الجمعة، 10 فبراير، 2017

المعرفة

المعرفة:
يرى أبو حامد أنَّ الإخلاص والصدق في العمل، والعمل بالعلم موصل إلى المعرفة، "أما الذي هو حكم الغايات مثل انقلاب الهيئات والنظر بالتوفيق بحكم الموافقة والرضا بالإثبات والتوكُّل بالتجريد وحقيقة علم معاني التوحيد وسبر معاني التقرير وهو درجات ومقامات ومنح يخص الله تعالى بها من يشاء من عباده، وهى مراتب أكرم الله بها أهل صفوته وولايته، وهى مراتب:
ـ الصدق في العلم.
ـ بركات الإخلاص في العمل.
فمن لم يرث من علمه وعمله المفترض عليه في طلبه والعمل به شيئاً من هذه المعاني فليس في شيء من الحقيقة، وإنْ كان حقاً، تجد أنَّ حاله معلولة، أما مفتون بدنياه أو محجوب بهواه"([1]).
فمن الطرق الموصلة للمعرفة عند الغزالي "علم وإخلاص وعمل بذلك العلم". تقوم في أساسها على التوحيد.
فإنَّ الشخص العالِم من غير نية قاصدة وجهة الله تعالى، ومن دون إخلاص ولا عمل؛ فإنه ليس بعارف.
فالتوحيد هو المرتكز الأساس لنظرية المعرفة عنده: "إنَّ المعرفة عند الغزالي عندما ترقى وتتقدم في الذات بمقدار ما يكسب ذلك التوحيد وتلك المحبة من فضائل، وإنَّ المحبة ترتبط عنده بالمعرفة والتوحيد برباط سيكولوجي، قد يبدو لأول وهلة صعب المنال"([2]).
ويرى أنَّ التوحيد الخالص لا بُدَّ من أنْ يتبعه العمل، "فأما التوحيد فهو الأصل، وهو من علم المكاشفة، ولكن بعض علوم المكاشفات متعلق بالأعمال بوساطة الأحوال ولا يتم علم المعاملة إلاَّ بها"([3]).
إذاً أصل المعرفة هو التوحيد الذي يتعلق بالأعمال، وبه تحصل المكاشفة التي تعود إلى المعرفة.
فإذا كان التوحيد هو أصل المعرفة؛ فإنَّ المعرفة في رأيه لا تحصل وتكتمل إلاَّ بقطع علاقة القلب بزخرف الدنيا والإقبال على الله تعالى "إنَّ الإقبال على الله طلباً للأنس بدوام ذكره يقربنا من وجوده ويصلنا بمحبته، إنَّ التوبة الخالية من الشوائب والتي لها مكانتها في الحصول على المعرفة والمحبة تدنينا من خالق الكون ومبدع"([4]).
وللمحبة مكانة سامية في المعرفة عند الغزالي، فبعد توحيد الله تعالى تأتى المحبة، مقاماً أصيلاً من مقامات المعرفة "ما بعد إدراك المحبة مقام إلاَّ وهو ثمرة من ثمارها، وتابع من توابعها، كالشوق، والإنس، والرضا، وأنه لا قبل المحبة مقام إلاَّ وهو مقدمة من مقدماتها، كالتوبة، والصبر، والزهد"([5]).
فيمكن تلخيص شروط المعرفة عنده في الآتي:
[1] التوحيد الخالص.
[2] المحبة.
[3] الشوق، الإنس، الرضا.
[4] العلم والعمل به.
[5] قطع علاقة القلب بزخرف الدنيا.
فإذا انقطعت علاقة القلب بزخرف الدنيا مع وجود الشروط سالفة الذكر؛ تحصل المعرفة بالنور الإلهي "وفى القلب غريزة تسمى "النور الإلهي" لقوله تعالى:           ([6])، وقد تسمى "العقل والبصيرة"([7]).
وأما إنْ تعلق القلب بزخرف الدنيا ولم يعمل الإنسان بعلمه؛ كان محجوباً عن المعارف، "فإنَّ النفس ما دامت محجوباً بعوارض البدن، ومقتضى الشهوات، وما غلب عليها من الصفات البشرية؛ فإنها لا تنتهي إلى المشاهدة واللقاء في المعلومات الخارجية عن الخيال، بل هذه الحياة حجاب عنها بالضرورة كحجاب الأجفان عن رؤية الأبصار"([8]). فكما تحجب الأعين عن الرؤية في حالة إطباق الأجفان عليها؛ فكذلك القلوب تحجب بالشهوات عن المعرفة.
"وعلوم هؤلاء القوم لا تحصل مع محبة الدنيا ولا تنكشف إلاَّ بمجانبة الهوى ولا تدرس إلاَّ في مدرسة التقوى قال تعالى      ([9])، جعل العلم ميراث التقوى، وغير علوم هؤلاء القوم متيسر من غير ذلك بلا شك، حيث لم يكشف النقاب إلاَّ لأولي الألباب، وأولو الألباب حقيقة هم الزاهدون في الدنيا"([10]).
إنَّ أبا حامد الغزالي يبني نظريته في المعرفة على قوله تعالى      ، فالعلم متوقف على التقوى، والتقوى لا تكون إلاَّ بتوحيد الله تعالى ومحبته ومجانبة الهوى، فالتقى هو الذي يرث العلم والمعرفة عن طريق التحصيل والكشف.
وحديث الغزالي عن المعرفة عميق كعمق فكره، وجاءت نظريته في المعرفة بعد بحث طويل وشك محيّر حتى شفاه الله منه. فكان تنظيره في المعرفة أصيلاً خالياً من التقليد، فلننظر إلى أصالة هذا النص وعمقه "فبصفاء التقوى وكمال الزهادة يصير العبد راسخاً في العلم، فالراسخون في العلم هم الذين رسخوا بأرواحهم في غيب الغيب في سر السر، فعرفهم ما عرفهم، وخاضوا في بحر العلم بالفهم لطلب الزيادات فانكشف لهم من مدخور الخزائن ما تحت كل حرف من الكلام من الفهم وعجائب الخطاب، فنطـقوا بالحِكَم"([11]).
إنه لم يقم نظريته على الحدس وحده، ولكنه بناها على تنظير فلسفي محكم. انظر إلى علاقة الروح بغيب الغيب وسر السر، فإنَّ المادة بحكم تركيبها لا يمكنها إدراك أكثر من المحسوس، إذ لا سبيل إلى غيب الغيب وسر السر إلاَّ بالروح، ولكن أي روح تلك؟ إنها الروح المحبة لله التقية الزاهدة في الدنيا، وكيف تدرك ذلك البعد؟ تدركه بإذن الله بعد أنْ يُكشف لها ما أخفي عن الكثيرين، لتكتمل بذلك معرفتها، فيكون ذلك مصداقاً لقوله تعالى:      .
ولعلَّ ما قاله عن إدراك الروح يوافق ما قرره ابن رشد([12]): "من أنَّ الإدراك والمعرفة لا يوجدان إلاَّ في الصورة المجردة تماماً عن المادة، ومعنى ذلك ـ في نظره ـ أنهما لا يوجدان إلاَّ بالنسبة إلى الذوات غير الجسمية"([13]).
وإنَّ ما ذكرناه عن الروح والكشف لا يعنى أنَّ الغزالي ينفى وجود الأشياء الحسية أو يقلل من شأنها، بل يثبتها ويقر بدورها ودور العقل، ولكنه لا يحصر المعرفة في الحس والعقل، فقد أضاف إلى ذلك الكشف والإلهام الأمر الذي ميَّز المعرفة عنده ورسم لها سمات واضحة ميزتها عما قاله كثير من العلماء، وهذا ما يوضحه قوله: "فمن ظَنَّ أنَّ الكشف موقوف على الأدلة المحررة؛ فقد ضيَّق رحمة الله الواسعة"([14]).
إنه اكتشف مجالات المعرفة التي كانت مجهولة، مما اضطر بعض العلماء للتأثُّر به رغم اختلافهم معه في الاعتقاد. يقول رسل([15]): "إنَّ موضوعات الحس من الأشياء التي نعرفها مباشرة، وهى تقدم في الحقيقة أوضح وأكمل مثال للمعرفة المباشرة ، ولكن لو كانت موضوعات الحس هذه هي المثال الوحيد لانحصرت معرفتنا في حدود ضيقة عما عليه بكثير"([16]).
وهو بهذا يوافق الغزالي في قوله: "فمن ظَنَّ أنَّ الكشف موقوف على الأدلة المحررة فقد ضيَّق رحمة الله الواسعة"، وبيِّن قول رسل "لو كانت موضوعات الحس هذه هي المثال الوحيد لانحصرت معرفتنا في حدود ضيقة".
فتأثير فكر الغزالي في الذين جاءوا من بعده بيِّن يتضح عند الإطلاع على ما قاله فلاسفة الغرب أمثال: ديكارت، رسل، وغيرهم في المنهج والمعرفة.
ويرى الباحث أنَّ أبا حامد الغزالي في نظريته المعرفية كان متأثراً بعوامل متباينة، فإنه تأثر بالفلسفة وذلك في تقسيمه للعلم، ثم تأثر بالصوفية في حديثه عن التوحيد والمحبة، إضافة إلى عوامل ميتافيزيقية عند تناوله للغيب وذوقيته في البديهة والفطرة.
كل هذه العوامل امتزجت فيه، لذا جاءت المعرفة عنده ناضجة ومتكاملة.
وسائل المعرفة:
وبما أنه لا يمكن الفصل التام بين العلم والمعرفة عند أبى حامد الغزالي؛ لأنَّ المعرفة لا تكتمل إلاَّ بالعلم، فالعلم المبني على التوحيد الخالص لوجه الله تعالى والذي يتبعه العمل تكون نتيجته المعرفة. لذلك عندما تحدث عن وسائل العلم والمعرفة ذكرها بقوله: "طرق تحصيل العلوم"([17]).
وقد اصطلح عليها بـ "وسائل المعرفة"، يقول الغزالي: "اعلم أنَّ العلم الإنساني يحصل من طريقين:
أحدهما: التعلُّم الإنساني.
والثاني: التعلُّم الرباني.
والطريق الأول معهود يقر به جميع العقلاء. وأما التعلُّم الإنساني فيكون على وجهين:
الأول: التعلُّم من خارج "التحصيل بالتعلُّم".
والثاني:  التعلُّم من داخل "الاشتغال بالتفكُّر.
والتفكُّر من الباطن بمنزلة التعلُّم في الظاهر، فإنَّ التعلُّم استفادة الشخص من الشخص الجزئي، والتفكُّر استفادة النفس من النفس الكلي، والنفس الكلي أشد تأثيراً وأقوى تعليماً من جميع العلماء والعقلاء، والعلوم مركوزة في أصل النفوس بالقوة كالبــذرة في  الأرض"([18]).
فالعلم الإنساني يحصل عنده من طريقين:
[1] التعلُّم الإنساني.
[2] التعلُّم الرباني.
ثم يفصِّل ذلك، فيبدأ بالتعلُّم الإنساني ويقسِّمه إلى:
[أ] التعلُّم من خارج:
وهو التحصيل بالتعلُّم، كأخذ العلم شفاهة أو كتابة عن معلم.
[ب] التعلُّم من داخل:
وهو الاشتغال بالتفكُّر، وهذا التفكُّر مستفاد من النفس الكلي، وهو عنده أقوى تعليماً وأشد تأثيراً.
وهذا محل اتفاق عند كثير من العلماء، حيث يدور محور العلم على العقل ووسائل الحس الظاهرة، إضافة إلى الأحاسيس الداخلية الممتدة في النفس. فالحواس تنقل الظواهر إلى العقل الذي يقوم بتجريدها، ولكن لا تكتمل حقائق العلم دون ذلك الامتداد الداخلي للأحاسيس"([19]).
ولا غرابة إنْ فضَّل أبو حامد الاشتغال بالتفكُّر على غيره من أنواع التعلُّم الإنساني، فإنَّ القرآن الكريم كله دعوة للتفكُّر والتدبُّر في آيات الله تعالى                   ([20]).
"ولقد عانى الغزالي من محاولته لتصوير العلاقة بين الفكر والواقع، لأنَّ تلك العلاقة هي التي تميِّز العلم من اللا علم، والعلم وثيق الصلة بالواقع"([21]).
وقد جاء تفضيل الغزالي للتعلُّم من النفس لأنَّ العلوم مركوزة فيها بالقوة. ولكن هل يتساوى الناس في سرعة التعلُّم؟ فهم متفاوتون في ذلك حسب صفاء النفس أو غلبة الهوى، "فإذا كملت نفس المتعلم تكون كالشجرة المثمرة أو كالجوهر الخارج من قعر البحر، وإذا غلبت القوى البدنية على النفس يحتاج المتعلم إلى زيادة التعلُّم، وطول المدة، وتحمُّل المشقة والتعب، وطلب الفائدة. وإذا غلب نور العقل على أوصاف الحس يستغني الطالب بقليل التفكير عن كثرة التعلُّم، فإنَّ نفس القابل تجد من الفوائد بتفكُّر ساعة ما لا تجد نفس الجامد بتعلُّم سنة"([22]).
هنا يتضح الربط بين اكتساب "العلم والمعرفة" وبين "التقوى"، وهذا هو الأساس الذي بنى عليه أبو حامد الغزالي منهجيته في المعرفة
     .
فضرب مثالاً للنفس الصافية من الهوى السالمة من المعاصي "بالجوهر الخارج من قعر البحر"، فهي قابلة لاكتساب العلوم والمعارف بيسر وسهولة، أما إذا غلبت عليها الشهوات وغشيها من القوة البدنية ما غشيها؛ فإنَّ قبولها للعلوم والمعارف يكون ضعيفاً ويحتاج للجهد والوقت.
وهذا ثابت علمياً، إنه كلما كان الإنسان مشغولاً بالدنيا تقل درجة اكتسابه للعلوم والمعارف، نسبة للتشتت الحاصل للذهن، وكلما كان منتبهاً وقاصداً إلى غاية واحدة كلما زادت نسبة اكتساب المعارف.
فإنَّ الفرد يتجه بإيجابيته وفاعليته واهتمامه إلى إشارات حسية بعينها في مرحلة من مراحل عملية الإحساس والإدراك لتنظيم المادة الداخلية، والتي تمثل الميول والنزعات وأنواع التهيؤ الجسمية والنفسية مؤثرات مهمة فيها، إلاَّ أنَّ هنالك فروق فردية في اكتساب العلوم، ويرجع السبب فيها للفرق في درجة الانتباه بين الأفراد"([23]).
فإذا تعلَّقت القلوب بالدنيا وشغلها الهوى تقل درجة انتباهها، أما إذا اتجهت إلى الله تعالى وابتغت رضاه تزيد درجة انتباهها، وبالتالي تزيد سرعة اكتسابها للعلوم. وهذا ما رمى إليه أبو حامد الغزالي في إشارته إلى "صفاء النفس" و"غلبة الهوى".


([1]) إمام، زكريا بشير: مفهوم العلم، سلسلة دراسات في القرآن، 1995م، ص 15.
([2]) أبو حامد الغزالي: الإحياء، دار القلم، بيروت،  د.ت، 5/43.
([3]) انظر: عثمان عيسى شاهين: نظرية المعرفة عند الغزالي "أبو حامد الغزالي في الذكرى المئوية التاسعة لميلاده"، المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية، 1961م، ص 361.
([4]) أبو حامد الغزالي: الإحياء، 5/158.
([5]) أبو حامد الغزالي: الأحياء، 5/52.
([6]) سورة الزمر، الآية (22).
([7]) أبو حامد الغزالي: الإحياء، 5/63.
([8]) المرجع السابق،  ص 70.
([9]) سورة البقرة، الآية (282).
([10]) أبو حامد الغزالي: الإحياء، 5/72.
([11]) المرجع السابق، ص 59.
([12]) ابن رشد هو أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن رشد، الفيلسوف الشهير بـ "الشارح" و"الحفيد"، وُلِدَ في قرطبة عاصمة الأندلس سنة 520هـ ـ1126م، وتوفى في مراكش سنة 595هـ ـ1198م، درس على أبيه واستظهر عليه الموطأ، له مؤلفات كثيرة منها: "فصل المقال والكشف عن مناهج الأدلة"، و"تهافت الفلاسفة"، و"بداية المجتهد ونهاية المقتصد". انظر: ابن الأبار: التكملة لكتاب الصلة، مكتبة نشر الثقافة الإسلامية، القاهرة، 1955م، 2/55.
([13]) محمود قاسم: نظرية المعرفة عند ابن رشد، مكتبة الأنجلو المصرية، د.ت، ص 131.
([14]) أبو حامد الغزالي: المنقذ من الضلال، ص 17.
([15]) رسل، برتراند آرثر وليم أيرل رسل، فيلسوف إنجليزي، وُلِدَ سنة 1872م، عمل  محاضراً في الفلسفة، كان مهتماً بالسياسة، له "تحليل العقل" و"مدخل إلى الفلسفة والرياضة". انظر: الموسوعة الفلسفية، ص 156.
([16]) برتراند رسل: مشاكل الفلسفة، ط/1، 1929م، ص 44.
([17]) أبو حامد الغزالي: الرسالة اللدُّنية، ص 111.
([18]) أبو حامد الغزالي: الرسالة اللدُّنية، ص 111.
([19])George Berkeley ,Philosophical Writings , first edition(New York , colliin Book 1965) page47 , 48
([20]) سورة الجاثية، الآية (13).
([21]) زكريا بشير إمام: مفهوم العلم في القرآن الكريم، ص 16.
([22]) أبو حامد الغزالي، الرسالة اللدُّنية، ص 113.
([23]) انظر: دنيس تشيلد: علم النَّفس والعلم، ترجمة عبد الحميد محمد السيد و"آخرون"، مؤسسة الأهرام، القاهرة، 1983م، ص 75-77.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق