الاثنين، 30 يناير، 2017

النظام القانوني للحجز لدى الغير

النظام القانوني للحجز لدى الغير
       سيتم التطرق في هذا المطلب إلى مفهوم حجز ما للمدين لدى الغير وذلك من خلال تبيان مفهومه وطبيعته القانونية (الفقرة الأولى) والشروط التي يجب توفرها الحجز ما للمدين لدى الغير (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى: 
       بداية سنبين مفهوم هذا الحجز (أولا) ثم طبيعته القانونية (ثانيا).
أولا: مفهوم حجز ما للمدين لدى الغير
       نظم المشرع المغربي الحجز لدى الغير في الفصول 488 إلى 496 من قانون المسطرة المدنية والمادتين 148 و 149 من نفس القانون وكذا بعض القوانين الأخرى خاصة المادتين 20 و 2144 من قانون المحاكم التجارية و7 و 1945 من قانون المحاكم الإدارية، متى كان النزاع الأصلي يدخل في اختصاص هذه المحكمة أو المحكمة التجارية لكن رغم ذلك فإن الملاحظ في التشريع المغربي أنه لم يعط تعريفا للحجز لدى الغير لأنها تبقى عملا فقهيا وقضائيا لأن وضع تعريف تشريعي يضفي صفة الجمود ويجعلها غير قادرة على مواكبة المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية، وقد تم تعريفه من طرف الفقه " بأنه عقل أموال المدين بين يدي مدين هذا الأخير، إما بواسطة كتابة الضبط بناء على سند تنفيذي أو بناء على طلب عند عدم وجود سند تنفيذي على أن يطالب الحاجز باستخلاص المبالغ المحجوزة مباشرة أو تسليمه نتائج بيع الأشياء المحجوزة".
 الطبيعة القانونية للحجز لدى الغير
        لقد انقسم الفقهاء بخصوص الطبيعة القانونية للحجز لدى الغير إلى ثلاث اتجاهات:
       ذهب الرأي الأول إلى اعتباره ذا طبيعة تحفظية لأنه هدف إلى التحفظ على أموال المدين لدى الغير، والرأي الثاني اعتبره ذا طبيعة تنفيذية على أساس أنه لا يهدف إلى التحفظ فقط على أموال المدين لدى الغير وإنما يتبعه مباشرة التنفيذ الجبري بناء على الحكم القابل للتنفيذ، أما الرأي الثالث اعتبره ذات طبيعة مزدوجة والمشرع المغربي ذهب إلى اعتباره ذات طابع مختلط46 أي مزدوجة الفصل 419"47.
       ومن مميزات هذا النوع من الحجوزات بأنهن  إجراء مؤقت ومفاجئ ويتضمن الدائن (الحاجز) ومدينة المباشرة (المحجوز عليه) ثم مدين مدنية ( الغير المحجوز لديه) وأخيرا المال أو الشيء المحجوز، فبالنسبة للحاجز وبالنظر إلى مقتضيات الفصل 48848 من ق.م.م نلاحظ أن الحجز هو كل دائن عادي أو صاحب امتياز كالمؤسسة البنكية ويشترط أن يكون ذا أهلية وصفة.
       والمحجوز عليه هو المدين أن يكون للحاجز (الدائن) بمبلغ من المال وهو الذي يوقع الحجز ضده، والمحجوز لديه هو الشخص المدين للمحجوز عليه وأخيرا الدين محل الحجز لدى الغير هو المال الذي يكون مهددا يخطر محتمل من قبل المدين كشخص ذاتي أو اعتباري يخضع للقانون وأورد أيضا الفصل 488 الإستثناءات الواردة على هذا الحجز.

الفقرة الثانية: شروط الحجز لدى الغير
       لقيام الحجز لدى الغير لا بد من توفر عدة شروط، هذه الشروط منها ما يتعلق بدين الدائن ثابت وإذن القاضي فضلا عن وجود سند تنفيذي أو أمر رئيس المحكمة وهذا ما تطرق إليه الفضلان 488 و 491 من ق.م.م.
أولا: أن يتعلق الأمر بدين ثابت وإذن القاضي.
       يعد الدين الثابت من أهم الشروط التي نص عليها المشروع في الفقرة الأولى من الفصل 488 من ق.م.م. "إذ لا يمكن تصور إيقاع حجز لدى الغير إذا لم يكن ثمة دين ثابت ويثبت المديونية"49.
       واستخلاص من الفصل 488 فقد، "ثم الإقرار الدين هو شرط جوهري إذ يجب أن يكون محققا وقت ممارسة الحجز ويجب أن يكون نفذ أو يقدر من طرف القاضي، ويجب أن يكون الدين حالا، ولا يمكن أن يقع الحجز إلا على أشياء منقولة مادية أو غير مادية (الديون) غير أنه يجب أن تكون هذه الأشياء قابلة للحجز"50. والمراد بالدين الثابت هو "وجود الدين واستحقاقه51  ومن جانبه حاول القضاء تعريف ثبوت الدين فقد جاء قرار لمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء بتاريخ 2 أبريل 1985 ما يلي:" حيث من المقرر قانونا وقضاء ضرورة توفر الدين الثابت لاستصدار الحجز لدى الغير كما ذكرتها الفقرة 1 من الفصل 488 من ق.م.م.
       والواقع أن تحديد تعريف مسألة ثبوت الدين يعود الاختصاص فيها إلى القضاء والفقه لا للتشريع لأنها تختلف باختلاف ملابسات كل قضية وبالتالي ثم الاستقرار على أن ثبوت الدين يعني خلو الدين من النزاع وحلوله واستحقاقه"52.
       أما بالنسبة لأمر القاضي فهو أمر ضروري لأن ثبوت الدين غير كاف من أجل  فتح مسطرة الحجز لدي الغير بل يتعين أن يكون هناك إذن من القاضي وبالتالي ففتح هذه المسطرة محكومة بهذين الشرطين هما وجود دين ثابت والحصول على أمر من القاضي.
       أما بالنسبة للشرط الثاني الذي يجب توافره لفتح مسطرة حجز ما للمدين لدى الغير هي:
ثانيا: وجود سند تنفيذي أو أمر رئيس المحكمة
       يعتبر السند التنفيذي هو الذي يستند إليه الدائن للحجز على أموال مدينه بين يدي المحجوز لديه، لأن ثبوت الدين قد يكون بناء على حكم قضائي يعرف السند التنفيذي بأنه المحرر الكتابي الصادر باسم سيادة الدولة والذي يعطي للدائن أن يباشر التنفيذ الجبري طبقا للضوابط القانونية.
       وهذا السند يمكن أن يكون حكما قضائيا نهائيا أو حكما أجنبيا مذيل بالصيغة التنفيذية أو مقررا تحكيميا " ويجب أن يكون محددا ودقيقا ونهائيا ويتجسد هذا عمليا من خلال تعزيز طالب الحجز لمقاله مثلا بشيك، أو بإقرار أو باعتراف بدين أو حكم...."53.
       وفي حالة توفر الحاجز على سند تنفيذي فإنه يجري الحجز لدى الغير بقوة القانون ودون الحاجة إلى إذن من رئيس المحكمة الابتدائية إذ يوقع الحجز بواسطة عون التنفيذ بناء على طلب يتقدم به الحاجز إلى رئيس المصلحة وقد ورد في أمر استعجالي للسيد رئيس المحكمة الإدارية بالرباط رقم 681 ملف رقم 584/98 بتاريخ بأنه مادم الحجز لدي الغير المنجز بناء على سند تنفيذي قد انصب على دين ثابت فإنه يتعين المصادقة عليه انتهي الأمر.
       لكن في حالة عدم توفر الدائن سند تنفيذي فإن القانون يعطيه إمكانية إجراء الحجز على أموال مدينه لدى الغير وذلك بأن يقدم طلبا إلى رئيس المحكمة الابتدائية التي يوجد بها الموطن الحقيقي أو المختار للمحجوز عليه أو المحجوز مصحوبا بوثائق الإثبات ويعتمد الرئيس على سلطته التقديرية في تمحض الحجج المدلى بها وتقدير مدى جدية الطلب ليقبله أو ليرفضه.
       إذن فالحجز لدى الغير يوقع بناء على سند تنفيذي أو يأمر من رئيس المحكمة الابتدائية حيث يقيم لدى كاتب الضبط.
       بعد التطرق إلى مفهوم وشروط حجز ما للمدين لدى الغير سيتم التحدث الان إلى المسطرة الواجب إتباعها لإيقاع هذا الحجز.
  الفقرة الثالثة: مسطرة إيقاع الحجز لدى الغير
       هذه المسطرة تتضمن كل من إجراءات الحجز لدى الغير (أولا)، وكذلك الجهة المختصة به (ثانيا).
أولا: الحجز لدى الغير
       تتجلى إجراءات الحجز لدى الغير في التبليغ (أ) وفي اتفاق الأطراف والتصريح بما في الذمة (ثانيا).
1.      تبليغ الحجز لدى الغير
       إن المشرع أعطى لتبليغ الحجز لدى الغير أهمية خاصة إذ حاول أن يبين ويحدد إجراءاته حيث يقوم أحد أعوان كتابة الضبط بتبليغ الحجز إلى المدين وكذلك إلى المحجوز لديه54، أما إذا تعلق الأمر بأجور ومرتبات ففي هذه الحالة يجب أن يقع الحجز بين يدي صاحب الصندوق في المكان الذي يعمل به المحجوز لديه، وهذا ما نص عليه الفصل 49255 من ق.م.م.
       وبالرجوع إلى الفصل 493 من ق.م.م نجد أنه نص على أنه "يفيد الحجز لدى الغير بكتابة الضبط في تاريخه وتسجيله في سجل خاص"56.
       أما في الحالة الثانية وهي الحالة التي يتقدم دائنون بطلب من أجل إيقاع نفس الحجز ثم تقييد هذه الحجوزات بسجل خاص بهذه الكتابة أي كتابة الضبط بإشعار المدين المحجوز عليه والمحجوز لديه بكل حجز في ظرف 48 ساعة وذلك بكتاب مضمون أو بتبليغ بمثابة تعرض، وكل هذه الأمور تقع قبل أن يقوم الرئيس باستدعاء الأطراف لجلسة قريبة خلال 8 أيام الموالية للتبليغات التي ثم التنصيص عليها في الفقرة الأولى من الفصل 422.
       ويكون التبليغ صحيحا حتى وإن ثم طبقا للمقتضيات الأخرى المنصوص عليها في الفصول 3757 من ق.م.م كالتبليغ بواسطة البريد المضمون أو عن طريق السلطة الإدارية أو الدبلوماسية أو عن طريق الأعوان.
2.      اتفاق الأطراف والتصريح بما في الذمة
       بعدما يقع تبليغ الحجز واستدعاؤهم من طرف الرئيس يقوم هذا الأخير بمحاولة من أجل اتفاق على توزيع المبالغ المحجوزة لدى الغير فبرجوعنا إلى الفقرة الثانية من الفصل 494 تنص على أنه "إذا اتفق الأطراف على توزيع المبالغ المحجوزة لدى الغير حرر محضر بذلك وسلمت فورا قوائم التوزيع58 ففي هذه الحالة ينجح الرئيس في التوفيق والصلح بين الأطراف حول توزيع المبالغ المحجوزة ويأمر في هذه الحالة بتحرير محضر بهذا الشأن، يدون فيه ما تم الاتفاق عليه وبالتالي فغن إتباع مسطرة الاتفاق يعتبر أمرا ضروريا  إذ أن المصادقة على الحجز يجب أن يسبقها مرحلة أساسية وهي الاتفاق.
       أما بالنسبة للحالة الثانية وهي فشل الرئيس في التوفيق بين الأطراف إما بسبب الخلاف بينهم أو بسبب تخلف أحد الأطراف، فلفي هذه الحالة عند وجود هذه المنازعات يضطر القاضي من أجل البث في النازلة فيقوم بتأخير القضية إلى جلسة الجديدة يستدعي الأطراف مرة أخرى ويستمع إليهم في مواجهة بعضهم البعض "حول صحة أو بطلان الحجز أو رفع اليد عن الحجز أو التصريح الإيجابي الذي على المحجوز لديه الإدلاء به إن لم يسبق له أن قام بذلك أو تحديده في الجلسة ذاتها"59.
ثانيا: الجهة المختصة بالبت في الحجز لدى الغير
       ترجع الجهة المختصة بالبت في الحجز لدى الغير إلى رئيس المحكمة الابتدائية (أ) كما أنها تعود لقضاء الموضوع (ب) مادام أن الأمر يتعلق بالنظر في صحة وبطلان ورفع الحجز لدى الغير.
1.      اختصاص رئيس المحكمة الابتدائية
       برجوعنا إلى الفصل 491 من ق.م.م نجد أن العديد من المهتمين يسندون مهمة الاختصاص بالنظر في الحجز لدى الغير إلى رئيس المحكمة الابتدائية "مع اختلافهم حول صفة تدخل الرئيس، فهناك من يرى أنه يبث في الحجز المذكور بصفته تلك، وفي الوقت الذي البعض الأخر أنه يتدخل باعتباره قاضيا للمستعجلات" فبالاستناد إلى مقتضيات الفصل 491 والفقرة الأولى من الفصل 494 يتضح لنا أن الجهة المختصة بالبت في الحجز لدى الغير تتحقق في شخص رئيس المحكمة الابتدائية بصفته الولائية، "والدليل على ذلك ما ورد في نهاية الفصل 491 حيث أكد المشرع على أنه يمكن إيقاع الحجز بناء على أمر يصدره رئيس المحكمة الابتدائية بناء على شرط الرجوع إليه عند وجود إليه عن وجود الصعوبة60.
2.      اختصاص محكمة الموضوع
       يرجع إسناد مسطرة الحجز لدى الغير إلى محكمة الموضوع حسب الفقرة الثالثة، من الفصل 494 من ق.م.م خلاصة فيما يتعلق بدعوى المصادقة على الحجز "ونتيجة لاعتبار هذه الدعوى موضوعية فإنها تخضع نفس المقتضيات الواردة في الفصل 18 من ق.م.م حول الاختصاص الانتهائي للمحكمة الابتدائية قابلة الاستئناف"61.
       نستخلص من خلال الجهة المختصة بالبت في الحجز لدى الغير يختص بها كل من رئيس المحكمة الابتدائية الذي يبقى من اختصاصه تقديم طلب يرمي إلى إيقاع الحجز وكذلك هناك جهة ثانية تختص بهذا الحجز وهي قضاء الموضوع الذي له صلاحية التوفيق بين الأطراف في حالة فشل رئيس المحكمة في القيام بهذه المهمة.
o       المبحث الثاني: أثار الحجوز
       تختلف أثار الحجوز باختلاف أنواعها، وكذا بحسب ما إذا كان المال المحجوز منقولا أو عقارا.
       وعليه سنخصص (المطلب الأول) للحديث عن آثار الحجز التحفظي والتنفيذي، على أن نتطرق (المطلب الثاني) أثار الحجز الاستحقاقي والارتهاني (المطلب الثالث) للحجز لدى الغير.
المطلب الأول: أثار الحجز التحفظي
       يترتب عن الحجز التحفظي أثار هامة (الفقرة الأول)، شأنه في ذلك شأن الحجز التنفيذي (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى: أثار الحجز التحفظي
       يترتب عن الحجز التحفظي الأثار التالية سواء كان المال المحجوز عقارا، أو منقولا:
1.      التقادم
       بالأطلاع على مقتضى الفصل 381 ق.ل.ع نجده ينص في فقرته الثالثة "ينقطع التقادم بكل إجراء تحفظي أو تنفيذي يباشر على أموال المدين أو بكل طلب يقدم للحصول على إذن من مباشرة هذه الإجراءات".
       وبالتالي يتنضح أن الحجز التحفظي هو من بين إجراءات التي ينقطع بها التقادم حيث يقضي على المدة السابقة ويجعلها كأن لم يكن.
2.      تقييد سلطة المحجوز عليه في استعمال واستغلال المال المحجوز
       إن الأمر بإجراء الحجز التحفظي لا يحول دون انتفاع المحجوز عليه بالمال المحجوز ما لم يقضي بخلاف ذلك وما لم يعين حارسا قضائيا وذلك استنادا لمقتضيات الفصل 454 من ق.م.م62 حيث يعتبر في الحالة الأخيرة حارسا قضائيا كما يمكنه نتيجة الانتفاع به تملك ثماره دون أن يكون له الحق في أرائها إلا بإذن من القضاء ومع ذلك فإن حق استعمال لا يجب أن يؤدي إلى تلفه لما في ذلك من إضرار بمصلحة الدائنين63 والالتزام هنا هو التزام ببدل عنايته وليس الالتزام بتحقيق نتيجة بمعنى يكون ملزما ببدل جهده في العناية ولا يسأل عن غير ذلك.
       إلا أنه وبالعودة إلى مقتضيات الفصل 822 ق.ل.ع نجد أن المشرع أجاز أمكانية تفويت المال المحجوز إذا كان ضروريا للحفاظ عليه وذلك شريطة استصدار إذن من طرف القاضي بتفويته كما تبقى الإشارة ضرورية إلى انه إضافة للمسؤولية المدنية فقد اعتبر المشرع تبديد الأشياء المحجوزة جريمة معاقب عليها بمقتضى القانون الجنائي الفصل 52464 قث.ج وتجد الجريمة أساسها القانوني في إخلال المدين بالتزامه الأساسي المتمثل في ضرورة رد المال المحجوز وفق لمقتضيات الفصل 824 ق.ل.ع.
3.      عدم نفاد التصرف في المال المحجوز
       يؤدي الحجز التحفظي إلى تجميد الأموال التي وقع الحجز عليها من خلال وضع  القضاء يده عليه وبالتالي منح المدعين من التصرف فيها استنادا لمقتضيات الفصل 453 من ق.م.م. ورغم ذلك فإن المحجوز عليه يظل مالكا لماله المحجوز لأن الحجز لا يؤدي إلا فقد ملكية المال المحجوز حيث يمكنه تبعا لذلك أن يستعمله إما سكن أو غير ذلك حسب المال وأن يقوم بكل ما هو ضروري للمحافظة عليه كرفع دعوى الحيازة غير أن القاعدة ترد عليها استثناءات وهو ما يستنتج من خلال الفصل 454 ق.م.م "يمكن له نتيجة ذلك أن ينتفع بما انتفاع الشخص الحريص على شؤون نفسه وأن يتملك الثمار دون أن يكون له حق إكرائها إلا بإذن من القضاء"، وبالتالي يمكن للمدين أن يتصرف في المال المحجوز بالأداء مثلا لكن بعد انتصار إذن قضائي بذلك مما يدل على محاولة المشرع التعامل بنوع من المرونة من خلال خلق بعض التوازن في التعامل بين طرفي العلاقة.
 أثار الحجز التنفيذي
       تختلف أثار الحجز التنفيذي باختلاف المال المحجوز هل هو منقول أو عقار (باستثناء التقادم الذي يطبق المنقول والعقار والذي سبق التطرق له في الحجز التحفظي).
أولا: أثار الحجز التنفيذي على المنقول
       يترتب عن الحجز التنفيذي للمنقول الأثار التالية:
1.      منع المحجوز عليه (وخاصة الحارس للمنقول) من استعمال واستغلال المنقول المحجوز: حيث يمنع على الحارس من استعمال الحيوانات والأشياء المحجوزة أو استغلالها لمصلحته ما لم يأذن له الأطراف بذلك، وإلا وقع استبداله وحكم عليه بتعويض الضرر عند الاقتضاء طبقا للفصل 461 من ق.م.م.
2.      حراسة المنفذ عليه للمنقول المحجوز
       وذلك طبقا للفصل 461 من ق.م.م الذي ينص "يمكن باستثناء النفوذ المسلمة للعون المكلف بالتنفيذ أن تبقى الحيوانات والأشياء المحجوزة تحت حراسة المنفذ عليه إذا وافق الدائن على ذلك أو كان من شأن طريقة أخرى غيره هذه أن تسبب في مصاريف باهظة...".
3.      بيع المنقول بالمزاد العلني
       يعتبر بيع المنقول محل الحجز أهم أثر يترتب عن إجراءات الحجز التنفيذ الواقعة على المنقول.
       وبيع المنقول بالمزاد العلني يتم وفق الطريقة التالية:
o       قبل البيع: يجب القيام بإشهاره والإعلان عنه وذلك بتعليق لوائح وملصقات خاصة ببيع تلك المنقولات على باب المكان الذي توجد به الأشياء المحجوزة أو على باب مكتب السلطة الإدارية التابع لها المكان المذكور، أو في اللوحة المعدة لذلك بالمحكمة التي توجد الأشياء المحجوزة بدائرتها أو في أقرب سوق عمومي65، وهذا ما يستخلص من الفصل 46366 من ق.م.م.
o       وبعد الإعلان يحدد ميعاد البيع الذي يقع بعدانتهاء أجل ثمانية أيام من يوم الحجز ما لم يتفق الدائن والمدين على تحديد أجل آخر، حسب الفصل 462 ق.م.م
o       وعلى عون التنفيذ عند حلول ميعاد البيع أن يقوم بحصر المنقولات المحجوزة ووضعها وإعدادها للبيع بالمزاد العلني حسب مصلحة المدين الفقرة الأولى من م 462 ق.م. كما يقوم العون عند تحرير البيع بالمزاد العلني بالمنادة على مفردات المنقولات موضوع الحجز دون تحديد عون التنفيذ الثمن الافتتاحي لانطلاق المزايدة في دفتر التحملات والمشتري الذي يتقدم بأكبر عرض، يصبح المزاد دراسيا عليه، ولا يسلم له إلا بعد تأديته لثمنه فورا.
       وإذا لم يود المشتري الثمن، أعيد بيع الأشياء المحجوزة فورا على نفقته وتحت مسؤوليته، ويتحمل المشتري المتخلف الفرق بين الثمن الذي رسابه المزاد عليه والثمن الذي وقفت به المزايدة الجديدة إن كان أقل من الأول دون أن يكون له حق الاستفادة من الزيادة إن كانت، ويعاد البيع أيضا إذا لم يتسلم المشتري الذي أدى الثمن الشيء المبيع داخل الأجل المحدد طبقا لشروط البيع، غير أن ثمن المزايدة الجديدة يوضع بكتابة الضبط لصالح المشتري الأول67.
       وبحصول البيع تنتقل المنقولات المبيعة إلى المشتري، وتوضع المبالغ بصندوق المحكمة إلى حين توزيعهما على الدائن والمدين، فإذا كانت المبالغ كافية للوفاء بالدين حصل الدائن عليها، وأما إذا كانت المبالغ التي تم تحصيلها من البيع بالمزاد أقل من مبلغ الدين عمد العون إلى الحجز على عقارات إن كان يملكها المدين، وإلا تم إجراء مسطرة الإكراه البدني لإخباره على التنفيذ إن توفرت الشروط اللازمة لذلك.
       أما في الحالة التي تكون فيها المبالغ المحصلة من البيع أكثر من مبلغ الدين فإن الدائن يحصل على دينه كاملا ويعود الباقي للمدين68.
ثانيا: آثار الحجز التنفيذي على العقار
       للحجز التنفيذي على العقار آثار هامة نجملها فيما يلي:
1.      بقاء العقار المحجوز في ملكية المدين مع تقييد سلطته في الاستعمال والاستغلال.
       يتمخض عن الحجز اعتبار العقار موضوعا تحت يد القضاء مما يدل على اتن المدين يفقد التصوف في ذلك العقار، فلا يجوز له أن يفوته بعوض أو بدون عوض، وإن كان بإمكانه استغلاله واستعماله بطريقة لا تضر بمصالح الدائنين وذلك دون إيجاره للغير تحت طائلة البطلان وذلك طبقا للفصل 475 من ق.م.م ونفس الاتجاه كرسه المجلس الأعلى في قرار رقم 528 الصادر بتاريخ 28 يوليوز 1982 في ملف مدني عدد 86744 والذي جاء فيه "إن البيع الواقع بين المحجوز عليه والغير أن كان تابتا من ناحية الواقع يعتبر باطلا وعديم الأثر من الناحية القانونية استنادا إلى الفصل 453 من ق.م.م.
2.      يعتبر المدين المحجوز عليه حارسا على العقار محل التنفيذ بقوة القانون بمجرد إيقاع الحجز وذلك في حلة عدم إكراء العقارات طبقا للفصل 475 من ق.م.م الذي ينص "إذا لم تكن العقارات مكتراة وقت الحجز فإن المنفذ عليه يبقى حائزا لها بصفته حارسا قضائيا من يوم البيع ما لم يصدر الأمر بذلك".
       أما إذا كانت العقارات مكتراة فإن الحراسة تقع على عاتق المكتري باعتباره الشخص الوحيد الذي ينتفع بالعقار عن طريق الاستغلال والاستعمال، وتعتبر الأجرة المستحق عن المدة التالية للحجز، حجز لدى الغير طبقا للفقرة التالية من الفصل 475 من ق.م.م.
3.      بيع العقار المحجوز بالمزاد العلني
       يعتبر البيع بالمزاد العلني الوسيلة التي تمكن الدائن من اقتضاء مبلغ الدين.
       وهكذا وبمجرد ما يقع الحجز العقاري فإن عون التنفيذي يقوم بعد تهيئ دفتر التحملات69، وإيداعه بكتابة الضبط، إشهار بيع العقار وذلك على نفقة الدائن الذي يتولى أداء جميع مصاريف الإشهار والنقل، إلا أن هذه المصاريف الدعوى بما فيها
التنفيذ هو المحكوم عليه وحسب النسبة التي تقدرها المحكمة في الحكم70.
       وعلى عون التنفيذ ان يبين في الإعلان عن المزاد العلني تاريخ افتتاحه كما يبقى أن يودعت محضر الحجز71 ووثائق الملكية بكتابة الضبط وكذا شروط البيع.
       ويتم الإعلان عن بيع العقار المحجوز بالمزاد العلني بتعليق الإعلان عن البيع في المكان المذكور في المادة 47472 من ق.م.م.
       كما منح المشرع للعون إمكانية إشهار البيع بكل وسائل الإشهار كالصحافة والإذاعة المأمورة بها عند الاقتضاء ومن طرف الرئيس حسب أهمية الحجز.
       وبعد ذلك يبلغ عون التنفيذ الحجز التنفيذي للمدين وإنذاره بالأداء وإلا تمت مباشرة إجراءات البيع بعد انصرام أجل الشهر المحدد في الفصل 471منق.م.م.
       وبعد ذلك تتم إجراءات المزايدة المنصوص عليها فلي الفصول من 477 إلى 487 من ق.م.م
       وتنتهي إجراءات البيع بالمزاد العلني برسم المزاد على تتخص معين سواء كان حائز العقار أو شخص أخر وتسجيل محضر إرساء المزايدة بالرسم العقاري وبذلك تنتقل الملكية إلى الرسي عليه بالمزاد خالية من كافة الحقوق المدنية التي كانت تثقله من رهون وامتيازات وهذا ما يعرف بتطهير العقار (أي تخليص العقار من رهون وامتيازات بحيث تتحول حقوق الدائنين إلى الثمن الذي رسابه المزاد).
المطلب الثاني: أثار الحجز الاستحقاقس والارتهاني
سنقسم هذا المطلب إلى فقرتين للحديث عن آثار كل من الحجز الاستحقاقي (الفقرة الأولى) وآثار الحجز الارتهاني (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى: أثار الحجز الاستحقاقي
       من خلال دراسة الحجز التنفيذي يلاحظ أن القواعد المطبقة عليه أو التي يخضع لها الحجز التنفيذي هي نفسها التي يخضع لها الحجز الاستحقاقي، ومن تم فإن أثار الحجز الاستحقاقي هي نفسها أثار الحجز التنفيذي على المنقول، ولو أن المشرع وهو يتحدث عن أثار الحجز الاستحقاقي يبدو أنه يقصد التنفيذ على الأشياء المنقولة دون المقاربة، لكن عند تفسير الفصل 50273 من ق.م.م يمكن القول أن العبارة جاءت عامة وهو ما يمكنه معه القول أن المشرع لا يقصد حجز المنقولات فقط وإنما كذلك العقارات74.
       وبالرغم من ان الحجز الاستحقاقي يخضع لنفس القواعد المطبقة على الحجز التنفيذي إلا أنه لا بد من وجود خصوصيات تميزه عنه، وبالاطلاع على المادة 503 من ق.م.م التي تنص على أن "يثبت حكم التصحيح حق مدعي الاستحقاق إذا اعتبر أن الطلب مبني على أساس ويأمر برد الأشياء المنقولة إليه.
       يصدر الحكم انتهائيا أو ابتدائيا وفق القواعد العادية للاختصاص باعتبار قيمة الأشياء المدعى استحقاقها.
       إذن فأهم أثر يرتب على الحكم القاضي بتصحيح الحجز هو إرجاع الأشياء المنقولة بشرط أن يكون الطلب المقدم من طرفه مبني على أساس، وهذا حسب الفصل 503 من ق.م.م.
       ويمكن القول إبداء ملاحظتين حول هذا الأثر:
       الأولى تتمثل في أن المشرع جعل أهم أثر يترتب على الحكم القاضي بالتصحيح هو إرجاع الأشياء المنقولة وهذا يدخل في إطار القاعدة العامة المعروفة والمتمثلة في إرجاع الحالة إلى ما كانت عليه، والثانية أن الحكم لا يرتب أثره إلا إذا كان الطلب الذي قدمه المأذون له بالحجز مبنيا على أساس.
الفقرة الثانية: أثار الحجز الارتهاني
       بما أن الحجز الارتهاني يرد على المنقولات فحسب وفق ما ينص عليه الفصلان 497 و 498 من ق.م.م فإن أثاره ستكون هي نفس أثار الحجز التنفيذي على  المنقول ما دام الفصل 499 يحيل على قواعد الحجز التنفيذي (وهذه الأثار سبق التطرق إليها).
المطلب الثالث: آثار الحجز لدى الغير
       للحجز لدى الغيرلا آثار هامة منها ما يتعلق بالدين موضوع الحجز (الفقرة الأولى) ومنها يتعلق بأطراف الحجز (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى: بالنسبة للدين موضوع الحجز
       بخصوص الآثار التي تلحق بالدين، يمكن إجمالها في قطع التقادم حتى وأن كان هذا الآثار يطال المدين المحجوز عليه كذلك وبراءة الذمة.
       فبالنسبة لقطع التقادم: فأن المشرع لم ينص عليه كآثر لدى الغير في المسطرة المدنية إلا أن الفصل 38175 من ق.ل.ع يوصل إلى هذه النتيجة، فمن خلال هذا الفصل يتبين أن التقادم ينقطع بالنسبة للدين الذي تمت المطالبة به، أو تم اتخاذ إجراء تحفظي أو تنفيذي عليه، غير أن الإشكال الذي يطرح بالنسبة للحجز لدى الغير هو هل يؤدي إلى انقطاع التقادم باعتباره مطالبة قضائية أم أنه تحفظي أو تنفيذي؟
       ولقد اختلف الفقهاء المهتمين بالحجز لدى الغير والباحثين في الإجابة عن هذا الإشكال، ففي نظر البعض76يعتبر الحجز لدى الغير مطالبة قضائية إذ صدر بناء على أمر من رئيس المحكمة الابتدائية، وبعد إجراء تنفيذي في حالة ما إذا بني على سند تنفيذي.
       أما البعض الأخر77 فيرى أن الحجز لدى الغير يقطع التقادم لا على أساس أنه مطالبة بل اعتباره إجراء تحفظيا أو تنفيذيا.
       وبناء على ما سبق يمكن القول "بأن الحجز لدى الغير يدخل في الفقرتين الواردتين في الفصل 381 من ق.ل.ع فهو من جهة أخرى إجراء تحفظي إذا بني على أمر رئيس المحكمة الابتدائية أو على سند تنفيذي".
       أما بالنسبة لبراءة الذمة، فإن إيقاع الحجز لدى الغير في حد ذاته لا يؤدي إليها كأثر وإنما لا يصبح كذلك إلا بعد المصادقة عليه من طرف محكمة الموضوع.

       والمشرع المغربي نظم في الفصلين 49578 و 496 79 منم ق.م.م براءة الذمة كأثر يلحق بالدين الواقع على المحجوز لديه تبرأ في الحالات الثلاث الآتية:
1.      كفاية المبلغ الموجود بين يدي المحجوز لديه
       تبرأ ذمة المحجوز لديه إذا كان المبلغ الموجود بين يديه كافيا لتغطية كل المبالغ التي تم الاتفاق على توزيعها والتي كانت محل تعرضات مقبولة شريطة أن تتضمن رأس المال والتوابع التي قد تقررها المحكمة وذلك طبقا للفقرة الأولى من الفصل 495 من ق.م.م.
2.      عدم كفاية المبلغ الموجود بين يدي المحجوز لديه
       لتغطية مبالغ ديون المتعرضين، وذلك طبقا للفقرة الثانية من الفصل 495 من ق.م.م
3.      تنفيذ الأمر الاستعجالي القاضي بتسليم مبالغ المحجوز عليه
       للمحجوز عليه إمكانية تسليم مبالغ المحجوز لديه رغم التعرض عليها، بعد إيداعه سواء بكتابة الضبط أو لدى شخص يعينه الأطراف، وبعد صدور أمر استعجالي بذلك من طرف قاضي للأمور  المستعجلة، وتبرئة المحجوز لديه لذمته عليه أن يبادر إلى تنفيذ الأمر الاستعجالي الصادر بهذا الشأن، لتنتقل آثار الحجز لدى الغير إلى الغير الحائز80، وذلك حسب الفصل 496 من ق.م.م.
الفقرة الثانية: بالنسبة لأطراف الحجز لدى الغير
       يتبين من الفصل 48981 من ق.م.م أن للحجز لدى الغير يرتب أثرين على المحجوز عليه، أولهما إيجابي ويتمثل في تسلم المدين من الغير المحجوز لديه الجزء الغير القابل للحجز إمان أجره أو راتبه، أما الأثر الثاني والسلبي فيتجلى في أن الأجزاء أو الجزء القابل للحجز لدى الغير يصبح محبوسا بين يدي المحجوز لديه ولا يمكنه التصرف فيه ولا تسلمه.
       أما الآثار التي يرتبها الحجز لدى الغير على المحجوز لديه، فيمكن إجمالها في أن ذمته تبرأ متى قام بالوفاء ما بين يديه من مبالغ المتعرضين وفقا للفصلين 495 و 496 السابق الإشارة إليهما، وفي أن أي وفاء يقوم به المحجوز لديه إزاء الغير خارج ما يسمح به القانون يعد باطلا، ويتحمل المحجوز المسؤولية عنه في حالى عدم الالتزام بهذه الأحكام82.

خاتمة:
       إجمالا يمكن القول أن المشرع المغربي في تناوله لموضوع الحجوز أقر قواعد قانونية لفائدة الدائن من أجل ضمان الحصول على حقه باللجوء إلى القضاء واستعمال الطرق الجبرية لتنفيذ الالتزامات.
       إلا أن استعمال الدائن لحقه في اللجوء إلى إلقاء حجوزات تحفضية وتنفيذية على أموال المدين من شأنه المساس بأحد أهم عناصر حق الملكية ألا وهو حق التصرف الشيء الذي جعل المشرع يقر قواعد قانونية تلزم رؤساء المحاكم التأكد من ثبوت حق الدائن الحجز.
       كما أنه بعد دراسة مختلف الفصول المنظمة لنظام الحجوز يستشف أن المشرع المغربي لم يضع قواعد قانونية بسيطة للدائن من أجل تمكنه من الحصول على حقه لدى الغير من المدين المتماطل عن الوفاء بالتزاماته خاصة فيما يتعلق بالحجز لدى الغير والحجز الارتهاني وكذلك الحجز الاستحقاقي، إذ أن طالب ملزم بعد استصدار أمر أو إذن من طرف رئيس المحكمة أن يقوم بتصحيح هذا الحجز أمام المحكمة المختصة وكأن المشرع يجعل من المرحلة الأولى مرحلة تحفظية والمرحلة الثانية مرحلة تنفيذية وهي التي تقام أمام قضاء الموضوع.
                  

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق