الاثنين، 17 أبريل، 2017

مهارات القيادة الناجحة

الكفاءة القيادية

للقيادة دور أساسي في تنمية المؤسسات وتطويرها وتحقيق ميزة تنافسية


للقيادة دور أساسي في تنمية المؤسسات وتطويرها وتحقيق ميزة تنافسية لها. وللقيادة دور هام في إقرار وتشكيل وتنفيذ الإستراتيجيات والبرامج المناسبة لتنمية المنظمات وتحقيق أهدافها المختلفة. من هنا فإن للقيادة دوراً أساسياً في رعاية وتفعيل برامج المشاركة والتمكين في المنظمة. فالكثير من الدراسات ذات العلاقة في موضوع القيادة تشير إلى أن سر نجاح أي مشروع يعود لدور القيادة والتزامها وحماسها في إنجاح ذلك المشروع.
ودور القيادة في نجاح برامج المشاركة والتمكين يكاد يكون في غاية الأهمية؛ لأن التمكين يتطلب من القيادة والإدارات العليا التنازل عن شيء من النفوذ الذي تتمتع به والاستعداد القوي لذلك التنازل. وإعادة توزيع ذلك النفوذ على العاملين في مختلف مستويات المنظمة.

ماهية القيادة

هنالك تعريفات متعددة للقيادة والقائد، ومن أهم وأحدث التعريفات للقيادة أنها: "عملية إلهام الآخرين لبذل قصارى جهدهم من أجل إنجاز مهام ذات أهمية للعمل[i] وهناك مفاهيم تقليدية في أدبيات الإدارة تشير إلى أن القيادة هي عملية تأثير وممارسة سلطة وقوة تجعل المرؤوسين ينفذون إرادة وتوجيهات القائد بالطريقة التي يريدها[ii].  وتتحدث أدبيات الإدارة عن مصادر متعددة يستمد منها القادة سلطتهم وقوتهم في جعل الآخرين ينفذون ما يريدون.

مصادر نفوذ وسلطة القيادة:

-               قوة المكافأة: فيستمد القائد هنا سلطته على المرؤوسين من خلال ما يقدمه لهم من مكافآت، مثل الرواتب والأجور والترقيات والحوافز المختلفة.
-               القوة الشرعية: فيستمد القائد هنا سلطته على المرؤوسين من خلال قوة المركز التي تمنح القائد قوة شرعية مستمدة من قوانين المنظمة.
-               قوة الإكراه: فيستمد القائد هنا سلطته على المرؤوسين من خلال قوة العقاب المستمدة من سلطة المركز، فبمقدور القائد حرمان الموظف من الترقية أو فرض عقوبة بنص القانون مثل نقل الموظف إلى مكان غير مرغوب فيه بالنسبة له، أو حتى قد يلوّح القائد بطرد العامل من عمله.
فيتمكن القائد بواسطة هذه المصادر من فرض إرادته وتحديد السلوكيات المرجوة من المرؤوسين بالطريقة التي يراها القائد مناسبة لتأدية مهام العمل.
-               قوة الخبرة: فيستمد هنا القائد قوته في التأثير على المرؤوسين من خلال ما يتمتع به من معرفة. فمعرفة القائد أو خبرته في العمل قد تؤثر في سلوك المرؤوسين لتأدية المهام من خلال تلك المعرفة أو الخبرة.
-               قوة الكاريزما: فيستمد القائد تأثيره هنا من خلال قدرته على التأثير في الآخرين بسبب رغبتهم في الانتماء له وبسبب الإعجاب بشخصه وهذه ناتجة عن الجاذبية الشخصية للقائد.
القيادة التي تعتمد بشكل أكبر على مصادر القوة الثلاث الأولى تحقق التزاماً مؤقتاً من قبل المرؤوسين، وهذا الالتزام المؤقت يتكون بدافعية خارجية وهي المكافأة أو العقوبة أو قوة المركز. والاعتماد الكامل على هذه المصادر في التأثير على المرؤوسين يؤدي إلى حالة من الانصياع(Compliance) غير الأصيل من قبل المرؤوسين بدافع خارجي ومؤقت، والدافع الخارجي هو المكافأة أو العقاب أو القوة الشرعية. وبزوال هذه المصادر تنتهي القوة الدافعة نحو العمل وبذل الجهد من قبل العاملين، وهذا أمر طبيعي. لا يمكننا أن نتوقع إنساناً يعمل مجانا ودون أجر، فالأجر في العمل هو دافع لكل من يعمل. ولكن يجب الانتباه إلى أن وجود الأجر أو العقاب أو قوة المركز بصفتها مصادر وحيدة دون قوة خبرة أو قوة كاريزما أو قوة داخلية (حب العمل نفسه) لا يغير من حقيقة أن هذه المصادر خارجية ويجب عدم الاعتماد عليها بشكل مطلق. لان توقف هذه المصادر يعني توقف الدافعية، فتوقف المدير عن مراقبة العامل قد تؤدي إلى توقف العامل عن العمل المطلوب بزوال عنصر المراقبة. أما المصادر الذاتية مثل قوة الخبرة وقوة الإعجاب فهي لا تؤدي إلى الانصياع فحسب، بل تتجاوزه إلى الانتماء(Commitment). وفي الانتماء قد يعمل العامل أكثر مما يطلب منه القائد كما ونوعا ويشعر بأن عليه واجب نحو العمل، فقد يدفعه الانتماء إلى روح المبادرة وتقديم أفضل ما لديه. وهنا تتحقق مستويات من الأداء المتميز كما ونوعا؛ لأن الدافع نحو العمل داخلي والدافع الداخلي متجدد ومتأصل داخل الإنسان وأما الدافع الخارجي فهو خارج الإنسان ووجوده مرهون بوجود المصدر الخارجي مثل: الرقابة الخارجية والمكافأة التي تأتي من الخارج وغيرها.
قوة المكافأة + قوة العقوبة + قوة المركز= التزام موقوت.
قوة الخبرة + قوة الإعجاب = انتماء داخلي
متجدد ودائم.
 القيادة بالتمكين هو أسلوب قيادي ينسجم مع قوة الخبرة وقوة المعرفة وقوة الإعجاب بشخص القائد (الكاريزما). فالقادة الفعالون هم الذين يقودون بتمكين مرؤوسيهم وبتوفير المعلومات والمسؤولية والصلاحية للمرؤوسين والثقة بهم في اتخاذ القرار والتصرف باستقلالية في مجالات العمل التي يعملون بها.
هؤلاء القادة يعلمون أنهم عندما يمنحون مرؤوسيهم مزيدا من التمكين وحرية التصرف بمسؤولية واقتدار، لأنّ نتيجة ذلك أداء متميز وجودة عالية وانتماء في العمل. ويرى في هذا الإطار Schemerhorn (2002) أن تنازل القائد عن شيء من قوته لصالح المرؤوسين لا يعني فقدانه لتلك القوة، لأن القادة الناجحين هم الذين تزداد قوتهم عندما يشاركهم الآخرون بها من خلال تبنيهم وانتمائهم لرؤية القائد والدفاع عنها بشكل ذاتي[iii]. فمثلا ماكس دبري في شركة هيرمان ميلر يمتدح القادة الذين يركزون في عملهم على الأمور الهامة والمصيرية في المؤسسة ويتركون للآخرين حق التصرف في أعماهم واتخاذ القرارات الخاصة بدائرة مسؤولياتهم[iv] .
فيمكن التأكيد هنا على أن منح المرؤوسين مزيدا من التمكين بمعنى التمكين المتفق عليه في هذا الكتاب يعدّ أسلوباً قيادياً ناجحاً ويمكن أن يعدّ التمكين مصدرا من مصادر قوة القيادة المعاصرة التي ترتفع بالكفاءة القيادية إلى أعلى مستوياتها، فما هي يا ترى  الكفاءة القيادية؟

الكفاءة القيادية

 تتحقق الكفاءة للقيادة عندما يحقق القائد أعلى مستوى من التأثير بالمرؤوسين بأقل جهود ممكنة. فهنالك قادة يبذلون جهودا كبيرة بسبب عدم الثقة بمرؤوسيهم، فيراقبونهم بشكل كبير ويستخدمون أنظمة بيروقراطية متشددة لإحكام الرقابة والتأكد من سير العمل بصورة دائمة. هؤلاء القادة لا يتركون في حياتهم الوظيفية وقتا كافيا للأمور الاستراتيجية المصيرية في حياة المنظمة، ولا يعملون على خلق رؤية ونقلها ونشرها بين المرؤوسين، ولا يمكنهم إعمال الشفافية في المنظمة. وتسود حالة من الشك وعدم الثقة بين المستويات المختلفة. أما القيادة من خلال التمكين فتعطي للقائد كفاءة قيادية وفاعلية قيادية كبيرة، فهو لا يشغل نفسه كثيرا في التأكد والرقابة والتفتيش والسيطرة وهي كلها وسائل خارجية بالنسبة للعامل وسبب ذلك هو الثقة. فالثقة وقدرة المرؤوسين على القيام بالعمل دون رقابة، وتوافر المعلومات التي يحتاجون إليها والاتصال المستمر والشفافية العالية تحتم على القائد التفرغ للمصالح العليا والترفع عن رقابة كل صغيرة وكبيرة في المنظمة. وهذا يحقق مستويات عالية من الكفاءة القيادية بتحقيق نتائج أداء عالية ومتفوقة من خلال مرؤوسين ممكنين، إنتاجيتهم عالية كما ونوعا، والرقابة وتكاليفها أقل ما يمكن، وبالمقابل فوقت القائد وجهده مخصصان لأهم الأمور التي تتطلبها المنظمة.
هذا النوع من القيادة يتماشى مع نوع هام من أنواع القيادة المعاصرة ويلتقي معها في أبعاد معينة وهي القيادة التحويلية. وفي القيادة التحويلية عناصر هامة تلتقي هذه العناصر مع نمط القيادة بالتمكين وهذه العناصر هي[v] :
-              خلق الرؤية: فالقائد الناجح هو الذي يخلق رؤية ويصنع للمنظمة إحساساً بالاتجاه ووحدة اتجاه بتوصيل رؤيته وأهدافه الاستراتيجية للعاملين فيشعرون بانتمائهم لها.
-              الكاريزما: خلق الحماس في نفوس المرؤوسين والأيمان بأهداف المنظمة والولاء والفخر بها وخلق الثقة بالمرؤوسين.
-              الرمزية: خلق الرموز والشعارات والمناسبات بشكل منتظم من أجل الاحتفال بالتميز والإنجاز ومكافأة المتميزين.
-              التمكين: مساعدة الآخرين والأخذ بأيديهم نحو التنمية والتميز وإزالة الحواجز التي قد تعيق الأداء المتميز والمشاركة في تحمل المسؤولية وتفويض العمل المتسم بالتحدي والتفوق.
-              استثارة الذكاء عند الآخرين: استثارة قدرات العاملين الخلاقة وقدراتهم الذهنية العالية في حل مشاكل العمل أو في التفكير الخلاق بخلق أفكار خلاقة.
-               الأمانة والاستقامة: القيادة هي القدوة للعاملين في الأمانة والإخلاص والتفاني والصدق، وهذه الخصائص متأصلة وليست آنية.

سياسة أنا أربح وأنت تربح

وتتزايد الثقة بين المدير والمرؤوسين عندما يتعاملون بمبدأ "أنت تربح وأنا أربح" وهذه المعادلة تتحقق عندما يتعامل المدير مع المرؤوس على أنه شريك، والشريك هو الذي يتّمم ويكمّل عمل شريكه. ولا تنجز المهام دون مساهمته، فلا يمكن مثلا تسيير أمور البنك أو المدرسة دون الموظف، فالمدير وحده، لا يمكنه القيام بعمليات البيع والشراء والصيانة دون "الشريك" أي الموظف[vi].
فأي سياسة عدا سياسة الربح المتبادل "أنا أربح وأنت تربح" يعني وجود طرف خاسر وعندها لا تتحقق العدالة والنزاهة والإنصاف.
وهذا يستدعي منا التعرف على ثلاثة سياسات أخرى إضافة للسياسة المثالية "أنا أربح وأنت تربح".
فهناك سياسة" أنا أربح وأنت تخسر"، وهذه السياسة السائدة في كثير من المؤسسات عندما تحاول الإدارة استغلال الموظفين من أجل تعظيم مكاسب الإدارة وأصحاب رؤوس الأموال. وهنالك سياسة " أنا أخسر وأنت تربح" وهو ذلك الذي يعمل على إسعاد الآخرين على حساب مصلحته الخاصة، وهذه السياسة تواجه وجهات نظر مختلفة، فمن الناس من يعدّها غير صحيحة؛، لأن فيها ظلماً لطرف على حساب الآخر، ولكن هذا الاعتبار لا يمكننا تعميمه عندما تكون الخسارة للصالح العام، ومن أجل تغيير في سلوك الآخرين نحو الأفضل أو في سبيل تغيير اجتماعي كبير، أو لحل مشاكل اجتماعية وإنسانية مستعصية، وهذه حال الأنبياء والرسل وحتى المصلحون الاجتماعيون في مختلف الأوقات، فنرى بأنهم يغلّبون المصالح العامة على مصالحهم الشخصية الآنية، فهذا غاندي يضحي ويخسر الكثير في سبيل مجتمعه ومن أجل حل مشكلة إنسانية كادت تسبب كارثة في زمن غاندي بين المسلمين والهندوس، فلم يلجأ إلى الحوار فحسب، بل لجأ إلى الإضراب عن الطعام حتى الموت فكان ذلك سببا في هزة قوية في ذلك المجتمع جعلته يفكر ويتمعن ويغَير إلى الاتجاه الذي أراده صاحب المبدأ.
هذا النوع من التغيير على مستوى المبادئ وعلى المستويات السامية، التي تسمو فيها المبادئ فوق التضحيات، وفي هذا النوع يتحقق الربح للطرفين، فربح الطرف الخاسر من وجهة النظر الواقعية لا يتحقق له من خلال خسارته الآنية اللحظية، وإنما من خلال رضا صاحب التضحية في البناء المتحقق عن التغيير نحو الأفضل.
إن سهر الأم أو الأب ليالي وأيام من أجل أبنائهم وبذل جهد كبير في ذلك إلى مستوى التضحية لا يعد في كثير من الحالات خسارة.
ولكنّ الوالدين قد يضحيان في بعض الأوقات ويخسران في سبيل أبنائهم بطريقة خاطئة قد تؤدي بنهاية المطاف إلى خسارة للطرفين، في الوقت الذي يظنّ فيه الأم أو الأب أنهما يضحيان في سبيل أبنائهم.
وخاصة عندما ينجم عن ذلك زرع سمة الاعتمادية والإتكالية لدى الأبناء، وهذا هو عكس الاستقلالية وروح المبادرة؛ لأنّ التضحية لم تعط الأبناء درسا في الاستقلالية، فالأم التي تحاول مثلا قضاء الساعات الطويلة في تعليم أبنائها ومساعدتهم في حل جميع مسائل وواجبات المدرسة ظناً منها بأنها تعلمهم، فهي في واقع الأمر لا تعلمهم على التفكير المستقل، ومواجهة تحديات المسألة وآلامها وآلام التفكير في حلها وعناء التفكير في حل الواجبات. فهذه سياسة " أنا أخسر وأنت تربح" في ظاهرها، و في حقيقتها ما هي إلا سياسة: " أنا أخسر وأنت تخسر"
أما السياسة الرابعة وهي "أنا أخسر وأنت تخسر" فهي أسوأ أنواع العلاقات، وذلك عندما يحاول الفرد تدمير الآخرين معه والإساءة لنفسه ولغيره. ونعرض الآن إلى حالة من حالات الربح والخسارة في العلاقة بين الأم وأولادها. حالة 8 قصة في التمكين
قصة في التمكين
يروي ستيفن كوفي قصة حقيقية حدثت لأحد أصدقائه الذي شكت له زوجته ذات يوم من شدة الإرهاق والمعاناة مع الأولاد؛ لأنهم لا ينجزون أي عمل دون أن تشرف عليهم بنفسها فهم يحتاجون لمساعدتها في كل صغيرة وكبيرة.
فيجب عليها إيقاظهم في كل صباح للذهاب إلى المدرسة وإعداد الإفطار والإشراف على تناولهم له، والإشراف على تعليمهم وواجباتهم المدرسية بعد عودتهم من المدرسة. وقد سبب هذا لها متاعب صحية وتعباً شديداً.
فجمع الأب جميع أبنائه وسألهم ذات يوم: "من منكم يستطيع أن يصحوا في الصباح بنفسه أو بواسطة استخدام المنبه فليرفع يده؟" فرفعوا أيديهم جميعا. ثم سألهم: "من منكم يستطيع أن يرتدي ملابسه بنفسه؟" فرفعوا أيديهم ثانية. ثم سألهم: "من منكم يستطيع القيام بواجباته المدرسية بنفسه إلا إذا استعصت عليه مسألة فيمكنه طلب المساعدة مني أو من والدته؟" فأجاب الجميع بنعم."فنظر الأب إلى الأم وقال: "أرأيت؟! كلهم يمكنهم القيام بهذه المهام دون أن ترهقي نفسك. ولكن مكنيهم للقيام بذلك بأنفسهم. المشكلة أنك لا تثقين بهم وتخافين عليهم أكثر من اللازم"

ربما كان هنالك بعض الصعوبات في التطبيق ولكن بعدها ارتاحت الأم وشعر الأولاد بحلاوة التعاون وطعمه والاعتماد على ألذات ومعنى المشاركة في تحمل المسؤولية[vii].

أسلوب القيادة والتمكين

قد تمر القيادة بالخطوات الآتية للوصول إلى مستوى القيادة بالتمكين:
·       استخدام أسلوب العصا والجزرة: هذا الأسلوب يتناسب مع الحاجات الأساسية والدنيا في سلم أبراهام ماسلو للحاجات (Maslow 1970) و هي التي تتضمن الحاجات المادية البحتة كالمأكل والمشرب وغيرها من الحاجات الأساسية التي تصلح كحاجات للبقاء[viii]. وقد يصلح هذا الأسلوب في عصر الصناعة أو في عصر الزراعة وفي عصرنا الحاضر في الاعمال الروتينية التي أصبحت تتقلص وتتلاشى أمام الثورة المعلوماتية والثورة المعرفية والرقمية.
·       قيادة عدم التدخل: وهو أسلوب ضعيف في القيادة والإدارة حيث يترك العاملون يعملون دون رقيب أو حسيب، فتختفي المحاسبة والمساءلة والمسؤولية ويختفي مع هذا كله الإنجاز، ولا يصلح هذا الأسلوب لعصر المعلوماتية الذي نشهد.
·       التمكين: هو الأسلوب الأفضل الذي يتماشى مع عهد العلم والمعرفة والثورة المعلوماتية فهو يعتمد على الرقابة الذاتية بالتعاون مع القيادة على أنه موجه ومساعد ومدرّب على غرار الدور القيادي الذي يقوم به مدربو الفرق الرياضية. وسياسة الربح المتبادل هي السياسة المسيطرة على هذا الأسلوب، وهذه السياسة تركز على تحقيق أهداف مشتركة للجميع دون أن تحقق جهة على حساب جهة أخرى.

القيادة والتمكين ونظرية التغيير المتقدمة

تنسجم نظرية التغيير المتقدمة مع مفهوم التمكين وتنطلق نظرية التغيير المتقدمة من أن التغيير يبدأ من ألداخل[ix].
يزعم أصحاب هذه النظرية بأن التغيير الصحيح يتطلب تضحية غير عادية من قبل دعاة التغيير أنفسهم، بأنفسهم وفي مواقفهم وفي حياتهم. وهذا يتطلب من قادة التغيير تضحية بالوقت والنفوذ، وتحملا لحالة عدم التأكد وتقديم ثقافة مختلفة على المستوى الفردي والمستوى الجماعي. فتغيير الآخرين يتطلب تغيير الذات. ويكون الفرد أكثر قدرة على إقناع الآخرين لقبول التغيير عندما يبدأ التغيير من الذات، ومن ثم يطلب من الآخرين أن يغيروا أنفسهم على نفس الخط الذي بدأ به فالتغيير يبدأ من الداخل إلى الخارج.
إن الكثير من برامج التغيير تعاني من الفشل الذريع بعد إنفاق المبالغ الضخمة على هذه البرامج، مثل برامج التمكين والجودة الشاملة ودوائر الجودة وإعادة الهندسة أو (الهندرة) وغيرها. ويبدأ القادة حسب نظريات التغيير التقليدية يلقون اللوم عند أي فشل على الإدارات التنفيذية، ونادرا ما يبحث قادة التغيير في ذواتهم عن أسباب الفشل.
نظرية التغيير المتقدمةAdvanced Change Theroy (ACT)  التي قدمها في عام 2000 العالم المشهور روبرت كوين وزملاؤه[x] تعد تحولاً من النظرة التقليدية إلى نظرة تبحث في الأعماق.
يطمح قادة التغيير دائما نحو تغيير مرؤوسيهم، وبعد الفشل وعدم إحداث التغيير المنشود والمخطط له يبدأ هؤلاء في التفتيش عن المشكلة والأسباب في الخارج، ونادرا ما يبحثون في ذواتهم وأنفسهم. وكما يؤكد أيضا Argyris (1998) أن الكثير من برامج التمكين تفشل بسبب عدم قدرة قادة هذه البرامج على تغيير أنفسهم من الداخل.
ويصف  Chris Argyris (1998) الموضوع وصفا دقيقا ومهماًً في مقالتين من أهم ما كتب في مواضيع الاتصال والتمكين، حيث يؤكد بأن هنالك على الدوام فجوة منتظمة بين أقوالنا من جهة وتصرفاتنا من جهة ثانية من غير وعي منا وإدراك بهذه الفجوة.[xi] ينجم عن ذلك عمليات تشويش متعمده لعملية الاتصال وتبادل المعلومات يتم فيها تشويه للحقائق. ويعزو [xii]Argyris (1991) ذلك إلى أن هنالك قاعدة عامة وعالمية لتنظيم حياتنا وتقوم على أربعة عوامل أساسية وهي:
· محاولة البقاء في دائرة السيطرة والتحكم، فنحاول دائما المحافظة على هذه الدائرة لأنفسنا.
· نحاول دائما الكسب وتجنب الخسارة وعدم القبول بالخسارة بأي شكل من الأشكال.
· نحاول دائما كبت المشاعر السلبية. ونقوم بهذا بشكل تلقائي من خلال اللاوعي.
· نعمل دائما على التبرير العقلاني للأهداف التي نضعها.
فهذه العوامل الأربعة أو أي منها  يبرز بشكل طبيعي عندما نواجه أي فشل أو قصور ما، فنصبح دفاعيين لدرجة تمنعنا من التفكير والتمعن في الفشل وأسبابه، وهذا الدفاع عن الذات وقصورها يحدث في أدعى لحظة من لحظات الحاجة للتعلم؛ أي عندما يكون الإنسان أحوج ما يكون للتعلم ومعرفة أسباب القصور والفشل. ومن هنا فإن الممارسين لنظرية التغيير المتقدمة هم أقدر على إدراك هذه الحالة. فكيف يكون ذلك؟.
الجواب: يطلب هؤلاء القادة من الموظفين تطبيق برامج التمكين مثلا، فيستجيب هؤلاء الموظفون من الداخل ولكن المديرين غالبا ما تكون استجابتهم خارجية وشكلية، فيقدمون تلك البرامج بخطابات رنّانة وشعارات قوية، ولكن من دون الاستعداد منهم للتخلي عن نفوذهم ومكتسباتهم. فمن أجل التنفيذ الحقيقي لهذه البرامج يستلزم منهم التخلي عن بيروقراطياتهم فلا يتخلون، ويستلزم منهم منح المرؤوسين دعما وحرية تصرفاً وصلاحيات أكبر فلا يمنحون، ويتطلب منهم مزيدا من الانفتاحية والشفافية فلا يعطون، وعندما يتحدثون تجدهم من أفضل الخطباء والمتحدثين عن هذه البرامج وأهميتها ودورها في نجاح المؤسسات، فهم في حقيقة أنفسهم يرغبون بالتغيير، ولكنه يصعب عليهم تغيير أنفسهم ومكتسباتهم ونفوذهم وسلطاتهم. فالتخلي عن هذه المكتسبات يتطلب من قادة التغيير البدء بأصعب وأعقد خطوة من خطوات التغيير وهي في تغيير أنفسهم وتغيير مواقفهم والاستعداد الأكبر للتضحية والتخلي عن النفوذ. وهذا يتطلب محاربة النفس وإقناعها بقدرات الآخرين ومواهبهم وإمكانياتهم التي لا تقل عن إمكانيات قادتهم إذا أُتيح لهم توظيفها والاستفادة منها.
فنظرية التغيير المتقدمة تعد متقدمة فعلا لأنها معقدة نوعا ما وغير تقليدية في المفهوم الذي تنطلق منه. فالنظريات التقليدية مختلفة في المفهوم والتفكير. فما هي النظريات التقليدية؟ يمكن أت نجملها على النحو الآتي:
1.   العقلانية الإقناعية
2.   التغيير بواسطة الإكراه
3.   التغيير عن طريق المشاركة
أما النظرية المتقدمة فهي أقل وضوحا من النظريات التقليدية وأكثر تعقيدا وأقل ممارسة وتطبيقا، ولكنها تسمو فوق المصالح الذاتية والانا العاجلة وتنطلق من الذات وتتطلب تغيرات ذهنية وسلوكية داخلية في التكوين البشري. فالأنانية البشرية والمصلحية الذاتية عادة تُدعم وتُعزَّز من خلال الخداع الذاتي والنفاق الداخلي، ومحاربة هذه الأمراض النفسية يتطلب من النفس البشرية تضحية وعملية تحويلية. وهذا يتطلب نضالا وكفاحا داخل النفس للتخلص من أمراضها المتعلقة بحب الذات وحب السيطرة والسلطة والنفوذ والمكاسب المادية المختلفة، وهذا لا يعني خسارة للمكاسب بقدر ما يعني مشاركة بها، وهذا سيعطي صاحبها رضاً معنويا أكبر عند التركيز على العطاء وانعكاساته الإيجابية على الآخرين.
وهذه الرحلة نحو الداخل (الذات) تتمثل صعوبتها في الاعتراف للذات وللآخرين وللنفس بقصورها وطمعها وجشعها وتمسكها بالمكاسب أو الإمراض النفسية التي تم التنويه عنها سابقا. والاعتراف بالتضليل والخداع هو الخطوة الحاسمة في التغيير الداخلي. وتكمن صعوبة هذه الخطوة من حيث خوف المرء من الاعتراف بالفشل والقصور، بسبب الكبرياء من ناحية والخوف من فقدان ماء الوجه أمام الآخرين من ناحية أخرى، وهذه قمة التضحية والألم الذي يحتاج لشجاعة أكبر من الشجاعة المطلوبة في أعتى الحروب.
ولا بد هنا أيضاً من تبني رؤية للمصلحة العامة وتغليب مصلحة الفريق على المصالح الذاتية، وهذه هي الرؤية المتعلقة بالمصلحة العامة التي تتطلب إنكار الذات، وهي التي تعد من أهم مقومات نظرية التغيير المتقدمة، فالناس أكثر ميلا للعمل والتضحية في سبيل هدف ما عندما يتصرف القائد القدوة بأسلوب فيه نوع من الإيثار والتسامح، فصفات القائد الكريمة هي التي تجبر الآخرين على الدفاع عن التغيير، وخاصة عندما يتولد لديهم الوعي بأنهم يتصرفون دفاعا عن ما يؤمنون به حقا. وأصحاب نظرية التغيير المتقدمة يكنون احتراما للآخرين ولا يلزمونهم بالتغيير، ولكن لديهم الأيمان العميق بأن التغيير سوف يشملهم ويندفعون إليه برغبة وقوة توازي قوة المبادئ والرؤية التي يتضمنها التغيير نفسه. وهذا يتطلب تغييراً في ذهنية قادة التغيير وتغيير الطريقة التي يتعاملون بها مع المرؤوسين أو التابعين. فالثقة يجب أن تكون هي الحكم لهذه العلاقة وليس الاتهام أو ما يسمى بنظرية X  (MacGregor, 1960)  والسيطرة والرغبة في التحكم[xiii].
وهنا قد يقول قائل أن هذا الأسلوب قد يكون مناسبا للمصلحين الاجتماعين في تعاملهم مع الشعوب وليس في إدارة مؤسسات الأعمال الربحية. إن هذا المنهج يتعامل مع جميع المؤسسات والمنظمات الاجتماعية سواء أكانت عامة أم خاصة، ربحية أو غير ربحية أو إنسانية، ولكن الشرط في توظيف مثل هذه الأفكار الإنسانية هو أن ينظر للجميع من وجهة نظر المصلحة العامة والمصلحة المشتركة، وأن الجميع شركاء وليسو بخصوم، وسنقدم في هذا الكتاب لنماذج من مؤسسات ربحية طبقت هذا المنهج وكانت من أنجح الشركات لفترة زمنية طويلة. وهذا ينتج ويحصل عندما يمنح الفرد في المؤسسة الاحترام والتقدير والحرية في الاختيار والحرية في أسلوب المشاركة الذي يرغبون في ممارسته(Senge, 1990)[xiv].

مواضيع ذات صلة
لقيادة دور أساسي في تنمية المؤسسات وتطويرها وتحقيق ميزة تنافسية
مفهوم الميزة التنافسية
مفهوم الميزة التنافسية (competitive advantage)
الميزة التنافسية للموارد البشرية
دور الموارد البشرية في تحقيق الميزة التنافسية
الميزة التنافسية لبورتر
دور ادارة الموارد البشرية في تحقيق الميزة التنافسية
الميزة التنافسية
تنمية الموارد البشرية وأهميتها في تحسين الإنتاجية وتحقيق الميزة التنافسية
الكفاءة القيادية
الكفاءة القيادية والتعامل مع الضغوط
آليات تنمية الكفاءات القيادية للموارد البشرية
تعريف الكفاءات السلوكية - الهيئة الاتحادية للموارد البشرية
تطوير الكفاءات القيادية
لكفاءة القيادية
ما هي المهارات القيادية
تنمية المهارات القيادية
المهارات القيادية
كتاب تنمية المهارات القيادية
المهارات القيادية والسلوكية للمدير المتميز
مهارات القيادة الناجحة
دورة تنمية المهارات القيادية


مراجع وهوامش الفصل
[i] Schermerhorn, J (2002), Management, 7th ed. John Willey.
[ii] Kanter, R (1979) Power Failure in Management Circuits, Harvard Business Review, (July-August), pp. 65-75.
[iii] Schermerhorn, Op cit.
[iv] DePree, Max (1989), An Old Pro's Wisdom: It Begins with Belief in people, New York Times, September, 10, p. F2.
[v] Kouzes, J., and Posner, B (1988), The Leadership Challenge , Success, April, p. 68
[vi] Harvey, D and Brown, D, (2001), An Experiential Approach to Organization Development, Sixth edition, Prentice-Hall.
[vii] Covey R. Stephen, 8th Habit: from effectiveness to greatness, Free Press, November 2004.
[viii] Maslow, A. (1970), Motivation and Personality, 2nd ed. New York: Harper and Rpw.
[ix] Quinn, R., Spreitzer, G. and Brown, M (2000), Changing Others Through Changing Ourselves: the Transformation of Human Systems, Journal of Management Inquiry, Vol.9 (2), 147-164.
[x] Quinn, R., Spreitzer, G. and Brown, M, Changing Others through Changing Ourselves, (2000), Op cit.
[xi] Argyris, C, Op cit.
[xii] Argyris, C. (1991, May-June). Teaching Smart People How to Learn. Harvard Business Review, pp. 99-109.
[xiii] McGreoger, D. (1960), The Human Side of The Enterprise, New York: McGraw-Hill Co.
[xiv]  Senge, P (1990) The Fifth Discipline, London: Random House

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق