الاثنين، 30 يناير، 2017

التخطيط العمراني في دولة سلطنة عمان

التخطيط العمراني في دولة سلطنة عمان
نماذج من العمران الحضري
في سلطنة عمان
أولا: مقومات التنمية الحضرية بالسلطنة
1 – الخصائص الطبيعية:
تحتل سلطنة عمان الركن الجنوبي الشرقي من شبه الجزيرة العربية في مواجهة السواحل الشرقية لشبه القارة الهندية وسواحل شرقي أفريقيا، فكان لهذا الموقع أثر واضح في التأثير على نمط الحياة في عمان بصورة عامة وعلى العمران بصورة خاصة، فكثير من مواد البناء كانت تجلب من هذه الجهات وخاصة الأخشاب، هذا إلى جانب موقع عمان الاستراتيجي وما نتج عنه من تعرضها لفترات من القهر خلال الاحتلال الفارسي والبرتغالي ثم التدخل البريطاني. وقد تركت هذه الظاهرات آثارها على أنواع العمران في عمان كما سنوضحها فيما بعد.
تتميز سلطنة عمان عن غيرها من دول الخليج كالكويت وقطر وبعض إمارات دولة الإمارات بتنوع واضح في بيئتها الجغرافية، أملته مظاهر السطح، حيث تجمع رقعة الدولة بين السلاسل الجبلية والوديان المنتشرة والصحاري والسهول الساحلية المطلة على الخليج العربي وخليج عمان وبحر العرب، التي بدورها تتفاوت في مدى اتساعها من منطقة إلى أخرى (شكل رقم 1)، مما أدى إلى تنوع أنماط المعيشة بين موقع وآخر على امتداد سلطنة عمان الجغرافي، وذلك حتى يتسنى لسكان هذه الإرجاء التي تجمع بين الجبل والسهل والوديان التكيف مع طبيعة هذه الظروف التضاريسية المختلفة. لهذا تنوع العمران بين مناطق استقرار دائمة، ومناطق استقرار شبه دائمة، وأخرى مؤقتة تنتقل من جزء إلى آخر ومن موسم إلى آخر.
وتلك عجالة تبرز أهم خصائص أنماط البيئات الطبيعية لسلطنة عمان:
(أ)     الجبال: تشغل المناطق الجبلية 15 بالمائة من المساحة الإجمالية للبلاد (شكل رقم 2) وتمتد سلاسلها على شكل قوس ما بين شبه جزيرة مسندم في أقصى الشمال 01)، حتى رأس الحد في الجنوب، وتضم وحدات جبلية هي الحجر الغربي والشرقي، والجبل الأخضر، ومرتفعات ظفار. وقد كان للعامل الاوروجرافي أثره على الظروف المناخية، فرغم الموقع المداري للسلطنة، فان حرارة أشد فصول السنة قيظا لا يتعدى معدلها 32 درجة مئوية ما بين شهري أبريل ويونيو في المرتفعات الجنوبية، بينما أكثر شهور السنة حرارة في الجزء الشمالي لا يتجاوز 34 درجة في شهري يونيو ويوليو.
أهم من ذلك معدلات الأمطار، فقد كان لعامل ارتفاع منسوب السطح أثره في إخراج البيئة الجبلية من النطاق الصحراوي القاحل الذي يطبق عليها من الداخل حيث صحراء الربع الخالي، ومن جهة الساحل حيث سهل الباطنة، ويبلغ معدل الأمطار 300 مم في العام، فهي أمطار صيفية ضمن إطار الدورة الموسمية في الجنوب بإقليم ظفار، بينما يسود النظام المتوسطي بأمطاره الشتوية في القسم الشمالي، ورغم افتراق كميات الأمطار كثيرا عن المعدل بصفة عامة، فإن أمطار الصيف أكثر وفرة وانتظاما من أمطار الشتاء، وتسجل بعض المحطات في الجبل الأخضر أكثر من 600مم.
رغم اعتدال الحرارة والوفرة النسبية لكميات الأمطار، فإن المناطق الجبلية ليست أكثف بقاع السلطنة عمرانا، إذ يتركز العمران فيها على بعض سفوح المنحدرات، وتجمعات شريطية ضيقة تتبع مجاري الأودية الرئيسية. ومن ثم تكون الجبال بمثابة الأحواض الهيدرولوجية التي تغذي بصبيبها السيلي رواسب السهول الساحلية بإقليم ظفار وسهل الباطنة، موفرة بذلك خزانات جوفية قامت عليها أكثر مراكز العمران.
ب : السهول الساحلية: يمثل منطقة الباطنة الذي يمتد من منطقة خور فكان في الشمال حتى رأس الحمرا – قرب ميناء الفحل – في الجنوب أهم هذه السهول، وهو عبارة من سهل رملي تنحدر إليه عدة أودية المنطقة الجبلية الممتدة إلى غربه، وهذه تعتبر المصدر لمعظم تربته وتكويناته السطحية التي تجلبها هذه الأودية، إلى جانب بعض الرمال الشاطئية التي تنقلها التيارات والأمواج البحرية، لهذا تكثر قرب شواطئه السدود الرملية التي تمتد موازية ومحاذية لخط الساحل، كما تنتشر في المنطقة المواجهة للساحل كثير من المستنقعات الملحية، وتكثر الخلجان والنتوءات الصخرية كما هو الحال في منطقة رأس الحمرا.
ورغم ارتفاع معدلات الحرارة صيفا في مسقط، وكذلك الجو الخانق بسبب ارتفاع الرطوبة النسبية للهواء خاصة في فصل الصيف، فان سهل الباطنة هو مركز الثقل العمراني لتوافر المياه، فمع أن معدل الأمطار السنوي لا يزيد كثيرا عن 100مم، فان مصبات الأودية الجبلية التي تنتهي إليه توفر موردا جوفيا كان السبب في نشأة القرى والتجمعات السكانية منذ أقدم العصور، فبالإضافة إلى سهولة الاتصال برا وبحرا كان صيد الأسماك والزراعة والتجارة هي عماد اقتصاد ناجح ساعد على نمو مراكز العمران بهذا السهل وتكاتفها بشكل لا نظير له في الجبال.
ج- السهول الداخلية: وهي عبارة عن الأراضي الواقعة عند حضيض الجبال، وتشكل في مجموعها صحراء رملية هي امتداد لصحراء الربع الخالي، وتقدر مساحتها بما يعادل 20 بالمائة من جملة مساحة سلطنة عمان، وتكثر هنا الكثبان الرملية والسبخات المحلية، كما تندر المياه العذبة، مما يجعل الحياة البشرية بصورة تجمعات عمرانية مستقرة أمرا نادرا أن لم يكن مستحيلا.
2- العامل الديموغرافي:
عرف سكان عمان بأنهم رعاة متنقلون فيما عدا بعض المناطق التي تتوافر بها مصادر المياه العذبة التي تسمح بقيام نوع من الاستيطان مثل بعض مناطق سهل الباطنة الذي يقطنه حوالي ثلث سكان عمان (2)، ويكاد يقتصر الاستقرار البشري على القرى المنتشرة هنا وهناك معتمدة على الصيد والزراعة (شكل رقم 3).
أما الاستقرار أو الاستيطان المدني فيكاد يقتصر على الميناء الرئيسي، إذ أن عدد سكان المدن الساحلية في عمان لم يتعد الـ 50000 نسمة حتى خلال سنوات الازدهار البحري لعمان.
أما المدن الداخلية (الجبلية) فان التركيز السكاني بها محدود أيضا إذا ما قورن بالنسبة للتركز السكاني في المنطقة الساحلية وخاصة سهل الباطنة، فلا يزيد عدد سكان المدن الرئيسية مثل سمايل والرسناق ونزوي الواقعة في الداخل (المنطقة الجبلية) على عشرة الآف نسمة (3). وحتى هذا العدد يشمل بعض عناصر سكانية يمكن وصفهم بشبه رحل.
تختلف تقديرات سكان عمان من مرجع إلى آخر ومن سنة إلى أخرى، فتقديرات لوريمر تشير إلى أن عدد سكان عمان في عام 1906 قد بلغ حوالي 7165 نسمة، يمثل سكان البادية حوالي 6 بالمائة منهم، وفي حين أن نسبة سكان سهل الباطنة كانت تعادل 21 بالمائة من مجموع السكان، وهي أعلى نسبة سكانية تحظى بها أي منطقة من مناطق عمان، فمنطقة العاصمة مسقط ومطروح لا تزيد نسبة سكانها على 8 بالمائة من مجموع السكان. أما إقليم ظفار فنسبة سكانه تقدر بحوالي 6 بالمائة فقط من مجموع السكان الكلي.
وصل مجموع سكان عمان حسب تقديرات عام 1970 إلى حوالي 435000 نسمة منهم 150000 نسمة في سهل الباطنة أو ما يعادل 33 بالمائة من مجموع السكان، بينما اختصت مدينة مسقط ومطرح بحوالي 5 بالمائة من مجموع السكان.
لقد كانت عمان حتى وقت قريب تمثل منطقة طرد، ففي عام 1975 قدرت نسبة القوى العاملة العمانية المهاجرة ممن تتراوح أعمارهم بين 14 – 40 سنة بحوالي 28 بالمائة من مجموع القوى العاملة العمانية والتي قدرت بحوالي 38400 نسمة (5). كما أن سلطنة عمان استقبلت العديد من الأيدي العاملة الأجنبية، ففي نفس العام (1975) بلغ عدد قوة العمل الوافدة إلى حوالي 100.000 نسمة (6). أما تقديرات البنك الدولي للإنشاء والتعمير فتشير إلى أن عدد سكان عمان بلغ 766000 نسمة منهم 100.000 نسمة من الوافدين وتشير تقديرات سكان عمان (1978) إلى أن عددهم وصل إلى 840000 نسمة، ويتركز منهم في منطقة العاصمة حوالي 80000 نسمة (7). وتشير التقديرات الحديثة إلى أن عدد سكان عمان آخذ بالازدياد (جدول رقم 1) فيما عدا شبه جزيرة مسندم، غير أن الدلائل تشير إلى أن هناك حركة عمران وشبكة طرق مدت حديثا، وكل هذه العوامل من شأنها أن تزيد من سكان شبه الجزيرة لما لها من الأهمية الاستراتيجية.
لكن التزايد السكاني المطلق في مناطق عمان المختلفة قد لا يعطي دلالة واضحة لتوزيع السكان في عمان إلا إذا ما ربط بالنسبة المئوية التي يمثلها سكان كل إقليم بالنسبة لسكان السلطنة بصورة عامة. حيث أن سكان منطقة العاصمة في تزايد مستمر من حيث العدد ومن حيث نسبة السكان المقيمين هنا إذا ما قورن بالمجموع الكلي للسكان، أما بالنسبة لسكان شبه جزيرة مسندم فإن أعدادهم قد ازدادت فيما بين عامي 1970 و1977 إلا أن نسبة سكانها قد انخفضت بالمقارنة بسكان السلطنة بصورة عامة. وكذلك الحال بالنسبة لسكان سهل الباطنة وعمان الداخل، على عكس الحال في منطقة ظفار (8) ومنطقة العاصمة التي شهدت ارتفاعا بالعدد المجرد للسكان وبنسبة ما يمثله هذا العدد إلى مجموع سكان السلطنة (جدول رقم1).

3- العوامل الاقتصادية:
إن للعوامل الاقتصادية أبرز الأثر من حيث تحديد تحكمها في تشكيل ونوع العمران في سلطنة عمان، وذلك لأن نوع الحرفة أو النشاط الاقتصادي هو المسئول الأول عن نشأة العمران وتشكيله وتوزيعه.
كانت حرفة الرعي سائدة في جهات متعددة من عمان، وذلك لملاءمة الظروف الطبيعية لمثل هذا النوع من النشاط الاقتصادي، غير أن حرفة الرعي أوجبت تنقل السكان بحثا عن المراعي والماء ويتفاوت وجودهما من منطقة إلى أخرى تبعا لتفاوت كثافة الغذاء النباتي ومصادر المياه بين جهات سلطنة عمان المختلفة.
لذلك كان لابد من أن يتناسب نوع الحيوان الذي يربى في أي منطقة مع غزارة المرعى وكمية المياه المتوافرة.
مما تقدم يتضح أن نوع الحيوان الذي يربى أو يرعى في أي منطقة كان المسئول الأول عن نشأة نوع من أنواع الاستقرار أو التجمعات الاستيطانية في سلطنة عمان.
إلى جانب حرفة الرعي كانت الزراعة تمارس في مناطق متفرقة من عمان حيث تتركز الزراعة في سهل الباطنة معتمدة على ما تحتويه من المناطق الرملية في القطاع من مياه عذبة جوفية (9).
أما المنطقة الجبلية فلا تتعدى نسبة الأراضي الصالحة للزراعة بها على نصف بالمائة من جملة الأراضي الجبلية، وهذه تتركز في البطون للأودية التي تشكل مناطق مختارة للمياه الجوفية.
الى جانب حرفة الرعي والزراعة مارس سكان عمان نشاطا بحريا منذ القدم، فهناك حرفة صيد الأسماك وما كان لها من أثر على انتشار مراكز الصيد الصغيرة على سواحل عمان. كما كان للنشاط البحري التجاري دور هام في ازدهار عدة موان على الساحل العماني مثل مسقط وصحار وريسوت وغيرها.
لقد لعبت عمان دورا هاما في مجال الثروة المعدنية وذلك منذ القدم إذ أنه من المعتقد أن النحاس في عمان كان مستغلا منذ أيام الآشوريون، أما بالنسبة للثروة المعدنية الحالية فانه من المحتمل أن تلعب دورا هاما في اقتصاديات عمان.
كما لعب إنتاج النفط في السنوات الأخيرة دورها هاما في تنمية الثروة وتوزيع العمران وتطوره، وسيكون للثروة المعدنية إذ ما استغلت استغلالا تجاريا دور مماثل في خلق وتطوير مراكز عمرانية جديدة. كما هو الحال في منطقة تعدين النحاس قرب صحار وما تقتضيه هذه العملية من منشآت عمرانية.
4 – خطط التنمية العمرانية الحديثة:
لقد كان للعوامل السابقة الذكر أبلغ الأثر في تشكيل وتوجيه التنمية العمرانية في عمان، والتي امتازت بكثرة القلاع التي لها نمط عمراني مميز يربط بين ظاهرة التطور العمراني المعروف بتلك المنطقة ومدى وأهمية المراكز الحضرية العمرانية من الناحية الاستراتيجية والذي يعزى في كثير من الأمور، إلى غناها النسبي عما جاورها، فكان لابد من حمايتها، لهذا ظهرت القلاع والأسوار حول أغلب مدن عمان القديمة.
ويعتبر الفن المعماري لمدينة مسقط انعكاسا لثلاثة أنماط عمرانية هي:
1       -      النمط العربي التقليدي.
2 -       النمط البرتغالي المتمثل في قلعتي الميراني والجبلاني اللتين ترجعان إلى القرن السادس عشر.
2       -      النمط الحديث ويتمثل في المناطق السكنية والمنشآت الحكومية الحديثة.
لقد شهدت سلطنة عمان خلال السنوات العشر الأخيرة نهضة شاملة كان من أبرز معالمها تلك النهضة العمرانية التي شملت معظم أن لم تكن كافة أرجاء السلطنة (10). وتتولى عملية الإشراف وتدعيم الحركة العمرانية ثلاث جهات (11).
وصل مجموع رخص البناء الممنوحة في منطقة العاصمة خلال عام 1976 حوالي 1370 رخصة، أما عدد المباني الشعبية التي أنجزتها الحكومة فقد تطورت من 76 مسكنا إلى عام 1973 – الخطة الخمسية الأولى – إلى 2196 مسكنا عام 1980، موزعة بين مناطق السلطنة المختلفة.
هذا إلى جانب التوسع في بناء المدارس التي تطور عددها من ثلاث مدارس عام 1970 إلى 373 مدرسة حكومية عام 1980. وقد شهدت وسائل المواصلات التوسعات الملحوظة وخاصة الطرق البرية التي تربط بين أنحاء السلطنة إذ بلغت أطوال الطرق المرصوفة 217132 كم عام 1980 بعد أن كانت لا تتجاوز عشرة كيلو مترات عام 1970، هذا إلى جانب الطرق الممهدة والتي وصل طولها إلى حوالي 14703 كيلو مترا عام 1980، ويعزى هذا التوسع في أعمال البناء والعمران خلال المدة ما بين 1970 –1980 إلى تدفق الدخل البترولي الذي بدأ منذ أواخر الستينات وبداية السبعينات. ولما كان هذا المصدر هو الممول الأول لقطاع العمران فقد تركزت الإنشاءات العمرانية خلال هذه الفترة. كما أن خطط التنمية كانت في بدايتها الأولى، أي أنها بدأت منذ عام 1970، بالإضافة إلى تزايد الطلب على المساكن بعد هذا التاريخ (1970) كما يتضح من أرقام عام 1980. ونتيجة لما ترتب على تنفيذ خطط التنمية الأولى التي استوجبت جلب اليد العاملة الأجنبية لاتمام متطلبات خطط التنمية العمرانية، المتمثلة في إعادة بناء المساكن القديمة التي استملكتها الحكومة بالإضافة إلى انتشار أعمال البناء والعمران في مختلف ولايات سلطنة عمان، إلى جانب محاولة الحكومة تهيئة السكن المناسب لمواطنيها.
أما بالنسبة لتطوير الخدمات الخاصة بالمناطق العمرانية فقد جعلت الحكومة العمانية خطط تطوير العمران مرتبطة بإنشاء المراكز التي تضم كافة منشآت الخدمات الضرورية لسكان هذه المدن أو التجمعات السكانية.
ولما كان هناك تفاوت فيما تحتويه كل مدينة من هذه المنشآت فقد عمدت الحكومة إلى توزيع هذه الخدمات توزيعا عادلا بين أجزاء السلطنة المختلفة. وكان من الضروري أن تتمشى هذه المراكز أيضا مع تطورها التاريخي وظروف التوزيع السكاني في السلطنة، ولهذا تم تصنيفها كالآتي:
1-      مراكز من المرتبة أو الدرجة الأولى تحتوي كافة المنشآت (12).
أ‌-     منطقة العاصمة (مسقط).
ب‌- منطقة العاصمة الجنوبية (صلالة).
2- مراكز من المرتبة أو الدرجة الثانية (13) (نزوي وصحار وصور وخصب) وتحتوي جزء من المنشآت الضرورية.
3       - مراكز من المرتبة أو الدرجة الثالثة (عبري والبريمي وبهلا والكامل وسمايل والرستاق وشناص) وتحتوي بعض المنشآت الضرورية.
4       - مراكز من المرتبة أو الدرجة الرابعة ( الاشخرة – جبال ظفار – ونجد، وسط ظفار) تقتصر المنشآت بها على المدرسة والسوق والمسجد وعيادة أو صيدلية وملعب رياضي. (شكل رقم 4).
يتضح مما تقدم أن عمان شهدت خلال السنوات القليلة الماضية تطورا واضحا وكبيرا. غير أن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: ما مدى كفاية هذا التطور العمراني لسلطنة عمان، سواء على مستوى العمران السكني أو قطاع الخدمات العامة لمواجهة التزايد السكاني؟؟ لهذا لابد من الإشارة الى التزايد الملحوظ في عدد سكان بعض المدن الرئيسية، فقد وصل حجم قوة العمل الوافدة حوالي 100.000 نسمة عام 1975 بالإضافة الى 38400 نسمة جاءوا من المناطق الداخلية من سلطنة عمان خلال نفس السنة، وهذه الأعداد بحد ذاتها ستزيد من الطلب على المساكن والخدمات في منطقة مسقط وحدها. وقد تكرر مثل هذا الوضع في بعض المدن الرئيسية، مما دعى الى ضرورة تزايد نصيب الاستثمار العمراني بين قطاعات الإنفاق العام للدولة، ففي خلال عام 1970 وصل إجمالي ما انفق على قطاع العمران حوالي 55.5 مليون ريال عماني (14). وقد وصل هذا الرقم الى 396 مليون ريال عماني خلال خطة التنمية الخمسية الثالثة 1981 – 1985، وعلى هذا وصل نصيب القطاع العمراني الى حوالي 37 بالمائة من مجموع الناتج المحلي لعام 1971، كما أن هذه النسبة ارتفعت حتى وصلت الى 45 بالمائة عام 1980 ويتوقع أن تصل الى 46 بالمائة خلال عام 1985.
أي أن نصيب القطاع العمراني سيزيد عن نصف مجموع الناتج المحلي خلال السنوات القليلة القادمة.
لقد حظى التخطيط العمراني لمنطقة العاصمة والمدن الساحلية بالنصيب الأكبر من العمران، أما منطقة الداخل – مثل مشروع تنعم قرب عبرى والعيمة في منتصف المسافة بين مسقط وصلالة – فان معظم حركة العمران بها عبارة عن مشاريع لم تنفيذ بعد. كما أن هذه المراكز التي تم التخطيط لها تفتقر إلى توفير فرص عمل للسكان الذين سيستقرون بها.
إن مثل هذا التوزيع في الخدمات المختلفة بين عدد من المراكز سيؤدي إلى التخفيف من الضغط على منطقة العاصمة، وخلق مراكز خدمات موزعة بين أرجاء الدولة المختلفة والتي بدورها تمثل مناطق جذب للسكان الذين اخذوا يضغطون على منطقة العاصمة. ومن المأمول أن يؤدي هذا إلى تلافي الأخطاء التي حدثت في كثير من دول المنطقة والتي تأثرت بها منطقة العاصمة دون غيرها مما أدى إلى تردي الخدمات العامة وعدم المقدرة على توصيلها لكل من يحتاج إليها في الوقت المناسب.
أما بالنسبة للمنشآت السكنية التي تم إنجازها، فعلى الرغم من وفرتها وانتشارها، فان هذا العدد لابد أن يتناسب وتزايد عدد السكان في مناطق التجمعات السكنية المختلفة خاصة في المدن الكبرى (العاصمة).

ثانيا: أنماط التنمية الحضرية في عمان

لقد تأثرت الأنماط العمرانية إلى حد كبير بالعوامل السابقة الذكر والتي كان لها دور رئيسي في تشكيل وتوزيع هذه الأنماط العمرانية.
على الرغم من تنوع وتعدد خصائص الاستيطان الاقتصادية والاجتماعية، إلا أن خصائص ومميزات مشتركة على اختلاف مواقعها الجغرافية وتباين التأثيرات العمرانية، وتتلخص هذه الخصائص فيما يلي:
1-      معظم مناطق العمران في عمان تحيط بها الأسوار وتنتشر القلاع عند مداخلها.
2-      معظم مبانيها تتوزع بصورة تكاد تكون عشوائية وغير منتظمة.
3-      غالبا ما تكون مواد البناء المستخدمة من الحجارة أو الطين المحروق والمصنوع محليا.
4-      تتركز معظم المناطق العمرانية حول مصادر المياه العذبة، إذ أننا نجد مصادر المياه تتحكم الى حد كبير بتوزيع مناطق العمران ومساحتها أو اتساعها، لهذا تكاد تخلو الجهات الصحراوية في عمان من العمران.
5-      غالبا ما تتركز قبيلة واحدة في منطقة سكنية واحدة كما هو الحال في الواحات أو قد يشتمل التجمع الحضري على أكثر من قبيلة تستأثر كل واحدة منها بحي واحد.
6-      غالبا ما تقتصر الأهمية الوظيفية للمدينة أو المنطقة العمرانية على خدمة التجارة، إما بصورة مناطق تجمعية للحاصلات أو منتجات الإقليم  سواء كانت منتجات زراعية أم صناعية (نسيج ، أسلحة، ذهب، فضة) وإما لربط الإقليم  بغيره من الأقاليم الجغرافية المتعددة في عمان.
7-      يرتبط توزيع العمران في كثير من الأحوال بتوزيع الاودية، فهي غالبا ما تقع عند المخارج لهذه الاودية التي تمثل مصدرا للمياه وطرقا تشكلها القوافل (المواصلات) وتربط هذا التجمع العمراني بغيره.
8-      قد تشكل بعض الوحدات محطا للقوافل التجارية إما للراحة وإما للمبادلة التجارية.
هذا التشابه في بناء أو تأسيس الكيان العمراني لمعظم مناطق الاستقرار في عمان ارتبط إلى حد كبير بالعامل الاقتصادي – كما سبق ذكره، إلا أن الوظيفة الاقتصادية والاجتماعية والتاريخية قد لا تختلف باختلاف الموقع فقط مثل سهل الباطنة وساحل ظفار، بل أن أوجه الاختلاف تكون أوضح وأصدق بين الموقع الساحلي والموقع الداخلي أي بين المناطق السهلية والمناطق المرتفعة الجبلية.
ففي المناطق الساحلية على اختلافها نجد أن الأهمية الوظيفية للمدينة ارتبطت بالبحر ونشاطاته المختلفة، حيث تركزت صناعة السفن المحلية التقليدية وازدهرت الأعمال المرتبطة بها من أسفار، وما تبعها من ذلك من توسع عمان الجغرافي الذي امتد حتى سواحل أفريقيا وبلاد فارس. إلى جانب نشاط الصيد البحري الذي اعتمد عليه السواحل.
أما المدن الواقعة إلى الداخل فان أهميتها ارتبطت بغناها النسبي عما جاورها من مناطق جبلية خاصة، و أنها عادة ما تتركز في المناطق القريبة من الأودية حيث تتوافر مصادر المياه، كما أن هذه الأودية تعتبر ممرات طبيعية تربط هذه المدن بغيرها. لهذا فالأهمية هنا مقرونة بإمكانية ربط المدينة بغيرها، كما أن الحماية الطبيعية أمر مهم بالنسبة لكافة أنحاء عمان.
أما من حيث الحجم فان معظم أن لم تكن كافة المراكز العمرانية في عمان عبارة عن تجمعات سكنية محدودة من حيث المساحة وعدد السكان، لهذا يمكن اعتبارها مدنا صغيرة تتفاوت في أحجامها وعدد سكانها ويعود هذا التفاوت بالمقام الأول لضيق سبل الكسب في معظم الأحيان، فالتجمعات السكانية المنتشرة في سهل الباطنة والتي هي عبارة عن التجمعات المبعثرة ارتبط وجودها بعمليات صيد الأسماك (شكل رقم 3).
أما بالنسبة للمدن الساحلية والتي لها اتصال بالعالم الخارجي (المواني) فقد ازدهرت واتسعت من حيث حجمها وعدد سكانها وغناها النسبي. غير أنه في بعض الاحيان نجد أن عامل التضاريس يحد من توسعها العمراني كما هو الحال بالنسبة لمدينة مسقط العاصمة (قلب المدينة القديم) مع أن هذا الضيق في الرقعة المساحية له ما يميزه عن غيره من حيث الحماية الطبيعية إذ أن سلاسل الجبال المحيطة بالمدينة تعتبر حاجزا طبيعيا يحمي المدينة من الداخل – كما أن امتدادها شرقا حتى مياه البحر وفر لها الحماية والأمن، لهذا أقام البرتغاليون قلاعهم هناك.
لا تقتصر العوامل المؤثرة على حجم العمران في عمان على العوامل الاقتصادية والطبيعية، بل أن هناك عوامل بشرية أو اجتماعية أن صح لنا التعبير تؤثر في حجم التجمعات العمرانية، فبعض التجمعات العمرانية قد تستأثر بها قبيلة واحدة أو عدد معين من القبائل التي تجمع بينها صلات وعلاقات جيدة في موقع أو تجمع عمراني واحد دون غيره، أو قد يقتصر تجمع القبيلة في حي واحد من المدينة كما سيأتي الكلام عنه فيما بعد.
1 - نمط العمران في السهل الساحلي الأوسط (15).
يتميز العمران في هذه الأجزاء بامتداد موازيا للساحل، وغالبا ما يأخذ شكلا مستطيلا وموازيا لخط الساحل.
وتتركز المساكن حول قلب المدينة الذي يتوسطه المسجد ومنطقة السوق، وغالبا ما يقع الحصن في مواجهة البحر. وفي هذا السهل الساحلي الأوسط يأخذ العمران أو الأحياء السكنية شكلا متصلا، كما تحاط معظم المدن بأسوار للحماية، وتمتد خلف الأسوار الأراضي الزراعية كما هي الحال في صحار ومسقط، وقد توجد خلف الأسوار بعض الأكواخ. أما في المناطق التي لا توجد بها مدن رئيسية فان العمران يأخذ شكل أكواخ متفرقة على مسافة ممتدة في موازاة الساحل، ويتوسط المسجد هذا الامتداد العمراني المحدود، وخير مثال على نمط العمران في السهل الأوسط مدينة مسقط.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق