ثلاثية:
1- عالم الممكنات(أولانية).
2- عالم الموجودات(ثانيانية).
3- عالم الواجبات(ثالثانية).
ويعني العالم الأول الكائن فلسفيا. ويعني الثاني مقولة الوجود. ويقصد بالثالث الفكر في محاولته تفسير معالم الأشياء. وهكذا، يمثل المؤول الفكرة أو الحكم الذي يساعد على تمثيل العلامة تمثيلا حقيقيا على مستوى الموضوع. علاوة على ذلك، قد تكون العلامة البيرسية لغوية أو غير لغوية. وبالتالي، فهي أنواع ثلاثة: الأيقون، والإشارة، والرمز. وتتفرع هذه الأشكال الرمزية إلى فروع متعددة ومتسعة.، يمكن تحديدها على الشكل التالي:
الممثل
Représentamen      العلامة- الصفة
Qualisigne       العلامة- المفرد
Sin Signe العلامة- النمط
Légisigne
الموضوع
Objet       الأيقونة
Icone       الإشارة
Indice      الرمز
Symbole
المؤول
Intreprétant     المسند إليه
Rhème    الافتراض
Decisigne        البرهان
Argument

وهكذا، فالعلاقة التي تجمع بين الدال والمدلول، ضمن الأيقون، هي علاقة تشابه وتماثل، مثل: الخرائط، والصور الفوتوغرافية، والأوراق المطبوعة... التي تحيل على مواضيعها مباشرة بواسطة المشابهة. أما الإشارة أو العلامة المؤشرية، فتكون العلاقة فيها بين الدال والمدلول سببية وعلية ومنطقية، كارتباط الدخان بالنار – مثلا-. أما العلاقة الموجودة بين الدال والمدلول، فيما يتعلق بالرمز، فهي علاقة اعتباطية وعرفية وغير معللة. فلا يوجد ثمة، إذاً، أي تجاور أو صلة طبيعية بينهما.
وما يلاحظ على تقسيمات بيرس توسعها وتشعبها ، حتى إنها في آخر المطاف، تصل إلى ستة وستين نوعا من العلامات، وأشهرها التقسيم الثلاثي، لأنه أكثر جدوى ونفعا في مجال السيميائيات، و يتمثل في: الأيقون، والإشارة، والرمز.
هذا، وقد بدأ بيرس يسترد مكانته  العلمية في مجال السيميوطيقا بأمريكا المعاصرة، وفي باقي الدول الغربية أيضا، وخصوصا في فرنسا، حيث عرف به الأستاذ جيرار دولودال ( Gérard Delladalle )، في كتابه الذي ترجم فيه نصوصا بيرسية تحت عنوان( كتابات حول العلامة)،" وكان هذا ما وجه إليه الأنظار، فقد استفاد مولينو(  Molino) من مفهومه الخصب للعلامة، وهو يضع لبناته الأولى لبناء سيميولوجيا الأشكال الرمزية. ومن الممكن جدا، أن يكون أصحاب مدرسة باريس السيميوطيقية قد استفادوا منه في هذا الباب."[9]
بيد أن بنفينست(  Benveniste ) قد صوب سهام النقد إلى بيرس، آخذا عليه مبالغته في تحويل كل مظاهر الوجود إلى علامة، حتى إن الإنسان أصبح لدى بيرس علامة، في مقال بعنوان (سيميولوجيا اللغة)، حيث يقول بنفنست:" ينطلق بيرس من مفهوم العلامة  لتعريف جميع عناصر العالم، سواء أكانت هذه العناصر حسية ملموسة أم عناصر مجردة، وسواء أكانت  عناصر مفردة أم عناصر متشابكة، حتى الإنسان- في نظر بيرس- علامة، وكذلك مشاعره، وأفكاره. ومن اللافت للنظر أن كل هذه العلامات، في نهاية الأمر، لا تحيل على شيء سوى علامات أخرى، فكيف يمكن أن نخرج عن نطاق عالم العلامات المغلق نفسه؟ نرسي فيها علاقة تربط بين العلامة، وشيء آخر غير نفسها."[10]
وبناء على هذا كله ، نقول: إن سيميوطيقا بيرس صالحة لتطبيقها في إطار المقاربة النصية والخطابية،  باستعارة مفاهيمها، واستدعاء أبعادها التحليلية الثلاثة: البعد التركيبي، والبعد الدلالي، والبعد التداولي. بالإضافة إلى المفاهيم الدلائلية الأخرى الثلاثة: الأيقون، والرمز، والإشارة؛ لأن كثيرا من الإنتاجات النصية والإبداعية تحمل دلالات أيقونية بصرية، تحتاج إلى تأويل وتفسير من خلال استقراء الدليل والموضوع والمؤول.
وعليه، فلقد اهتم بيرس بالصورة بشكل بين، كما يتجلى ذلك واضحا حينما أورد مفهوم الأيقون القائم على المماثلة. في حين، كانت تصورات  دو سوسير حول الصورة مضمرة  ومختصرة، ولم تتضح شيئا ما إلا حين حديثه عن الأنساق غير اللفظية.

الفرع الثالث: لــــوي هلمسليف

يرتبط اللساني الدانماركي لوي هلمسليف (Louis Hjelmslev) بالكلوسيماتيكية، وهي نظرية لغوية بنيوية لسانية. ومن أهم مؤلفاته: (مبادئ النحو العام) (1928م)، و( مقدمات نقدية حول نظرية اللغة) (1943). وقد عرف اللغة بأنها شبكة من الوظائف السيميوطيقية . بمعنى أن اللغة تتأسس سيميوطيقيا على الثنائية المنهجية التالية: شكل المضمون وشكل التعبير ،  و من ثم، تحقق هذه الثنائية الوظيفة السيميوطيقية أو ما يسمى بالسيميوزيس، وتتجسد واقعيا عندما يترابط المستويان الشكليان معا. في حين، يشير مضمون الجوهر إلى الفكر، ومضمون التعبير إلى الأصوات الفونيتيكية. أما شكل التعبير ، فيدرس الأصوات الفونولوجية. لذا، فلقد ركز هلمسليف على شكل الجوهر وشكل التعبير معا لتحصيل الدلالة الموضوعية والإيجابية، مستبعدا كل ما يرتبط بالمضمون، كما يظهر ذلك جليا  في هذه الخطاطة :

              الشكل    المضمون                  الشكل    المضمون
                                                                                                         
ومن هنا، فالسيميوطيقا - حسب هلمسليف- هي دراسة شكلانية للمضمون والتعبير معا، تتحقق باستنطاق الشكل إن تفكيكا وإن بناء ، وإن تحليلا وإن تأويلا، عبر مساءلة الدوال من أجل تحقيق معرفة دقيقة بالمعنى سطحا وعمقا.

المطلب الثاني: المرحلة الفنيـــة أو التشكيليـــة

ظهرت هذه المرحلة بنشأة مدرسة البهاوس (Bauhauss) أو مدرسة الفن الفيمارية (Weimar) سنة 1930م، وكانت هذه المدرسة تهتم بتحليل الصور التشكيلية، كما يبدو ذلك جليا في لوحات التجريديين( كادينسكي (Kadinsky)، وكلي(Klee)، وإيتين(Itenne)، مثلا)،
وفي هذه المرحلة بالذات، اهتم الدارسون والنقاد بسيميائية العلامات البصرية ودلالات الصور المرئية في الأعمال التشكيلية، بالتوقف عند ألوانها، وخطوطها، وأشكالها، وتركيبها، وتأليفها، وبنياتها ، ودلالاتها، وأغراضها. ولا ننسى أن نذكر أيضا مراسلات الفنانين (فان جوغ /Van Gogh ، وكوكان/ Gauguin، ومانيه/Manet)، والدراسات النقدية التي ارتبطت بصالونات ديدرو و بودلير... ويؤشر هذا كله على وجود دراسات مبكرة في سيميولوجية الصورة.[11]
وفي سنة 1945م، تساءل أندري بازان(André Bazin) عن خصوصية الصورة الفوتوغرافية وعلاقتها بالتشكيل والسينما، وبالضبط في كتابه (أنطولوجيا الصورة الفوتوغرافية).
هذا، وقد اهتم مؤرخو الفن ومنظروه بالصورة المرئية دراسة وتحليلا وتوثيقا، كما هو حال كل من: لوي ماران(Louis Marin)، وهوبير داميش(Hubert Damisch)، ورولان بارت (R.Barthes) في مرحلته الأولى.

المطلب الثالث: المرحلـــة التصنيفيــــة

يقصد بالمرحلة التصنيفية تلك المرحلة البنيوية التي كانت تعنى بتصنيف الصور المرئية، والبحث عن دلالاتها وفق رؤية لسانية وسيميائية. وقد تشكلت هذه المرحلة ما بين سنوات الستين والسبعين من القرن الماضي، مع كل من رولان بارت(R.barthes)، وكريستيان ميتز(C.Metz)، وأمبرطو إيكو(U.Eco) وگاروني(Garroni)، دون نسيان جهود الشكلانيين الروس ورومان جاكبسون في دراسته عن الصور البلاغية والصورة المرئية،  ولاسيما السينمائية منها.
وعليه، يعتبر رولان بارت خير من يمثل اتجاه الصورة؛ لأن البحث السيميولوجي لديه هو دراسة الأنظمة الدالة، فجميع الأنساق والوقائع تدل. فهناك من يدل بواسطة اللغة، وهناك من يدل بدون اللغة السننية، بيد أن لها لغة دلالية خاصة بها. ومادامت الأنساق والوقائع كلها دالة، فلا عيب من تطبيق المقاييس اللسانية على الوقائع غير اللفظية . أي: أنظمة السيميوطيقا غير اللسانية لبناء الطرح الدلالي. ومن هنا، فقد انتقد بارت في كتابه (عناصر السيميولوجيا) الأطروحة السوسيرية التي تدعو إلى إدماج اللسانيات في قلب السيميولوجيا ، مبينا أن اللسانيات ليست فرعا ولو كان مميزا، من علم الدلائل(السيميولوجيا)، بل السيميولوجيا هي التي تشكل فرعا من اللسانيات.[12]
ومن هنا، فقد تجاوز رولان بارت تصور الوظيفيين الذين ربطوا بين العلامات والمقصدية، وأكد على وجود أنساق غير لفظية، حيث التواصل غير إرادي، لكن البعد الدلالي موجود بدرجة كبيرة. وتعتبر اللغة الوسيلة الوحيدة التي تجعل هذه الأنساق والأشياء غير اللفظية دالة، حيث إن كل"المجالات المعرفية ذات العمق السوسيولوجي الحقيقي تفرض علينا مواجهة اللغة، ذلك أن الأشياء تحمل دلالات.غير أنه ماكان لها أن تكون أنساقا سيميولوجية أو أنساقا دالة لولا تدخل اللغة، ولولا امتزاجها باللغة. فهي، إذاً، تكتسب صفة النسق السيميولوجي من اللغة. وهذا ما دفع بارت إلى أن يرى أنه من الصعب جدا تصور إمكان وجود مدلولات نسق صور أو أشياء خارج اللغة؛ بحيث إن إدراك ماتدل عليه مادة ما يعني اللجوء، قدريا، إلى تقطيع اللغة؛ فلا وجود لمعنى إلا لما هو مسمى، وعالم المدلولات ليس سوى عالم اللغة."[13]
أما عناصر سيمياء الدلالة لدى بارت، فقد حصرها في كتابه (عناصر السيميولوجيا) في الثنائيات البنيوية التالية: ثنائية الدال والمدلول، وثنائية التعيين والتضمين، وثنائية اللسان والكلام، وثنائية المحور الاستبدالي والمحور التركيبي.  وقد حاول بارت، بواسطة هذه الثنائيات اللسانية، أن  يقارب الظواهر السيميولوجية، كأنظمة الموضة، والأساطير، والطبخ، والأزياء، والصور، والإشهار، والنصوص الأدبية ، والعمارة ، إلخ...
وأخيرا، يمكن للمقاربة النصية والخطابية، في بعدها السيميوطيقي، أن تستعين بثنائيات بارت اللسانية ، بغية البحث عن دلالة الأنساق اللفظية وغير اللفظية في الأنشطة البشرية والنصوص الإبداعية الأدبية والفنية.
ومن أهم كتاباته خول الصورة نذكر: (الرسالة الفوتوغرافية) (1961م)، و(بلاغة الصورة) (1964م)، و(عناصر السيميولوجيا) (1964م)، و(نظام الموضة) (1965م)، و(الغرفة المضيئة ) (1979م).
وعلى العموم، يعد رولان بارت من السباقين إلى دراسة الصورة دراسة لسانية وسيميولوجية منذ 1964م. وقد ربط الصورة بوظيفتها التصويرية والتمثيلية للعالم. بمعنى أن الصورة أيقون تماثلي للعالم المحاكى. وبعده مباشرة، انطلقت دراسات كريستيان ميتز (CH.Metz) في دراسة الصورة، انطلاقا من أعمال رولان بارت القائمة على ثنائية الصورة والتماثل الأيقوني، وقد نشر ذلك في مجلة (التواصل)، في عددها الخامس عشر سنة 1970م. و في الحقيقة، لقد انبثقت دراسات الصورة  كلها من أعمال فرديناند دوسوسير وهلمسليف وبيرس .
هذا، وقد اهتم أمبرطو إيكو (U.Eco) بتصنيف الصور بالتركيز على الرسائل التواصلية غير اللفظية، إذ فرع الأنساق البصرية إلى أنواع عدة على النحو التالي:
1-               سيميوطيقا الحيوان: ويخص الأمر بالسلوكيات المتصلة بالتواصل داخل الجماعات غير الإنسانية. أي: الجماعات غير الثقافية.
2-               العلاقات الشمية: كالعطور مثلا.
3-               التواصل اللمسي: كالقبلة والصفعة.
4-               سنن الذوق: ويتعلق الأمر بممارسة الطبخ.
5-               العلامات المصاحبة لما هو لساني( Paralinguistique): كأنماط الأصوات في ارتباطها مع الجنس والسن والحالة الصحية...والعلامات المصاحبة للغة كالكيفيات الصوتية ( علو الصوت ومراقبة العملية النطقية...)، والصوتيات ( الأمزجة الصوتية: الضحك والبكاء والتنهدات).
6-               السيميوطيقا الطبية:  تبين لنا علاقة الأعراض بالمرض.
7-               حركات الأجسام والإشارات الدالة على القرب: ويتعلق الأمر باللغات الإشارية الحركية(Gestuels) .
8-               الأنواع السننية الموسيقية.
9-               اللغات الرمزية أو المشكلنة( Formalisis): مثل: الجبر والكيمياء وسنن الشفرة(Morse).
10-         اللغات المكتوبة والأبجديات المجهولة والأنواع السننية السرية.
11-         اللغات الطبيعية: مثل: اللغة العربية والفرنسية والإنجليزية والإسبانية...
12-         التواصل المرئي: مثل: الأنساق الخطية واللباس والإشهار.
13-         نسق الأشياء: مثل: المعمار وعامة الأشياء.
14-         بنيات الحكي والسرد.
15-         الأنواع السننية الثقافية: مثل: آداب السلوك، والتراتب الاجتماعي، والأساطير، والمعتقدات الدينية القديمة.
16-         الأنواع السننية والرسائل الجمالية: مثل: علم النفس، والإبداع الفني، والعلاقات بين الأشكال الفنية والأشكال الطبيعية.
17-         التواصل الجماهيري: مثل: علم النفس، وعلم الاجتماع، والبيداغوجيا، ومفعول الرواية البوليسية، والأغنية.
18-         الخطابة (La rhétorique).[14]

المطلب الرابع: المرحلة النصـــــية

تمتد هذه المرحلة من سنوات الثمانين من القرن العشرين حتى سنوات الألفية الثالثة، وقد تمثلها مجموعة  من الدارسين الذين انكبوا على دراسة النصوص البصرية سيميائيا (النصوص التشكيلية، والنصوص المصورة، والنصوص الإشهارية، والنصوص الكاليغرافية، والنصوص السينارستية...) ، مثل: فيرناند سانت مارتان(Fernand Saint martin)، وجماعة مو (Groupe µ) ، وغي غوتيي (Guy Gauthier) في كتابه (عشرون درسا حول الصورة والمعنى)، وجاك فونتاني (Jacques Fontanille) في كتابه ( سيميوطيقا المرئي للعوالم المضيئة)...وهلم جرا

مواضيع ذات صلة
 

سيميوطيقـــا الصورة المرئية أو البصرية
سيميولوجيا الصورة
تحميل كتاب سيميائية الصورة
التحليل السيميائي للصورة
مفهوم الصورة وانواعها
سيميولوجيا الصورة الإشهارية
سيميوطيقـــا الصورة المرئية أو البصرية




[1] - نجد تكرارا في بعض المعلومات المتعلقة بدو سوسير، ورولان بارت، وبيرس؛ لأن هذه الدراسة كانت في الأصل مقالا مستقلا بنفسه. ومن ثم، فالكتاب عبارة عن مقالات نشرت من قبل.
[2] - حنون مبارك: دروس في السيميائيات، دار توبقال للنشر، الطبعة الأولى سنة 1987م، ص:102.
[3] -F.D. Saussure: Cours de linguistique générale, payot, Paris, p:33.
[4]- حنون مبارك: دروس في السيميائيات، ص:72.
[5]- نقلا عن عواد علي: معرفة الآخر، مدخل إلى المناهج النقدية الحديثة، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، الطبعة الأولى سنة 1990م، ص:77.
[6] - Pierce:Ecrits sur le signe.Seuil, Paris, 1978, p.120.
[7] - حنون مبارك: نفسه، ص:79.
[8] -Coronti(E):L'action du signe. Cabay.Librairie.Editeur               Lauvain, La Neuve, p:29.
[9] - محمد السرغيني: محاضرات في السيميولوجيا، دار الثقافة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى 1987م،ص:58.
[10] - نقلا عن عواد علي: معرفة الآخر، مدخل إلى المناهج النقدية الحديثة، ص:83.
[11] - A.Regarder : Vocabulaire des études sémiotiques et sémioloqiques, Sous la direction de Driss Ablali et de Dominique Ducard, PUF, Paris, 2009, p : 128-129.
[12] - عواد علي: نفسه ، ص:96.
[13] - حنون مبارك: نفسه، ص:74.
[14] - حنون مبارك: نفسه، ص:24.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق