الجمعة، 10 فبراير 2017

العلم

العلم:
بما أنَّ أبا حامد يبحث عن العلم بحقائق الأمور تناول موضوع العلم بالتفصيل فعرَّفه بقوله: "فالعلم اليقيني هو الذي ينكشف فيه المعلوم إنكشافاً لا يبقى معه ريب، ولا يقارنه إمكان الغلط والوهم، وينبغي أنْ يكون مقارناً لليقين مقارنة لو تحدى بإظهار بطلانه من يقلب الحجر ذهباً والعصا ثعباناً لم يورث ذلك شكاً ولا إنكاراً"([1]).
هكذا عرَّف أبو حامد الغزالي العلم، فهو ـ عنده ـ "الاعتقاد الجازم المطابق للمعلوم، ويكون على بصيرة ويتصف بالثبات عند التشكيك"([2]).
فهذا التعريف يميز العلم عن الظن، والشك، والوهم، والتقليد.
وهنالك من اعترض على هذا التعميم تعريف الغزالي، وقال: "إنَّ علم الله ليس على بصيرة وكشف وانشراح"([3]) كعلم الإنسان.
ويمكن القول هنا بأنَّ الغزالي يقصد علم الإنسان وليس علم الله تعالى، لأنَّ في تناوله للعلم تحدث عن حاكم الحس وحاكم العقل وإمكانية الثقة بهما، وهذا مما يشير بوضوح إلى أنه يتحدث عن علم البشر، وما يزيد ذلك تأكيداً قوله: "اعلم أنَّ العلم تصوُّر النفس الناطقة المطمئنة حقائق الأشياء وصورها المجردة عن المواد بأعيانها، وكيفياتها، وكمياتها، وجواهرها، وذواتها، إنْ كانت مفردة، والعالم هو المحيط المدرك المتصوّر، والمعلوم هو ذات الشيء الذي ينتقش علمه في النفس"([4]).
فقوله: "تصوُّر النفس الناطقة"، يدلُّ على أنه يقصد النفس الإنسانية. فإذا ما قارنَّا بين هذا التعريف والتعريف الأول لا نجد أي اختلاف بينهما، إنما يُعَدُّ الثاني رسماً لهيئة التعريف الأول، فالأول يتحدث عن حقيقة العلم، والثاني عن كيفية العلم.


شرف العلم وأهميته:
وشرف العلم وأهميته غير خافية على أحد، بيَّن ذلك أبو حامد الغزالي بقوله: "فاعلم أنَّ العلم شريف بذاته من غير النظر إلى جهة المعلوم، حتى إنَّ علم السحر شريف بذاته وإنْ كان باطلاً، وذلك أنَّ العلم ضد الجهل، والجهل من لوازم الظلمة، والظلمة من حيز السكون، والسكون قريب من العدم، فالجهل حكمه حكم العدم، والعلم حكمه حكم الوجود"([5]).
وخلاصة هذا القول؛ أنَّ العلم هو الوجود وهو الحياة، وأنه شريف في ذاته، لأنَّ به قوام الوجود، وديمومة الحياة التي تتصل بخيوطه مع الآخرة. وهنا تكمن ضرورته وأهميته.
أصناف العلم وأقسامه:
يصنِّف أبو حامد الغزالي العلم ويقسمه إلى قسمين:
فيقول: "اعلم أنَّ العلم على قسمين: أحدهما شرعي، والآخر عقلي. وأكثر العلوم الشرعية عقلية عند عالمها، وأكثر العلوم العقلية شرعية عند عارفها             ([6]).
بهذا العمق الفلسفي يشرح أقسام العلم، حيث قسَّمه إلى شرعي وعقلي، وكلاهما مرتبط بالآخر، فأكثر العلوم الشرعية عقلية، لأنها توافق صريح العقل ولم يخاطب إلاَّ العقلاء، وكذلك العلوم العقلية فإنَّ أكثرها شرعية، لأنها مما ينفع الإنسان في دنياه، والشرع يحث على إعمار الدنيا وإثابة من يقوم بواجب العمل فيها قاصداً وجه الله تعالى، ولهذا القصد قال: "عند عارفها".
وبعد تقسيمه العلم إلى شرعي وعقلي؛ أخذ في تفصيل أقسامهما، فبدأ بالشرعي وقسَّمه إلى قسمين:
الأول: في الأصول، وهو علم التوحيد.
والآخر: علم الفروع.
والعلم الشرعي إما أنْ يكون علميَّاً أو عملياً. علم الأصول هو العلمي، علم الفروع هو العملي.
والعلم العملي يشتمل على ثلاثة حقوق:
الأول: حق الله تعالى "أركان العبادات".
والثاني: حق العباد "أبواب العادات" مثل: البيع، والشركة، والقصاص.
والثالث: حق النفس "علم الأخلاق"([7]).
فأما قوله: "علم الأصول هو العلمي، وعلم الفروع هو العملي"، فلأنَّ علم الأصول ثابت لا يتغيَّر، ومعرفته لم تأت بالاكتساب ولكن بخبر السماء "الوحي"، فصدَّقه الناس واعتقدوا فيه، فلا سبيل فيه إلى اجتهاد أو تغيير، لذلك تظل عقيدة الإسلام ثابتة لا يطرأ عليها تغيير ولا تبديل.
وأما العلم العملي "علم الفروع" فهو فرعيات تتعلق بحقوق العباد، والاجتهاد فيها وارد فيما يتحمله النص.
وسُمِّيَ علم الفروع عملياً لأنه هو فقه الحياة الذي يتعلق بحركتها المتجددة، وظروفها المتغيِّرة، التي تتطلب العمل الدؤوب، فإنَّ علم الفروع يتجدَّد مع الحياة محتفظاً بأصوله، ومسايراً لحركتها باستيعاب تام، دون أنْ يؤدي ذلك إلى تحليل حرام أو تحريم حلال.
فحتى أركان العبادات التي هي حق الله تعالى وتصنَّف من ضمن علم الفروع فهي عملية، لأنَّ الإنسان يزاولها بجوارحه، وهى التي تكسب الحياة طمأنينة ويقيناً.
فبعد أنْ فرغ أبو حامد الغزالي من أقسام العلم الشرعي تناول بالتقسيم مراتب العلم العقلي، حيث قسمه إلى ثلاث مراتب:
المرتبة الأولى: العلم الرياضي.
المرتبة الثانية: العلم الطبيعي.          
المرتبة الثالثة: النظر في الوجود وتقسيمه إلى الواجب والممكن([8]).
هذا الترتيب المتسق للعلم الشرعي والعقلي ينبئ عن عقلية فذة، وبعد فكرى عميق، وإحاطة واسعة بالعلوم والمعارف الفنية، أسهمت في بروز منهجية أصبحت مورداً خصباً لمناهج البحث الحديث.
وبعد حديثه عن العلم غاص في رحلة البحث عن اليقين، وقد ظن أنه لا مطمع في اقتباس المشكلات إلاَّ من الجليات وهى الحسّيات "فأقبلتُ أتأمل في المحسوسات والضروريات، وأنظر هل يمكنني أنْ أشكك نفسي فيها؟! فانتهى بي طول التشكيك إلى أن لم تسمح نفسي بتسليم الأمان في المحسوسات، وأخذ يتسع هذا الشك فيها ويقول: من أين الثقة بالمحسوسات وأقواها حاسة البصر، وهى تنظر إلى الظل فتراه واقفاً غير متحرك، وتحكم بنفي الحركة، ثم بالتجربة والمشاهدة نعرف أنه متحرك وأنه لم يتحرك دفعة بغتة، بل على التدرُّج ذرة ذرة حتى لم تكن له حالة وقوف؟! وننظر إلى الكوكب فنراه صغيراً في مقدار دينار، ثم الأدلة الهندسية تدلُّ على أنه أكبر من الأرض في المقدار؟! هذا وأمثاله من المحسوسات يحكم فيها حاكم الحس بأحكامه، ويكذبه حاكم العقل تكذيباً لا سبيل إلى مدافعته"([9]).
فلما بطلت ثقة الغزالي بالمحسوسات لجأ إلى طلب اليقين في العقليات فقال: "فلعله لا ثقة إلاَّ بالعقليات، التي هي من الأوليات، كقولنا: العشرة أكثر من الثلاثة، والشيء الواحد لا يكون حادثاً قديماً، موجوداً معدوماً، واجباً محالاً"([10]).
وكذلك شَكَّ الغزالي في حاكم العقل، فلم يتيسر له علاج حتى شفاه الله تعالى من ذلك المرض.
ولكن كيف تَمَّ الشفاء من ذلك المرض؟! أبالبحث والنظر أم بالتجربة والاختبار؟ فيجيبنا عن ذلك بقوله: "ولم يكن ذلك الخلاص من الشك بنظم دليل وترتيب كلام، بل بنور قذفه الله في الصدر، وذلك النور هو مفتاح أكثر المعارف، فمن ظَنَّ أنَّ الكشف موقوف على الأدلة المحررة؛ لقد ضَّيق رحمة الله الواسعة"([11]).
يتضح مما تقدم أنَّ أبا حامد لم يصل إلى اليقين في العلوم بطريقة تقليدية، بل تتبع طرق البحث المختلفة ووسائلها المتعددة من حواس وعقل، فعلم أنها لا تقود إلى الحقيقة الكاملة، بل أحياناً تعطيك عكس الحقيقة ـ مثال الظل ـ وتارة تعطيك الحقيقة ناقصة ـ مثال الكوكب ـ هذا فيما يتعلق بالحواس.
ثم واصل رحلة الشك في حاكم العقل أيضاً، حتى شفاه الله تعالى بنور قذفه في قلبه، فكانت النتيجة التي خرج بها "أنَّ الكشف ليس موقوف على "الأدلة المحررة".    
إنَّ تأمُّل الغزالي في المحسوسات والعقليات هو الأساس الذي يستخلص منه الباحث نظرية الغزالي ومنهجيته في البحث، حيث سلك كافة الطرق التي ظَنَّ أنها تصل به إلى اليقين، ليخرج في نهاية المطاف بمنهجية متكاملة في البحث تأثر بها فلاسفة العصر الحديث، ومنهم من قلَّده فيها تقليداً كاملاً.
يقول ديكارت([12]): "إذاً ليس الشك مقصوداً هنا لنفسه، بل لامتحان معارفنا وقوانا العارفة، إذاً فأنا أشك في الحواس لأنها خدعتني أحياناً ولعلها تخدعني دائماً، وأنا أشك في استدلال العقل، لأنَّ الناس يخطئون في استدلالهم فمنهم من يخطئ في أبسط موضوعات الهندسة".
فالشك عند ديكارت ليس مطلوب لذاته ولكنه مطلوباً لليقين، فشكَّ في الحواس وشكّ في العقل، أليس هذا هو ذات الشك عند الغزالي؟! وديكارت جاء بعده بقرون ألم يكن ما كتبه ديكارت تقليد للغزالي؟
"ما كتبه ديكارت "مقال عن المنهج" و"التأمُّلات"، حيث التشابه الشديد بينهما وبين ما قدَّم الغزالي في "المنقذ من الضلال" يؤكد دون أدنى شك تأثر الفيلسوف الفرنسي بفيلسوفنا وأخذه عنه"([13]).
لقد تأثر علماء الغرب بمنهجية الغزالي خاصةً في كتابه: "المنقذ من الضلال"، فهذا من شأنه أنْ يدفعنا للنظر في تراثه، لنستخلص منه المفاهيم المنهجية ونطورها، لا سيما وأنه يدعو للنظر الفاحص والنقد البَنَّاء.
وعلمت يقيناً أنه لا يقف على فساد نوع من العلوم من لا يقف على منتهى ذلك العلم حتى يساوى أعلمهم في أصل ذلك العلم، ثم يزيد عليه ويجاوز درجته، فيطلع على ما لم يطلع عليه صاحب العلم من غور وغائلة، وإذ ذاك يمكن أنْ يكون ما يدعيه من فساده حقاً"([14]).
وهنا يضع أبو حامد الغزالي أصولاً للنقد ومنهجية للبحث، وهذا النص يعالج إشكاليات النقد المعاصر، الذي يكون النقد هو الهدف وليس البحث عن الحقيقة، لذلك لا يهم الناقد الوقوف على المصدر الأساس والحرص على دراسته وفحصه، بل يكفي عنده السماع من وساطة أو الوقوف على النص مبتوراً أو التسرُّع في قراءته، ليخرج بعد ذلك على الملأ برؤية كاذبة تسهم في تصدُّع الفكر، وبهتان العلم والعلماء.
ما ذكر يمثل نماذج لرأي الغزالي في العلم وأقسامه، "إذ إنَّ مفهوم الغزالي للعلم هو أوسع مجالاً وأقرب إلى المفهوم المعاصر من التصوُّر اليوناني الذي كان سائداً. 
فتصوُّر أفلاطون للعلم ظَلَّ معلقاً في السماء وفى عالم المثل، يحملق في الماهيات المعقولة للأشياء المطلقة لنماذج عليا للعالم المحسوس. وأما أرسطو فظل العلم عنده قاصراً على عالم الكليّات.
فإننا نجد نبرة جديدة في محاولات الفلاسفة المسلمين في تعريف العلم تعريفاً أوسع مجالاً ومدى من المحاولات اليونانية التي وجدوها مطروحة على الساحة الفكرية.
فكانت هنالك محاولات الإشارة إلى العلم الإلهي قسماً منفصلاً للعلم، يعلو على العلم الوضعي الذي هو من اجتهاد البشر ومن تجاربهم"([15]).
فمنهجية الغزالي في العلم كانت أوسع مجالاً وأكثر أصالةً. ولكن هل هنالك فرق بين العلم والمعرفة عنده؟!
للإجابة عن هذا السؤال نتتبع بعض ما قاله عن المعرفة.


([1]) أبو حامد الغزالي: المنقد من الضلال، تحقيق محمد مصطفى أبو العلا محمد محمد صابر، مصر، حقيقة سيدنا الحسين د. ت، ص 14-15.
([2]) انظر: أبو حامد المستصفى، دار الفكر للطباعة والنشر، د. ت، ص 24-26.
([3]) زروق، عبد الله حسن: نظرية المعرفة عند الغزالي، بيروت، لبنان، "المسلم المعاصر"، العدد 48، 1987م، ص 29.
([4]) أبو حامد الغزالي: الرسالة اللدُّنية، شركة الطباعة الفنية، د. ت، ص 98.
([5]) أبو حامد الغزالي: الرسالة اللدُّنية، ص 99.
([6]) سورة النور، الآية (40). وانظر: أبو حامد الغزالي: الرسالة اللدُّنية، ص 106.
([7]) أبو حامد الغزالي: الرسالة اللدُّنية، ص 107-110.
([8]) المرجع السابق، ص 110 -115.
([9]) أبو حامد الغزالي: المنقذ من الضلال، ص 15.
([10]) انظر: المرجع السابق، ص 15-16.
([11]) انظر: المرجع السابق، ص 15-16.
([12]) ديكارت رنيه "1596-1650م"، وُلِدَ في لاهاى بفرنسا، تلَّقى تعليمه في كلية "لافليش" اليسوعية، له عدد من المؤلفات في الفلسفة، ومن أشهر مؤلفاته: "مقال في المنهج". انظر: الموسوعة الفلسفية، ص 138. ديكارت رنيه "1596-1650م"، وُلِدَ في لاهاى بفرنسا، تلَّقى تعليمه في كلية "لافليش" اليسوعية، له عدد من المؤلفات في الفلسفة، ومن أشهر مؤلفاته: "مقال في المنهج". انظر: الموسوعة الفلسفية، ص 138.
([13]) يوسف كرم: تاريخ الفلسفة الحديثة، مصر، دار المعارف، ط/4، 1966م، ص 66. يوسف كرم: تاريخ الفلسفة الحديثة، مصر، دار المعارف، ط/4، 1966م، ص 66.
([14]) مصطفى النشار: فلاسفة أيقظوا العالم، الثقافة والنشر، القاهرة، 1988م، ص 161.
([15]) أبو حامد الغزالي: المنقذ من الضلال، ص 25.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق