الجمعة، 10 فبراير، 2017

مناهج البحث العلمي

      
مناهج البحث العلمي

       يرجع الأصل اللغوي لكلمة " منهج " إلى الفعل " نهج " وينتهج نهجاً، ونهج الطريق، أي بينه وسلكه. ونهج نهج فلان، سلك مسلكه، والمنهاج الطريق الواضح والخطة المرسومة([1]).
        وفي الاصطلاح، يعرف المنهج بأنه " الطريق المنظم الذي يسلكه العقل والتفكير الإنساني في دراسته مشكلة أو موضوعاً، في مجالات العلوم عموماً، بقصد الوصول إلى الهدف المرسوم، سواء تمثل في التعرف على المبادئ والقواعد التي تحكم الظواهر والقضايا العامة، أو في إيجاد حل لما تفرزه تلك الأخيرة من مشكلات([2]).
         وهناك منهجان أصليان للبحث في مختلف العلوم، هما المنهج الاستقرائي والمنهج الاستنباطي، ويحتاجان أحياناً إلى منهجين تكميليين، هما المنهج التاريخي والمنهج المقارن.
 وعلى ذلك، سنقوم بدراسة هذا المبحث من خلال تقسيمه إلى المطالب التالية:

المنهج الاستقرائي

        يهتم هذا المنهج باستقراء الأجزاء ليستدل منها على حقائق تعم على الكل، باعتبار أن ما يسري على الجزء يسري على الكل. فجوهر المنهج الاستقرائي هو الانتقال من الجزئيات إلى الكليات أو من الخاص إلى العام([3]).
 والاستقراء هو الطريق نحو تكوين المفاهيم والوصول إلى التعميمات، عن طرق الملاحظة ودراسة الفروض والبراهين وإيجاد الأدلة.
       والمنهج الاستقرائي معروف بهذا الاسم في مجال العلوم الطبيعية، وبعض العلوم الاجتماعية كعلم الاقتصاد وعلم الاجتماع. وفي مجال العلوم القانونية، يعبر عن المنهج الاستقرائي عادةً بالمنهج التأصيلي.ولعل أهم مجالاته ما يتعلق باستقراء اتجاهات أحكام القضاء في موضوع معين لبيان القاعدة التي تحكم الموضوع.   
       ومن تطبيقات هذا المنهج في إطار القانون العام مثلاً ما يتعلق بموقف أحكام القضاء المصري من فكرة الرقابة على دستورية القوانين:
   فقد اتجهت أحكام القضاء المصري في غالبها إلى الإقرار بأحقيته في البحث في دستورية القوانين متى دفع أمامه بذلك. صحيح أن هناك أحكاماً أخرى ترددت في هذا الأمر إلا أنه في النهاية توحد اتجاه القضاء نحو إقرار حقه في البحث في دستورية القوانين.
      وهو الأمر الذي استقر عليه الفقه والقضاء في نهاية الأمر، مما أدى إلى تدخل المشرع بالقانون رقم 81 لسنة 1969 لتنظيم القضاء الدستوري في مصر بإنشاء المحكمة العليا([4]).
    فكأن المنهج الاستقرائي، أو في مفهوم القانون المنهج التأصيلي، يمر فيه الباحث بعدة مراحل:
  مرحلة تقصي وفحص ظاهرة معينة، ومرحلة وصف تلك الظاهرة وتفسيرها، والانتقال من المظاهر الخارجية للظاهرة محل الدراسة إلى مظاهرها الداخلية، وإيجاد العلاقة بين السبب والمسبب، لينتهي إلى تقرير الحقيقة العامة التي تحكم تلك الظاهرة. كل هذا على عكس المنهج الاستنباطي الذي نعرضه في المطلب الثاني.
 



المطلب الثاني
المنهج الاستنباطي

          المنهج الاستنباطي عكس المنهج الاستقرائي، فالباحث وفقاً لهذا المنهج يبدأ من الحقائق الكلية إلى الحقائق الجزئية. والاستنباط هو الطريق لتفسير القواعد العامة والكلية وينتهي منها إلى استخلاص النتائج التي يمكن تطبيقها على الحالات النظيرة.
          والمنهج الاستنباطي معروف في الدراسات القانونية بالمنهج التحليلي ( ويفيد هذا المنهج في إعداد مشروعات الأحكام القضائية قبل النطق بها، حيث يوجب المنهج التحليلي أو الاستنباطي ذكر النصوص القانونية والسوابق القضائية التي يستند إليها منطوق الحكم، في مقدمة أو صدر الأسباب، ويليها ذكر العناصر الواقعية، وأخيراً منطوق الحكم، الذي يبنى على كل ما سبق، ويعد تطبيقاً له ).
          وفي هذا المنهج يلتزم الباحث بإجراء دراسة تحليلية متعمقة لكل جزئية من جزئيات البحث، فلا يكتفي بعرض ما هو كائن، بل يتوجب عليه أن يتناول كل جزئية بالتحليل، وهذا يستلزم أن يطرح الباحث وجهة نظره الذاتية حين قيامه بإجراء التحليل اللازم، ويشترط في الباحث حين إتباعه للمنهج التحليلي أن تتوافر فيه الصفات التالية:
  1ـ أن يكون مدققاً، بمعنى ألا يهدر كلمة صغيرة أو كبيرة في الفكرة أو النص الذي يخضعه للدراسة التحليلية، وهذا يستلزم من الباحث القراءة بعناية، وتمحيص الآراء والأفكار بتجرد وموضوعية.
  2ـ أن يكون مبدعاً، بمعنى أن الباحث حين تناوله لقضية ما بالتحليل، يفترض فيه ألا يكون تقليدياً يقف عند المعاني الظاهرة، بل يجب فيه أن يصل إلى المعاني غير الظاهرة، فيحاول أن يقرأ " ما بين السطور " كي يكون بحثه إبداعيا([5]).
       ومن تطبيقات هذا المنهج في مجال البحث العلمي القانوني، نذكر مثلاً:
 في مجال قانون العقوبات، يمكن إتباع المنهج التحليلي في دراسة الظواهر الإجرامية المعاصرة ( كظاهرة الإرهاب الدولي، وخطف الطائرات، وغسيل الأموال، والاعتداء على برامج الحاسب الآلي، والإضرار بالبيئة )، لتقرير مدى إمكانية تجريمها في ظل القواعد الجنائية العامة والكلية القائمة، وما ينبغي أن تكون عليه لاستيعاب الظواهر الجزئية المذكورة.


 ملاحظة مهمة:
   إن التمييز بين المنهجين الاستقرائي أو التأصيلي، والمنهج الاستنباطي أو التحليلي، لا يعني القطيعة بينهما.
 فمن ناحية، يلاحظ أن هذا التمييز تمليه طبيعة الأشياء، ذلك أن المنهج التأصيلي سابق على المنهج التحليلي، وهذا الأخير يبدأ عادة من حيث ينتهي الأول. فعندما توجد القواعد الكلية العامة يثور التساؤل حول إعمالها على الجزئيات والمسائل التي تدخل في مجال سريانها.
    ومن ناحية أخرى، فإنه ليس هناك ما يمنع من استخدام المنهجين معاً في ذات البحث العلمي، باعتبار أنه إذا كان المنهج التأصيلي هو الطريق نحو تكوين المفاهيم العامة والقواعد الكلية، فإن المنهج التحليلي هو الطريق الأساسي إلى تطبيقها واختيار مدى فعاليتها.
     وإذا كان المنهجان الاستقرائي والاستنباطي يمثلان الأساس للبحث في العلوم الإنسانية والاجتماعية، غير أنه غالباً ما يحتاج الباحث إلى مناهج أخرى تكميليةـ تعنى بأبعاد دراسية مختلفة وتساعد الباحث على إتمام بحثه، وهذه المناهج أكثر تطبيقاً في نطاق العلوم الإنسانية والاجتماعية وهي : المنهج التاريخي، والمنهج المقارن، وسنقوم بدراستهما في مطلبين.

المطلب الثالث
المنهج التاريخي

       ما من شك في أهمية المنهج التاريخي في إطار الدراسات القانونية وغيرها من الدراسات الاجتماعية والإنسانية. ويستمد هذا المنهج أهميته من أهمية علم التاريخ نفسه، فالتاريخ سلسلة متصلة الحلقات، كما أن تاريخ الإنسانية يصل ماضيها بحاضرها ومستقبلها. فضلاً عن أن ملاحظة الماضي تساعد على فهم الحاضر، واستشراف آفاق المستقبل.
     والمنهج التاريخي قد يكون دراسة وصفية لنظام قانوني معين، كدراسة القانون الجنائي في مصر الفرعونية مثلاً، وفي هذا النطاق لا تخرج الدراسة عن الإحاطة بالنظام القانوني في فترة من فترات التاريخ..
    وقد يكون المنهج التاريخي تحليلياً، لا يقتصر الباحث فيه على وصف الظواهر والنظم، وتعداد خصائصها، والعوامل المؤثرة فيها، بل يمتد إلى النظر والتحقيق والتعليل الدقيق للظواهر والنظم، تمهيداً لدراسة الأوضاع والنظم المعاصرة. فالفهم الكامل لهذه الأوضاع والنظم وما تؤديه من وظائف في الوقت الحاضر لا يتحقق إلا بعد معرفة نشأتها وتطورها.
    والنظر إلى نظام معين بمعزل عن تاريخه، يماثل تماماً عزل هذا النظام عن بقية النظم الأخرى التي يرتبط معها([6]).
        وتزخر البحوث القانونية بمباحث تمهيدية عن الأصول التاريخية للموضوع محل البحث. فالباحث في موضوع " الوكالة " كأحد عقود القانون المدني، يصدر بحثه بنشأة فكرة الوكالة في النظم القانونية القديمة عند الإغريق والرومان، ولدى الشرائع القديمة، لينتهي إلى تقرير حالة التنظيم الحالي للوكالة، وكيف استمدت أصولها من تلك النظم القديمة، وكيف تطورت حتى صارت إلى وضعها الحالي. 
        ويرى البعض ـ وبحق ـ أنه حين تبني المنهج التاريخي في البحث، فيجب مراعاة عدة أمور أهمها([7]):
 1ـ أن تكون الظاهرة محل البحث ممتدة زمنياً، أي نجدها في الماضي والحاضر والمستقبل، كظاهرة إجرام الأحداث مثلاً.
 2ـ يجب أن تكون هناك أهمية عملية من جراء الدراسة ذات المنهج التاريخي، لأن دراسة الأصول التاريخية لموضوع معين يساعد على فهمه بشكل علمي صحيح ، وبالتالي وضع الحلول الملائمة للمشاكل المتمخضة عنه.
 3ـ يجب أن تتوافر المصادر اللازمة لإجراء الدراسة من خلال هذا المنهج، وأهمها الوثائق التي يجب التأكد من صحة ما تحويه من معلومات وبيانات.
        وهكذا يساعد المنهج التاريخي، إلى جانب المنهج التأصيلي أو التحليلي، على فهم مشكلة تغير القانون وثباته، والتدليل على أن كثيراً من القواعد القانونية، تظهر في الوقت الذي تفقد فيه غيرها من القواعد القانونية القائمة، تأثيرها وفعاليتها.

                                    المطلب الرابع
المنهج المقارن

          يمثل المنهج المقارن في الدراسات القانونية أهمية كبيرة، إذ عن طريقه يطلع الباحث على التجارب القانونية للدول الأخرى، ومقارنتها بالنظم القانونية الوطنية وبيان ما بينهما من أوجه اتفاق أو اختلاف. والموازنة بين هذا وذاك، للتوصل إلى نتائج محددة تكون قابلة للتحقيق.
 وإعمال المنهج المقارن قد يكون على المستوى الأفقي أو على المستوى الرأسي([8]).
          فعلى المستوى الأفقي: يمكن إجراء المقارنة بين نظامين قانونيين أو أكثر بصدد تنظيم مسألة معينة، ومن الناحية المنهجية تتمثل المقارنة الأفقية في قيام الباحث بتناول المسألة التي يبحثها في كل نظام على حدة، فإذا انتهى منه، تناولها في النظام المقارن الثاني، أو الثالث...
 فعلى سبيل المثال، إذا قام الباحث بالتصدي لبحث مقارن في أساليب اختيار رئيس الدولة في النظام الدستوري المصري وفي الشريعة الإسلامية؛ ففي هذا المثال تظهر المقارنة الأفقية عندما يذكر الباحث في القسم الأول، أساليب اختيار رئيس الدولة في النظام الدستوري المصري، وفي القسم الثاني، يبحث هذه الأساليب في الشريعة الإسلامية، فيوضح الموقف في كل نظام على حدة، مظهراً أوجه الاتفاق أو الاختلاف بينهما.
        أما على المستوى الرأسي: فإن الأمر يختلف، حيث يلتزم الباحث بإجراء المنهج المقارن في كل جزئية من جزئيات المسألة التي يعرض لها في مختلف الأنظمة في آن واحد، ولا يعرض لموقف كل قانون على حدة.
 فإذا أخذنا المثال السابق: فإن المنهج المقارن على المستوى الرأسي يعني دراسة كل جزئية تتعلق بخطة البحث في النظامين محل المقارنة، النظام الدستوري المصري والشريعة الإسلامية.
 فمثلاً عند الحديث عمن يختار رئيس الدولة ( تكوين هيئة الناخبين ) يجب بحث الأمر في النظامين معاً، وفي موضع واحد مبيناً أوجه الاتفاق والاختلاف بين النظامين. وكذلك عند الحديث عن طريقة اختيار رئيس الدولة، أو عزله من منصبه، فيجب دراسة الموضوع في النظامين وبآن واحد.
        وغير خافٍ أن منهج المقارنة الرأسية أفضل كثيراً وأدق من مثيله على المستوى الأفقي، ومرد ذلك:
    أن المقارنة الأفقية تؤدي إلى تكرار الأفكار وتشتتها، فما يقال هنا يعاد هناك، فضلاً عن أن الأمر في نهايته لا يخرج عن كونه دراستين منفصلتين لموضوع واحد في نظامين مختلفين، فكأن الباحث درس في المثال السابق، اختيار رئيس الدولة مرة في النظام الدستوري المصري ومرة أخرى في الشريعة الإسلامية.
        أما المقارنة الرأسية فهي تؤدي إلى حسن إدراك أوجه الاتفاق والاختلاف في الأنظمة المقارنة، فضلاً عن منع تكرار الأفكار، وهو ما يؤدي في نهاية الأمر أن يكون البحث عظيم الفائدة للقارئ والباحث.
       ومهما يكن من أمر، فإن المنهج المقارن ـ عموماً ـ في مجال الدراسات القانونية، يساعد على تصور الاقتراحات حول إصلاح وتعديل التشريعات القائمة، أو حول توحيد القانون بين عدة دول.
 كما يساعد ذلك المنهج على زيادة إيضاح الحلول الواردة في القانون الوضعي، مما يقدم عوناً لمن يهمه التعرف على أحكام قوانين البلاد المختلفة.
      وحتى يؤتي المنهج المقارن ثماره في المجال القانوني، يلزم الباحث التحديد الدقيق لموضوع المقارنة، والقوانين التي ستتم المقارنة بينها. كما يلزمه أن يكون على علم ومعرفة كافية بلغة تلك القوانين.
       كما يجب أن يختار عدداً محدداً منها حتى تأتي المقارنة دقيقة وفعالة، وأن تكون المراجع المتعلقة بموضوع المقارنة متوافرة لدى الباحث، بشكل يمكنه من إجراء الدراسة المقارنة، ويستحسن أن يكون النموذج المقارن المختار أكثر تقدماً من النظام الأصلي وذلك لتعظيم الفائدة من الدراسة المقارنة([9]).


 (1) المعجم الوجيز، مرجع سبق ذكره، ص 636.
 (2) د. أحمد عبد الكريم سلامة، مرجع سبق ذكره، ص 34.
 (1) د. أحمد عبد الكريم سلامة، مرجع سبق ذكره، ص 35. ود. جابر جاد نصار، مرجع سبق ذكره، ص 34.
 (2) د. جابر جاد نصار، المرجع السابق، ص 37 ـ 38.
 (1) د. صلاح الدين فوزي، المنهجية في إعداد الرسائل والأبحاث القانونية، دار النهضة العربية، القاهرة، 1999 ـ 2000، ص 138 وما بعدها. ود. أحمد شلبي كيف تكتب بحثاً أو رسالة، ط 24، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1997، ص 43.
 (1) د. أحمد عبد الكريم سلامة، مرجع سبق ذكره، ص 40.
 (2) د. صلاح الدين فوزي، مرجع سبق ذكره، ص 140.
 (1) د. أحمد عبد الكريم سلامة، مرجع سبق ذكره، ص 43.
 (1) لمزيد من التفاصيل حول المنهج المقارن، انظر: علي ضوى، منهجية البحث القانوني، منشورات مجمع الفاتح للجامعات، ليبيا، 1989، ص 41 وما بعدها.
 وتجدر الإشارة إلى أن البعض يضيف إلى المناهج الأربعة السالف ذكرها، منهجاً خامساً هو المنهج الوصفي، الذي يعتمد على المعلومات والحقائق عن موضوع معين ووضعها في قالب محكم ومكتمل، على أن يواكب هذه الدراسة الوصفية محاولة لتفسير المعلومات التي تم تجميعها ووصفها.
 انظر: د. صلاح الدين فوزي، مرجع سبق ذكره، ص 139.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق