الجمعة، 14 أبريل، 2017

منهجية سيميوطيقا الأهواء

منهجية سيميوطيقا الأهواء
ما يهمنا في هذه الدراسة على المستوى المنهجي هو مقاربة الأهواء الذاتية والنوازع الجسدية والميولات الانفعالية مقاربة سيميوطيقية، تنصب على دراسة الهوى ضمن المستوى السردي التركيبي والمستوى الدلالي، مع استبعاد الجانب اللغوي الذي يتمظهر على مستوى التجلي. ويعني هذا أننا لن ندرس الأهواء النفسية والانفعالات والمشاعر من الناحية الفلسفية أو الناحية الأخلاقية والنفسية تحليلا وتصنيفا، بل دراسة الأهواء داخل النصوص والخطابات ، بالاستعانة بالمقاربة السيميائية سطحا وعمقا، باستقراء المكونات التركيبية والمكونات الدلالية. وهنا، يتم إضافة البعد الانفعالي إلى الخطاطة السيميائية التي وضعها كريماس ، وتضم البعد المعرفي والتأويلي. وبتعبير آخر، يقول سعيد بنكراد:" إن ماهو أساسي في دراسة الهوى ليس التعرف على العلامات الدالة على الأهواء، بل الاهتمام بآثارها المعنوية كما تتحقق في الخطاب.لذلك، فإن الأمر لايتعلق في سياق هذا الكتاب[سيميائيات الأهواء لكريماص وجاك فونتانيي]، وسياق السيميائيات عامة، بمحاولة تقديم صنافة شاملة لسلسلة من الأهواء كما يفعل ذلك الفلاسفة أو علماء النفس وغيرهم، ولا يتعلق أيضا بإصدار جملة من الأحكام الاجتماعية/الأخلاقية التي تدين هذا الهوى ، وتثمن ذاك ضمن استقطابات من طبائع مختلفة؛ فهذه أمور لاطائل من ورائها(أو هي كذلك في سياقنا على الأقل)، ولايمكن أن تقدم إضافة نوعية قد تقودنا إلى فهم أفضل لهذا السلوك الهووي أو ذاك. إن الأمر على العكس من ذلك :" فهوى" السيميائيات هوى تركيبي دلالي لايلتفت إلا للممكنات الكامنة التي يمكن أن تتجسد من خلال وجوده الأدنى كما يتحقق في القواميس.فهي لاتكترث لما تقوله الأخلاق إلا من حيث المسارات المحتملة (البرامج والعلامات المتداخلة بين العوامل) التي يمكن أن تولدها الإدانة والتثمين، ولا تلتفت إلى مايقوله الدين، وينصح به، إلا من حيث إمكانات تحويل النهي والترهيب والترغيب إلى برامج سردية تتضمنها محكيات تضع الهوى ضمن سياق خطابي بعينه(حالة لقمان وهو يعظ ابنه)."[1]
ويعني هذا أنه لايمكن فهم سيميائية الأهواء إلا إذا استوعبنا سيميائيات الأفعال والأشياء، وفهمنا السيميوزيس(التدلال) السردي بمكونه التركيبي والدلالي، في مساره التوليدي التحويلي، فنعرف كيف يتشكل المعنى، وكيف يتبنين أيضا على مستوى السطح والعمق، من أجل تحصيل المعنى والدلالة المضمرة. بتعبير آخر، إن البنية الهووية الأصلية العميقة البسيطة هي التي تولد مجموعة لامتناهية من النصوص والخطابات التي تتمظهر فيها الأهواء الانفعالية السلبية والإيجابية،  عبر عمليات التحويل والتمطيط والتكثيف والتوسيع. و"بعبارة أخرى، يمكن القول: إن البناء النظري الخاص بالأهواء يستمد مبادئه ومفاهيمه وتصنيفاته الأساسية من السيميائيات الكلاسيكية بتعبير فونتانيي، أي مما جاءت به سيميائيات الفعل، أو السيميائيات السردية بحصر المعنى. إن الأمر يتعلق بتنويع على أصل، أو هو الانفتاح المتزايد على مناطق إنسانية جديدة لاتلغي النموذج النظري الأصل، بل تقوم بإغناء مفاهيمه وتوسيع دائرة اشتغاله.فعلى الرغم من أن للظاهرتين منطقين مختلفين (باعتبار الانفعال سابقا في الوجود على المعرفة) ، إلا أنهما لا يكشفان عن مضامينهما إلا من خلال السيرورة التوليدية التي أشرنا إليها أعلاه".[2]
وعليه، فإن أهم ما يميز سيميائية الأهواء أنها أضافت بعدا تحليليا جديدا في دراسة النصوص والخطابات، وهو البعد الانفعالي أو الاستهوائي، إلى جانب البعد العاملي والتيماتيكي (المعجمي) الموجودين في سيميائية الفعل والأشياء. بمعنى أننا أصبحنا نتحدث عن أدوار العامل، وأدوار الفاعل التيماتيكي أو الغرضي، والفاعل الاستهوائي أو الانفعالي." وبعبارة أخرى، يتعلق الأمر بدراسة الهوى باعتباره سابقا على الممكنات الدلالية المستترة، فهو من حيث الطبيعة وممكنات التركيب يعد سلسلة من الحالات الانفعالية التي تتطور خارج البعدين المعرفي والتداولي(المكونين الرئيسيين في النص السردي).إنه يشكل بعدا جديدا داخل المسار التوليدي يطلق عليه : البعد الانفعالي، فالإنسان لايفعل فقط، إنه بالإضافة إلى ذلك يضمن الفعل شحنة انفعالية تحدد درجة الكثافة التي يتحقق من خلالها هذا الفعل. وهي إشارة أيضا إلى طبيعة كينونة الذات الفاعلة وتأثيرها في فعلها.لذلك، فإن هذا البعد يتجسد في مرحلة أولى من حيث التحققات الخطابية من خلال أدوار استهوائية انفعالية، هي الوجه الآخر، داخل الخطاب، للأدوار التيمية (صياد، وفلاح، وأستاذ، هي أدوار تيمة تحيل على أدوار اجتماعية، في حين يحيل الغضوب والبخيل والعنيد على حالات غير طبيعية عادة ما تكون عرضية وغير مسترسلة في الزمان والمكان، وبالإضافة إلى ذلك عادة ما تكون مخلقة سلبيا من الناحية الاجتماعية والدينية: الغضوب والبخيل والغيور."[3].
وعليه، لابد من الارتكان، على مستوى التطبيق، إلى الوصف المعجمي والدلالي لدراسة البتيمات الانفعالية( pathèmes)، وإخضاعها للمستوى التركيبي، بغية تحديد المربع السيميائي والبنية الدلالية المنطقية التي تتحكم في توليد النص أو الخطاب الاستهوائي. وهنا، يتم استكشاف الملفوظات الانفعالية، وتحديد التوترات الاستهوائية، والتركيز على الذات الهووية، ودراسة الجهات والبرامج السردية الاستهوائية والفاعل الاستهوائي. كما تركز المنهجية على استكشاف الجسد باعتباره موضوعا إجرائيا، به  يتم إدراك الشعور للعالم الموضوعي. ومن هنا، تدرس سيميوطيقا الأهواء ملفوظات الإحساس، والمتلفظ الذاتي ، وآليات تخطيب الأهواء، والاستعانة بالبنية العاملية والسردية في تحليل الخطاب الاستهوائي. والانتقال من التلفظ إلى الأهواء، ومن الإستيتيقا إلى القيم. وهنا، يدرس تمظهر الجهات، والتشخيص التصويري، وعمليات التلفظ. أي: المستوى الصرفي التركيبي الدلالي للعواطف.
وبناء على ماسبق، يلاحظ أن سيميائية الأهواء"جاءت مكملة لسيميائية العمل، حيث إن مشروعها ينهض على أساس سد ثغراتها، وملء البياضات التي تعتور بناءها النظري. غير أن هذا المشروع ، بحسب رأي معظم الباحثين، ينماز بالدرجة الأولى بقيام بنائه العلمي على مجموعة من الحدوس المعرفية.وعلة ذلك كونه لايزال في طور التشييد النظري. فالاقتراحات، والنماذج النظرية، والخطاطات المعيارية، التي يقدمها استجابة لشرط إبداع مقاربة ملائمة للمكون الهووي داخل الخطاب، تشكل عماد التفكير في القضايا الجديدة داخل النظرية. بيد أنها من جهة أخرى، تفرض على الباحث ضرورة تنقيحها، أو بالأحرى تخليصها من زخم التفاصيل المخلة أحيانا بالانسجام المطلوب، في أفق استكمال مشروع التأسيس النظري المتماسك لمكوني الأهواء والتوترية في الخطاب، علما أن هذا ما تقتضيه شروط الطبيعة العلمية للنظرية السيميائية بالأساس".[4]
وما يلاحظ كذلك أن سيميائية الهوى تتداخل منهجيا مع سيميائية العمل، ويتداخل البعد الانفعالي مع البعد الغرضي للفاعل أثناء تحديد الصور المعجمية، وإبراز وظائفها التيماتيكية والهووية. كما اعتمدت سيميائية الهوى على مفاهيم ومصطلحات ومنهجية سيميائية العمل. ولم تتحدث سيميائية الهوى عن سيميائية المعاناة، بل اقتصر حديثها على سيميائية الكينونة في مقابل سيميائية الحالة. كما أن سيميائية الأهواء لم تقترح نمذجة للأهواء على غرار البنية العاملية، حيث مازلنا نتكئ في ذلك على سيميائية العمل. وتعتمد سيميائية الهوى على انتقاء هوى معين قابل لمدارسته تركيبيا ودلاليا، بل ثمة أهواء أخرى تستعصي على الدراسة والتحليل السيميائي الاستهوائي. وإذا كان تعامل هرمان باريت مع الأهواء يتخذ بعدا كونيا قابلا للتعميم والتجريد والصورنة، فإن مدرسة باريس تنطلق في مقاربتها الاستهوائية من الخصوصية الثقافية والصنافات الهووية الخاصة بالثقافة الغربية. لذا، ينبغي للدارس العربي أثناء دراسته للأهواء معالجة وتصنيفا وبحثا أن ينطلق بدوره من المعاجم العربية والكتابات الفلسفية والأخلاقية الموجودة لدينا لمعرفة المنظور القيمي تجاه الأهواء وحالات النفس البشرية[5].
الجانـــــب التطبيقــــي
وبعد هذا الفرش النظري، ننتقل إلى الجانب التطبيقي من أجل تجريب النظرية الاستهوائية على الرواية السعودية( الإرهابي 20) لعبد الله ثابت، بغية وصف آليات اشتغال الدلالة الاستهوائية في هذه الرواية؛ لأن الهوى هو أساس الدلالة، وجوهر انبثاق المعنى. ومن باب الإضافة، فثمة روايات سعودية قد تناولت موضوعة المواجهة ضد الإرهاب، سواء بطريقة جزئية أم بطريقة كلية، مثل: رواية(الأنثى المفخخة) لأميرة حبيب المضحي[6]، ورواية( يوم التقينا... يوم افترقنا) لخالد الشيخ[7]، ورواية(عرق بلدي) لمحمد المزيني[8]، وروايتي( القارورة)[9] و(الحمام لا يطير في بريدة) ليوسف المحيميد[10]، ورواية( سوق الحميدية) لسلطان سعد القحطاني،  ورواية(الفردوس اليباب) لليلى الجهيني[11]، ورواية( نقطة تفتيش) لمحمد الحضيف[12]، ورواية( جروح الذاكرة) لخالد التركي[13]، ورواية( الإرهابي20) لعبد الله ثابت...
المطلب الأول: المتــــن الحكائــــي
 ترد رواية ( الإرهابي 20) لعبد الله ثابت في شكل خطاب روائي أوطبيوغرافي قائم على السيرة الذاتية، والتذويت، والفلاش باك ، وتذكر الماضي، والانطلاق من الرؤية الداخلية(الرؤية مع) التي تستند بدورها إلى تشغيل ضمير المتكلم، والمعرفة المتساوية، ومشاركة الراوي مع الشخصية في إنجاز الأحداث. ومن جهة أخرى،  تقترب الرواية  من جنس اليوميات أو التحقيق الصحفي الريبورتاجي. وتلتقط الرواية في سراديبها تفاصيل الحياة في السعودية، بالتركيز على شخصية دينامكية متطورة هي شخصية: زاهي الجبالي.
تبدأ الرواية بتقديم زاهي الجبالي الذي قضى طفولته بمنطقة أبها، فنشأ في أسرة (عسيرية) متوسطة محافظة ، فتلقى تعليما دينيا قاسيا على مجموعة من الشيوخ الذين كانوا بعيدين أيما البعد عن طرائق التربية الحديثة والمعاصرة، فقد كانت تنقصهم الرحمة والرأفة والشفقة. فتربى الطفل على هوى الخوف والفزع. وبعد ذلك، انتقل الطفل المتفوق إلى مستويات دراسية متقدمة، فتم استدراجه واستقطابه من قبل خليات إرهابية بشكل مدروس ومحكم، بتنظيم رحلات تخييمية وتداريب كشفية دينية قائمة على السرية والخلوة والعزلة، والتشدد في التدين، والمغالاة فيه ضيقا وحرجا. فانقاد الفتى لرغبات شيوخه وزعماء الطوائف الذين شكلوا فيما بعد حلقات سرية مغلقة لتسييج المريدين والأتباع، وتلقينهم دروسا في الدين بطريقة غير صحيحة ، بالاعتماد على الكتب الصفراء المتشددة التي تعسر ولا تيسر. وبعد ذلك، أصبح الفتى عضوا مندمجا داخل الخلية الإرهابية بشكل غير واع، يقوم بتأطير الأطفال والمريدين الجدد ، وإعدادهم  لحياة التطرف والمغالاة في الحياة. ولم يستطع الفتى أن ينسلخ عن حياة هؤلاء المتطرفين إلا بشق الأنفس، حيث روع من قبل هؤلاء القساة، وعنف بشدة، واتهم بالشذوذ، وحوصر في كل زمان ومكان. إلا أن الفتى سرعان ما تعقل، وعاد إلى رشده، فتصالح مع أسرته، وانطلق إلى دراسته من جديد، فحقق نجاحا باهرا،  بعد أن أخفق في السابق مرات عدة في دراسته العلمية. واستطاع  زاهي الجبالي أن يلج الجامعة، ويحصل على شهادة الإجازة في الآداب، وعرف بين أقرانه شاعرا ذائع الصيت. ولما تخرج، مارس وظيفة التعليم، فأنشأ أسرته الصغيرة ، ثم كرس كل حياته لمجاهدة الإرهاب والكراهية والعنف، ومقاومة التطرف والعدوان،  بالإقبال على الحياة في توسط واعتدال.
المطلب الثاني: التمظهر المعجمي أو القاموسي
من المعروف أن المعجم يتضمن سلسلة من المفردات التي تحمل مجموعة من المعاني الثابتة والمتغيرة حسب السياق الثقافي لمجموعة بشرية معينة. ويقوم المعجم على تصنيف الوحدات الدلالية ضمن مجموعة من أبواب المعاني والموضوعات، أو ترتب حسب الطريقة الألفبائية إن تقديما(أغلب المعاجم والقواميس العربية)، وإن تأخيرا (لسان العرب لابن منظور). ويساعدنا القاموس أو المعجم على تفهم معاني الكلمات، وتحديد الدلالة المعجمية لمصطلح ما أو مفهوم معين لغة واصطلاحا.
ومن هنا، تنكر المقاربة السيميائية ظاهرة الترادف، ونتفق مع ابن فارس وثعلب على أن المترادفات الأخرى للكلمة هي مجرد ألقاب أو صفات أو أسماء لها دلالات أخرى. وفي هذا السياق، يقول سيبويه:" اعلم أن من كلامهم اختلاف اللفظين لاختلاف المعنيين، واختلاف اللفظين والمعنى واحد، واتفاق اللفظين واختلاف المعنيين...واختلاف اللفظين والمعنى واحد نحو ذهب وانطلق."[14]
وهكذا، تشتق كلمة الإرهاب من الفعل الرباعي المتعدي أرهب ، وتشتق كلمة الرهبة والرهب من الفعل الثلاثي رهب (بالكسر). وفي هذا الصدد، يقول ابن منظور في ( لسان العرب) معرفا الإرهاب:"رهب، بالكسر، يرهب رهبة ورهبا، بالضم، ورهبان بالتحريك، أي خاف. ورهب الشيء رهبا ورهبا ورهبة: خافه... وترهب غيره إذا توعده...الرهبة: الخوف والفزع... وأرهبه ورهبه واسترهبه: أخافه وفزعه... وترهب الرجل إذا صار راهبا يخشى الله. و الترهب التعبد، وقيل: التعبد في صومعته.قال: وأصل الرهبانية من الرهبة، ثم صارت اسما لما فضل عن المقدار وأفرط فيه...والرهبانية منسوبة إلى الرهبنة،...وأصلها من الرهبة: الخوف؛ كانوا يترهبون بالتخلي من أشغال الدنيا، وترك ملاذها، والزهد فيها، والعزلة عن أهلها، وتعهد مشاقها... فنفاها الرسول(صلعم) عن الإسلام، ونهى المسلمين عنها."[15]
وتتولد عن هذا التعريف المعجمي والقاموسي لمفهوم الإرهاب التمظهرات التوليدية الدلالية التالية: الخوف، والفزع، والوعد، والترويع، والرهبانية، والتطرف، والإفراط، والعنف، والعدوان، والمبالغة، وعدم الاعتدال، والخلوة، والانعزال، والانغلاق، والتزاهد، وركوب المشقة في التدين والزيادة فيه...ويعني هذا أن الإرهاب هوى موضوعي قائم على العدوان والتعدي، وإلحاق الضرر بالآخر أو الغير، إما عن طريق ممارسة العنف المادي، كالضرب، والجرح، والقتل، والغصب، والاغتصاب... وإما بممارسة العنف الرمزي كما يذهب إلى ذلك بيير بورديو(Pierre Bourdieu)، ويكون ذلك بالوعد، والسب، والشتم، والقذف، والغيبة، والنميمة، والتشويه، والحقد، والحسد...
ولا تتضح صورة الإرهاب إلا إذا قابلناها بكلمة التسامح ، وتشتق هذه الصورة السيميائية من فعل:" سمح وأسمح إذا جاد وأعطى عن كرم وسخاء؛ وقيل: إنما يقال في السخاء سمح، وأما أسمح فإنما يقال في المتابعة والانقياد؛... وأسمح وسامح: وافقني على المطلوب...والمسامحة: المساهلة. وتسامحوا: تساهلوا... وفي الحديث المشهور: السماح رباح. أي: المساهلة في الأشياء تربح صاحبها.وسمح وتسمح: فعل شيئا فسهل فيه؛... وقولهم: الحنفية السمحة: ليس فيها ضيق ولاشدة... وأسمحت الدابة بعد استصعاب: لانت وانقادت... والمسامحة: المساهلة في الطعان والضراب والعدو؛ ..وقيل التسميح: السير السهل."[16]
ويعني هذا أن صورة التسامح لها عدة تمظهرات معجمية ، مثل: الجود، والكرم، والعطاء، والسخاء، والمتابعة، والانقياد، والتساهل، واليسر، والسهولة، والمرونة، والانفتاح، والتعاطف، والتعايش، والفوز في الحياة والآخرة، والاندماج في المجتمع، والتضامن، والتوسط والاعتدال.
وبناء على ما سبق، يتضح لنا أن هوى الإرهاب هوى انفعالي من صنف الأهواء القائمة على الموت والانغلاق. بينما هوى التسامح من صنف أهواء الحياة والانفتاح.
المطلب الثالث: التمظهــــرات الدلالية
يتم الرجوع، هنا، إلى النص الروائي لتحديد مختلف الدلالات السياقية لكلمة هوى الإرهاب؛ لأن الدلالة المعجمية والقاموسية غير كافية لفهم مدلول الإرهاب، فلابد من البحث عن دلالاته الشكلية، ضمن حقول دلالية وسياقية داخل النص الروائي المدروس. ويعني هذا الانتقال من البحث المعجمي القاموسي إلى التخطيب النصي. ومن هنا، ترد صورة الإرهاب ضمن سياقات نصية متعددة لتحيل على مجموعة من الدلالات على النحو التالي:
üالتطرف: ويتمثل في تجاوز حد الاعتدال في الدين:"في تلك الفترة، أي بأواخر السبعينيات، تدين أخي الأكبر تدينا حادا متأثرا بالمتطرفين، الوافدين من بلدان مجاورة."[17]
ü الغلو: ويعني المبالغة في ممارسة الدين. وفي هذا الصدد، يقول الكاتب عن أخيه:" تأثر بعمله في المدارس القرآنية مع مجموعة من المغالين، الذين استطاعوا أن يضموه إليهم فحمل فكرهم، وتحمس لهم."[18]
üالانغلاق: " كان أخي يحرم كل ما يدور بالمنزل، فتشب المناجزات، لاسيما بينه وبين الذين يلونه من إخوتي، الذين كانوا يتحزبون ضده. ومن الطرائف التي مازالت تتحرك في ذاكرة أسرتي يوم كانوا يتعاقبون إلى "الماطور" أي مولد الكهرباء، فيقومون بتشغيله كي يتابعوا التلفزيون ليعود فيطفئه، ويمضي الليل كله على هذه الحال، وكثيرا ما تصل الأمور إلى درجة الاشتباك بالأيدي والمشاجرات العنيفة..."[19]
üالاستغلال: تقوم صورة الإرهاب على استغلال المتطرف للدين  من أجل استدراج الناس، وتجنيدهم لترويع الآخرين من باب تطهير المجتمع، ومحاربة الفساد الأخلاقي:" كانت تلك الفترة التي تدين بها أخي الأكبر، بداية للتجمع الذي قام به المتطرف الشهير بالجزيرة العربية، جهيمان وأتباعه.كانوا يدورون بالناس ، يعظونهم ويأخذون تأييدهم، محتجين على الفساد الأخلاقي برأيهم، الذي تبدت مظاهره في أغنيات التلفزيون والنساء الظاهرات به وغير ذلك، وانتهت باحتلالهم الحرم المكي.كان هدفهم من ذلك الثورة على النظام السعودي، الذي يعتقدون فساده، وأن عليهم تطهير البلاد من هذه الحكومة الكافرة بزعمهم، إلا أن الدولة استطاعت إخمادهم والفتك بهم داخل الحرم، والقبض على جهيمان وعدد من أتباعه وإعدامهم إثر ذلك!"[20]
üالأذى:" ذكرت أن أخي هذا كان متدينا لدرجة مؤذية، وكادت حياته تنتهي تماما لو أنه ثبت تورطه في أي من أعمال احتلال الحرم المكي!"[21]
ü العنف:" ما كدت أنضم إلى مجموع طلاب فصلي حتى بدأت أسمع التهديد والوعيد، كان المعلمون الدينيون يصرخون ويوبخون الصغار...حتى دخل علينا أول معلم ولمجرد جلوسه أخذ يتهددنا بألوان العقاب إن نحن لم نمتثل لأوامره ونواهيه!"[22]
ü الخوف:  يقول السارد في هذا الصدد:" ومر الوقت ومرت السنة الأولى، وعلمت أني ناشب في دائرة من الخوف والعذاب والألم".[23]، ويقول أيضا:" وبعد وقت من هذا التحرر من الرعب والخوف كانت قد تكونت بداخلي الكثير من النقائص"[24]
üالقسوة:" وفي مخيلتي صورة مدير المدرسة البشعة والمدرسون القساة!"[25]
üالرهبانية: " وبعد وقت من هذا التحرر من الرعب والخوف كانت قد تكونت بداخلي الكثير من النقائص، وهذه نتيجة حتمية لما ترددت بداخلي من العالمين النقيضين عالم الرهبانية والعصا والمخاوف والكراهية، ثم عالم الحرية واللهو!"[26]
ü الكراهية:" أجل كنت أصلي وأقف والسواك بفمي، لكنني لم أكن على وضوء، وكنت أصلي، وأجلس بالمسجد، لكنني كنت أكرههم!"[27]
üالحرمان:" حتى إذا خلوت بأغنامي هجمت على بعضها لضربها وأشتمها، وأحملها سبب حرماني، ثم أبكي بكاء حارا!"[28]
üالخسارة:" كان أخي الأكبر، الذي استدعته أجهزة الدولة حينها، أن يخسر حياته، إذ كان متهما بانتمائه لهم، لكنه نجا فلم يكن هناك من الدلائل ما يؤكد على تورطه في أية أعمال تدينه، حدث هذا كله ابتداء من أواخر السبعينيات وحتى القضاء عليهم سنة 1979م".[29]
ü الانفصام: تصبح شخصية الإرهابي منفصمة ومزوجة غير متوازنة، تعيش على الثنائيات الضدية والتناقضات المفارقة:"لأقتحم هذه المدرسة وهذه الحكاية الجديدة بشخصيتي المتناقضة والمليئة بالمتضادات."[30]
üالسرية: يقترن الإرهاب بالعمل السري، كما يشير هذا المقطع إلى ذلك:"وبعد أربعة لقاءات أخبرني أن هذه اللقاءات ليست مجرد حلقات ذكر، بل هي فوق هذا عمل سري منظم".[31]
ü الوهم: يرتبط الإرهاب بالوهم الضائع والمجد الزائف:" يا إلهي..أي مجد هذا الذي أنا فيه، فمن كل حرماني الذي مضى إلى جندي في سبيل الله، يخطط ويعمل ويقدم ويؤخر لإقامة شريعة الله بدولة جديدة...ها أنا بعد كل هذا من الطائفة المنصورة التي ينصرها الله من بين كل الطوائف، ومن الفرقة الناجية التي ستذهب كل الفرق عداها للنار، وأنا من الذين يجددون للأمة دينها، ويخرجونها من الظلمات إلى النور، ويحيونها بعد مواتها!"[32]
ü التكفير: يعتمد الإرهاب على تكفير الذوات الأخرى، كما نستشف ذلك عبر هذا الشاهد الروائي:"ومما كنا نكلف به، على الدوام، متابعة الحركة الحداثية بداخل السعودية، ومتابعة كل ما يكتبه رموزها، وقصه وجمعه ومناقشته، وإثباتا كفر هؤلاء الحداثيين..."[33]
ü الشذوذ: " ما مضت عدة أسابيع من الدراسة إلا وأنا متهم بالميل للمردان والصغار الجميلين، وأن لي قلبا يتبع الهوى، وأن وجودي مع فلان وفلان كان افتتانا بجمالهم، وأنه لايستبعد أن يكون بيننا أمر غريزي ما، وياللقدر، إذ انقلبت في أعينهم من الناسك المتصوف والعابد الزاهد إلى الفاجر الذي يطارد الغلمان، ودار هذا التشويه."[34]
ومن جهة أخرى ، تتمظهر في الرواية مجموعة من المقابلات السياقية التي تتناقض مع الإرهاب (الكبت، والحصار، والخوف، والرعب، والحرمان، والضيق، والمعتقل، والموت...)، كالتسامح، والحب، والجمال، والخير، والحرية، واللهو، والانعتاق، والفرج، والعبث، والسعادة، والحياة...
ويعني هذا أن هوى الإرهاب والتطرف مرتبط بتمظهرين متضادين: الكراهية والحب، مع وجود ذاتين متناقضتين: ذات متوترة، أو بتعبير آخر، ذات متطرفة مضادة تهدد الغير بالعقاب، وذات متسامحة مع الآخر قوامها الحب، وبينهما تنافر مستمر، وتلاحم سجالي مبني على كتلة انفعالية لافتة للانتباه، وصدام قائم على التوتر الاستهوائي، وتصدع مشحون بالصراع الشعوري واللاشعوري. . ولكن يلاحظ أن الذات الثانية تنتقل ، عبر مآل الرواية، من ذات متطرفة إلى ذات متسامحة، وتنتقل ، في آخر الرواية، من ذات استهوائية صالحة إلى ذات جمالية. ومن ثم، إلى ذات مدركة واعية. وبتعبير آخر، إن الرواية في جوهرها فضاء لصراع الطاقات الهووية الوجدانية سلبا وإيجابا، وفضاء لتجلي الرغبات المتناقضة، مع تنافسها على الموضوع المرغوب فيه (موضوع القيمة)  جذبا ونبذا، وحبا وكراهية.
المطلب الرابع: الخطاطـــة الاستهوائيــة
 يقطع الفاعل الاستهوائي، داخل الرواية، مسارا توليديا هوويا يسمى بالخطاطة الاستهوائية التي تتضمن في طياتها قصة ومآلا يحدد مختلف التحولات التي مر بها الفاعل الاستهوائي اتصالا وانفصالا مع الموضوع المرغوب فيه[35]. ومن المعلوم أن المآل في تعريفه العادي،"باعتباره انتقالا من حالة إلى أخرى، أو باعتباره سلسلة من تغيرات الحالة، لايأخذ بعين الاعتبار التمييز بين الحالة والفعل، ويستوعب الحالات والتحولات؛ وينظر إليه في تعريفات أخرى، ذات طابع فلسفي أو شبه سيميائي، باعتباره مبدأ التغير المتصل، وجهة خالصة لاتتوقف عن النمو."[36]
هذا، وتحوي هذه الخطاطة مجموعة من البرامج السردية الفعلية والاستهوائية التي ينجزها الفاعل من وضعية البداية حتى الوضعية النهائية. ومن هنا، تتمثل الوضعية الافتتاحية في الرواية في نشأة الطفل داخل أسرة عسيرية بأبها نشأة عادية كباقي أطفال العالم، قوامها البراءة واللهو والرعي والحب الطفولي(هوى البراءة). وبعد ذلك، تحضر لحظة المأساة أو العقدة التي تتمثل في تشبع زاهي الجبالي بهوى الحقد والكراهية، والإقبال على حياة الإرهاب والعنف والتطرف(هوى الإرهاب)، لننتقل إلى مرحلة الصراع التي تتجلى بكل وضوح في الصراع الداخلي للفتى مع نفسه ندما واستغفارا، والدخول في الصراع الخارجي مع المتطرفين والمتدينين المتشددين(هوى التوبة والغضب). أما الحل، فيتمثل في الانتقال من هوى الكراهية إلى هوى الحب والتسامح والتعايش مع الآخرين(هوى الحب). وتنتهي الرواية بمقاومة الإرهاب، والاهتمام بالحياة والكتابة والفن، ومراجعة الأفكار السابقة حول الكثير من المفاهيم والقضايا والإشكاليات الجادة والمقلقة(هوى الانعتاق). ويعني هذا أن الرواية تنتهي بذات مدركة وذات تحس.
ويمكن تشخيص هذه الخطاطة الاستهوائية في الحبكة أو البنية السردية التالية:
ب. س(البرنامج السردي): و.بç(وضعية البداية) çض (اضطراب) çص(صراع)çحç(حل) çو.ن(وضعية نهائية)
ويتضح لنا ، من هذا كله، أن الرواية تتخذ نسقا تقليديا كلاسكيا في بناء الأحداث التي تقوم على التسلسل الزمني والحدثي، إلى جانب ترابط الأحداث والوقائع اتساقا وانسجاما، بدون أن تلتجئ  هذه الرواية إلى التجريب والتحديث والانزياح، أو تعمد إلى تشظية الأزمنة أو الفضاءات المكانية. ويمكن تقسيم الرواية أيضا تقسيما دلاليا وسيميولوجيا إلى التشاكلات السيميولوجية الاستهوائية التالية: تشاكل البراءة، وتشاكل التطرف، وتشاكل الحب، وتشاكل الانعتاق.

مواضيع ذات صلة


منهجية سيميوطيقا الأهواء
سيميوطيقا بيرس
من هو يوري لوتمان
مدخل الى السيميوطيقا
مشكلة المكان الفني يوري لوتمان



[1] - سعيد بنكراد: (مقدمة المترجم): سيميائيات الأهواء: من حالات الأشياء إلى حالات النفس، لكريماص وجاك فونتنيي،ترجمة: سعيد بنكراد، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 2010م، ص: 10-11.
[2] - سعيد بنكراد: نفسه، ص: 15.
[3] - سعيد بنكراد: نفسه، ص: 12.
[4] - محمد بادي: نفسه، ص:312.
[5] - محمد الداهي: (سيميائية الأهواء)، عالم الفكر،الكويت، العدد الثالث، المجلد 35، يناير- مارس، 2007م، ص:240-241.
[6] - أميرة المضحي: أنثى مفخخة، مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 2010م.
[7] - خالد الشيخ: يوم التقينا...يوم افترقنا، دار الكفاح للنشر والتوزيع، الدمام، المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى سنة 1430هـ، ص:114، وما بعدها.
[8] - محمد المزيني: عرق بلدي، مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية 2010م، ص:184.
[9] - يوسف المحيميد: القارورة، المركز الثقافي العربي، بيروت، لبنان، الطبعة الثالثة 2008م، ص:72.
[10] - يوسف المحيميد:الحمام لايطير في بريدة، المركز الثقافي العربي، بيروت، لبنان، الطبعة الثالثة 2009م، ص:202.
[11] - ليلى الجهيني: الفردوس اليباب، منشورات الجمل، كولونيا، ألمانيا، الطبعة الثانية 2006م.
[12] - محمد الحضيف: نقطة تفتيش، المؤلف، الأردن، طبعة 2006م، ص:196.
[13] - خالد التركي: جروح الذاكرة، دار الساقي، بيروت، لبنان، طبعة 1421هـ، ص:258.
[14] - محمد إقبال عروي: (السيميائيات وتحليلها لظاهرة الترادف في اللغة والتفسير)، مجلة عالم الفكر، الكويت، المجلد الرابع والعشرون، العدد الثالث، يناير/مارس1996م، ص:197.
[15] - ابن منظور: لسان العرب، الجزء الخامس، دار صبح بيروت، لبنان، وأديسوفت، الدار البيضاء، الطبعة الأولى سنة 2006م، ص:326-327.
[16] - ابن منظور: لسان العرب، الجزء السادس، ص:333-334.
[17] - عبد الله ثابت:نفسه، ص:180.
[18] -عبد الله ثابت: نفسه، ص:180.
[19] - عبد الله ثابت:نفسه، ص:180-181.
[20] - عبد الله ثابت:نفسه، ص:181.
[21] - عبد الله ثابت : نفسه ، ص:198.
[22] - عبد الله ثابت: نفسه، ص:199.
[23] - عبد الله ثابت: نفسه ، ص:180.
[24] - عبد الله ثابت: نفسه ، ص:209.
[25] - عبد الله ثابت: نفسه ، ص:202.
[26] - عبد الله ثابت: نفسه، ص:209.
[27] - عبد الله ثابت : نفسه، ص:202.
[28] - عبد الله ثابت : نفسه، ص:203.
[29] - عبد الله ثابت : نفسه، ص:181.
[30] - عبد الله ثابت: نفسه، ص:212.
[31] - عبد الله ثابت نفسه ، ص:230.
[32] - عبد الله ثابت: نفسه ، ص:230-231.
[33] - عبد الله ثابت: نفسه، ص:237.
[34] - عبد الله ثابت: نفسه ، ص:259.
[35] - كريماص وجاك فونتنيي: سيميائيات الأهواء: من حالات الأشياء إلى حالات النفس، ص:235.
[36] - كريماص وجاك فونتنيي: نفسه، ص:82.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق