الاثنين، 10 أبريل 2017

المنهج التجريبي وتطبيقاته في مجال العلوم القانونية والإدارية

المنهج التجريبي وتطبيقاته في مجال العلوم القانونية والإدارية
ظهر المنهج التجريبي على يد فرانسيس بيكون Francis Bacon ) ( وذلك عقب الانتقادات التي وجهت للمنهج الاستدلالي والنزعة الفلسفية التأملية عامة، وحينها لم يكن المنهج التجريبي يعبر عن مجرد منهج علمي وإنما شكل نزعة فلسفية سميت النزعة التجريبانية، وهي تقابل النزعة العقلانية التي أسسها المنهج الاستدلالي، وقد أحدثت منعرجا هاما في تاريخ العلم، مما دعا البعض إلى القول بأن العلم الذي لا يخضع للتجربة ليس بعلم، وعليه فما هو مفهوم المنهج التجريبي؟ وما هي أسسه ومراحله؟ وما هو دوره في مجال العلوم القانونية والإدارية؟
هذا ما سنحاول الإجابة عنه من خلال العناصر التالية:
العنصر الأول: مفهوم المنهج التجريبي.
العنصر الثاني: أسس المنهج التجريبي ومراحله.
العنصر الثالث: دور المنهج التجريبي في مجال العلوم القانونية والإدارية.
أولا: مفهوم المنهج التجريبي.
سنحاول تحديد مفهوم المنهج التجريبي من خلال جزئين، في الجزء الأول نتناول أهم التعريفات وفي الجزء الثاني نبين أهم مميزات هذا المنهج.
 1( تعريف المنهج التجريبي.  
توجد عدة تعريفات للمنهج التجريبي من بينها:(هو المنهج المستخدم حينما نبدأ من وقائع خارجة عن العقل سواء كانت خارجة عن النفس إطلاقا أوباطنة فيها)
(البحث التجريبي تغيير متعمد ومضبوط للشروط المحددة لواقعة معينة وملاحظة التغييرات الناتجة في هذه الواقعة ذاتها وتفسيرها)
(البحث التجريبي يتضمن محاولة لضبط كل العوامل الأساسية المؤثرة في المتغير أو المتغيرات التابعة في التجربة ماعدا عاملا واحدا يتحكم فيه الباحث ويغيره على نحو معين بقصد تحديد وقياس تأثيره على المتغير أوالمتغيرات التابعة)
(البحث التجريبي يقوم أساسا على أسلوب التجربة العلمية التي تكشف عن العلاقات السببية بين المتغيرات المختلفة التي تتفاعل مع القوى التي تحدث في الموقف التجريبي)
(البحث التجريبي هو ذلك النوع من البحوث الذي يستخدم التجربة في اختبار فرض معين يقرر علاقة بين عاملين أو متغيرين وذلك عن طريق الدراسة للمواقف المتقابلة التي ضبطت كل المتغيرات ماعدا المتغير الذي يهتم الباحث بدراسة تأثيره)
2( مميزات المنهج التجريبي.   
من خلال التعريفات السابقة نستطيع أن نستنتج بعض المميزات التي يتميز بها المنهج التجريبي والتي يمكن إجمالها في الآتي:
أ) المنهج التجريبي أقرب المناهج إلى الطريقة العلمية، وهذه الخاصية هي التي جعلت بعض العلماء ينادون بضرورة تميز العلم بميزة التجريب على اعتبار أن العلم الذي لا يقبل التجريب ليس بعلم، لكن هذا الرأي متطرف لأنه ينكر الكثير من العلوم التي لا تخضع للتجربة.
ب) المنهج التجريبي منهج علمي خارجي إذ يعتمد على التجربة الخارجة عن العقل، أي أن التجربة هنا لا تتم داخل العقل بل تأتي من الخارج لتفرض نتائجها على العقل، وهو بهذه الميزة يختلف عن المنهج الاستدلالي الذي يعتمد على أدوات داخلية، والتجربة التي يتضمنها المنهج الاستدلالي هي تجربة عقلية داخلية.

ج) يوصف كذلك بأنه منهج موضوعي، فالنتائج المتحصل عليها عن طريق التجربة تفرض نفسها على العقل حتى وإن كانت تتعارض مع رغبة الباحث أو ميولاته النفسية.
ثانيا: أسس المنهج التجريبي ومراحله.
يتضمن المنهج التجريبي جملة من الأسس والمقومات يخلط البعض بينها وبين المراحل والتي يمكن أن تتشابه في الألفاظ ولكنها تختلف من حيث المضمون أو الهدف. وعليه سنبين في الفرع الأول أسس ومقومات المنهج التجريبي وفي الفرع الثاني نحدد مراحل أو الخطوات المتبعة أثناء استخدام المنهج التجريبي.
1( أسس ومقومات المنهج التجريبي.  
يتألف المنهج التجريبي من ثلاث مقومات أساسية هي:الملاحظة أو المشاهدة الفرضيات العلمية، التجريب.
أ) الملاحظة أو المشاهدة العلمية: الملاحظة العلمية هي الخطوة الأولى في البحث العلمي، وهي من أهم عناصر المنهج التجريبي وأكثرها أهمية لأنها المحرك الأساسي لبقية العناصر، والملاحظة في معناها العام الواسع هي الانتباه العفوي إلى حادثة أو واقعة أو ظاهرة دون قصد أو سابق إصرار وتعمد أو إرادة، أما الملاحظة العلمية فهي المشاهدة الحسية المقصودة والمنظمة والدقيقة للحوادث والأشياء والظواهر بغية اكتشاف أسبابها وقوانينها ونظرياتها عن طريق القيام بعملية النظر في هذه الأشياء وتعريفها وتوصيفها وتصنيفها في أسر وفصائل، كل ذلك يتم قبل عملية وضع الفرضيات والتجريب. ويقسم الفقهاء الملاحظة إلى ملاحظة بسيطة وهي التي تكون من خلال الانتباه العفوي دون استعداد مسبق، أما الملاحظة العلمية المسلحة وهي التي تتم عن قصد مسبق وتكون منظمة ودقيقة.
ومن بين أهم شروط الملاحظة العلمية ما يلي:
ـ يجب أن تكون الملاحظة كاملة، أي يجب أن يلاحظ الباحث الملاحظ كافة العوامل والأسباب والوقائع والظواهر، ولا يمكن إغفال أي عنصر له صلة بالموضوع أو الظاهرة.
ـ يجب أن تكون الملاحظة العلمية نزيهة وموضوعية ومجردة، ولا تتأثر بفرضيات وأحاسيس سابقة.
ـ يجب أن تكون الملاحظة العلمية منظمة ومضبوطة ودقيقة، أي عليه أن يستخدم الذكاء والفطنة والدقة العقلية، وكذا يستخدم وسائل القياس والتسجيل والوزن والملاحظة العلمية التكنولوجية.
ـ يجب أن يكون الملاحظ مؤهلا وقادرا ويكون مختصا وعالما في ميدانه.
ـ يجب تسجيل كافة الملاحظات بدقة وترتيب محكم، وكذا تجنب الأخطاء التي يكون مصدرها الملاحظ نفسه، أو الأجهزة والأدوات المستعملة.
ب) الفرضيات العلمية:
الفرضية أو الفرضيات تعني لغة تخمين أو استنتاج أو افتراض ذكي في إمكانية صحة تحقق واقعة معينة أو عدم تحققها ومن ثم استخراج النتائج تبعا لذلك أو هي اقتراحات ونتائج تتطلب الفحص والاختبار والتجريب للتأكد من مدى صحتها. أما الفرضيات اصطلاحا فهي التفسير المؤقت لوقائع وظواهر معينة لا تزال بمعزل عن الامتحان، وبعد امتحانها تصبح قوانين تفسر الظاهرة. وقد تكون أسباب ومصادر نشأة الفرضيات خارجية أو داخلية في ذهن الباحث بحسب طبيعة الظاهرة المدروسة.
تلعب الفرضيات دورا حيويا وهاما في مجال استخراج النظريات والقوانين والتعليلات والتفسيرات العلمية للظواهر والوقائع والأشياء وهي تنبئ عن عقل خلاق وخيال مبدع وبعد النظر. ومن أهم العوامل المساعدة على خلق الفرضيات العلمية داخليا الجبرية والمثالية والتواصل والاستمرار الاتصال والتكرار. ومن شروط صحة الفرضيات يجب أن تبدأ من ملاحظات علمية، كما يجب أن تكون قابلة للتجريب والاختبار وأن تكون خالية من التناقض وأن تكون شاملة ومترابطة وكذلك متعددة ومتنوعة للواقعة أو الظاهرة الواحدة.
ج ) عملية التجريب:       
بعد عملية إنشاء الفرضيات تأتي عملية التجريب على الفرضيات لإثبات مدى سلامتها وصحتها، وإثبات صحة الفرضيات عن طريق عملية التجريب يتطلب عدة قواعد من بينها قاعدة تنويع التجربة وقاعدة إطالة التجربة وقاعدة نقل التجربة وكل هذه القواعد وضعها فرانسيس بيكون. وإذا ثبتت صحة الفرضيات علميا ويقينيا تتحول تلك الفرضيات قواعد ثابتة وعامة، ونظريات علمية تكشف وتفسر الظواهر وتتحكم فيها.
2( مراحل وخطوات سير المنهج التجريبي.   
للمنهج التجريبي ثلاث مراحل متسلسلة ومترابطة ومتكاملة وهي:
أ) مرحلة التعريف والتوصيف والتصنيف:وهي مرحلة نظر ومشاهدة الظواهر والأشياء الخارجية والقيام بعمليات تعريفها ووصفها وتصنيفها في قوالب وأسر وفصائل وأصناف من أجل معرفة حالة الظاهرة أو الواقعة دون محاولة التجريب والتفسير.
ب) مرحلة التحليل: والهدف من هذه المرحلة هو كشف وبيان العلاقات والروابط بين طائفة الظواهر والوقائع المتشابهة وذلك بواسطة عملية التحليل المعتمدة على تفسير الوقائع والظواهر بواسطة الملاحظة العلمية ووضع الفروض العلمية من أجل استخراج القوانين العلمية العامة المتعلقة بالظواهر المشمولة بالتجربة.
ج) مرحلة التركيب: وهي مرحلة تركيب وتنظيم القوانين الجزئية لاستخراج القوانين الكلية والعامة منها في صورة مبادئ عامة أولية، يكون موثوق في صحتها وعلميتها.
ثالثا: دور المنهج التجريبي في مجال العلوم القانونية والإدارية.
مع بداية القرن الثامن عشر أصبح إعمال وتطبيق المنهج التجريبي في البحوث والدراسات القانونية ميدان أصيل لهذا المنهج حيث بدأت تزدهر وتنضج النزعة العقلية العلمية الموضوعية التجريبية، وتسود حقول العلوم القانونية بصفة خاصة على حساب النزعة الفلسفية التأملية والميتافيزيقية. وعليه سنتناول في الفرع الأول تطبيقات المنهج التجريبي في مجال العلوم القانونية وفي الفرع الثاني تقييم وتقدير دوره في هذا المجال من البحوث العلمية.
1( تطبيقات المنهج التجريبي في مجال العلوم القانونية والإدارية.     
طبق هذا المنهج في العديد من الدراسات القانونية التي تضمنت بحوث في مجالات علاقة القانون بمبدأ تقسيم العمل الاجتماعي وعلاقة القانون بالبيئة الاجتماعية وكذا علاقة الدولة والسلطة والقانون والبحوث المتعلقة بالجريمة وفلسفة التجريم والعقاب. وكذا البحوث حول إصلاح السياسات التشريعية والقضائية موضوعيا وإجرائيا.

 كما طبق هذا المنهج في مجال علم الإدارة ولاسيما بعد ظهور الإدارة العلمية وبروز ظاهرة التداخل والترابط والتكامل بين ظاهرة الإدارة وعلم الاقتصاد وعلم النفس وعلم الأنثروبولوجيا.
ولقد استخدم إميل دوركايم المنهج التجريبي في دراسة واكتشاف وتفسير الظواهر العلاقات التي تربط بينها في تبادل وتأثير مطرد، وذلك في كتابه المعروف (تقسيم العمل الاجتماعي) وفي مقاله المعنون بـ: ((قانونا للتطور الجنائي)) حيث استخلص العديد من النتائج والمبادئ العلمية ومن بينها حتمية حاجة الحياة الاجتماعية للقانون ليضبط العلاقات والأنساق الاجتماعية ضبطا قانونيا، كما استنتج حاجة المجتمعات البشرية إلى قوانين جنائية عند بداية نشأتهم أكثر من حاجتهم إلى القانون المدني.
وقد ازدهرت استخدامات المنهج التجريبي في مجال العلوم الجنائية بعدما تم اكتشاف حتمية العلاقة والتكامل بين العلوم الجنائية وعلم النفس الجنائي وعلم الاجتماع القانوني وعلم الطب النفسي والطب العيادي وعلم الوراثة، وخصوصا بعد سيادة المدارس الجنائية العلمية التجريبية. وأكثر فروع العلوم القانونية قابلية لتطبيق المنهج التجريبي هي قانون الإجراءات والمرافعات والنظام القضائي والقانون الجنائي والعلوم الجنائية، والقانون الإداري والعلوم الإدارية نظرا لطبيعتها الخاصة وارتباطها بالواقع وكذا حركيتها وتغيرها.
2( تقدير قيمة تطبيق المنهج التجريبي في مجال العلوم القانونية.    
نظرا للدينامكية التي تتميز بها الدراسات القانونية وكذا التطور السريعة والمتزايد لكافة القواعد القانونية فهي دائما بحاجة إلى منهج علمي يوفر القابلية للتطبيق والتجاوب مع المتغيرات، وهذا ما توفر أدوات المنهج التجريبي بكافة أسسه ومراحله لأجل اكتشاف الحقيقة العلمية القانونية والإدارية بصفة تقنية نسبيا.
بالرغم من صعوبة تطبيق المنهج التجريبي في ميدان العلوم الإنسانية  والاجتماعية ومنها العلوم القانونية، إلا أن مجالات تطبيق المنهج التجريبي في ميدان العلوم القانونية كثيرة كما سبق بيان ذلك عن طريق الملاحظة العلمية الصحيحة والموضوعية للظواهر والمعطيات القانونية ووضع الفرضيات والبدائل بشأنها ثم القيام بالتجريب عن طريق التحليل والتركيب من أجل استنباط الحقائق ووضع النظريات والقوانين الثابتة.

الفرع الثاني:المنهج الجدلي (الدياليكتيكي) وتطبيقاته في مجال العلوم القانونية والإدارية.

تساهم مناهج البحث العلمي في إجراء البحوث العلمية بصورة منهجية دقيقة ومضبوطة وموثوق في سلامتها وعلميتها، مما يدفع الباحثين إلى حسن اختيار المنهج الملائم لطبيعة الدراسة وخصوصياتها ومن بين تلك المناهج المنهج الجدلي. فما هو المنهج الجدلي؟ وما هي قوانينه وخصائصه؟ وما مدى تطبيقه في مجال العلوم القانونية؟
هذا ما سنتناوله من خلال العناصر التالية:
العنصر الأول: مفهوم المنهج الجدلي.
العنصر الثاني: قوانين المنهج الجدلي وخصائصه.
العنصر الثالث: تطبيق المنهج الجدلي في مجال العلوم القانونية.
أولا: مفهوم المنهج الجدلي.
يقوم المنهج الجدلي على أساس الحقيقة القائلة أن كل الأشياء والظواهر والعمليات والحقائق الطبيعية والاجتماعية والإنسانية والاقتصادية والسياسية هي دائما في حالات ترابط وتشابك وتداخل، وهي دائما في حالات تناقض وصراع وتفاعل داخلي قوي ومحرك ودافع للحركة والتغيير والتطور والارتقاء والتقدم من شكل إلى شكل ومن حالة إلى حالة جديدة.
سنتناول خلال هذا العنصر نشأة هذا المنهج ثم نبرز أهم التعريفات التي أعطيت من خلال الجزئين التاليين:
1( نشأة المنهج الجدلي.
يعتبر المنهج الجدلي منهجا قديما في فلسفته وأسسه وفرضياته، حديثا في اكتمال وإتمام صياغته وبنائه كمنهج علمي للبحث والدراسة والتحليل والتفسير والتركيب والتأليف بطريقة علمية
فلقد ظهرت نظرية الجدل قديما عند الإغريق على يد الفيلسوف اليوناني هير إقليتس قبل الميلاد، والذي صاغ أساس نظرية الدياليكتيك عندما اكتشف وأعلن أن كل شيء يتحرك وكل شيء يجري وكل شيء يتغير. ولقد تطور الدياليكتيك تطورا كبيرا وجديدا على يد الفيلسوف الألماني هيجل الذي بلور وجسد تلك النظرية وبناها وصاغها صياغة علمية شاملة وكاملة وواضحة وواعية كمنهج علمي لدراسة وتحليل الحقائق والأشياء والظواهر والعمليات وتفسيرها وتركيبها علميا ومنطقيا بطريقة شاملة ومتكاملة حيث أن هيجل هو الذي اكتشف القوانين والقواعد والمفاهيم العلمية للدياليكتيك والمتمثلة في قانون تحول التبادلات الكمية إلى تبادلات نوعية وقانون وحدة وصراع الأضداد، وقانون نفي النفي. يتميز الدياليكتيك عند هيجل بأنه دياليكتيك مثالي، وعلى هذا الأساس انتقد الفيلسوف الألماني لودفيغ فور باخ النزعة المثالية عند هيجل ونادى بضرورة اتسام واتصاف الدياليكتيك بالنزعة المادية حتى يصبح موضوعيا وواقعيا وعلميا. بعدها قام كارل ماركس، وهو من أنصار الدياليكتيك الهيجلي بإعادة صياغة نظرية الدياليكتيك صياغة مادية علمية عملية، فأبقى عليها بكل نظرياتها وأسسها وفرضياتها ولكن نزع منها الطبيعة المثالية



مواضيع ذات صلة
في مجال العلوم القانونية والإدارية
مناهج البحث القانوني
مناهج البحث القانوني
مناهج العلوم القانونية والاجتماعية s1
انواع البحث القانوني
مناهج البحث في العلوم القانونية
المنهج القانوني في علم السياسة
منهج البحث القانوني
تحميل كتاب اصول البحث القانوني

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق