السبت، 15 أبريل 2017

مفهوم المواطنة عند زكريا تامر

مفهوم المواطنة:
مفهوم المواطنة عند زكريا فقد جاء بعدة صور، إذ لم ينسلخ يوماً عن قضايا مجتمعه وهموم المواطن العربي، بل لا يملّ تعداد مظاهر البؤس في الحياة العربية، مصرّا على أن سبب مشكلات العالم ناجمة عن السلطة، حتى أن السلطة العالمية صيغة أخرى للاستبداد ويقول: "قالت الوردة البيضاء بهزء: أنت تتكلم كمجلس الأمن الدولي الذي لا عمل له سوى أن يقدم الاحتجاج تلو الاحتجاج بينما الشعوب تخرّ صرعى في معتقلات الدول الكبرى"([1]).
فمواطن زكريا لا يحب الرضوخ لقوانين وأنظمة أو حتى لروتين ما، ويتمرد على كل النظم التي تقيد حرية الإنسان وانطلاقه، يقول: "والضاحك الباكي مواطن عربي عادي يتصف بأنه لا يستطيع أن يكون مختلفاً عن غيره من عباد الله المواطنين الذين يشكلون أغلبية مبعثرة من المحيط إلى الخليج، وهذه الصفة أدت إلى اهتمامه فقط بما يسمى بقضاياه المصيرية"([2]). ولا يترك فرصة تمكنه من الاعتداد بعروبته وموروثه العظيم الا ويتحدث فيها فيقول: "أوشكت جارتي العجوز الانجليزية أن تبيع بيتها في مزاد علني بأبخس الأسعار هرباً من ومن اعتدادي بعروبتي ومآثرها"([3]).
كما أن وطنيته وشعوره بالانتماء لا يقفان عند حد، فيرى في فلسطين قضية قومية عربية ينبغي الدفاع عنها، كما أن إسرائيل هي العدو اللدود للأمة العربية، ويسخر من الموقف العربي اللاهث وراء السلام مع إسرائيل قائلاً: "إن العدد (2) لم يحدد العطور الصالحة للناس الذين يستخدمون من المقابر بيوتاً لهم... وتحدث عن عطر يتيح للمرء أن يعرف من هو صديقه ومن هو عدوه، ولو ذكر اسم العطر لاشتريت كميات كبيرة وأهديت إلى الوفود العربية التي تفاوض اسرائيل".
إضافة إلى أنه يرى أن المواطن العربي يفضل الرضوخ والانسحاق – نتيجة الخوف من السلطة- فيقول ساخرا من هذا الجبن " والمواطنون العرب في معظم أقطارهم حريصون على أن يكونوا صالحين، فالعنق الأعزل لايلام إذا تهرب من مواجهة سكين عطشى إلى الدم"([4]). لذا فنجد زكريا مهموما دائما، وهمه نابع من خوفه على مصير الإنسان المسحوق بسبب جهله وتبعيته وتخلفه ورضوخه للذل، والجوع المزمن، يقول: ".... ولكن هؤلاء الأطباء لو
تابعوا بحثهم في بقية جسم ذلك المريض العربي فسيجدون الآتي: سيجدون
 
في قلبه مخافر للشرطة، وتلالاً من الخيبات والآمال المنتحرة، سيجدون في رئتيه دخان المعارك الخاسرة، سيجدون في عينيه خوفاً له أوثان تعبد، وفي أذنيه خطباً تقاتل وتنتصر وفي يديه تاريخاً عريقاً لتصفيق يؤازر الجلاد، وفي معدته جوعاً أقدم من أهرامات مصر، وفي رأسه سجوناً وأشباحاً ومشانق..."([5]). وهذا النمط من المواطنين نمط ناقم على العالم حاقد على كل القوى. التي لم تخترع شيئاً يجعله يستغني عن الطعام فيتحرر من قيود ترغم المعد الخاوية على الخضوع لها، فتظهر صورة المقهور المستلب الذي ما عاد يفكر بالتغيير وذلك لأنه لا يستطيع ان يملك قراراً، فالسوء والظلم لا يأتي إلا من السلطة (المجتمع، والشرطة...) ولا بد للعربي أن يعيش سعيداً لو أنه يملك رزقه وحريته.
أشرنا سابقاً إلى أن زكريا قد انسلخ عن الطبقة الكادحة بجهده وتحول إلى البرجوازية الصغيرة، إلا أنه شعر بالاغتراب في هذه الطبقة، وحدّق مليّاً بأنماط الناس فيها ووضع يده على أناس منافقين متسلقين، يلهثون وراء الملذات، يقول: "يجود الشجاع بنفسه وماله في سبيل قومه، فيسارع البخيل إلى المتاجرة بتضحية الشجاع فيربح الشجاع قبراً... ويربح البخيل ثروة جديدة بلا تعب..."([6]).
فالاستغلال لا حدود له – من وجهة نظره- وأصحاب النفوس المريضة يتاجرون بالوطن والمواطن، حتى صار المجتمع بلا هوية، وبلا وجود محترم، فالمناضل لا مكان له في عالم زكريا، ليس لأنه غير موجود بل لأن المجتمع بعامته يصطبغ بالضياع والانهزام والجوع. وها هو الوزير يحاور الملك بحوار مغلف بالغش والخداع "قال الملك:.... وأريد وزيراً للمالية نزيهاً أميناً نظيف اليدين، قال الوزير: هذه الوزارة ليس لها سوى ابني السادس، فهو يغسل يديه بالصابون والماء الحار عشرات المرات في اليوم الواحد"([7]).
أما عن مفهومه للحرية يقول " الحرية التي يريدها الإنسان العربي هي أن يستطيع التعبير عن أفكاره وآرائه في أمور تتعلق بمصيره، ومصير بلده من غير أن يخلد في سجن أو يتدلى من مشنقة... ولا ننظر إلى تلك الأفعال على أنها شائنة، وخيانة للوطن والأمة، وهي أن يتاح له خدمة وطنه، لا خدمة حاكمه فقط...، ولكن فاقدي الحرية هم المسؤولون عما حلَّ بهم"([8]).
والحرية ليست ترفاً يطالب به الإنسان العربي، بل هي حق ينبغي أن يناله كي يصبح ارتباطه بوطنه ارتباطاً عضوياً، إلا أنه لا يدافع عنها حاضا عليها، بل يكتفي بإعلان تشاؤمه. ويعود عام 1987 ليقف هازئاً ساخراً مما يمارس من قمع وكبت لكنه لا يصرح بالتغيير حتى بات البحث عن الحرية أخيراً غير مجد لأن مفهوم الحرية يقتصر وجوده على القاموس. لذا أخيراً غير مجد لأن مفهوم الحرية يقتصر وجوده على القاموس([9]). لذا لا يجد بداً من التمرد، والتمرد نوع من الالتزام إلا أنه التزام بمرارة، والالتزام والاخلاص صفتان لا تفارقان أديبنا، كما أنه لا يترك فرصة إلا ويحض عليهما، ويدعو للتواصل معها، فيرى "أنه عندما يقدم على الكتاب إنسان يتميز بإخلاصه لوجوده وفنه وأرضه، فلا بد أن ثمة صوتاً ملحاً عميقاً يحفزه لقول شيء ما عن حياة البشر، وسيكتسب هذا القول- بشكل عفوي- طابعاً مميزاً نابعاً من رؤية الكاتب الخاصة للعالم والناس، وهذه الرؤية هي التعبير الخفي عن الأصالة والموهبة"([10]). ولا يقف عند هذا الحد بل يرى أن ثمة امتحاناً لإخلاص المثقف لشعبه، ويتجلى ذلك في تقويمه للحاكم من خلال ما يقدمه لشعبه، لا من خلال ما يظهفر به من مغانم شخصية، بذلك يلقي زكريا على عاتق الأديب هماً كبيراً يتمثل بالاتزام تجاه قضايا الشعب، فلا يرى في الانسلاخ مهرباً "فالتزام الأديب بمشكلات وطنه أمر مطلوب ومهمن وضروري، كما أن ثقة الأديب بنفسه صفة حسنة لا بد من توافرها ليستمر العطاء والتطور...." ([11]). بذلك تقع مسؤولية
تمهيد سبل الوعي لدى الأمة على عاتق المثقف لأن المخلوق الجائع المتعب اليائس لا يستطيع رؤية الورد الجميل والسماء الزرقاء([12]).
أما موقفه من النقد والنقاد، والأدب والأدباء، فقد توصلنا من خلال مقالاته إلى أنه ناقم على مستوى الأدب في الوطن العربي وحاقد كذلك على الأدباء الذين باعوا الكلمة لمن يدفع أكثر، فجردوها من الصدق الموضوعي والفني، حتى فقدت هويتها. إلا أننا نجد في نقده وعرض آرائه شيئاً من الاندفاع والقسوة، فيرى أن النقاد لا يعرفون من أصول النقد شيئاً، ويصفهم بأنهم يتأرجحون ويميلون حيث مالت الريح، لكن رأيه هذا ليس على إطلاقه بل يرى- أحياناً- ومضات حقيقية مضيئة وصادقة لبعض النماذج على صعيد الأدباء والنقاد. ويصنّف، الأدباء عدة أصناف منها "أدباء طاعنون في السن، يؤمنون أن الأدب المبدع الأصيل لا ينتجه إلا من كان يحمل لقب دكتور، وينتمي كذلك إلى أسرة ثرية. وأدباء يعتبرون النتاج الأدبي وسيلة للشهرة الاجتماعية. وأدباء يملكون دكاكين يبيعون فيها بأسعار لا تزاحم شتى الأفكار والقيم والمبادئ والشعارات([13]).
ويرى كذلك أن الأدباء مراوغون، إذ يتكلمون خمسة آلاف كلمة كي يقولوا إن الذبابة هي ذبابة، مشيراً إلى عيوب تلك الفئة المكتسبة وهذا ما دفعه فيما بعد إلى هجر المنتديات الأدبية والصالونات النقدية وكذلك المؤتمرات. وعلى الرغم من موقفه السابق إلا أنه يرى وفي موضع آخر أن هناك من الأدباء من يكتب كي يحصل على لقمة العيش فيضطر إلى ابتذال نفسه للوصول إلى ذلك إلا أنه نهاية يتعجب كيف يمكن لأديب عربي أن يعيش مرفوع الرأس منذ لحظة خروجه من بطن أمه وحتى لحظة غيابه في باطن الأرض وذلك لأن من عليه أن يختار حرفة الكتابة الصادقة التي لا تجامل لا يحتاج إلاّ إلى ذكاء واحد الا وهو أن يتعلم كيف يحفر قبره بقلمه([14]).
وينتقد زكريا حديث الشعر والشعراء بأُسلوب ساخر، فيقول: "إنه لحدث تاريخي جلل أن يترجم الشعر العربي إلى لغات أجنبية، ولكن الخطوة
الأولى الذكية المتصفة بالواقعية تقضي بأن يترجم ذلك الشعر إلى اللغة العربية أولاً"
([15]). ولا يهزأ بغموض الشعر وإبهامه بسبب من التكلف والإغراق في الغموض فقط بل يسخر من كتّابه أيضاً، فيوقظ الشاعر أحمد شوقي الذي يصدم بمستوى ما يقدم من أشعار، ويعدها مهاترات جهلة، لذا يرى زكريا بأنه يتوجب تنصيب شوقي ملكاً للشعراء لا أميرا فقط([16]). بهذه الجرأة وقوة الصراحة الممزوجة بحس السخرية المتضمن نقداً لاذعاً متزمتاً في بعض الأحيان يرى زكريا أن الأديب يقف أمام تحديات حضارية عظيمة، وعليه أن يحدد انتماءه بصدق، فإما أن ينتمي إلى عالم مدعوم بالجلادين والخونة والسجون، وإما أن ينتمي إلى عالم آخر لم يظهر بعد، وما زال في الأحلام، إلا أنه قادر على منح الإنسان العربي كل ما يفقده من حرية، وفرح، وعدالة، وكرامة... وفي اختيار الأديب لأحد هذين الخيارين برهان على مدى أصالته وإخلاصه لوطنه وإنسانها([17]).
ويعد النقد ضرباً من ألوان الحرية، وغيابه يعني ضرباً للتطور والتقدم حتى الموت. ومعركة زكريا مع النقد والنقاد أشد وطأ، لذا يقسّم النقاد إلى زمر، زمرة تنتقد الكتب نقداً مراً من غير أن تقرأها، وزمرة تمتدح الكتب قبل أن يكتبها مؤلفوها، وزمرة متقيدة بالحكمة القائلة إن السكوت من ذهب. وهذه الزمر جميعها تحب الذهب والفضة([18])، من ذلك يرى زكريا بأن النقاد تجار كبار، يعتبرون الأعمال الأدبية صفقات مالية مربحة كما لا يغفل أولئك النقاد
 الذين ينحازون للأدباء بناء على معرفة شخصية مسبقة. وعن تجربته مع
النقاد يقول "تجربتي الخاصة في الكتابة علمتني ألا أحترم – كثيرا – آراء



النقاد في قصصي، ففي سنوات بدايتي كنت ما إن أنشر قصة حتى يشتمها النقاد، ثم أنشر قصة ثانية فيسارعون إلى مدح الأولى وشتم الثانية، لذا فقد اقتنعت بالسير في عام يخلو من النقاد([19]). فالمجتمع العربي بحاجة ماسّة إلى النقد الصارم الذي لا يشفق ولا يهادن ولا يساوم، ولا يبقي نفعاً مادياً([20]). وحتى يتحقق ذلك فقد قاطع زكريا المؤتمرات الأدبية التي تقام بيم الحين والآخر في أرجاء الوطن وذلك لأنه يرى فيها تكايا تتيح الفرصة لأكبر عدد من الأدباء كي يأكلوا الطعام مجاناً ويناموا في فنادق فخمة، في حين يخرجون بتوصيات تنشر في الصحف وملعون من ينفذها([21]). فالفجوة كبيرة بين الواقع الحياتي، والمثاليات، والنظريات والشعارات التي ترفع بين الحين والآخر.
وكثيرا ما يجلس زكريا للكتابة وهو في حالة هياج، وثورة عارمة، عندها لا يجد أملاً ولا حرية ولا مستقبلاً، فتطل النظرة السوداوية على قلمه لتشحنه فلا يعود يرى في الحياة بصيصاً من نور، فكلما تقدم الزمان تعقدت الحياة وتحول الناس إلى آلات مبرمجة لا تملك حريتها، ولا وطنها، ولا يجد الفرد صديقاً يأنس به الا اللحد وحده([22]). كيف لا وقد وصف أبو نواس – منذ مئات السنين- زمانه بأنه زمان القرود، فيتساءل زكريا لو أنه عاش في زماننا، فماذا كان سيطلق عليه من أوصاف؟ لا شك أنه سيعجز عن ذلك.
لذا يظن العالم أسود ممسوخاً، ويعتبر العالم العربي من أشد العوالم بشاعة، فيعمد إلى قلب الموازين وتجميل البشاعة، وذلك حتى يكون انعكاس


هذه الصورة على الناس غير مقلوب، كما المرأة، فالغربان من – وجهة نظره- تغرّد، والحمائم تنعم، والإنسان الذي يسأل عن أمنيته سيتمنّى لو يصبح حصاناً؛ لأن الحصان لا يركبه إلا واحد بينما المواطن العربي فمركوب من الكثيرين دفعة واحدة، لذا نجد زكريا يرتاح لفكرة الشنفري الذي استبدل عالم الإنس بعالم الحيوان كي يكونوا أهلا له في وقت عزّ فيه الأهل، ويكررها كثيراً.
ويدخل زكريا في عوالمه الخاصة مغلّفاً برؤية ساخرة، مركزاً على المفارقات بروح الدعابة التي لا تخلو من الحدة، واللذغ، والإيلام أحياناً كثيرة. وبما أن الفن الساخر (الهجاء) قائم على فكرة التشويه فإن الأديب المصاب بعاهة خلقية مثلا يعكس نفسيته تلك على أدبه ويتحدد بذلك سير أبطاله كما الجاحظ والمعري مثلاً. وعادة ما يكون المهجو نموذجاً مأساوياً يمثل مأساة الإنسانية بأسرها، ويمثل جور الزمان كله، وكأن الكاتب يريد أن يلذع الآخرين قبل أن يلذعوه، وزكريا حين يقذف حممه على من حوله إنما يقذفها قاصداً الإنسانية كلها.
وغالباً ما تجد المأساة طريقها من خلال المهزلة والسخرية فهو ساخر لاذع لكل من يبيع نفسه للشهوات، ولكل انتهازي مريض،  ولمعنى الحياة ومفهوم الوجود. كما استخدم زكريا عنواناً لافتاً للنظر لزاويته في مجلة التضامن وهو " الضاحك الباكي" وكثيراً ما استخدم هذه الزاوية كي يستتر خلفها أثناء كتابة مقالاته الساخرة اللاذعة لأنظمة الحكم العربية وجهل الناس وقسوة الحياة عليه وعلى أمثاله، يقول:" والضاحك الباكي مجهول مغمور، لاتنشر الجرائد والمجلات صوره، فصوره تصلح للنشر فقط في صفحات الوفيات والجرائم"([23])، ويعلل زكريا أُسلوبه اللاذع هذا بقوله:" والضاحك الباكي
مهذب جداً... غير أنه لا يجسر على تجاهل الحقائق العلمية القائلة إن



الشتيمة – أحياناً- هي من أرقى أنواع التهذيب حيث تكون موجهة إلى من يجعلون حياة الإنسان شقاء يستمر من المهد إلى الحد"([24]).
ومن خلال هذه النظرة التشاؤمية يطل علينا زكريا في حلته السوداوية الساخطة على العالم، والتي تتمنى الإطاحة بالكون كي ينمو كون جديد خالٍ من الشوائب.
ويعتبر زكريا التراث الإنساني منبعاً لتعميق مفهوم الأصالة عند كل أديب "وأن الأديب لا يستطيع أن يبلور مفاهيم جديدة للعمل الأدبي دون الاطلاع على التراث الأدبي الإنساني، وهضم ذلك التراث والتفاعل معه التفاعل الحي الايجابي"([25]).
لذا فقد استنطق التاريخ القديم، وأحيا الشخصيات التراثية العربية، وأتاح لها الفرصة كي تتلمس معالم هذا الواقع الجديد مقيماً معها حوارات مختلفة نستنتج من خلالها أن الكاتب لم يلجأ لهذا الأسلوب إلا بعد تشبع إحساسه بالهزيمة أمام الواقع، فما كان منه إلا أن أعاد صياغة التاريخ من جديد وعكس البطولات إلى مواقف إنهزامية وبرع في توظيف شخصياته، فابن بطوطة في عصرنا مثلاً، يؤثر، يؤثر السلامة ويعزف عن الترحال، لأن البلاد العربية أضحت حدودها فنادق([26]).
والمُتنبي – في أكثر من مقالة أدبية- يقرر الإضراب عن نظم الشعر([27]). والشنفري غير راضٍ عن وضعه المعيشي فيتسكع ويسعى لتأمين عيشه من خلال طرق الأبواب، فيسرق وينافق([28]).

أما أبو حيان التوحيدي، فنتيجة لعجزه وانهزامه أمام الواقع يقرر الهروب ناسباً نفسه إلى شعب أوغنده، ناسفاً كل صلة له بالعروبة([29]). كما أن عباس بن فرناس يبرر سبب طيرانه في كل مرّة تختلف عن سابقتها، الاّ أنها تشترك جميعاً في أن فكرة الطيران قد ولدت كنوع من خلاص الفرد من مجتمعه وحكامه. وتجدر الاشارة إلى أن شخصية عباس بن فرناس تكررت كثيراً جداً في مقالات زكريا الأدبية، وفي قصصه([30]).
أما عبد الرحمن الكواكبي فنجده بين يدي زكريا قد اتخذ من بيع السجائر مهنة له، وتنكّر لمؤلفاته ومبادئه التي تعمد زكريا أن يسرد بعضا منها([31]). فعلى كل إنسان – يعيش في هذا العصر- أن يتنكر لنفسه، وعقله، ووجوده، وعليه أن يسبح مع التيار الخانع، أو أن يتيه في الضباب.
لقد كرر زكريا تامر العديد من مقالاته وقصصه في مجلات مختلفة داخل الوطن وخارجه، دون أن تجد الباحثة أية إضافة أو تعديل على تلك المقالات، ولا ندري ما سبب التكرار هذا، ونذكر على سبيل المثال: المتنبي يغزو لندن([32])، وشجرة البؤس([33])، والنار والعقرب([34]) نبوءة كافور الإخشيدي([35])، وقصة النهر ميت([36]).

لقد اتسم أسلوب زكريا بالخفة والبساطة والسخرية المغلّفة بالطابع التراثي في مجلة الدوحة القطرية، بينما ركز على أسلوب المواجهة والصراحة في الطرح ونقد واقع الطبقة البرجوازية في مجلة التضامن اللندنية، فعبّر من خلال هذه المجلة عما يجول في نفسه، وعن وجهة نظره بصراحة مطلقة ينتقد من خلالها الوضع الاجتماعي القائم على النفاق، والرياء، والسمعة. ويعود سبب الاختلاف في النهج بين المجلتين اللتين رأسلهما في الوقت نفسه إلى اختلاف المكان وطبيعة الجو العربي الذي لا يحتمل الصراحة والجو الغربي القائم على الصراحة والحرية المطلقة. كل ذلك ظهر بأسلوب جميل جداً يشدُّ القارئ إلى قوة اللغة وحسن السبك، وتكرار الألفاظ، والمترادفات، والعناية بالاطالة غير المخلّة كي تترسخ أفكاره ومبادؤه.

مواضيع ذات صلة
 

قصص زكريا تامر
زكريا تامر لماذا سكت النهر
تحليل قصة انتظار امراة لزكريا تامر
مؤلفات زكريا تامر
زكريا تامر
تحليل قصة قصيرة ليوسف ادريس
قصة قصيرة جدا وتحليلها
بـ زكريا تامر
زكريا تامر قصص قصيرة جدا
زكريا تامر
زكريا تامر النمور في اليوم العاشر
زكريا تامر لماذا سكت النهر
وفاة زكريا تامر
متى توفي زكريا تامر
زكريا تامر سنضحك
زكريا تامر الكتب




([1]) زكريا، خواطر تسر الخاطر  (الورق الأبيض يدافع عن حياته) م. الدوحة، ع93، 1983، ص20.
([2]) زكريا، اقتصادنا سليم ولن نستورد قتلة، مجلة التضامن ع1، 1983، ص88، 89.
([3]) ينتقد مجلة "كل الناس" المصرية، انظر: زكريا، الصحافة المتعطرة، جريدة القدس العربي، ع1098، 21/22 تشرين ثاني 1992، ص الأخيرة.
([4]) اقتصادنا سليم ولن نستورد قتلة، ص89.
([5]) زكريا، الذئاب طابور خامس، مجلة التضامن، ع3، 1983، ص81.
([6]) زكريا، من حابى خصمه غلب، مجلة الدوحة، ع95، 1983، ص12.
([7]) قال الملك لوزيره (العائلة)، مجلة الناقد ع10، 1989، ص82.
([8]) الأرجوحة، مجلة التضامن، ع348، 1988، ص29.
([9]) منامات غريبة الأطوار، مجلة التضامن، ع212، 1987، ص24.
([10]) زكريا، عرض وتحليل قصص عادل أبو شنب، مجلة المعرفة، ع10،1962، ص158
([11]) الطبل محلي وهديل الحمامة مستورد، مجلة التضامن، ع2، 1983، ص83.
([12]) عطشان يا صبايا (عرض وتحليل) ص201- 202.
([13]) ابن فضلان، مجلة الدوحة، ع118، 1985، ص13.
([14]) من حابى خصمه غلب، ص12.
([15]) من لم يركب الأهوال لم ينل الآمال، مجلة الدوحة، ع109، 1985، ص101.
([16]) الشوقيات، مجلة الدوحة، ع123، 1986، ص79.
([17]) الكلمة السلاح، الكلمة الجارية، مجلة الموقف الأدبي، ع3،  1973، ص4.
([18]) ابن فضلان، ص13.
([19]) مقابلة مع زكريا تامر، ص115.
([20]) دور النقد في التغيير، مجلة المعرفة، ع210، 1979، ص5.
([21]) الليل ليل والنهار ليل، الفوائد الخفية للمؤتمرات الئادبية، مجلة الدوحة، ع124، 1986، ص74.
([22]) من حابى خصمه غلب، ص12.
([23]) اقتصادنا سليم ولن نستورد قتلة، ص88.
([24]) اقتصادنا سليم ولن نستورد قتلة، ص 88.
([25]) مقابلة مع زكريا، ص114.
([26]) الليل ليل والنهار ليل، ص74.
([27]) ماذا جرى للمتنبي في رحلاته، مجلة الدوحة، ع127، 1986، 21.
([28]) الليل ليل والنهار ليل، ص75.
([29]) أبو حيان التوحيدي يحرق كتبه، مجلة الدوحة، ع116، 1985، ص85.
([30]) ماذا قال عباس بن فرناس، مجلة التضامن ع10، 1985،  ص10.
([31]) الكواكبي الجديد، مجلة الدوحة، ع126، 1986، ص43. وانظر أيضاً: يوم صرنا سياحا في بلادنا، مجلة التضامن، ع65، 1984، ص94.
([32]) مجلة التضامن، ع69، 1984، ص94. وانظر: مجلة الدوحة، ع127 السابق، ص20.
([33]) مجلة التضامن، ع66، 1984، ص94. ووردت تحت عنوان آخر في مجلة الدوحة، ع123، 1986، ص78. (لماذا ضحك طه حسين قبل موته).
([34]) مجلة التضامن، ع66، السابق، وانظر: مجلة الدوحة، ع124 السابق.
([35]) مجلة التضامن، ع132، 1985. وانظر: مجلة الدوحة، ع127، السابق.
([36]) مجلة الآداب، ع8، السنة السابعة، 1959، ومجلة الأقلام، ع4، 1964، ص21.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق