الاثنين، 17 أبريل 2017

تجارب الشركات الناجحة ذات الميزة التنافسية المستدامة

التجارب الشركات الناجحة ذات الميزة التنافسية المستديمة
تجارب رائدة في تقاليد تنظيمية تشكل مقدمات حقيقية وترب خصبة من أجل زراعة فسيلة التمكين ورعايتها لتصبح سلاحا تعيش من خلاله هذه المؤسسات سنوات وسنوات.

رؤية المؤسسات، لا رؤية المؤسسين(Visionary institutions)

إن أول من صاغ هذه التسمية، "مؤسسات ذات رؤية"، هم كل من James C. Collins and Jerry I. Porras  في دراستهم المشهورة في كتاب Built to last  [i] الذي يتحدث عن رؤية المؤسسات أو المؤسسات صاحبة الرؤية وهذه التسمية قد تبعث على الاستغراب، فقد عُرف في أدبيات الإدارة، تسميات مختلفة عن هذه التسمية، فهنالك رؤية القائد والقائد صاحب الرؤية الثاقبة ورؤية المدير الناجح ورؤية الإدارة العليا والرؤية الاستراتيجية للمدير الذي يتصف بالكاريزما وهكذا القائمة لا تنتهي من تسميات تشير إلى تمحور الرؤية وانطلاقها من شخص أو أشخاص يتسمون بقدرات خلاقة يتركون من خلالها بصماتهم على المؤسسة التي ينتمون إليها. أما هنا فسيكون الحديث عن شركات صاحبة رؤى لا أفراد أصحاب رؤى على الرغم من أن هذا لا يقلل بحال من الأحوال من أهمية وجود أفراد وقادة يمتلكون رؤى وبصائر في قيادة مؤسساتهم إلى التفوق والنجاح. وهنا تجدر الإشارة إلى دور هؤلاء القادة في التمكين من خلال منح الآخرين مجالا واسعا من المشاركة في بناء المؤسسة وتقديم مساهماتهم في هذا البناء الذي ينتمي للجميع ولا ينتمي لشخص ما في المؤسسة.
إنّ الكتاب يقدم للقارئ العربي رؤية مغايرة عن الكثير من المفاهيم الإدارية التي تدرس في الجامعات العربية وحتى في الجامعات الغربية. فالمفاهيم التي ترعرعت في كتب الإدارة تتمحور حول دور القائد في بناء الأفكار العظيمة ودور القائد الفذ والقائد الكارزماتي وغيرها من المواصفات التي تدور حول دور القائد في تحديد مصير المؤسسة ونجاحها وتفوقها أو في فشلها وتدهورها. فهذا الطرح لا يكاد يرقى لمستوى بناء شركات معمرة ومن نوع" شركات الرؤية".
أما الشركات الناجحة فقد حظيت بقادة من أمثال Sam Walton مؤسس شركة Wal-Mart  لتجارة التجزئة الذي ورد عنه قوله:
" لقد كرست حياتي في هذه الشركة لبناء أفضل شركة لتجارة التجزئة في العالم، ولم يكن في ذهني يوما من الأيام تأسيس ثروة شخصية كهدف أو كغاية"

وشّبه أصحاب كتاب "أُسس ليبقى" بناء مؤسسة بدلا من مؤسس كالقصة التي تروي الفرق بين مخترع الساعة ومخبر الوقت
" فمُخبر الوقت شخصية بارعة، بنظرة منه إلى قرص الشمس في أي وقت من الأوقات أو نظرة إلى النجوم يمكنه أن يخبرك عن الساعة والوقت بالتحديد بالسنة وباليوم والساعة والدقيقة. وهذا الشخص هو بارع حقا في الإخبار عن الوقت وبمقدوره أن يجيب أي إنسان يود معرفة الوقت أو الساعة، أفلا يكون هذا الإنسان أكثر براعة وعبقرية لو أنه بدلا من الإخبار عن الوقت صنع آلة، "ساعة توقيت"- لتخبر عن الوقت في أي وقت حتى بعد غياب هذا العبقري أو حتى بعد رحيله، عن هذا العالم. ففي الحالة الأولى إذا فقدنا مخبر الوقت فقدنا معه الوقت وفي الحالة الثانية لو فقدناه بقيت بعده تلك الآلة التي ستساعد البشرية على مر الزمان حتى بعد أن ينساه الناس لكنهم لن يتمكنوا من نسيان ما بين أيديهم مما وفره لهم ليدلهم على الوقت في أي مكان أو أي زمان."
القائد صاحب الرؤية أو القائد الكاريزماتي هو بمنزلة مخبر الوقت ولكن القائد الذي يبني مؤسسة تتجاوز الأشخاص وتزدهر بعد تعاقب القادة كمن يبني الساعة، ولا يقتصر دوره على مهارة إجابة الناس عن سؤالهم عن الوقت، وإنما في بناء آلة أي ساعة؛ تعطي الناس الوقت على مر الأزمان.
فالحديث في هذا الفصل عن مؤسسات بنيت وصممت لتبقى بسبب قادة كان جل اهتمامهم منصباً على بناء( ساعات) يعني مؤسسات تبقى وتستمر بقوى دفع ذاتية، لا مجرد بناء أمجاد تخلد ذكراهم على مر العصور. وهذا لا يمنع من وجود قادة يبنون مجدا ومؤسسات في آن واحد فيذكرهم التاريخ وتبقى صروحهم شامخة تدل عليهم. ولكن في حقيقة الأمر حتى هؤلاء فإنهم قد لا يكون في نواياهم أو من ضمن أهدافهم بناء أمجاد لهم وترك بصماتهم على منجزاتهم وإنما كان جل تركيزهم على بناء مؤسسات بإنكار ذاتهم فلم ينكرهم من جاء بعدهم. وبدلا من التركيز على سمات القائد الفذ فقد كان التركيز على سمات المؤسسة ذات الرؤية. وسمات المؤسسة ذات الرؤية تتحقق من خلال مساهمة كل فرد من أفرادها ومن خلال قدراتهم التفاعلية والتكاملية والإبداعية في المشاركة في البناء، تلك القدرات التي تتطلب مناخا من التمكين وحرية التصرف والانتماء الداخلي لدى هؤلاء الأفراد.
وفي السطور الآتية ما يقوض أسطورة الأفكار العظيمة والقائد المعجزة أو ما يدعى بقادة الإعجاب.

أسطورة الأفكار العظيمة
في 23 آب من عام 1937 التقى مهندسان وقد تخرجا تّواً من الجامعة وكانا في بداية العشرينات من العمر ودون أي خبرة إدارية فقد اتفقا على تأسيس شركة جديدة. ولم يكن لهما أي فكرة حول ماهية الشركة[ii]. ما كانا يعرفانه هو فقط بناء شركة معا في مجال الهندسة الكهربائية. حاولا ولم يتوصلا إلى فكرة عظيمة. قرر كل من Bill Hewlett and Dave Packard  أن يؤسسا الشركة وبعدها أن يفكرا في المنتج. وبدأت الشركة تعاني في تجربة أفكار ومنتجات مختلفة دون تخطيط وتركيز حتى عام 1940 عندما بدأت الشركة تكسب بعض العقود من الحرب.
شركة سوني أيضا عندما بدأت في عام 1945 لم يكن لدى ماساريو إبوكا، المؤسس أي فكرة محددة حول طبيعة المنتج الذي ستقدمه الشركة. وقد حاول المؤسس وعدد من الموظفين الذين باشروا معه العمل في الشركة التفكير والعصف الذهني فيما يمكنهم التفكير به كمنتج لكي تنتجه الشركة. ليس هذا فحسب فقد كانت أول محاولة لشركة سوني هو (طباخ أرز بسيط) وكان قد فشل فشلا ذريعا. أما أول أهم منتج فقد كان شريط التسجيل الذي فشل أيضا في السوق.
مقابل هاتين الشركتين سوني وهوليت باكارد كانت كل من كنوود (Kenwood)  و تكساس انسترمانتس (Texas Instruments) قد بدأتا حياتهما بأفكار خلاقة وأفكار عظيمة. نجحت هذه الشركات ولكنها لم تحافظ على المستوى نفسه الذي بدأت به تلك الأفكار العظيمة..
بالمقابل فقد بدأ Sam Walton مؤسس Wal-Mart دون فكرة عظيمة. لم يمتلك أي شيء سوى الرغبة في عمل ريادي مستقل وبعض المعرفة والرغبة في تجارة التجزئة، ويقول Sam Walton في مقابلة مع صحيفة نيويورك تايمز " لم يكن عندي أي فكرة عن هدف أو غاية محددة ولكن كان لدي الثقة الكبيرة بأنه بالعمل الجيد والجاد وتقديم الأفضل، ولن يكون هنالك أي حدود تقّيدنا أو معيقات تقف أمامنا". Walton بدأ خطوة، خطوة من محل تجاري بسيط حتى وصلت المؤسسة إلى بناء فكرة عظيمة.
هذه الشركات الأسطورة مثل HP، Sony، Wal-Mart وضعت حدا للاعتقاد السائد المسيطر على تفكير كثير من الناس حول نشأة وتشكيل الشركات العملاقة والمعمرة أو الناجحة من حيث إنها لا بد إلا أن تبدأ بفكرة عظيمة. فيعتقد كثير من الرياديين المبتدئين أو ممن تراوده نفسه ببناء مشروع ما أنه لن يتمكن من ذلك دون فكرة عظيمة. وهذا الاعتقاد قد يساهم في تراجع كثير من الناس عن بناء مشاريع خاصة بهم ويبعدهم عن الأعمال الريادية والمشاريع الصغيرة التي قد تساهم في بناء اقتصاديات وطنية كبيرة.
ليس المقصود من هذا الكلام الترويج لنقض الأفكار العظيمة في بداية أي مشروع، ولكنه يؤكد حقيقة هامة مفادها؛ أن الأفكار العظيمة قد لا تعني كل شيء وقد لا تكون هي نهاية المطاف بحد ذاتها. فهناك كثير من الشركات بدأت بأفكار عظيمة وانتهت بفشل ولا أحد يعلم عن مصير هذه الشركات أي شيء كما لم يعد يذكرها أحد. فقد بدا لماريوت ((J. Willard Marriott مثلا الرغبة في إنشاء مشروعه الخاص دون فكرة عظيمة ودون حتى فكرة واضحة حول طبيعة ذلك المشروع. وNordstrom بدأ مشروعا صغيرا بمحل أحذية صغير في وسط مدية سياتل وProcter and Gamble بدأ بمعمل بسيط لصناعة الصابون والشموع مقابل 18 شركة منافسة في سنسناتي (Cincinnati) في عام 1837. وموتورولا بدأت كمصلح بطاريات في إحدى الشركات الأخرى و Philip Morris بدأ تاجر تجزئة صغير في صناعة التوباكو والسجائر في أحد أزقة لندن.
وهنالك تجارب رائدة في العالم العربي، منها على سبيل المثال البنك العربي، ومؤسسه عبد المجيد شومان. وتم افتتاح أول فرع من فروع البنك العربي في القدس الشريف عام 1930 وقد كان المشروع بداية متواضعة والآن بعد أكثر من سبعين عاما نرى هذا المشروع يتحول إلى منظمة عابرة القارات بفروع تمتد حول العالم. وقد كانت رؤية مؤسس هذا المشروع تتجاوز المصالح الخاصة إلى المصالح العامة التي تتعلق بالتنمية الاقتصادية العربية ومحاربة البطالة والنهوض بالاقتصاديات الوطنية إلى مستويات عالمية متقدمة وذلك من خلال إدارة العنصر البشري إدارة ناجحة ومنح العاملين فرصا ربما لا تتوفر في الكثير من المنظمات الأخرى[iii].
في الحقيقة فإن بعض الشركات الناجحة والرائدة عالميا في الوقت الحاضر مثل سوني بدأت حياتها بسلسة من الفشل تلو الفشل وشركة(3M (Minnesota Mining and Manufacturing Co  بدأت بمنجم لأكسيد الألمنيوم وكان المشروع فاشلا مما أدى إلى خسارة المستثمرين وامتعاضهم عما آلت إليه أسعار أسهمهم. وقد كانت بداية هذه الشركة في غاية السوء لدرجة أن مديرها التنفيذي لم يتسلم راتبه لعدد من السنوات التي أدار بها هذه الشركة. بينما في المقابل فإن منافس هذه الشركة نورتون بدأ بمنتجات متميزة وابتكارية وقدم حصصاً جيدة للمساهمين لمدة 15 عاما تقريبا وضاعف رأس ماله 15 ضعفا خلال تلك الفترة. ولكن عند المقارنة بين الشركتين نجد أن الشركة الثانية نورتون لم تدم طويلا، ولم تعمر وتصبح أسطورة من النجاحات كما حدث لشركة 3M المعروفة عالميا التي تصل منتجاتها من الأوراق اللاصقة إلى مختلف أنحاء العالم وهي التي تصنع أنواع مختلفة من الأقراص المدمجة وغيرها.
وأول طائرة لبل بوينج (Bill Boeing) كانت تجربة فاشلة في عالم الطيران مما أدى بصاحبها بل لدخول تجارة الأثاث لكي يتمكن من البقاء في السوق. بينما في المقابل فإن شركة (Douglas Aircraft) كانت قد بدأت بنجاح مثير في مجال الطيران وقد صُممت لتصبح شركة الطيران الأولى في العالم. وعندما تقارن والت دزني (Walt Disney) مع (Columbia Pictures) تجد بأن الأولى قد بدأت بمسرح فاشل ولكن الثانية بدأت بتقديم فيلم حقق لها مردود يعادل 130000 دولار بتكاليف 20000 دولار في عام 1922 فيما كانت شركة والت دزني ومسرحها لا أحد يعرف عنه شيئا.
انظر الآن إلى كل من هاتين الشركتين، تجد أن الفارق بينهما الآن كالفارق بينهما في عام 1922 ولكن معكوسا هذه المرة لصالح الشركة التي لم يكن يعرفها أحد في بدايتها مقابل تلك التي كانت حينها على لسان الجميع.
إن هذا يدلنا على حقيقة أن الأفكار العظيمة تكمن في البناء التراكمي لقدرات المؤسسة وليس في بروز فكرة رائعة وعظيمة في مرحلة من مراحل حياتها سواء نشأت الفكرة في بدايتها أو في نهايتها فتشبه الفرق في القصة بين من يجيد إعلام الناس عن الوقت بدقة ومن يصنع لهم وسيلة "الساعة" التي تعطيهم الوقت في أي وقت وفي أي مكان بوجوده وحتى بعد أن يذهب. وحقيقة بناء المؤسسة كبناء تلك الساعة التي تبقى عقاربها تدور وتعطي الوقت لناظرها. والمتابع للمنظمات ذات التجارب الناجحة يرى دورا هاما فيها للقيادة في تمكين المرؤوسين ومنحهم حقا في بناء الصرح وحرية في التصرف ومساهمة في اتخاذ القرار، بل وأبعد من ذلك، وجود شعور عام بأن البناء ملك للجميع وليس ملكا لفرد أو مؤسس.
فالمؤسسات والقادة قد يكون من واجبهم أمام هذه الحقائق إدراك حقيقة التحول من بناء أمجاد لأشخاصهم إلى بناء مؤسسات بمساهمة كل فرد فيها لكي تبقى تلك المؤسسات للجميع لا لتبقى لفرد أو فئة على حساب فئات أخرى. فدور مساهمة الأفراد هنا، جميع الأفراد هي المسألة المحورية في استمرارية المؤسسة وبقائها على مر العقود والسنوات. فالسر هو في بناء مؤسسة وليس بناء فكرة، وهنالك فرق بين من يبني فكرة، ومع الزمن وتغيراته تذهب الفكرة، ومن يبني مؤسسة فتبقى المؤسسة. في الحالة الأولى؛ تتغير الأفكار وتتجدد فتصبح الأفكار متقادمة، وفي الحالة الثانية تصبح المؤسسة هي صانعة الأفكار ومعمل التجديد والإحياء الدائم لتلك الأفكار، فتصنع الأفكار وتطور وتقتل وتموت وتأتي المؤسسة بأفكار جديدة، فتكون عملية التجديد عملية مستمرة ودائمة. وهذا يحتاج من القادة إلى عزيمة ومثابرة وحماية دائمة للمؤسسة وعدم النظر إلى الفكرة أو الخدمة أو السلعة التي تقدمها المؤسسة على أنها هي نهاية المطاف، وإنما النظر إلى المؤسسة على أنها هي نهاية المطاف، لأن القائد إذا نظر إلى الفكرة أو السلعة على أنها هي نهاية المطاف، فهو في هذه الحالة قد ساوى بين المؤسسة والفكرة، فإن فشلت الفكرة فشلت المؤسسة. إذن ينبغي أن تتجاوز المؤسسات الأفكار وتسموا فوقها نحو بناء متجدد ومتغير بتغير الأفكار وتغير الزمان وتغير المكان[iv].
فمثلا Bill Hewlett واجه الإحباط في المرحلة الأولى من حياة الشركة بفشل تلو آخر، ولكنه بالتعاون مع صديقه Dave Packard ومن خلال المثابرة والصبر والمحاولة والتجربة، وعدم الاستسلام لليأس استطاعا في النهاية أن يبنيا شركة إبتكارية لها قيم جوهرية أساسية أساسها الفرد وقدراته الإبداعية وقدرته على التعلم والتطور والتجديد في قدراته وخبراته وإنتاج أفكار تساعد المؤسسة على النهوض من أي كبوة أو مشكلة. من هنا فإن الدراسة التي قدمها كل من Collins and Porrs تؤكد أن أهم فرق بين بناء الفرد المركزي المؤسس وبناء المؤسسة المستديمة يكمن في قدرة أفراد تلك المؤسسة على البناء والعطاء المستمر والتجديد. وهنا تكمن أيضا أهمية تمكين الفرد مقابل تمكين المدير فالمدير يأتي ويذهب ويبقى مجتمع المؤسسة خلفه. إذا استطاع أن يغرس بهم الطاقة الكامنه ويساعدهم على تطوير قدرات ذاتية جماعية فيكون قد نجح تماما كمن بنى للناس آلة (ساعة) يستفيدون منها في أي وقت من الأوقات.
وهذا ما فعله هذان المهندسان لشركة HP كان باستطاعتهما أن يبقيا مهندسين، ولكنهما بدلا من ذلك تحولت نيتهما من تصميم منتج معين أو منتجات معينة إلى تصميم مؤسسة وخلق مناخ داخل هذه المؤسسة قادر على إنتاج سلع عظيمة. وقد كان خطاب Bill Hewlett  في عام 1950 يؤكد مدى اهتمام المؤسسة بالفرد ودور الفرد ببقاء المؤسسة، بقوله:

".....لدينا مهندسون يتمتعون بقدرات خلاقة ولدينا مناخ آمن يناسبهم، ونحاول أن نتأكد أن كل مهندس تتوافر له الفرص الطويلة المدى وكذلك تتوافر المشاريع المناسبة لهؤلاء المهندسين. ونحن نحاول ضمان توافر إدارة توفر لكل مهندس السعادة والقدرة الإنتاجية لأقصى حد ممكن. سنمكن هؤلاء المهندسين من العمل في بيئة منتجة ومناسبة لتطوير قدراتهم ومنحهم كل حرية في مجال التفكير الخلاق والمبدع."
Source: Collins, J and Porras, J, Built To Last  Op cit

فلم تكن الغاية إنتاج الآلة الحاسبة مثلا وإنما كانت الشركة والفلسفة التي تقوم عليها تلك الشركة هو التركيز على الإنسان المبدع ومنحه التمكين الكافي للمساهمة في صنع قوة دافعة مستمرة ودائمة للمؤسسة.
كذلك Masaru Ibuka في سوني. لم تكن غايته النهائية صناعة وإنتاج الوكمان وإنما في تأسيس سوني، المؤسسة، وما تقف وراءه من قيم جوهرية. وكذلك "والت دزني" التي لم تكن "فانتازيا" Fantasia  أو Snow White   ولا حتى "دزني لاند" نهاية المطاف بالنسبة له وإنما خلق والت دزني، المؤسسة، وقدرتها على خلق السعادة في قلوب الآخرين. وكذلك Sam Walton الذي لم تكن غايته النهائية خلق فكرة Wal-Mart وإنما في تأسيس Wal-Mart  ، الشركة التي تنتج الفكرة تلو الفكرة.
إن الكثير من الشركات المعمرة والناجحة قد اتسمت بهذه السمات في التركيز على المؤسسة بصفتها مؤسسة؛ لأن المؤسسة هي التي تنتج الأفكار والمنتجات والخدمات وليس العكس. المنتجات والخدمات لا تنتج مؤسسات لتدوم وإنما في واقع الأمر المؤسسات هي التي تنتج هذه الموروثات فمنها ما يدوم ومنها ما يذهب ويفشل ومنها ما تنتهي دورة حياته ولكن تطول دورة حياة المؤسسات أكثر بكثير. وهذا هو المهم في هذا الباب هنا وهو أن تنتقل المؤسسات إلى التركيز على مصلحة الشركة أو المؤسسة أو المنظمة وبقائها وديمومتها، وأن يكون هذا فوق المصالح الفردية وفوق مصالح الأشخاص على الرغم من أنها توفر لهم جميعا مصدرا للامان والاستقرار، إلا أن بقاءها وحياتها تبقى فوق المصالح الشخصية وفوق بناء أمجاد لآشخاص يأتون ويذهبون، ولكن في النهاية، تبقى المؤسسة.
إذن ينبغي أن تتحول النظرة إلى جعل المؤسسة هي نهاية المطاف في تفكير مؤسسها وإدارتها وموظفيها على حد سواء. عندها ينبغي أن يكون تفكير المؤسسة وإدارتها لكل ما تتطلبه عمليات التجديد والإبداع وتقديم سلع أو خدمات ذات قيمة عالية للمستهلك وتقديم نتائج عامة ذات قيمة للمجتمع. وهذا لا يعني تجاهل حاجات ومصالح الأفراد وإنما يعني تمكينهم من العمل الجماعي والمؤسسي الذي يخدم مصلحة الكل على حساب المصالح الفردية لأن خدمة المصالح الفردية لن يدوم عندما تتأثر مصلحة المؤسسة وإنما تتحقق مصالح الأفراد كمحصلة طبيعية لنجاح المؤسسة وديمومتها.
إن بناء مؤسسة وبناء مناخ فيه تجديد وإبداع وتطوير مستمر يحتاج إلى مقوم أساسي ألا وهو الإنسان. فعملية التجديد والتفوق في زمن المنافسة العالمية نحو الإبداع والتفوق لا تأتي من التكنولوجيا ولا تأتي من الآلة فالآلة صماء ولا تأتي من الموارد المالية فكم من أموال ذهبت لسوء إدارة أصحابها. ولا تأتي من البنية التحتية فكل هذه الأشياء تدار بواسطة الإنسان. الإنسان هو المجدد في المؤسسة، وهو الذي يطور التكنولوجيا، وهو الذي يبني الآلة، وهو الذي يؤسس البنى التحتية للمؤسسات. إذن الإنسان هو المحرك الأساسي لكل العناصر الأخرى التي تعتمد عليها المؤسسة. لذلك فعندما تبني مؤسسة نبني إنسانا، المؤسسة والإنسان صنوان لا يفترقان فلا يمكن أن تكون هناك مؤسسة دون إنسان.
وعند الحديث هنا عن الإنسان إنما نعني الإنسان كيفا لا كما. الإنسان القادر على العطاء والتجديد وتقديم الرأي والمشورة والمشاركة الفاعلة. ومن أهم مقومات هذا التشكيل إدارة هذا الإنسان بحيث يمتلك زمام أمره وزمام المبادرة.

أسطورة الرجل العظيم

إن أسطورة الأفكار العظيمة التي تم الإشارة إليها تكاد ترتبط بأسطورة الرجل العظيم. فعادة القادة الكارزماتيون يحاولون إبراز قوتهم وعظمتهم من خلال أفكار عظيمة. على الرغم من ذلك فقد بينت دراسات علمية ميدانية مثل دراسة Peters and Waterman, 1989 في "البحث عن التميز" (In Search of Excellence) ودراسة  Collins and Porras في "أُسس ليبقى" (Built to Last) أن أسطورة الرجل العظيم مثلها مثل أسطورة الأفكار العظيمة لا تصلح مؤشراً على بناء مؤسسة عظيمة، أي إنه لا علاقة طرديه بين وجود رجل عظيم وقائد كارزماتي من ناحية ومؤسسة قوية ذات ميزة تنافسية مستديمة من ناحية أخرى.
فقد عمل  James Stillman رئيس Citicorp سابقا ورئيس Citybank لاحقا منذ عام 1891 حتى عام 1909ورئيس مجلس الإدارة حتى عام 1918 ، عمل خلال هذه الفترة على تطوير المنظمة وبناء بنك وطني عظيم. وقد حول البنك من شركة ضيقة الأفق إلى منظمة معاصرة بكل ما للكلمة من معنى. وقد رعى البنك منذ تأسيسه وطوره إلى هيكل تنظيمي لا مركزي وأسس مجلس إدارة قوي يتألف من مديرين تنفيذيين قياديين وأسس برامج تدريب وتأهيل في ذلك الوقت قبل أن يفكر منافسوه بمثل هذه البرامج بثلاثة عقود.
تصف تقارير Citybank كيف أن Stillman المهندس المؤسس لهذا البنك بنى مؤسسة ظلت تناضل وتترعرع حتى بعد وفاته، فقد استطاع Stillman أن يبني مؤسسة بسواعد قوية شاركت برؤية وروح ومعنوية ريادية. وقد كتب رسالة لوالدته يوضح فيها أسباب تنحيه عن رئاسة المؤسسة وترك ذلك المنصب لخلفه من بعده بقوله:
" لقد جهزت نفسي منذ سنتين لترك منصبي ولكي أكتفي بدوري الاستشاري في الشركة. أعرف بأن هذا قرار حكيم فهو لا يريحني من تحمل المسؤولية فقط ولكنه يمنح رفاقي فرصة لكي يشاركوا أيضا في تحمل المسؤولية وعبء الأمانة. ولكي يتمكنوا من المضي قدما في استكشاف الفرص التي ليس لها حدود وربما هذه الفرص ستكون أكبر في المستقبل من أي وقت مضى"
Source: Collins, J and Porras, J, Built To Last  Op cit

هذه المقولة تعبر عن استعداد كامن لمنح الآخرين دوراً، وإفساح المجال لهم للمشاركة، وتحمل المسؤولية، إضافة لتمكينهم من استكشاف فرص جديدة.
وهذا المنطق نفسه ينطبق على  شركة،، Wal-mart ومؤسسها Sam Walton الذي قال في مذكراته:
" كنا منذ البداية نحاول أن نكون أفضل من أي منافس آخر ونقدم أفضل ما يمكن أن نقدمه للمستهلك. فقد عملنا بكل طاقتنا لنكون الأفضل – أفضل المديرين وأفضل العاملين بكل ما أوتينا من قوة وعزيمة. لا شك أن لدي شخصية قيادية مشجعة ولكن يتوارى تحت هذه القيادة روح المقاتل في الصفوف الأمامية، ذلك الإنسان الذي يود أن يصنع الأشياء على أحسن وجه. وكان أهم شيء بالنسبة لي هو بناء المنظمة على أحسن صورها"  
فعلى سبيل المثال كان Walton يقدس التغيير والتجريب والتحسين المستمر ولم يكن واعظا وتمكن من خلق الآليات المؤسسية المناسبة لدفع عملية التغيير في الاتجاه الصحيح وخلق نوعية وجودة في العمل بشكل أفضل كل يوم. وقد نفذ رؤيته من خلال منح المديرين في الدوائر المختلفة الحرية والصلاحيات لإدارة دوائرهم كما لو أنها لهم أو ملكهم أنفسهم. قام بمنح مكافآت لكل مجد وتقدير شخصي أيضا لكل من يعمل عملاً متميزا، وقد خلق أيضا مسابقات لتشجيع العاملين على الانخراط بمحاولات وتجارب إبتكارية وخلاقة وكان يعقد لقاءات للاحتفال بأفضل التجارب والحديث عن الطريقة التي يمكن الاستفادة منها عمليا. وكان يعقد لقاء في كل يوم سبت في الصباح ليقدم للحضور أحد الموظفين الذين حاولوا شيئا جديدا وكان ذلك مفيدا وناجحا.
هذا ويتم باستمرار نشر الأفكار المتميزة التي يقترحها الموظفون في مجلة الشركة الداخلية والتي يرغب الجميع بالإطلاع عليها حال صدورها. وقد عملت الإدارة أكثر من ذلك. فقد استثمرت في نظام أقمار صناعية (Satellite Communications System) للاتصال، لنشر التفاصيل الدقيقة حول الشركة بالسرعة الممكنة.
يعمل الأفراد في هذه الشركة في أجواء مشجعة جدا فإذا قدم أي موظف مقترحاً متميزاً يتعلق مثلاً في تحسين النوعية أو تقليل النفقات أو خدمة الزبائن، فيتم نقل ونشر هذه الأفكار أو المقترحات بسرعة قصوى. فكل اقتراح متميز يصل إلى أكثر من 800 فرع ويتفاعل مع هذا الاقتراح أكثر من 80000 موظف مما يساهم في تحقيق مكاسب هائلة على مستوى تقليل التكاليف مثلا أو في تحسين الإنتاجية أو قد يكون في حل مشكلة فنية معينة.
وهذا يدل على نية الإدارة في خلق مؤسسة تتجدد وتتحول لا بقدرة قائدها الخارقة ولا بفكرة واحدة متميزة فحسب، ولكن بمنح الفرصة للجميع كي يقدموا أفكارا ويكافأوا على تقديم الأفكار وخاصة تلك الأفكار القيمة، مما يؤدي إلى التنافس بين الموظفين من أجل تقديم أفكار أفضل، جلها يدور حول تحسين الإنتاجية أو آليات معينة لتقليل التكاليف أو طريقة أفضل في خدمة الزبائن.

حالات أخرى من أرشيف الشركات الناجحة

شركة موتورولا Motorola))
درس في القيادة
لقد كان حلم مؤسس شركة موتورولا  Paul Galvinيتمثل ببناء شركة عظيمة ومستديمة وهو لا يملك خلفية حتى في الهندسة، ولكن هذه الشركة المعروفة التي تأسست عام 1928 هي من أنجح الشركات التقنية في التاريخ كما يؤكد  James Collins and Jerry Porrasفي كتاب "أسس ليبقى". وإن عدم براعة Galvin في التكنولوجيا أو في الهندسة الالكترونية لم يمنعه من تحقيق حلمه، فقام بتعيين أفضل المهندسين وشجع الجميع على التفكير والحوار والنقاش والمعارضة في الرأي وكان يقول لهم " الرأي المعارض والمضاد أفضل من غيره"  فأعطى الأفراد الحرية في طرح الأمور التي يمكنهم القيام بها بمفردهم. فمن قام بأي ابتكار أو فكرة جديدة له الحق بدعوة الآخرين ليعرض فكرته عليهم والنقاش حولها من أجل تطويرها وتبنيها.
فقد وضع تحديات ومهام تحتاج إلى جهود ذهنية ومنح الموظفين المسؤولية الكاملة والمجال الكافي والمناخ المناسب لاستثارة الجميع من أجل التعلم والتطور. وتشجيع التعلم من خلال الفشل والخطأ. فلم يكن جالفن مخترعاً، ولكنه كان قائداً بنّاءً وكانت أهم مقوماته تكمن في قوة ومتانة ذلك البناء وقوة أولئك الناس الذين يشيدون معه ذلك البناء. واستمر البناء بسبب مشاركة الجميع في البناء وتحصين ذلك البناء بشكل مستمر.
ولكننا نجد ضعفا في كثير من المؤسسات أو الشركات في هذا الأمر الهام، وهو تجاهل مستقبل البناء ومن يساهم في البنّاء فكثيرا ما كان يتم التركيز على مؤسس واحد ولا يتم محاولة التفكير بخلق بنّائين أو مؤسسين آخرين، لأن البّناء (القائد) الأوحد لن يدوم إلى الأبد.
مقابل كل تجربة ناجحة نجد تجارب أخرى مغايرة. فنجد مثلاً مؤسس شركة Zenith صاحب الأفكار العظيمة والشخصية الفذة الكرزماتية حيث كان الجميع ينادونه بالكوماندور الذي يُهاب جانبه وكانت أفكاره في غاية الذكاء والأهمية في نجاح تلك الشركة وتفوقها في مرحلة معينة، ولكنه كان هو زينث وزينث هو. كان قويا وشديدا وناجحا في قراراته، ولكن برحيله في عام 1958 فقدت الشركة من لا يمكن أن يحل مكانه ويقوم بالأعمال ويقدم الأفكار العظيمة التي كان يقدمها. فقارن بين كل من زينث وموتورولا!. الأولى صنعت شخصا أو صنعها فردا فذهب وذهبت فبعد عام 1993 لا يعلم عن زينث أحد فقد ظلت تتراجع لغياب القوة الدافعة فيها، ولكن موتورولا ظلت تتوسع وتزدهر، لغياب التركيز المبالغ به على الأشخاص، وإنما بناء قوة متجددة لا تتوقف أو تنضب عند شخص أو أشخاص؛ لأن الجميع يعمل بروح الفريق والتركيز كله على البناء المتكامل وعلى دور كل أعضاء البنيان في وضع اللبنات في مكانها كل حسب تخصصه وقدراته، بحرية في التفكير وطاقة مبدعة متجددة خلاقة مبتكرة أساسها الحرية في التفكير والتمكين وروح المبادرة.

التركيز على الربح قد يفقد المنظمة التركيز على الإنسان

لا أحد يستطيع أن ينكر أهمية الربح للشركات والمنظمات الخاصة والربحية، ولكن المنظمات الناجحة المستديمة تركز جل اهتمامها على مواضيع تتجاوز الربح؛ على الرغم من أن الربح جزء هام من أهدافها ولكنه ضمن سياق أهدافها الجوهرية وليس المحور الأساسي لتلك الأهداف.فمثلا روبرت جونسون مؤسس Johnson & Johnsonفي عام 1886 أسس تلك الشركة برؤية جوهرية أساسها "تخفيف الآلام الناس والقضاء على المرض" . في عام 1908 توسع في تلك الرؤية إلى أيديولوجية تجارية وضعت خدمة الزبائن على رأس أولوياتها والاهتمام بالموظفين وتنميتهم قبل حصص المساهمين. وقد ترجم هذه الرؤية أحد مديري البحث والتطوير في الشركة مؤكدا أن دائرة البحث والتطوير لا يهمها بشكل أساسي توزيع الحصص على المساهمين بقدر ما يهمهم تطوير فن الشفاء وعلاج الإنسان. والقيم الجوهرية للشركة تختلف عن الكثير من الشركات عند الحديث عن الإيرادات ففي ما تركز غالبية الشركات الخاصة على تعظيم الإيرادات فإن جونسون تؤكد على الإيرادات المتواضعة أو المعقولة.
وقد تمحورت فلسفة هذه الشركة على يد مؤسسها في عام 1943 على أساس من الأولويات الآتية:
"أول أولوية كانت الزبائن، وذلك بتقديم سلع وخدمات بأعلى مستوى ممكن من الجودة وأقل مستوى ممكن من التكاليف وبمستوى معقول من الربح. أما المسؤولية الثانية فهي تجاه الناس الذين يمّكنون الشركة من القيام بتأدية المسؤولية الأولى، تجاه الزبائن، وهم الرجال والنساء الذين يعملون في المكاتب وفي المختبرات وفي كل مكان. والأمن الوظيفي من الأمور التي لا تحتمل المساومة وظروف العمل يجب أن تكون ممتازة جدا. لا بد من وجود نظام محكم يوفر للموظفين الفرصة للتعبير والشكوى وتقديم الاقتراحات. والمشرفون والمديرون يجب أن يتمتعوا بالكفاءة العالية والمرونة العقلية. يجب تأمين فرص للتنمية وتطوير الكفاءات. والاحترام يجب أن يكون سيد الموقف على أساس كرامة الفرد وحقوقه".
Source: Collins, J and Porras, J, Built To Last  Op cit

وبعدها تم التركيز على طبقة المديرين، وأكد بأن علينا مسؤولية أيضا تجاه الإدارة، فالمديرين هم أفراد يتمتعون بمواهب عالية وتعليم وتجارب وقدرات كبيرة. يجب أن يتمتعوا بعقلانية ومنطق وفهم. ومن ثم تمّ توجيه جزء هام من فلسفة الشركة تجاه المجتمع الذي يستخدم ويستهلك ما تفرزه من خدمات وسلع، فتُرجمت تلك الفلسفة من خلال دعم أعمال الخير والمساعدات للمشاريع المدنية وتنمية المجتمع ودعم الصحة والمشاريع الحكومية الخيرية والانخراط في المجتمع لتكون الشركة امتدادا طبيعيا فيه.
أما فيما يتعلق بالربح وتوزيع الربح على مستحقيه وبشكل خاص المساهمين فقد كان هذا البند في آخر القائمة من فلسفة جونسون، فمع أهمية الربح الذي يعد بمنزلة شريان هام من شرايين المؤسسات الربحية إلا أنه ذكر بأن:

"آخر مسؤولياتنا مع عدم التقليل من أهميتها، هي أمام المساهمين، والشركة عليها أن تحقق أرباحاً جيدة. ويجب تخصيص جزء هام من الأرباح التي نحققها لصالح البحث والتطوير والبرامج الإبداعية. ينبغي أن يوجه دعم خاص للتجديد في كل شيء، وفي السلع، وفي البرامج والأفكار والمشاريع، ويجب علينا أن نجرب كل جديد. فعندما نحول هذه الرغبات إلى حقائق فحتما سينجم عن ذلك مردودات مناسبة ومعقولة للمساهمين. ونحن مصممون على إنجاز هذه الوعود بكل ما أوتينا من قوة".


إن استعراض هذا النموذج الذي تم إعلانه من قبل جونسون مؤسس شركة جونسون، يبين قضايا هامة ومفيدة لتكون فلسفة لأي منظمة في القرن الواحد والعشرين أي بعد 52 سنة من هذا الشعار. وهناك عدد من القضايا التي لا بد من سردها بصفتها بنوداً تحليلية لهذه الفلسفة:
(1)     إن هذه الفلسفة لم تكن مجرد شعارٍ يطرح ويوضع في تقارير المنظمة وفي دساتيرها ومن ثم يدفن في الأدراج أو فوق الرفوف وإنما كان واقعا يتحرك على الأرض.
(2)     كان التركيز في تلك الفلسفة على الإنسان واحترامه وتقدير احتياجاته سواء أكان مستهلكا أم موظفا.
(3)     لم يكن تحقيق الأرباح هو الغاية النهائية للشركة، وإنما كانت محصلة أكيدة لفلسفة جوهرها تقديم الأفضل من خلال التطوير المستمر والتعلم والتجريب وخوض غمار المحاولة والمخاطرة.
وقد كانت الترجمة واضحة لهذه الفلسفة في عام 1982 عندما توفي 7 أشخاص في مدينة شيكاغو الأمريكية نتيجة لتناولهم لأحد الأدوية التي تنتجها الشركة، وهو علاج للصداع يسمى تايلنول (Tylonol) (وقد تمت الإشارة إلى هذا المثال في موضع آخر من هذا الكتاب، والتفصيل هنا لزيادة في التوضيح بما يتناسب مع الموضوع في هذا الفصل). وكان سبب تلك الحادثة هو العبث من خلال وضع السم في تلك الكبسولات من قبل عابثين من خارج الشركة. فقامت الشركة مباشرة يسحب جميع العبوات من جميع أنحاء الولايات المتحدة الأمريكية وليس فقط من الولاية التي حدثت فيها الكارثة وقد كلفت هذه العملية 100 مليون دولار مع حملة إعلامية بجهود 2500 فرد للقيام بهذه الحملة لتحذير الجمهور وللتعامل مع المشكلة بالشكل الملائم. وقد علقت الكثير من الصحف واصفة حكمة الشركة وذكاءها في مواجهة المشكلة على الرغم من التكاليف الباهظة والخسائر الفادحة التي تكبدتها.
بعد أيام من كارثة جونسون وجونسون وعقار التايلنول واجهت شركة منافسة أخرى، ولكن برؤية مغايرة وهي Bristol-Myers فقد واجهت مشكلة مشابهة لما حدث مع جونسون وجونسون في أقراص لألم الرأس، تدعى اكسدرين (Excedrin) في منطقة Denver في الولايات المتحدة الأمريكية. فكان الفرق واضحا في التعامل مع نفس المشكلة بين شركة أسست لتبقى وبين شركة أسسها صاحب شخصية فذة. فبدلا من سحب جميع العبوات من المحال التجارية من الولايات المتحدة الأمريكية كما فعلت جونسون وجونسون، فقد اكتفت هذه الشركة بسحب عبواتها فقط من ولاية واحدة هي ولاية كولورادو ولم تقم بحملة لتوعية وتحذير الناس.
هذا الاختلاف يعززه رؤية الإدارة وقيمها الجوهرية التي تركز على الربح والخسارة في كل صغيرة وكبيرة. ويرى المراقبون والمحللون والمواطن العادي في أمريكيا الفرق بين هاتين السياستين فمثلا جونسون وجونسون تمكنت من استعادة ثقة الجماهير بعد فترة بسيطة من الزمن بسبب التزامها الكبير بالقيم الجوهرية التي تنادي بها وتمسكها بتلك المبادئ التي تأتي على سلم أولوياتها قبل النواحي الربحية والمادية القريبة. وهذه ترجمة حقيقية لمبادئها المبينة في فلسفة الشركة التي ذكرت قبل قليل.
عندما ينظر المرء إلى الجانب البشري المرتبط بهذه الفلسفة يرى دورا واضحا للإدارة في المحافظة على نوعية من الموظفين تنطبق عليهم مواصفات التمكين، فهم يتمتعون بمستويات عالية من الانتماء الداخلي لما يقومون به من أعمال ويشعرون بمعنى للعمل يصاحبه نوع من التحدي للذهن والإبداع والقدرات الخلاقة. هذا يقودهم إلى الشعور بأن ما يعملونه كأنه ملك لهم وليس مفروضا عليهم. فنجد أن تحمل المسؤولية أمر ذاتي وليس خارجي.
فخطاب هذه الشركات المتكرر يركز على شيء أساسي في حياتها وحياة مديريها وهو الحديث عن الإبداع والتميز والتجديد ورضا الموظفين والزبائن والنوعية والأخلاق والابتكار وغيرها من الأفكار المشابهة، ونادرا ما تجد في الخطاب شيئا حول تعظيم الأرباح. ويبدو أنّ عملية تعظيم الأرباح تأتي نتيجة طبيعية وتحصيل طبيعي، حاصل لمثل هذه المقدمات الجوهرية. ومن بين هذه القيم الجوهرية يبرز دور الإدارة في منح العاملين ثقة في النفس ومشاركة في تحمل المسؤولية وتمكّن من العمل بحرية مسؤولة.

أيديولوجية المنظمة(قيمها الجوهرية)

إن عملية تمكين الموظفين تحتاج إلى مؤسسة تلتزم بمؤسسيتها، وليس فقط بمؤسسها، وبطبيعة الحال فإن المؤسسات التي تلتزم بمؤسسيتها تلتزم بمبادئ تصنعها كنسيج يربط كل أفرادها على مدى من الزمن أطول من حياة الأشخاص والأفراد. وهذا حال المؤسسات الناجحة، تصنع لنفسها قيما جوهرية لا تحيد عنها ولا تأتي هذه القيم مصطنعة وإنما تأتي أصيلة ومتأصلة من صميم رسالة المؤسسة التي تعتنقها.
ولا يوجد قيم جوهرية أو أيديولوجية جوهرية وأساسية يمكن أن تعمم لتصبح صالحة لمختلف المؤسسات، وإنما كل مؤسسة يمكنها صياغة قيمها بنفسها فتكون لها قيمها الجوهرية الخاصة بها لتكون مصدرا من مصادر التوجيه والإلهام في المؤسسة. وفيما يأتي عرض لبعض الأمثلة للقيم الجوهرية لدى بعض المنظمات.

أمثلة على قيم جوهرية من واقع المنظمات الناجحة
الحالة رقم 1 هي عبارة عن أمثلة واقعية للقيم الجوهرية التي تتمثلها عدد من الشركات الناجحة مثل شركة فورد وجنرال اليكترك وآي بي أم وموتورولا و هيليوت باكارد :

والأمانة والصدق قواعد أساسية في عملنا.

·       جنرال إلكتريك: تحسين نوعية حياة الناس من خلال التكنولوجيا والابتكار،
 والتوازن في مسؤولية الشركة تجاه زبائنها وموظفيها والمجتمع والمساهمين،و توفير الفرص وتحمل المسؤولية، والأمانة والصدق.

·  آي بي أم: توجيه الاهتمام الأكبر للموظفين وفعل كل ما يمكن لإسعاد زبائننا وعمل كل ما يمكننا لصنع الأشياء كما ينبغي وبمستوى رفيع من التفوق.
·       سوني: تقدير واحترام وتشجيع قدرات الأفراد الخلاقة والإبداعية.

·  موتورولا: موتورولا تستمد بقاءها من الخدمة التي تقدمها للمجتمعات بتقديم سلع وخدمات ذات مستوى عال من الجودة والسعر المناسب. و تشجيع الطاقات الإبداعية والخلاقة في الأفراد. والتعامل مع ألأفراد بدرجات عالية من الاحترام والتقدير.

·       هيليوت باكارد: احترام وتقدير الفرد. ولا تقبل للآخرين ما لا تقبله لنفسك.

حالة 6قيم جوهرية
والقيم الجوهرية تمثل المبادئ والمعتقدات الأساسية والدائمة التي لا تقبل التفاوض أو التنازل. وكما يؤكد أحد المديرين التنفيذيين لشركة آي بي أم أن معتقدات المؤسسة التي ترتبط بقيمها الجوهرية تمثل المرشد والموجه للطاقات البشرية الكامنة، لأنها تساعدهم على وجود غاية مشتركة فيما بينهم. فمهما حدثت تغيرات أخرى لا تتغير هذه القيم ولا يمكن أن تتبدل مع مرور الزمن. وسر نجاح أي مؤسسة يعتمد على مدى التزامها بمعتقداتها، هذه المعتقدات التي لا تتغير مهما تغيرت سياساتها وإجراءاتها وأهدافها. فالإجراءات والسياسات والأهداف يجب أن تتغير وتعدل في أي وقت تصطدم بمعتقدات الشركة وقيمها الجوهرية. فالقيم الجوهرية للمؤسسة التي تنبثق عن رسالة المؤسسة وترتبط بها ارتباطا وثيقا ينبغي أن تتسم بالصدق والأصالة وأن تكون مستمدة من واقع المؤسسة لتمّكن أفرادها من حمايتها مهما تغير الأفراد أو ذهب مديرون وجاء غيرهم.
والقيم الجوهرية لا يمكن استعارتها من الآخرين ولا يكمن دراستها في كتب الإدارة وتبنيها لأنها تبدو جميلة وبراقة ولكنها تأتي من الداخل، أي من القناعة الراسخة لدى القيادة التي قد تؤمن إيمانا راسخا بحرية الفرد وتقديم كل احترام وتقدير له أو مثلا احترام الزبائن والعمل على تقديم أفضل الخدمات لهم.
وهنالك مثال واقعي من شركة 3M التي تعتنق مبدأ التجديد والابتكار والإبداع التكنولوجي وتمكّن أفرادها من كل سبل التميز والتفوق؛ من أجل إنتاج سلع وأفكار مبتكرة وخلاقة.
وترتبط القيم الجوهرية عادة بقضية جوهرية مصيرية وهي قضية وجود. أي قضية سبب وجود وقيام المؤسسة من حيث المبدأ، فهل نشأت من أجل تقديم خدمة معينة كالتعليم الجامعي أم من أجل الربح والمردود العظيم للمساهمين؟. وهل نشأت من أجل تقديم برمجيات بتكنولوجيات متقدمة لحل مشاكل المستخدمين أم نشأت لمنافسة الشركات الأخرى؟. وهكذا لا بد أن تربط ألمؤسسه دائما بالغاية نفسها الأساسية من وجودها؛ لكي تحدد أهدافها العامة وقيمها الجوهرية الأصيلة.
وتؤكد الدراسات  (Peffefer, 1994)عدم جواز الخلط بين القيم الجوهرية للمنظمة والقيم الأخرى مثل الثقافة والاستراتيجية والعمليات والتكتيكات والسياسات والإجراءات المختلفة. هذه كلها تتغير إذا لزم الأمر، ولكن القيم الجوهرية وغايات المؤسسة التي وجدت أصلاً من أجلها لا يمكن أن تتغير. فعندما نقول، مثلاً: "نريد أن نقدم لزبائننا أفضل ما يمكن من خدمات" إذا كانت هذه الفكرة تشكل معتقدا راسخا وجوهريا فإنها لا يمكن أن تتغير كما تتغير الطريقة التي نستخدمها للترحيب بالزبائن عند دخولهم إلى محلاتنا التجارية. فهذه عبارة عن" أيتكيت" قد يتغير وتلك (تقديم خدمات أفضل) لا يمكن أن تتغير ولا يمكن أن تنتهي مهما تغيرت الأحوال والظروف.
فالمؤسسة التي تحترم قيمها الجوهرية عادة تحترم العنصر البشري والسبب في ذلك أنّه لا يمكن لأي مؤسسة من تحقيق قيمها الجوهرية من خلال المؤسس أو شخص القائد بمفرده وإنما من خلال أفراد المؤسسة وتعاونهم والثقة بينهم والمواهب الكامنة لديهم والتواصل المستمر بينهم والمعرفة المتجددة وروح المبادرة وتحمل المسؤولية عندهم.
وهذا كله يصب في الجوهر الرئيس في هذا الكتاب وهو ما يتعلق بالتمكين وحرية التصرف. وليس المقصود هنا هو محاولة خلق أدلة أو الاستدلال بقضايا تتوافق مع الفرضيات التي نسوقها هنا حول موضوع التمكين، وإنما الأمر هنا يرتبط بوجود مقدمات ومناخ تنظيمي متكامل يحفز ويفتح الباب أمام تنفيذ وتطبيق مفهوم التمكين المعاصر بنجاح وبكفاءة وفاعلية. وليس المراد هنا عند التحدث عن مواضيع تدور في سياق التمكين من بعيد أو قريب أن هذه المواضيع حتمية، أي أن التمكين يرتبط بها بشكل حتمي ولا ينجح بأي شكل من الأشكال دونها. ولكن من المؤكد بأن هذه المقدمات مثل وجود قيم جوهرية ورسالة وغاية معنوية أساسية للمنظمة، هذه كلها عوامل قد تكون من العوامل المساعدة لا بل والمؤيدة لتطبيق مفهوم التمكين. لأن وجود هذه العوامل يساهم في وضع ثقل أكبر على المشاركة والرأي الجماعي وتعاون المرؤوسين مع القادة ومساهمتهم في التغيير والتجديد والتطوير لأنه دون مشاركة الآخرين لن تتمكن المنظمة من إحداث التغيير الطويل المدى في عمر المنظمة وسيكون التغيير تغييراً من خلال القادة والمؤسسين لا من خلال الأفراد والمؤسسة.
فعملية التجديد والتقدم إلى الأمام تحتاج إلى مواهب وتحتاج إلى دافع ورغبة للتجديد والتحديث. والدافع للتقدم والتطوير والنمو وعدم التراجع حاجة لا يمكن أن تصل إلى حد الإشباع إلا مع الذين يكتفون بالقليل أو بالوضع السائد. أما دعاة التجديد والتغيير فدائما يحاولون اكتشاف فرص جديدة فلا يقبلون بالنجاح الذي توصلوا إليه ليبدأوا البحث عن نجاحات جديدة. وهذه الدوافع نحو التقدم لا تأتي من مصادر خارجية وإنما تأتي من الداخل.
فالمؤسسات الناجحة لا تكتفي باعتناق رؤية عظيمة أو رسالة عالمية أو قيم جوهرية وإنما تصنع كل ما يمكنها من عوامل لترجمة هذه القيم إلى واقع عملي يتحرك على الأرض من خلال تعاون وتفاني أفرادها. فمثلا شركة 3M لم تكتفِ ببث شعارات تنادي وتدعو إلى الإبداع والابتكار بل ترجمت ذلك فعليا بتوفير المناخ الملائم لمهندسيها ومنحهم 15% وقتاً مقتطعاً من وقت العمل ودون أن يعملوا خلال هذه الفترة (ال15%) أيّ شيء، ما عدا التفكير بأفكار خلاقة تتعلق بمنتج جديد أو تصميم معين أو تعديل تصميم أو منتج ليصبح أكثر إبداعا وتحديثا أو غيرها من أفكار إبداعية.

ثقافة العمل في المؤسسات الممكنة للموظفين

المؤسسات التي تعتنق وتؤمن بفكر التمكين تقلب الهيكل التنظيمي التقليدي رأسا على عقب كما أشرنا إلى ذلك في الفصل السابق من خلال الشكل رقم (4) ( فمثلا شركة نوردستروم (Nordstrom) وضعت زبائنها على قمة الهرم وبعد ذلك وضعت البائعين في المقدمة، ثم المديرين في الإدارة الوسطى، ومن ثم الإدارة العليا.
وأول شيء يتسلمه الموظف الجديد قبل أن يباشر عمله في نوردستروم هو كتيب العمل الذي يتألف فقط من بطاقة مساحتها تساوي 5x8 إنش مكتوب في أعلاها "أهلا بك في نوردستورم" ومن ثم الجملة الآتية:
" نحن سعداء بانضمامك لشركتنا. القاعدة الأساسية للعمل في هذه الشركة تتلخص في تقديم خدمات متميزة لزبائننا. ضع لنفسك أهدافا شخصية ومهنية عالية جدا. فنحن على ثقة عالية بقدراتك لتحقيق هذه الأهداف".

أما قوانين نوردستورم فهي:
القاعدة رقم واحد: حكّم نفسك في جميع المواقف التي تواجهها.
لا يوجد لدينا أي قوانين أخرى.
الرجاء أن تشعر بكل حرية إن كان لديك أي استفسار وأن تعود لأي من مديريك في أي وقت من الأوقات".

قد يعتقد المرء بأن المؤسسات الناجحة التي تقدم هذه الشعارات للموظفين الجدد سهلة وودية في كل الظروف. وحقيقة ألأمر غير ذلك تماما. فكثير من الموظفين يتركون ولا يستطيعون الاستمرار في مثل هذه المؤسسات نتيجة لأن ما تطلبه هذه المؤسسات ليس بتلك السهولة من حيث الأداء من ناحية ومن حيث التوافق مع قيم المؤسسة وثقافتها.
المؤسسات الناجحة لا يوجد في أجندتها مجالا للهزل والفراغ وإنما تقوم على العمل الجاد وعلى قيم وأهداف تحتاج إلى جهد وجد ومثابرة. من هنا نجد أن هذه المنظمات تلفظ خارجها المتقاعسين والذين لا يرغبون بتحمل مسؤولياتهم على أكمل وجه، ولا ترحب بمن لا يبادر ولا يحاول تطوير نفسه وتعزيز قدراته على الرغم من أنها تحاول توفير كل ما يلزم لذلك. ولا بد أيضا من الالتزام بثقافة المؤسسة وقيمها لأن بعض المؤسسات الناجحة تمتلك قيما لا يمكن لبعض الناس من التأقلم معها بسهولة، فنرى مثلا في بعض المنظمات احتراماً فوق العادة لرغبات الزبائن (بحيث إن بائع الأحذية مثلا لا يرى ضيرا من أن ينحني لمساعدة الزبائن في قياس الحذاء للتأكد من المقاس المناسب، وغيرها من الممارسات التي لا تتناسب مع البعض) وثقافة التعاون وروح الفريق وروح المبادرة والتفكير المبدع الخلاق المستقل.
كل هذه مظاهر لثقافة بعض المؤسسات، التي لا تناسب بعض الناس فتعمد المنظمة على عدم بذل جهد خاسر معهم فتترك لهم الباب مفتوحا على مصراعيه لمغادرة المؤسسة والاحتفاظ بمن يتكيف مع القيم والثقافة ومستويات الأداء المتاحة داخل المنظمة.

 

الخلاصة

يعود نجاح وتقدم أي مؤسسة اجتماعية على المدى الطويل إلى العمليات والتفاعلات الأساسية المتجذّرة في المؤسسة وليس نتيجةً لفكرة واحدة عظيمة أو لعالم وصاحب رؤية لا مثيل له وصاحب قرارات عظيمة ولا من يمتلك قوة إعجاب عظيمة وكاريزما وسلطان عظيم. لذلك ينبغي أن لا يكون التركيز على شخصية القائد على الرغم من أن هنالك قادة مشهورين لهم أسماء لامعة في التاريخ وصنعوا أفكارا عظيمة واتخذوا قرارات هامة في تاريخ منظماتهم أو حتى دولهم، ولكن واجهت تلك الأفكار زوالاً بزوالهم واندثاراً برحيلهم، وهناك قادة مشهورون أيضا قدموا قرارات وأفكارا راقية في الحكمة والقوة والبصيرة ولكنهم تمكنوا من إدامة تلك الأفكار العظيمة من خلال تمكين غيرهم من ممارسة أدوار عظيمة تماما كالأدوار التي قاموا بها بعظمتها،  على الرغم من الاختلاف في نوعية الأفكار؛ لأن البشر مختلفون بأفكارهم ومهاراتهم وقدراتهم وطريقة تفكيرهم. المهم هنا في الأمر أن يفكر صاحب القيادة العظيمة في بناء قادة ورجال وبُناةٍ قادرين على الاستمرار في البناء لكي يساعدوه في وجوده ولكي لا يتوقفوا عن البناء بعد غيابه عنهم. المهم في القيادة أن تنتج رجالاً لأن الرجال أهم من المنتجات والأفكار، ولأن الرجال هم من يصنعون الأفكار والسلع والخدمات، والعكس دائما غير صحيح.
 ونستنتج من التجارب التي تم سردها في هذا الفصل مجموعة من العناصر المشتركة تتميز بها الشركات الناجحة ذات الميزة التنافسية المستديمة:
1.    وجود مناخ من الثقة المتبادلة داخل المؤسسة.
2.    تشجيع العاملين على الإبداع والتفوق واكتساب المهارة والمعرفة.
3.    تشجيع روح المبادرة وتدفق المعلومات والشفافية والاتصال المستمر.
4.    تقديم الحوافز للمبدعين وخاصة التقدير المعنوي لجهودهم.
كل هذه العناصر قد ساهمت بدورها كمرتكزات جوهرية ومتطلبات أساسية لتمكين العاملين واستقلاليتهم وشعورهم بملكيتهم للمهام بدلاً من الإحساس بأنها مفروضة عليهم. وهذه المرتكزات تؤيد ما جاء في الفصل الثاني من مقومات وركائز لتمكين العاملين: الثقة والمعرفة والاتصال وتبادل المعلومات والحوافز والمكافآت.



مفهوم التنافسية والتجارب الناجحة في النفاذ الى الأسواق

تجارب الشركات الناجحة ذات الميزة التنافسية المستدامة

ابعاد الميزة التنافسية المستدامة

أبعاد الميزة التنافسية

الميزة التنافسية المستدامة

الميزة التنافسية المستدامة

الميزة التنافسية للمؤسسة

ابعاد الميزة التنافسية

مفهوم الميزة التنافسية

الميزة التنافسية





[i]  Collins, J and Porras, J.(1994), Built To Last: Successful Habits of Visionary Companies, USA.

[ii] Collins, J and Porras, Built To Last: Successful Habits of Visionary Companies, OP  cit.
[iii] http://www.arabbank.com/user_shoman_found.asp
[iv]   Collins, J and Porras, Built To Last: Successful Habits of Visionary Companies, OP  cit.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق