الأربعاء، 12 أبريل، 2017

الجمع في عهد عثمان، رضي الله عنه

الجمع في عهد عثمان، رضي الله عنه
        "روى البخاري أنّ حذيفة بن اليمان قَدم على عثمان. وكان يُغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق. فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا اختلاف اليهود والنصارى. فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف... حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف ردّ عثمان الصُحُف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يُحرَق".
يُستفاد من هذه الرواية الصحيحة الأمور الآتية:
1.    كان دافع عثمان، رضي الله عنه، في نسخ المصاحف هو اختلاف المسلمين في قراءة القرآن، أي في طرق قراءته المسماة قراءات، والمأخوذة عن الرسول، صلى الله عليه وسلم. ومعلوم أنّ القراءة يجب أن تثبت عن الرسول، صلى الله عليه وسلم، بالتواتر حتى تعتبر قرآناً. من هنا أراد عثمان، رضي الله عنه، أن ينسخ القرآن بكل قراءاته المتواترة فيقطع بذلك دابر الاختلاف في حقيقة ما هو قراءة قرآنيّة.
2.    أنّ النسخ كان بإشراف لجنة رباعيّة من ثقات الصحابة ومن القرّاء المتقنين، وعلى رأسهم زيد بن ثابت الأنصاري الذي أشرف على جمع القرآن في عهد أبي بكر، رضي الله عنه. واللافت أنّ ثلاثة من اللجنة هم من قريش. وقد ثبت أنّ عثمان، رضي الله عنه، كان يُشرِف على أعمال اللجنة.
3.    استندت اللجنة في نَسخ المصحف إلى الصحف التي جُمعت في عهد أبي بكر.
4.    أرسل عثمان بالنسخ إلى الأمصار المختلفة. وقد صحّ أنّ عثمان قد أرسل مع كل صحيفة قارئاً يُعلّم الناس.
5.    بعد أن ردّ عثمان الصحف الأصليّة إلى حفصة أمر أن تُحرق كل الصحف التي تحتوي على قرآن، وكذلك المصاحف التي كانت للصحابة، من مثل مصحف أبي بن كعب، وعبد الله بن مسعود. وقد أيّد الصحابة هذا الموقف، إلا عبد الله بن مسعود، الذي عزّ عليه أن يُحرق مصحفه، ولكنه عاد فاقتنع. وعليه يكون عثمان قد حرق الصحف والمصاحف بإجماعٍ من الصحابة، رضوان الله عليهم.


حكمة حرق الصحف والمصاحف:
        معلوم أنّ الرسول، صلى الله عليه وسلم، كان قد اختار عدداً من الصحابة ليكونوا كتبة للوحي، وقد كانوا أربعين كاتباً. وهذا لا يعني أنّ الكتابة كانت محصورة في الصحف التي تُكتب بين يدي الرسول، صلى الله عليه وسلم، وإشرافه، وإنما كان الناس يحرصون على الحفظ والكتابة، فكان عند بعضهم أجزاء من القرآن مكتوبة، وكان عند كبار حُفّاظهم مصاحف كاملة، منهم أبي بن كعب، وعبد الله بن مسعود، وعلي بن أبي طالب. وهذه الصُحُف والمصاحف لم تكن رسميّة، واحتمال الخطأ فيها وارد، وهذه طبيعة البشر. ثمّ إنّ بعضهم كان يُضيف إليها شروحات تفسيريّة يصعب أحياناً تمييزها عن النص الأصلي.
وعليه يمكن تلخيص حكمة حرق هذه المصاحف في الآتي:
1.    جمع الناس على المصحف الرسمي، وإغلاق باب الاختلاف الناتج عن وجود صحف كثيرة غير مدققة.
2.    درء باب المفسدة المحتملة ببقاء المصاحف الفرديّة، لأنه بمضي الزمن تكبر المشكلة، لاحتمال أن تتمسك الأجيال القادمة ببعض المصاحف الفرديّة، مما يؤدّي إلى الطعن والتشكيك في القرآن الكريم، ويكون ذلك مدخلاً لتحريفه.
3.    بعد التحقق من نص القرآن الكريم، وبعد الإجماع عليه من قِبَل الصحابة، لا يعود هناك أي مصلحة في بقاء النسخ الفردية، والتي يمكن أن يشكل بقاؤها إشكالات في المستقبل. وعلى الرغم من عدم وجود أثرٍ لتلك المصاحف اليوم، إلا أنّ أهل البدع والأهواء قد أطالوا الحديث حولها، واتخذوا مجرد ذكرها في التاريخ مدخلاً للطعن والتشكيك والدس والخداع. فكيف لو كانت موجودة فعلاً بما تحتويه من شروحات وملاحظات وأخطاء فرديّة محتملة؟! [1]

 مصحف أم مصاحف عثمانيّة؟
        سميت المصاحف التي نُسخت بأمر عثمان وإشرافه بالمصاحف العثمانيّة. واللافت أنها مصاحف وليست مصحفاً واحداً، فما معنى ذلك؟
        لقد حرص عثمان، رضي الله عنه، أن ينسخ صحف أبي بكر مراعياً أن تكون صُحُفه شاملة لجميع القراءات المتواترة، أي الثابتة عن الرسول، عليه السلام، ثبوتاً قطعياً. وهذا اقتضى الآتي:
1.    هناك قراءات لا تؤثر وجوهها في طريقة رسم الكلمة مثل:"وهزّي إليك بجذع النخلة تُساقط"، ويجوز قراءتها أيضاً تََسّاقط. ومثل: وأرجلَكم، بفتح اللام، وأرجلِكم، بكسرها، في قوله تعالى:"وامسحوا برءوسكم وأرجلكم"؛ فمثل هذه الكلمات كُتبت برسم واحد في جميع المصاحف.
2.    هناك قراءات لا تؤثر وجوهها المختلفة في طريقة رسم الكلمة، وذلك قبل التوصل إلى اختراع النقط والشكل، مثل: فتثبّتوا و  فتبيّنوا، في قوله تعالى:"... إن جاءكم فاسق بنبأ فتبيّنوا". وكذلك الأمر في كلمة مثل: تُرجعون، عندما تُقرأ: يُرجعون. ومثل هذه الكلمات كُتبت برسم واحد في جميع المصاحف.
3.    هناك كلمات يكون رسمها الإملائي موافقاً لقراءة ومحتملاً لأخرى؛ فكلمة مالك، في قوله تعالى:"ملك يوم الدين"، رسمت في كل المصاحف هكذا: ملك، ولم ترسم مالك، لأنّ العرب تحذف الألف أحياناً، مثل كلمة الله و لكن. وعليه يمكن أن تُقرأ كلمة ملك بإثبات الألف وحذفها.
4.    هناك كلمات فيها أكثر من قراءة ولا يمكن كتابتها برسم واحد يحتمل القراءات الواردة، ككلمة ووصّى، حيث قُرئت أيضاً وأوصى، وذلك في قوله تعالى من سورة البقرة:" ووصى بها إبراهيم...". وكذلك الأمر في ما ورد من قراءتين للآية 100 من سورة المائدة:"... تجري تحتها الأنهار..."، وورد " ... تجري من تحتها الأنهار...". وكذلك الأمر في ما ورد في الآية 116 من سورة البقرة:"وقالوا اتخذ الله ولدا"، حيث تُقرأ أيضاً مع حذف الواو:" قالوا اتخذ الله ولدا". فمثل هذه الكلمات لا يمكن رسمها في كل المصاحف رسماً واحداً، لأنّ في ذلك إضاعة للوجه الآخر  الذي ثبت عن الرسول، صلى الله عليه وسلم، بالتواتر، لذلك عمدوا إلى كتابة وأوصى في صحيفة، وكتبوا في الأخرى ووصى... وهكذا في كل الكلمات المشابهة، مما يعني أنّ المصاحف العثمانية غير متطابقة في رسمها في كل المواضع، نظراً لأنها تجمع كل القراءات القرآنيّة المتواترة إلى الرسول، صلى الله عليه وسلم.[2]

فكرة حول القراءات:
القراءات: علم يُعرفُ به كيفيّة النطق بالكلمات القرآنيّة، وطرق أدائها... وهو علم مأخوذ عن الرسول، صلى الله عليه وسلم.
وينبغي التنبّه ابتداءً إلى أنّ القراءات لا تشمل جميع كلمات القرآن، بل توجد في بعض ألفاظه فقط. وواقع القراءات تاريخياً يجعلنا نقسمها إلى قسمين: مقبولة ومردودة:
1. القراءة المقبولة: وهي القراءة التي تتوفر فيها الشروط الثلاثة الآتية:
‌أ.       أن تكون ماخوذة عن الرسول، صلى الله عليه وسلم، بطريق التواتر. أما ما جاء من قراءات بحديث صحيح أو حسن فلا تثبت قرآنيته، ولكن يُؤخذ به كتفسير، ولا يجوز تلاوته في الصلاة، ولا يُتعبّد بتلاوته. ومثل هذه القراءات تسمى القراءات الآحاديّة أو الشاذّة.
‌ب.   أن توافق رسم أحد المصاحف العثمانيّة، فمعلوم أنّ المصاحف التي نسخها عثمان بن عفان يَحتملُ رسمُها كل القراءات الثابتة لدى الصحابة، رضوان الله عليهم. كما بيناه سابقاً.
‌ج.    أن توافق اللغة العربيّة: فإذا خالفت بدهيّات اللغة العربيّة فإنّ القراءة تكون عندها غير مقبولة. أما إذا وافقت وجهاً من وجوه اللغة العربيّة فتكون عندها مقبولة إذا توافرت فيها باقي الشروط. ومعلوم أنّ اللغة العربيّة تحتمل وجوهاً، بحيث نجد هناك مذهباً للكوفيين وآخر للبصريين، أو وجهاً يقبله الكسائي، مثلاً، ويرفضه سيبويه. وعلى أية حال لا توجد قراءة متواترة لا تحتملها اللغة العربيّة.
2. القراءة المردودة: وهي القراءة التي اختل فيها شرط أو أكثر من الشروط الثلاثة للقراءة المقبولة. والقراءة المردودة إذا اختل فيها شرط التواتر، وكانت ثابتة بحديث صحيح أو حسن، فإنها تُعتبر من الحديث، ولا تعتبر من القرآن، ويؤخذ بها في التفسير.


مثال:
جاء في سورة القارعة:" يوم يكونُ الناسُ كالفراش المبثوث وتكون الجبال كالعِهن المنفوش"، وهناك قراءة: (كالصوف المنفوش)، وهذه القراءة مردودة لأمور:
أولاً: لأنّها لم تثبت بالتواتر.
ثانياً: لأنّ رسم كلمة (كالصوف) لا يوافق رسم كلمة (كالعهن)، ولا يحتمله رسم أي مصحف من المصاحف العثمانيّة. وعليه فهذه القراءة ليست بقرآن، بل هي حديث يفسّر معنى كلمة العهن؛ فالعهن هنا هو الصوف.

بعض حِكم تعدد القراءات:
1. يساعد تعدد القراءات في الكشف عن بعض المعاني المقصودة بالنص.
2. تعدد القراءات يؤدّي أحياناً إلى تعدد الأحكام الفقهيّة المأخوذة من النص؛ كما في الآية 6 من سورة المائدة، التي تتحدث عن أركان الوضوء، حيث يستفاد من قوله تعالى:".. وامسحوا برؤوسكم وأرجلَكم..."، بفتح اللام، وجوب غسل الرجلين، لأنّ فتح اللام يدل على أنّ الكلمة معطوفة على الأيدي، التي يجب غسلها. وأما قراءة وأرجلِكم، بكسر اللام، فيستفاد منها المسح، لأنّها معطوفة على كلمة برؤوسكم، والرؤوس يجب فيها المسح. وعليه يكون غسل الرجلين في الوضوء ثابتاً بالقرآن الكريم وبالسنّة المتواترة. ويكون المسح على الخفين ثابتاً بالقرآن وبالسنة المتواترة أيضاً. أما تفاصيل أحكام المسح فتؤخذ من السنّة، كما هو الأمر في أغلب الأحكام التي جاء بها القرآن الكريم.
3. تعدد القراءات القرآنيّة فيه تنويع جمالي يزيد من جماليّات القرآن الكريم عند التلاوة وعند التدبّر.
4. تعدد القراءات يزيد إعجاز القرآن الكريم قوة، لأنّه وعلى الرغم من هذا التعدد يبقى النص القرآني معجزاً، وهذا غير معهود في عالم البلغاء؛ فانت تجد البليغ يُجهد نفسه ليصوغ نصاً، وعندما يفعل تجد للنص وجهاً واحداً. فكيف عندما يكون للنص القرآني عشرة وجوه يُقرأ فيها، تسمى القراءات العشر، ويحتاج من يريد الإلمام بها أن يدرس عدّة سنوات ليتقنها جميعاً.

عدد القراءات:
        القراءات التي تواترت عن الرسول، صلى الله عليه وسلم، هي عشر قراءات. وما زاد عنها فشاذ لا يؤخذ به.
أمثلة على بعض القراءات المتواترة:
1.     كلمة الصراط و صراط: تُقرأ في كل القرآن بالصاد وتقرأ أيضاً بالسين.
2.     جاء في الآية 96 من سورة الأنعام:" فالقُ الإصباحِ وجعل الليل سكنا" وتقرأ أيضاً "... وجاعل الليل سكنا".
3.     جاء في الآية 144 من سورة الأعراف:" قال يا موسى إنّي اصطفيتك على الناس برسالتي وبكلامي...وتُقرأ أيضاً:"...برسالاتي وبكلامي..".
4.     جاء في الآية 169 من سورة الأعراف:" ... أفلا تعقلون" وتُقرأ أيضاً:    "... أفلا يعقلون" بالباء بدل التاء.
5.     جاء في الآية 16 من سورة الأنفال:"... وبئس المصير"، وتُقرأ أيضاً "...وبيس المصير" بالياء بدل الهمزة. 



مواضيع ذات الصلة
الجمع في عهد عثمان، رضي الله عنه
نسخ القرآن الكريم في عهد عثمان بن عفان
جمع القرآن في عهد عثمان
مصحف عثمان بن عفان رضي الله عنه
الذي جمع القران على مصحف واحد ووزعه في الامصار
من اول من جمع القران الكريم
جمع القران عند الشيعة
عدد نسخ القرآن في عهد عثمان بن عفان
اين توجد النسخة الاصلية لمصحف عثمان بن عفان



[1]. للمتابعة يمكن الرجوع إلى:
1.       الجمان في علوم القرآن، محيي الدين رمضان، دار البشير، عمان، ط1، 1996م
2.       اتقان البرهان في علوم القرآن، فضل عباس، دار الفرقان، عمان، ط1، 1997م
[2]. للمتابعة يمكن الرجوع إلى:
1.       تاريخ القرآن، عبد الصبور شاهين، دار الإعتصام، القاهرة، 1998م
2.       مباحث في علوم القرآن، مناع القطان
3.       القرآن الكريم تاريخه وآدابه، إبراهيم علي عمر، مكتبة الفلاح، الكويت، ط1، 1984م
[3]. للمتابعة يمكن الرجوع إلى:
1.       صفحات في علوم القراءات، عبد القيوم السندي، المكتبة الإمدادية، مكة المكرمة، ط1، 1415 هـ
2.       الحجة للقراءات السبعة، أبو علي الفارسي، دار المأمون للتراث، بيروت، ط2، 1993م
3.       غاية الاختصار، أبو العلاء الهمذاني العطار، الجماعة الخيرية، جدة، ط1، 1994م
4.       مناهل العرفان، الزرقاني، دار الحديث، القاهرة، 2001م

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق