الجمعة، 10 فبراير، 2017

إخراج البحث العلمي ومناقشته

إخراج البحث العلمي ومناقشته

        كتابة البحث العلمي أصعب مرحلة في مشوار الباحث، ذلك لأن الباحث يحتاج إلى التفكير ملياً من أين يبدأ وكيف يستمر ويواصل.
فإذا ما انتهى الباحث من قراءاته واكتملت لديه المادة العلمية، وشعر أن فكرة البحث قد اختمرت في ذهنه، كان عليه أن يبدأ مرحلة إخراج بحثه في ثوب جديد، عن طريقة كتابة البحث وصياغته في الصورة التي يستطيع بها أن يقدمه للجمهور وأهل الاختصاص([1]).
وإخراج البحث العلمي يبدأ بالكتابة اليدوية وينتهي بالطباعة الآلية تمهيداً لمناقشته والحكم عليه. وسنقوم بدراسة هذا الفصل من خلال تقسيمه إلى ثلاثة مباحث كمايلي:

المبحث الأول
كتابة البحث العلمي

    تمر كتابة البحث العلمي بمرحلتين أساسيتين: الأولى هي الكتابة المبدئية، والثانية هي الكتابة النهائية. ولكل من هاتين المرحلتين قواعد وأسس يجب على الباحث الالتزام بها... وهذا ما سوف نوضحه في مطلبين:

المطلب الأول
الكتابة المبدئية

      قبل أن يشرع الباحث في الكتابة فإن عليه بعد مرحلة طويلة من التجميع، أن يقف أمام ما جمعه من معلومات وبيانات لكي يقرأها بتأنٍ وتمعن، يتحاور معها، ويترك لعقله أن يتفاعل معها، وينظر إليها من قريب ويدقق فيها ويمحصها، ويعيد النظر فيها بتجرد وموضوعية.
وبعد تلك القراءة المتأنية عليه أن يختار ما هو ذو قيمة وتأثير في البحث، ويهمل ما هو دون ذلك.. وليس من الفخر في شيء أن تصبح الرسائل كماً، بل يجب أن يركز الباحث على العمق والابتكار وليس على الجمع والحشد، فليس المهم في الرسالة كثرة الصفحات، بل المهم جودتها التي تبدو في الأصالة والإبداع وحسن العرض والبعد عن اللغو والجدال الذي لا فائدة منه([2]).
     ويجب على الباحث أثناء الاستعداد للكتابة أن يضع أمامه خطة البحث المبدئية، وإذا كانت اللوائح الجامعية تضع قيوداً على تعديل العنوان تعديلاً جوهرياً، فإن ذلك لا يعني ثبات خطة البحث.. فهذه الخطة تعتبر خطة مبدئية قابلة للتغيير والتعديل في أي وقت، سواء من ناحية التقسيم أو من ناحية العناوين الفرعية.
      فالخطة المبدئية وضعها الباحث في بدايات اختيار الموضوع وقت أن كانت المعلومات المتاحة لديه قليلة، أما وهو في هذه المرحلة، ويتهيأ للكتابة فإن الأمر مختلف تماماً.. فالمعلومات والبيانات التي يحصل عليها الباحث في مرحلة التجميع الطويلة، تتيح له نظرة أوسع وأعمق.
لذلك فإنه في هذه المرحلة يجب أن يعيد النظر مرة أخرى في هذه الخطة على ضوء ما توافر من معلومات وبيانات، والخطة تبقى قابلة للتعديل حتى يوم طباعة البحث وإخراجه بصورته النهائية.
       فإذا ما فرغ الباحث من ذلك، فإنه من الخير له أن يبدأ كتابة مبدئية لبحثه، أو ما تسمى أحياناً بالمسودة أو المشروع الأول لكتابة البحث.
وفي المسودة يلتزم الباحث بأن يضع أمامه البطاقات أو الملفات التي جمعها عن الباب الأول، ويبدأ في قراءتها من بدايتها إلى نهايتها، ثم يحاول ترتيبها ترتيباً منطقياً بادئاً بالفكرة التي سوف يستخدمها أولاً ثم التي تليها.
وينصح هنا أن تكون الكتابة على وجه واحد من الورقة التي يكتب فيها، وأن تترك مساحات كافية بين السطور وفي الحاشية، حتى يتيسر إدخال ما عسى أن يستجد من إضافات، أو إجراء ما يلزم من تصويب عند المراجعة.
       وفي هذه المرحلة كثيراً ما يغير الباحث ويبدل فيما يكتب، يشطب عبارة أو كلمة ليضع عبارة أو كلمة أدق منها، أو يجد أن هناك فكرة أولى بالتقديم على فكرة أخرى، أو يكتب رأياً ثم يبدو له أن يعدل عنه بعد أن أمعن النظر فيه.
ويجب أن يعلم الباحث أن هذا كله ليس عيباً في البحث، ولا في مقدرته، وإنما هي طبيعة البشر في سعيهم نحو الكمال دون إدراكه؛ فالكمال المطلق لله وحده... ولكن حسب الباحث أن يعطي كل جزئية حظاً كافياً من العناية والتأمل والتفكير.
      ولما كانت الكتابة المبدئية أو المسودة مآلها أن تكون الصورة النهائية للبحث، فإنه يلزم الباحث الاجتهاد حتى تكون تلك المسودة أقرب إلى صورة البحث النهائية.
فإذا ما انتهى الباحث من كتابة المسودة فعليه أن يعيد قراءتها بتمعن، فيقف عند كل فكرة وكل رأي، مضيفاً ما يرد على ذهنه من أفكار وآراء تخدم موضوع البحث.
      وتثبت التجربة أن الفكر عند بداية تحرير البحث لا يكون في ثراء مثلما عليه حاله بعد ذلك. فبعد أن يتعايش الباحث مع البحث مدة من الزمن، وتحدث بينهما ألفة، ويعيد قراءة ومراجعة ما كتبه، قد يشعر بقصور المعالجة، ويقرر إعادة النظر فيما سطر([3]).
     وعلى الباحث قبل أن ينهي مراجعة المسودة، أن يسأل نفسه عدة أسئلة، ويقوم بالتصحيح الكتابي لبحثه في ضوء الإجابة عليها:
 1ـ هل تم تغطية كافة جوانب البحث الجوهرية والفرعية؟
 2ـ هل الآراء والنظريات التي تم عرضها ما زالت لأصحابها ولم يعدلوا عنها؟
 3ـ هل عملية التوثيق وتنظيم الهوامش، سليمة ودقيقة؟
 4ـ هل ترتيب وتقسيم المادة العلمية على أبواب وفصول ومباحث البحث، متناسق ومتوازن؟
 5ـ هل النتائج التي تم التوصل إليها تتفق والأهداف المخططة للبحث؟
 6ـ هل تم إثبات كافة المصادر والمراجع التي استعان بها الباحث في القائمة النهائية للمراجع؟

الكتابة النهائية

      بعد أن ينتهي الباحث من مراجعة الكتابة المبدئية، أو المسودة في شكلها الأخير، عليه أن يضع بحثه في صورته النهائية تمهيداً لطباعته.
وفي هذه المرحلة يجب مراعاة نوعين من القواعد:
 أولاً ـ القواعد التنظيمية:
 القواعد التنظيمية تتعلق بالشكل أو المظهر الخارجي الذي تكون عليه هيئة البحث، وهي تدور حول ثلاثة أمور:
الأمر الأول ـ شكل الصفحة:
وهنا يجب مراعاة مجموعة من القواعد نبينها فيمايلي:
 1ـ أن تبدأ كتابة الباب أو الفصل الجديد، دون المبحث أو المطلب، في صفحة جديدة، وذلك في أسفل ربعها الأعلى.
 2ـ ضبط عنوان الباب أو الفصل والعنوان الفرعي، ويجب في العنوان أن يكون مختصراً ودالاً على المادة العلمية التي تُعالج تحته.
 3ـ وضع المادة العلمية وعرضها في صورة فقرات، كل فقرة تعالج فكرة أو رأياً على حدة. والفقرة هي مساحة كتابية تتكون من مجموعة جمل بينها اتصال فكري وموضوعي، تشرح فكرة أو مسألة واحدة، ويجب أن تكون متوسطة في حجمها، بحيث تتراوح بين خمسة وعشرة أسطر.
وحتى تتمايز الفقرات عن بعضها، يحسن أن يترك سطراً بعد كل فقرة، كما يحسن ابتداء كل فقرة بعد ترك مسافة (1سم) بيضاء إلى الهامش المتروك على اليمين في الكتابة العربية، وعلى اليسار في الكتابة بلغة أجنبية.
  الأمر الثاني ـ علامات الترقيم والشكل:
علامات الترقيم يتوقف الفهم عليها أحياناً، وهي دائماً تعيّن مواقع الفصل والوصل، وتنبه على المواضع التي ينبغي فيها تغيير النبرات الصوتية، وتسهّل الفهم والإدراك عند سماع الكلام ملفوظاً، أو قراءته مكتوباً.
من أجل هذا تعتبر علامات الترقيم ضرورية في الكتابة الفنية في العصر الحديث. ومثل علامات الترقيم، قواعد الإملاء، فيجب على الباحث أن يعرف هذه القواعد، ومن المعيب أن يوجد في الرسالة خطأ إملائي.
         وتجدر الإشارة هنا إلى أن الكتابة باللغة العربية تحتاج إلى أمر آخر لا يقل أهمية عن علامات الترقيم، وهو الشكل. فكثير من الكلمات العربية تحتاج إلى الشكل لإزالة اللبس والغموض عنها، وتيسير القراءة.
وعلى الطالب أن يقرأ رسالته بعد كتابتها بصوت مرتفع، ليتعرف على الكلمات التي سيتردد القارئ في نطقها نطقاً صحيحاً، ليسارع إلى تشكيلها، وسيجد أن الفعل المبني للمجهول من أهم هذه الكلمات، وكذلك سيجد كلمات كثيرة يزيدها الشكل جلاءً ووضوحاً مثل: ( يكون ـ يكوِّن، الكتاب ـ الكتَّاب، يُعين ـ يُعيِّن .....) الخ. 
ولكن على الطالب ألا يبالغ في استعمال الشكل، فلا يشكل إلا ما يحتاج إلى إيضاح، ثم عليه أن يقتصر في شكل الكلمة على الحرف الذي سيجعل قراءتها أيسر ولا يتعدى هذا الحرف إلى ما سواه.
واستكمالاً لما سبق نستطيع أن نذكر علامات الترقيم التي يجب مراعاتها عند الكتابة المبدئية والنهائية على السواء:
 1ـ النقطة المفردة (.) وتوضع في نهاية الجملة تامة المعنى، المستوفية كل مكملاتها اللفظية. وكذلك توضع عند انتهاء الكلام وانقضائه مثل ( الأيام دول. من حاول قهر الحق قُهر. )
 2ـ النقطتان الرأسيتان (:) وتوضعان في المواضع التالية:
  ـ بين الشيء وأقسامه وأنواعه مثل: ( يتألف جسم الإنسان من الأجزاء التالية: الرأس، العنق،..) ومثل ( اثنان لا يشبعان: طالب علم، وطالب مال )
  ـ بعد العناوين الفرعية التي توضع في أول السطر ويبدأ الحديث عنها في السطور التالية، وقد وردت أمثلة كثيرة لهذه العناوين في هذا الكتاب.
  ـ بين لفظ القول وبين الكلام المقول مثل:
    ألقاه في اليمِّ مكتوفاً وقال له:                             إياك إياك أن تبتلَّ بالماء
  ـ قبل الأمثلة التي توضح قاعدة كما ظهر بعد كلمة " مثل " في الأمثلة الواردة هنا.

 3ـ النقاط الأفقية (.....) وتستخدم عند الحذف من كلام مقتبس حرفياً وبما لا يتجاوز السطر، فتوضع ثلاث نقاط هكذا (...). وعند الحذف من كلام مقتبس حرفياً وبما يتجاوز السطر، يوضع سطر كامل من النقاط الأفقية هكذا (............................).
 4ـ الفاصلة (،) وتوضع في المواضع التالية:
  ـ بعد لفظ المنادى مثل: ( يا أحمد، افتح النافذة ).
  ـ بين الجملتين المرتبطتين في المعنى والإعراب مثل: ( خير الكلام ما قل ودل، ولم يطل فيمل ).
  ـ بين الشرط والجزاء وبين القسم والجواب إذا طالت جملة الشرط أو القسم مثل:
   إذا كنت في مصر ولم تكُ ساكناً               على نيلها الجاري، فما أنت في مصرُ
  ـ بين المفردات المعطوفة إذا تعلق بها ما يطيل المسافة بينها فيجعلها شبيهة بالجملة في طولها مثل: ( ما خاب تاجر صادق، ولا تلميذ عامل بنصائح معلميه، ولا صانع مجيد لصنعته ).
 5ـ الفاصلة المنقوطة(؛) وتستخدم للفصل بين جملتين الثانية تعد سبباً للأولى مثل: ( محمد من خير الطلاب في صفه؛ لأنه حسن الصلة بأساتذته وزملائه، ويستذكر دروسه بجد واجتهاد ).
 6ـ علامة الاستفهام (؟) وتوضع بعد الجملة الاستفهامية مثل: ( كم تبلغ مساحة سوريا؟ ).
 7ـ علامة التعجب (!) وتوضع في نهاية الجملة التي فيها انفعالات كالدهشة، التعجب، الحزن، الأسف، الفرح... مثل: ( يا للهول! وا أسفاه! ).
 8ـ الشرطة الأفقية (ـ) ولها عدة مواضع:
  ـ بين رقمين للدلالة على أنهما يشتملان ما بينهما مثل: ( 4 ـ 10 ).
  ـ عند ذكر الأمثلة بدل الأرقام ( كما نفعل في هذا الموضع ).
  ـ بين العدد والمعدود إذا كان في أول السطر مثل: ( أولا ـ ) ( 3ـ ).
  ـ في أول السطر عند المحاورة بين اثنين إذا استغنى الكاتب عن تكرار اسميهما.
 9ـ الشرطة المائلة (/) وتوضع قبل الأسماء وبعد الألقاب مثل: ( د/ عبد الرزاق السنهوري ).
 10ـ الشرطتان الأفقيتان (ـ   ـ) وتوضع بينما الجمل الاعتراضية مثل:
 ( إن بحث الماجستير ـ خصوصاً في الدراسات النظرية ـ يكون بحثاً تخصصياً معمّقاً ).
 11ـ علامة التتابع (=) توضع في نهاية الصفحة إشارة إلى أن هناك باقٍ في الصفحة التالية وتستخدم في الهوامش.
 12ـ الأقواس: وهي أنواع:
 ـ القوسان المزدوجان الصغيران أو علامة التنصيص "       "، ويستخدمان لحصر ما يقتبس حرفياً من الغير، ولتمييز بعض الكلمات والمصطلحات، ولحصر عناوين التقارير والمقالات.
 ـ القوسان المفردان ( )، ويستخدمان حول الأرقام في المتن وفي الهامش. كما يوضع بينهما عبارات التفسير والدعاء القصير؛ فالتفسير كشرح كلمة صعبة وردت في ثنايا الكلام، ومثال الدعاء أن تقول: كان عمر ( رضي الله عنه ) مثال الخليفة العادل.
 ـ القوسان المركنان [ ]، يضع الباحث بينهما التعليقات والإيضاحات التي يدخلها على النصوص المقتبسة حرفياً من الغير.
 الأمر الثالث ـ استعمال الأرقام والاختصارات:
 1ـ استعمال الأرقام: وضع الباحثون نظاماً لاستعمال الأرقام في الرسائل، وفحوى ذلك النظام أن الرقم الذي لا يحتاج الطالب في التعبير عنه إلى أكثر من ثلاث كلمات ينبغي أن يكتب بالكلمات مثل: ألفان، مائة وثلاثون، مائة وثلاثة وستون.
فإذا كان العدد يتركب من أربعة أرقام فأكثر فتكتب أرقامه كما هي مثل: 1970، 1990، 2611820([4]).
 2ـ الاختصارات: جرى المؤلفون والكتّاب على اختصار كلمات خاصة يكثر تكرارها في المؤلفات أو في الرسائل، وفي كل مادة من المواد كلمات أو جمل تتردد كثيراً، وقد جرى العرف على قبول اختصارها، وعلى أن الرمز يؤدي مؤداها.
ويجب على الباحث هنا:
  ـ أن يعد قائمة كاملة بتلك الاختصارات في مقدمة أو مؤخرة الرسالة، موضحاً فيها مفتاح ودلالة الاختصارات.
  ـ أن يلتزم بنظام واحد للكلمة المختصرة على مدار الرسالة كلها، حتى لا يضلل القارئ.
ومن الاختصارات العربية نذكر:
 هـ : السنة الهجرية ـ  ق.م: قبل الميلاد ـ  ج: جزء ـ  ط: طبعة ـ  س: سنة ـ  ق: قضائية ـ ص: صفحة .
وفي المراجع الأجنبية يشار إلى الجزء اختصاراً بـ vol وهي اختصار كلمة volume، وإلى الصفحة بـ p وهي اختصار كلمة page، وإلى الطبعة بـ ed وهي اختصار كلمة edition، وإلى منظمة الأمم المتحدة بـ UN وهي اختصار كلمة United Nations.
 ثانياً ـ قواعد الصياغة والأسلوب:
قد ينجح الكثير من الباحثين في القيام بإجراءات البحث من حصر المصادر والمراجع، وجمع المادة العلمية وتدوينها، ولكن القليل منهم من يستطيع تقديم ونقل المحتوى العلمي لبحوثهم إلى القارئ، حيث يفتقدون إتقان فن استخدام التعبير والأسلوب التعبيري.
    ولما كانت العبرة ليست بتجميع المعلومات فقط، بل بكيفية عرضها وتقديمها، فإن الاهتمام بالأسلوب التعبيري يبدو على درجة كبيرة من الأهمية لأنه الوعاء الذي نقدم على صفحته ثمرات الفكر والعقل.
ويجب على الباحث أن يختار المفردات السهلة والعبارات البسيطة في كتابته فذلك أدعى لفهم القارئ وأولى لإيضاح المعنى. فالأسلوب السهل البسيط في الكتابة يحتاج من الباحث جهداً كبيراً، وإن أكثر الأساليب مشقة على الباحث هو السهل الممتنع، وهو أسلوب رشيق في عباراته، سهل في كلماته، تستعذبه الأفهام والعقول، ولكن يصعب عليها تقليده.
ومن أعمدة هذا الأسلوب في البحث مايلي:
 1ـ بساطة جمله وسهولة كلماته، فكلما كانت الجملة قصيرة كانت أكثر بلاغة. والفقرة التي تقوم على مجموعة من الجمل، يجب أن تحتضن فكرة واحدة، توضح جوانبها، في انسجام وتوافق دون تناقض أو تعارض.
 2ـ البعد عن الكلمات والألفاظ غير المألوفة أو غير المطروقة في محيط عمل الباحث، واختيار الكلمات المتداولة والمعروفة أقرب إلى الفهم والاستيعاب من قبل القارئ.
 3ـ إن السلامة النحوية والإملائية ركن مهم من أركان البحث، لذلك يجب على الباحث أن يراجع قواعد اللغة باستمرار ويطبقها دائماً حتى لا ينساها. وإذا كان بعض الباحثين يرجع إلى متخصصين لمراجعة البحث لغوياً، فإن ذلك لا يعني الاستكانة إلى هذا الأمر دائماً؛ بل يجب أن يتعلم القواعد الأساسية التي يستخدمها عند الكتابة حتى يجيء بحثه دقيقاً وسليماً من الناحية اللغوية والإملائية.
 4ـ من الأفضل للباحث الابتعاد عن أسلوب القطع والجزم ـ خصوصاً في الدراسات القانونية ـ لأن الدراسة القانونية تعد ضمن طائفة العلوم الاجتماعية والإنسانية ولا يجوز القطع والجزم فيها.
 5ـ الحفاظ على التسلسل والانسياب المنطقي والتماسك بين الأفكار. فتلك الأخيرة يجب أن تنتقل من بحث العلاقات والظواهر إلى معرفة الأسباب، ثم إلى ترتيب النتائج... بحيث تكون كل فكرة امتداداً لما قبلها وتمهيداً لما بعدها([5]).
     وعلى الباحث بعد تبييض بحثه أن يعاود قراءته وتنميقه، ويفصل بين كونه كاتباً للبحث وقارئاً له، حتى يستطيع تبين الأخطاء ومواطن القصور، سواء ما تعلق منها بالأفكار والمعلومات، أم باللغة والأسلوب، أم بالمظهر والتنسيق.
طباعة البحث العلمي

المطلب الأول
التنظيم النهائي للبحث

     على الباحث وضع اللمسات الأخيرة للبحث، وبعدها يدفع ببحثه صوب المطبعة. وتشمل تلك اللمسات تنظيم هيئة البحث، وترتيب منظره العام الذي سينقله الطابع إلى الصورة الأخيرة التي يظهر عليها البحث إلى القراء.
والتنظيم الذي تكون عليه هيئة البحث، يجب أن يكون على الترتيب التالي:
 1ـ صفحة العنوان.
 2ـ الاستشهاد.
 3ـ الإهداء.
 4ـ صفحة الشكر والتقدير.
 5ـ المقدمة.
 6ـ المحتوى أو المتن.
 7ـ الخاتمة.
 8ـ الاختصارات.
 9ـ الملاحق.
 10ـ قائمة المراجع.
 11ـ الفهرس.
وسوف نلقي الضوء على كل منها كمايلي:
 1ـ صفحة العنوان:
 يخصص للعنوان صفحة داخلية فضلاً عن الغلاف، ويستحسن ـ عند التجليد ـ أن تسبقها ورقة خالية من الكتابة تماماً.
وتشمل صفحة العنوان عدة بيانات:
  ـ يوضع في أعلى الصفحة من الجانب الأيمن، اسم الجامعة واسم الكلية التي ينتسب إليها الطالب وتقدم إليها الرسالة.
  ـ عنوان البحث، ويجب أن يكون مختصراً وواضحاً ومعبراً عن موضوع البحث. ويستحسن وضع العنوان في ثلث الصفحة العلوي، وكتابته بخط كبير.
  ـ مسمى الدرجة العلمية المراد الحصول عليها من البحث ( كدرجة الماجستير أو الدكتوراه )، فإن كان بحثاً معداً لغرض آخر وجب تدوين ذلك، كأن يكون البحث مقدماً لمؤتمر أو ندوة علمية في موضوع معين. ويكتب مسمى الدرجة أسفل عنوان البحث بمسافتين من المسافات المعروفة في فن الطباعة.
  ـ اسم الباحث، ويجب أن يكون كاملاً وفق بطاقته الشخصية، ويفضل أن يكتب اسم الباحث في البداية العلوية لمنتصف الصفحة الأسفل، ويكون بخط أصغر إلى النصف من حجم خط عنوان البحث.
  ـ اسم المشرف على البحث، إن كان من البحوث المقدمة لنيل درجة علمية وكذلك أسماء لجنة الحكم ودرجاتهم ووظائفهم العلمية أو الأكاديمية.
وإذا كان البحث لا يقدم لنيل درجة علمية، فإنه يشمل علاوة على العنوان، واسم المؤلف، رقم الطبعة، دار النشر، مكان النشر، سنة النشر.
 2ـ الاستشهاد:
وهو عبارة قصيرة يضعها الباحث في بداية بحثه تتضمن تلخيصاً لفكرة البحث الأساسية. وإن عدم إيراد هذا الاستشهاد أفضل بكثير من ذكر عبارة متكلفة أو لا تتلاءم مع الموضوع. وتعد آيات القرآن الكريم مثالاً شائعاً للاستشهاد وكذلك أقوال المفكرين والساسة.
      ومن الناحية الشكلية يكتب الاستشهاد في صفحة خاصة، ويكتفى بذكر مصدر الاستشهاد مختصراً ( أي اسم قائل العبارة، أو النص الذي وردت فيه مثل: قرآن كريم، حديث شريف...الخ ).
 3ـ الإهداء:
وهو ما يسجله الباحث بحروف مطبوعة تظهر على كل نسخ البحث من إهداء لعمله إلى شخص آخر، وهو بذلك يختلف عن الإهداء الخاص الذي يكتب باليد على نسخة واحدة.
     وقد جرت عادة بعض الباحثين على إهداء أبحاثهم إلى بعض الأشخاص تقديراً لهم واعترافاً بفضلهم ( كالوالدين والزوجة والأبناء والأصدقاء... ). ومن الناحية الشكلية يُكتب الإهداء في صفحة خاصة... وبالمقابل فإن للباحث مطلق الحرية في التعبير عن عواطفه بواسطة الإهداء الذي يسجله على النسخة الواحدة.
4ـ صفحة الشكر والتقدير:
جرت العادة أن يقدم الباحث الشكر والتقدير لكل من مدّ له يد العون أثناء إعداد بحثه، فيشكر الطالب الهيئة التي رشحته للبحث إذا كان معيداً موفداً من جامعته، ثم يعرِّج بشكر مناسب للأستاذ المشرف الذي قاده طوال رحلة البحث ووجهه وأرشده، ثم يذكر باختصار أشخاصاً آخرين قدموا له عوناً ملموساً ساهم في تذليل العقبات أمامه، مثل:
 ـ أساتذة آخرين وجهوه وساعدوه.
 ـ أصدقاء أعاروه كتباً ومراجع أفادته في إتمام بحثه.
 ـ أمناء المكتبات الذين قدموا له تسهيلات ذات قيمة كبيرة.
 ـ  أعضاء الكادر الإداري في الجامعة أو في مؤسسة ما، إذا ساعدوه في مشواره البحثي.
ويجب ألا يطيل الشكر ولا يبالغ فيه، فكلما قصر الشكر كان أكثر تأثيراً، ولا يذكر فيه إلا من هو جدير حقاً بالتقدير، فليست الرسائل العلمية مكاناً للمجاملات.
       وتدون كلمة الشكر والتقدير على ورقة منفصلة مكانها بعد ورقة الإهداء ـ إن وجدت ـ فإن لم توجد فبعد ورقة العنوان الداخلي. وحيث أنها ليست جزءاً من البحث، فلا ترقم ضمن تسلسل أرقام صفحات البحث.
 أما بخصوص المقدمة، ومحتوى أو متن البحث، والخاتمة، والاختصارات، وقائمة المراجع، فقد أوضحناها سابقاً بشكل تفصيلي، ونكتفي هنا بالإحالة إليها.
 6ـ الملاحق:
قد يستعين الباحث في إعداد بحثه ببعض الوثائق والنصوص والبيانات والإحصاءات، ويجد من الأمانة العلمية أن يوردها في ختام بحثه كي يستفيد منها من يريد التعمق وإعادة النظر في ذات الموضوع أو في موضوعات مشابهة.
      وما يصلح أن يكون ملحقاً لا بد أن يتصف بصفتين: الأولى، أن يكون تكميلياً ومساعداً بحيث لا يمكن إدماجه في متن البحث، والثانية، أن يكون طويلاً بحيث لا يمكن إدراجه في الهامش.
ومن أنواع الملاحق نذكر:
 ـ نصوص الاتفاقيات الدولية ذات الصلة بالبحث.
 ـ نصوص القوانين الأجنبية التي تمت المقارنة بينها.
 ـ نص ميثاق منظمة الأمم المتحدة إذا كان الموضوع يدور عن هذه المنظمة الدولية.
 ـ الخرائط التي توضح الحدود أو المناطق المتنازع عليها، وذلك في بحوث القانون الدولي العام.
وموضع الملاحق هو نهاية البحث، وبالتحديد قبل قائمة المراجع، لأن الملاحق قد تكون من بين تلك المراجع فيجب ذكرها أولاً.
    وإذا كان كل أو بعض تلك الوثائق بلغة أجنبية، فيجب ذكرها بتلك اللغة دون ترجمة، ودون إدخال أي تعديل أو إصلاح، لما عسى أن يكون بها من أخطاء إملائية أو نحوية([6]).
 7ـ الفهرس:
يمثل الفهرس ثبت بالموضوعات التي يحتويها البحث وذلك وفقاً للخطة والترتيب الوارد في البحث مع الإشارة إلى أرقام الصفحات أمام كل جزئية من جزئيات البحث الواردة في الفهرس.
      ولما كان الفهرس هو المرشد إلى موضوعات المادة العلمية للبحث، فيجب عند الطباعة إخراجه بشكل يحقق وظيفته الإرشادية؛ وذلك بأن يُكتب عنوان الأبواب بخط ذو أحرف كبيرة، على أن تكون عناوين الفصول والمباحث بخط أصغر قليلاً.
ويختلف موضع فهرس المحتويات حسب اللغة التي كتب بها البحث: فالبحوث والمراجع المكتوبة باللغة الإنجليزية عادةً ما يكون فهرس المحتويات فيها في مطلعها، وبعد الغلاف الداخلي المدون به عنوان البحث.
أما البحوث والمراجع المكتوبة باللغة الفرنسية فعادةً ما يكون موضع فهرس المحتويات هو الصفحات الأخيرة منها، وقبل الغلاف الخارجي الخلفي. وهذا هو السائد في البحوث والمراجع العربية.


 (1) يؤكد البعض على صعوبة مرحلة الكتابة وأهميتها، ويجري مقارنة طريفة في هذا المجال حيث يؤكد أن " المواد الأولية التي يتكون منها صنف واحد من صنوف الطعام تكاد تكون واحدة بين يدي كل طباخ، ولكن الطعام بعد تكوينه يختلف اختلافاً بيناً باختلاف طاهيه، ومن مادتي القطن والصوف مثلاً يمكن إنتاج رقيق الملابس وخشنها، غاليها ورخيصها، وموقف الطالب من المادة التي جمعها هو موقف الطاهي مما بين يديه من اللحم والخضروات والأرز والملح والتوابل، وموقف النساج من مادتي القطن والصوف.
فإذا انتهى الطالب من جمع المادة، وقراءة المراجع، فليدرك أنه انتهى من مرحلة يستطيع كثيرون أن يقوموا بها دون تفاوت يذكر، وأنه ابتدأ مرحلة جديدة يبرز فيها التفاوت بروزاً كبيراً، وتظهر فيها ذاتية الطالب وشخصيته ظهوراً واضحاً، وتلك هي مرحلة الاختيار من المادة المجموعة، وترتيب ما اختير ثم كتابته، وتلك مرحلة شاقة لا ريب.... ".
انظر: د. أحمد شلبي، مرجع سبق ذكره، ص 107.
 (1) ليس هناك حد دقيق لحجم الرسالة وإن كانت بعض الجامعات قد وضعت بعض الحدود. ويختلف حجم الرسالة اختلافاً واضحاً باختلاف المادة التي كتبت فيها: فالرسائل التي تعالج مشكلة علمية، أو نظرية رياضية يُطلب أن تكون صغيرة نسبياً، والعرف فيها أن يستكمل الباحث تجاربه وأدلته وأن ينتج رسالة في حجم مناسب يجعلها أقرب إلى المقال الواسع منها إلى الرسالة.
أما في رسائل العلوم الاجتماعية والإنسانية كعلم الاجتماع والاقتصاد والقانون... فقد وضع العرف لها حداً تقريبياً: فرسالة الماجستير يحسن أن تكون حوالي مائتي صفحة، ورسالة الدكتوراه يحسن أن تتراوح بين ثلاثمائة وأربعمائة صفحة أو تزيد.
ولكننا نجد الكثير من الباحثين يحاول أن يحشر كل صغيرة وكبيرة في البحث، فتتضخم الرسالة وقد تصل إلى ألف صفحة أو أكثر. والرسالة التي تبلغ ألف صفحة لا تدل إطلاقاً على أن كاتبها أعلم ممن كتب أربعمائة صفحة، فالعبرة في الرسائل بالكيف لا بالكم. 
 (1) د. أحمد عبد الكريم سلامة، مرجع سبق ذكره، ص 149.
 (1) هناك أشياء اصطلح على كتابتها بالأرقام دائماً للتيسير وهي: الرقم الذي يشير إلى مبلغ من المال، ورقم المنزل بالشارع، ورقم الهاتف، ورقم الصفحات في الكتب، والنسبة المئوية، والتاريخ، والأرقام التي توضع للجداول والصور والرسوم.
 (1) من مظاهر الأسلوب الجميل " الارتباط بين الجمل بأن تأخذ كل منها بعجُز سابقتها، ومن مظاهر الأسلوب الجميل كذلك البساطة، فالتعقيد يقلل من قيمة الرسالة، ثم الإيجاز بحيث يحس القارئ أنه يجد جديداً كلما قرأ، فإذا اتضحت الفكرة التي يشرحها الطالب فليتوقف عن أن يضيف سطراً واحداً إليها، وينتقل بالقارئ إلى فكرة أخرى.
ومن المستحسن كلما انتهى الطالب من كتابة فصل ما، أن يقرأه بصوت مرتفع، ليزاوج بين الجمل، وليطمئن إلى انسجام العبارات، وحسن جرسها ورنينها ".
انظر: د. أحمد شلبي، مرجع سبق ذكره، ص 117.
 (1) يجب أن تكون الملاحق عزيزة المنال على القارئ، أي لا يستطيع أن يصل إليها بسهولة.. ولذلك لا يصح أن يلحق الباحث ببحثه تشريعات أو أحكام يسهل الإطلاع عليها، فهذا أمر يؤدي إلى تضخم الرسالة وزيادة عدد صفحاتها بشكل كبير، دون مبرر لذلك.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق