الأحد، 15 يناير 2017

نظريات تقييم المشروعات

نظريات تقييم المشروعات
على الرغم من حداثة النظريات التي عالجت موضوع تقييم المشروعات، إلا أن الممارسات العملية سبقت عملية وضع القواعد أو النماذج بفترات طويلة. لذلك يمكن القول أن تقييم المشروعات بدأ في شكل ممارسات ثم وصفت النظريات لتفسير الممارسات العملية.
نشأة نظرية التقييم:
        يمثل التقييم نشاطاً رسمياً يمارس في كثير من مؤسساتنا، وأوجه حياتنا، ويرجع تاريخه إلى سنوات بعيدة من تاريخ البشرية، فمن أقدم ما ورد إلينا من ممارسات التقييم، اختيار مدى فاعلية عصير الزيزفون lime-juice على منع انتشار مرض الاسقربوط بين البحارة البريطانيين والذي أجرته البحرية البريطانية في القرن 18.
        على كل حال لم يتم الاعتراف بعملية التقييم ضمن مجالات الدراسات الأكاديمية إلا منذ الستينات من القرن العشرين. ومنذ ذلك الوقت بدأ الاهتمام بحقل تقييم المشروعات سواء من الناحية النظرية أو العملية ويرى البعض أن الإهتمام بدأ بممارسات التقييم العملية أولاً، ثم اشتقاق النظريات التي تؤصل للحقائق بعد ذلك. ومنذ ذلك الحين ظهر الخلاف الأيديولوجي وعدم التوافق حول المفاهيم والتعريفات، والمصطلحات وقواعد العمل والقيم والأخلاقيات التي تحكم عملية التقييم في الواقع.
        وقد رصد بعض الباحثين عام 2004 نحو 60 نموذجاً مختلفاً لتقييم المشروعات ما بين عامي 1960/1990. وأرتبط ذلك باختلاف الممارسات والأنشطة محل التقييم والأهداف حيث لم تكن هناك نظريات حاكمة لتلك المفاهيم والأساليب. لذلك كان من المهم اشتقاق ووضع نظريات تحدد أسس وقواعد العمل.
        وترجع أهمية وجود إطار نظري أي إطار يحدد قواعد العمل إلا أن النظرية تصنع الفروض والأسس التي تبنى عليها الممارسات العملية ومن ثم تحدد نموذج معين للعمل. وإذا تعددت النظريات أو القواعد والفروض تتعدد نماذج وأدلة العمل، لكن يظل هناك أسس وقواعد ترتكز عليها هذه النماذج مهما تباينت. وإجمالاً يمكن القول أن النظريات المتعددة تقوم على أسس وقواعد ومفاهيم مختلفة، ويترتب على كل نظرية نموذج معين للممارسة العملية يقوم على اشتراطات ومفاهيم مختلفة للتقييم والتي تقود بطبيعة الحال إلى ممارسات مختلفة.
اشتقاق تقسيمات طرق التقييم:
حاول كثير من الباحثين تفسير التنوع الكبير والتباين في طرق ونماذج ونظريات التقييم، ومن ثم محاولة تصنيف هذه الأنواع وتقسيمها إلى أنواع، إلا أن العملية لم تكن سهلة.
        وفيما يلي نعرض لأسس ومعايير تقسيم الأنواع المختلفة لتقييم المشروعات:
1- الأسس الفلسفية / الأيديولوجية.
        ومعنى ذلك أن مناهج التقييم يمكن أن تختلف فيما بينها على أساس الفلسفة أو الأسس والقناعات التي تبنى عليها، أي أن النظريات المختلفة للتقييم تبنى على أسس مختلفة حول طرق التقييم ومجاله، وبالتالي فإن النموذج المطبق أو الممارسات العملية التي ستبنى على هذه النظريات لابد وأن تختل بالتبعية، وسوف تتباين من تقيم موضوعي إلى تقييم شخصي أو نوعي.
فالتقييم الموضوعي يقابل التحليل والقياس الموضوعي المدرك بالحواس كما في البحث العلمي الموضوعي، ويرتكز على تجميع البيانات وأساليب التحليل التي توصلنا إلى نتائج مبررة يمكن اختبارها والتأكد منها لو تم مراجعتها، وإقامة الدليل عليها وتبريرها علمياً. لذلك فالتقييم هنا خارجي مبنى على حقائق وأسس فنية وعلى ممارسات عملية. فالشركة التي تحقق نسب ربح متدنية عما هو سائد في الصناعة التي تنتمي إليها، يمكن التأكد من نتائج أعمالها من سجلات الشركة، ومن سجلات الشركات المناظرة وما هو سائد من حقائق حول نسب الربحية التي يجب أن تحققها الشركات العاملة في مجال معين.
        أما التقييم الشخصي أو الأحكام الشخصية، فيبنى على التجربة الشخصية أكثر منه على الأساليب العلمية، بمعنى أن معرفة وعلم المقيم (أو فريق التقييم) هو مجرد إدراكات ناتجة عن الفهم والاعتقاد أكثر منها عن العلم.
ومعنى ذلك أن الثقة في عمليات التقييم القائمة على المنهج الشخصي أو الأحكام الشخصية تعتمد على خلفية المقيم أو فريق التقييم وعلى خبراتهم وممارساتهم ودقة ادراكاتهم والأحكام التي يصدرونها.
ولذلك فإن التقييم الموضوعي يعد خارجي بطبيعته أي يمكن اختياره والتأكد منه، بينما التقييم الشخصي يعد داخلي وليس بالإمكان اختباره من قبل أشخاص آخرين.
ورغم أهمية التقييم الموضوعي إلا أن البعض يرى أن التقييم على خلاف البحوث العملية التقليدية يتعلق بظواهر معقدة في الواقع العملي، ويتناول جوانب عديدة في أي مشروع، ويلبي احتياجات العديد من أصحاب المصلحة والعلاقة مع المشروع ويتطلب جهوداً بشرية كبيرة، وبالتالي فهناك دائماً حاجة إلى أحكام شخصية بجانب التقييم الموضوعي والحقائق التي يتم التوصل إليها.
ويتمثل أهم نقد موجه للتقييم الشخصي إلى أنه يقود عادة إلى نتائج متعارضة لا يمكن تجنبها لأن العملية التي أدت إلى هذه النتائج هي داخل عقول فريق التقييم وبالتالي لا يمكن تكرارها أو التأكد منها واختبارها.
2- أنواع التقييم وفقاً لقيمة المشروعات ومنافعها:
لا تقتصر الاختلافات بين نماذج التقييم على مجرد الأسس الفلسفية أو الأيديولوجية التي تقوم عليها، فكما رأينا فإن التقييم يمكن أن يعتمد على حقائق مجرد يمكن الرجوع إليها واختيارها وهو ما يطلق عليه تقييم موضوعي، أما إذا قام التقييم على الإدراكات الشخصية فيعرف بالتقييم الشخصي.
وهناك تباينات وأسس أخرى يمكن أن يقوم عليها التقييم منها تعريف القيم والقيمة، بمعنى أنه يمكن التمييز بين المناهج النظرية المختلفة اعتماداً على كيفية تعريف هذه القيم ومن ثم إصدار الأحكام وليس بناء على الاختلاف في الفلسفات.
وهنا يمكن التمييز بين نوعين من التقييم، الأول يحاول أن يقيم الأثر النهائي للمشروع على المجتمع ككل، بمقارنة النتائج المتحققة مع بعض المعايير القياسية لتحديد قيمة المشروع، ويصلح هذا الأسلوب لتقييم المشروعات الحكومية والعامة كالمدارس والمشاريع الصحية وغيرها.
أما النوع الثاني الذي يستند على القيمة النهائية للمشروع، فيهتم بما حققته بعض الفئات أو بعض أصحاب المصالح من مكاسب، أي يهتم بقياس أثر البرنامج على كل فئة. والمشروع الأكثر تفضيلاً هو الذي يعظم المكاسب التي تحصل عليها كل الفئات.
3- الاختلاف في الممارسات:
تقوم التقسيمات السابقة على أسس نظرية، سواء كانت الفلسفات التي تستند إليها أو القيمة المترتبة على المشروع نفسه.
فهناك أولاً تباين في وجهات النظر بين المقيمين حول دور عملية التقييم وما إذا كانت تقتصر على مجرد توفير المعلومات حول الأداء والنتائج، ثم يترك الأمر بعد ذلك لمتخذي القرارات لإصدار الأحكام النهائية، أم أن على فريق التقييم أن يقوم بإعداد تقرير نهائي يتضمن أحكاماً حول الأداء والنتائج، وإلا فإن التقييم لا يكتمل ثانياً، تتباين وجهات النظر حول دور فريق التقييم ومكانهم في عملية التقييم، ومن ثم التأثير على الطريقة التي يجرى بها التقييم والنتيجة التي يتم التوصل إليها. فالمقيمون الذين لديهم سلطات ومسئوليات عمل، غير المقيمون الذي بلا صلاحيات. ومن هنا يوجد تقييم يوفر نصائح أو نقد صريح، وتقييم يترتب عليه مما سبق، ففي الحالة الأولى يجرى التقييم بطريقة آلية وودية، بينما يتفحص فريق العمل في الحالة الثانية دور الفاحص والقاضي أو الحكم.
من ناحية ثالثة لم تعد عملية التقييم اختيارية، أو يقوم بها بعض الأفراد ممن لديهم إلمام بأسس التقييم أو خبرات متراكمة، خصوصاً بعد أن أصبح التقييم عملية مهنية وتم الاعتراف بها كمجال عمل متخصص. وبالتالي أصبحت هناك مراكز ومنظمات متخصصة في إجراء عملية التقييم على أسس مهنية وعلمية.
4- تقسيم النظم :
يوجد تقسيم أخر يجمع بين الأسس النظرية والعملية لأنواع تقييم المشروعات فيما يلي :
       التقسيم وفقاً للأهداف.
       التقسيم الإداري.
       التقسيم بناء على المستفيدين.
       التقسيم بناء على الخبرة.
       التقسيم بناء على المشاركة.
       التقسيم بناء على التعلم.
ويوضح الشكل التالي مدى التواصل بين نماذج التقييم المختلفة.
شكل رقم (1)
تقييم شخصي                                          تقييم موضوعي
تقييم مؤسسي                                                         تقييم عام مجتمعي

المشاركون – الخبرة – التعلم – المستهلكون – الإدارة - الأهداف
1- مناهج التقييم حسب الأهداف (مناهج تقييم الأهداف):
تقوم هذه المناهج على فكرة أن أهداف المشروع يجب أن تكون محددة منذ البداية، ومن ثم فإن التقييم يجب أن ينصب على ما إذا كانت هذه الأهداف قد تحققت أم لا، وإذا لم تحقق فلماذا ؟
وتتشابه هذه المناهج ما منهج أخر يسمى منهج النظم، والاثنان عادة ما يستخدما في تقييم المشروعات الحكومية والتي تهتم بتبرير المبالغ التي تم صرفها وضرورة قياس الإنجاز الذي تحقق.
ويعاب على هذه المناهج تجاهلها لمخرجات المشروع، خاصة إذا لم تكن مدرجة ضمن الأهداف الأساسية، كما أنها لا تتعامل مع قيمة وأهمية الأهداف ذاتها.
2- مناهج التقييم على أساس إداري :
تستهدف هذه المناهج مساعدة متخذي القرارات من الإداريين. وتقوم على أساس أن توفير معلومات التقييم مسألة هامة في اتخاذ القرارات، وبالتالي فإن فريق التقييم يوفر دعماً أساسياً لمتخذي القرار عندما يركز على احتياجات المديرين وصانعي القرار وغيرهم من المساهمين في الإدارة.
وتركز هذه المناهج على اتخاذ القرارات بخصوص المدخلات، والعمليات والمخرجات التي تقوم عليها نظرية المنطق ونظرية التحكم الآلي Logic cybernetic theary ويجب عند إجراء التقييم على أساس إداري، أن تحدد مستويات اتخاذ القرار، ومتخذي القرارات، والذين سوف يستخدمون نتائج التقييم، وكيفية ذلك.
ومن هنا فإن هذه المناهج تلقى قبولاً واسعاً من المديرين، والمجالس العليا، إلا أن أهم ما يؤخذ عليها هو تجاهلها لاهتمامات الأطراف الأخرى كالعملاء.
3- مناهج التقييم على أساس المستهلكين:
تعكس هذه المناهج اهتمام المستهكلين أو المستخدمين النهائيين عموماً للسلع والخدمات التي توفرها الشركة أو المشروع. لذلك فعادة تجرى هذه المناهج على أساس تجميعي (كلي) Summative وليس على أساس العمليات وينصب التقييم على المنتج.
وتستخدم المناهج التي تهتم بالمستهلك أو المستخدم النهائي على مؤشرات قياسية وهناك مؤسسات وهيئات كثيرة توفر هذه المؤشرات وتقوم بتنفيذ التقييم ومنح الشهادات مثل المعايير القياسية للمنتجات.
وتمثل أهم المآخذ في أنها تهتم بالنتائج ولا تساعد في تطوير العمليات بشكل مباشر أو التنبؤ بالآثار المستقبلية.
4- مناهج قائمة على الخبرة:
        تقوم هذه المناهج على الخبرة والنقد وتعتمد على الأحكام الشخصية المهنية وخبرة العمل لفريق التقييم. وتعد من أقدم مناهج التقييم المعروفة ولا تزال تمارس حتى الآن رغم ما يواجهها من قيود.
        وتؤدي عملية التقييم المعتمدة على الخبرة، إما بشكل رسمي أو غير رسمي سواء قام بها شخص واحد أو فريق عمل من الخبراء. ويتمتع فريق العمل ببعض المزايا حيث يمكن تفادي عملية التحيز، رغم أن ذلك لا يحدث في العادة ، حيث يتم الاعتماد على خبرة وحكمة المقيم دون الاعتماد على أدوات خارجية أو مؤشرات.
        وتعتمد كثير من المؤسسات الحكومية على هذه المناهج، مثل نظام التفتيش المدرسي، وهيئات منح التراخيص، وهيئات المراجعين، ونظام المحكمين في البحوث العلمية التي تنتشر في الدوريات العلمية.
        وفي منح الشهادات الجامعية، وإجازات الماجستير والدكتوراه، يتم الاعتماد على خبرة أعضاء هيئات التدريس، فقد يتم تعيين محكم خارجي لضمان الحيدة.
        وتمثل أهم العيوب في الاعتماد الكبير على الخبرات الشخصية، وعدم توفر معايير قياسية سواء ضمنية أو منشورة في كثير من الحالات. كذلك فإن الثقة في نتائج التقييم واعتمادها تعتمد على الثقة في المحكم.
5- مناهج التقييم على أساس التعلم :
        وتستهدف هذه المناهج أن توفر أداة من أدوات التعلم المؤسسي أو الجماعي من خلال تصحيح الأخطاء في العمليات أو تصحيح السلوك والتعلم الاجتماعي، ومن ثم أصبح التقييم يساهم في خلق المعرفة داخل المؤسسة. ورغم عدم انتشاره الواسع إلا أن كثيراً من المؤسسات الاجتماعية بدأت في تطبيقه كالمؤسسات التعليمية ومنظمات المجتمع المدني الأهلية.
        وتتمثل أهم المآخذ في أنها لا تجرى أي مسح شامل للمنظمات، بقدر ما تعتمد على التفاعل الشخصي بين المقيم وفريق المشروع، وفهم المقيم للاحتياجات التعليمية أو المعرفية للمنظمة.
6- مناهج التقييم القائمة على المشاركة :
        يختلف هذا المنهج عن كل المناهج السابقة، في أنه يأخذ في الاعتبار احتياجات قد تأخذ اهتمامات ومصالح الأطراف ذات العلاقة بالمشروع في الاعتبار إلا أن أهم ما يميز هذا المنهج أنها تعد نقطة بداية، وليس نقطة نهاية كما في المناهج الأخرى.
        وتتمثل الأطراف ذات العلاقة ليس فقط المستفيدون المباشرون من المشروع ولكن جميع الأطراف بل والمستفيدون المحتملون. ففي مشروع تعليمي للسيدات فإن الأطراف ذات العلاقة تضم المتعلمون أنفسهم، والعاملون بالمشروع والفريق الإداري، والمؤسسون، بل وكذلك المجتمع ككل، وأسر المتعلمات.
        ولا يعتمد هذا الأسلوب على نماذج جاهزة أو خطة رسمية معدة مسبقاً وإنما يعتمد على البيانات الموجودة، والتي يتم تجميعها بطرق مختلفة، وباستخدام أساليب متنوعة ومن مصادر متنوعة.
        وتتمثل أوجه النقد في البيروقراطية نظراً لعدم توفر الموضوعية اللازمة للتقييم، وصعوبة توقع نتائج التقييم، وصعوبة التحكم في التكاليف. كذلك فإنه بدون وجود خبرات واسعة لتسهل عملية التقييم قد لايتم التوصل إلى نتائج هامة، وأخيراً يركز هذا المنهج على العمليات أكثر من تركيزه على النتائج.

نظرية البرنامج والمشروع
النموذج المنطقي :
        هناك نماذج ونظريات عديدة يمكن استخدامها في تقييم المشروعات، أحد هذه الأدوات الهامة هو النموذج المنطقي والذي أعده خصيصاً W.K kellog للتقييم، ويمكن استخدامه أيضاً لتخطيط المشروعات والمتابعة والتنفيذ والرقابة، ويطلق عادة على النموذج المنطقي مصطلح نظرية البرنامج أو نظرية المشروع في حقل تقييم المشروعات.
تعريف النموذج :
        يعرف النموذج المنطقي كصورة تعكس كيفية آداء المنظمة أو المشروع لأعمالها، وتفسر النظرية والفروض التي تحكم عمل المشروع. ويربط النموذج مخرجات المشروع بأنشطته وعملياته في ضوء عدد من القروض النظرية والمبادئ الأساسية.
وقد ركز كيلوج عند إعداد هذا النموذج على تطبيقاته العملية. وقد تم تطبيقه على نطاق واسع حيث تبين أنه نموذج عملي ويسهل من التفكير والتخطيط والإتصال حول أهداف المشروع وتنفيذ عملياته.
        ويساعد النموذج على تحسين دور التقييم في دعم إدارة المشروع، ذلك أن القدرة على تحديد وقياس المخرجات، وتوقع طرق قياسها توفر للمهتمين بالمشروع خريطة طريق واضحة المعالم. فوجود خريطة، كتزايد ثقة المهتمين والعاملين ويعرفون موقعهم من مختلف جوانب المشروع وتزداد مشاركتهم وتفاعلهم بوعي وإدراك لأهميتها.
        والحقيقة أن أي تقييم فاعل للمشروع لا يهتم فحسب بمجرد تجميع وتحليل وتوفير البيانات، انه يساعد كل المهتمين على تجميع واستخدام المعلومات ويزيد من معرفتهم بالمشروع ويساعد على تحسين الأداء. ولذلك تم تصميم النموذج المنطقي في تقييم المشروعات كأداة للتعلم والإدارة يمكن استخدامها على مدى حياة المشروع بصرف النظر عن نوع العلاقة مع المشروع وسواء كانت ملكية أم إدارة أم عم أم علاقة مجتمعية. ولذلك فإن هذا النموذج بعد أداة للتقييم مفيدة تساعد على التخطيط الفعال للمشروع وتنفيذ عملياته وتقييمه.
أولاً : ماذا يعني النموذج المنطقي logic model
أساساً يمثل النموذج المنطقي طريقة منظمة واقعية لفهم العلاقات بين الموارد التي يستخدمها المشروع والأنشطة التي ينفذها والتغيرات أو النتائج التي يستهدف تحقيقها.
        ويبين الشكل التالي تتابع هذه العناصر ومقسمة إلى عناصر العمل المخطط انجازها: الموارد أو المدخلات والأنشطة، وعناصر النتائج المستهدفة والتي تشمل: المخرجات والنتائج والآثار.
شكل رقم (1)


وفيما يلي نوضح المقصود بكل عنصر من العناصر السابقة:
أولاً : الأعمال المخطط لها، وتشمل الموارد أو المدخلات اللازمة لتنفيذ البرنامج أو المشروع أو كافة أعمال الشركة، وما تنوي عمله من أنشطة.
1-     الموارد (المدخلات): وتضم الموارد البشرية والمالية والتنظيمية وغيرها من الموارد المجتمعية كالأرض والبيئة وغيرها مما يلزم لأداء الأعمال.
2-     أنشطة البرنامج: وتمثل استخدامات الموارد، أي العمليات والأدوات والأحداث والتكنولوجيا والسياسات والتي تعد جزءاً أساسياً لتنفيذ الأعمال والوصول إلى التغيرات والنتائج التي تستهدف الشركة (البرنامج أو المشروع) الوصول إليها.
ثانياً : النتائج المتوقعة وتشمل كل النتائج المرغوب تحقيقها وهي المخرجات، النتائج والآثار.
3-     المخرجات: وتمثل المنتجات المباشرة لأنشطة المشروع، ويمكن أن تضم السلع والخدمات التي يوفرها – المشروع. فالمشروعات الإنتاجية السلعية مثل مصنع الأسمنت أو مزرعة الألبان تنتج الأسمنت والألبان على التوالي كمخرجات أساسية.
4-     النتائج : ويقصد بها ما يترتب على المشروعات من تغيرات في حياة الأطراف ذات العلاقة أو المستفيدة من المشروع، ومن أمثلتها الأرباح المحققة.
وفي مشروعات مثل مستشفى أو مدرسة، تمتد النتائج لتشمل ما تحدثه هذه المشروعات من نتائج في الأجل القصير والمتوسط على حياة المستفيدين من السكان مثل توفير أو تحسين الخدمات الصحية، وسهولة تحصيل التعليم ونشره بين السكان.
5-     الآثار: ويقصد بها التغيرات الأساسية المقصودة وغير المقصودة التي تحدث في المشروع والبيئة المحيطة، كالمجتمع المحلي، ونظم العمل والبيئة، كنتيجة لأنشطة المشروع في الأجل الطويل. ومن المفترض أن تكون هذه الآثار هي الأهداف طويلة الأجل للمشروع أيا كان تجاري، صناعي، خدمي.
من هنا يمكن فهم لماذا يطلق على النموذج المنطقي مصطلح نظرية البرنامج أو نظرية المشروع في حقل تقييم المشروعات، والسبب في إطلاق لفظ نظرية على النموذج المنطقي أنها تصف كيفية عمل المشروعات أو البرامج وتبين ماذا تستهدف تحقيقه وما تحدثه من أثار ونتائج.
كيف تقرأ نموذج منطقي ؟
        تقرأ النماذج المنطقية من اليمين إلى اليسار، حيث تصف أسس البرنامج وطريقة عمله خلال العمر الافتراضي للمشروع، بدءاً من التخطيط وخلال النتائج وانتهاءاً بالآثار. ويقصد بقراءة النموذج تتبيع سلسلة الحلقات السببية لمكونات وعناصر البرنامج أو المشروع، والتي تقرأ على النحو التالي : "إذا ..........فإن........."، بمعنى أن حلقات عناصر البرنامج تترابط مع بعضها في سلسلة سببية، وفيما يلي نفرض لكيفية قراءة النموذج:
1-     الموارد أو المدخلات: وتوضح الموارد المطلوبة على وجه التحديد لعمل البرنامج.
2-     الأنشطة : إذا تم توفير المقادير اللازمة من الموارد، فإن المشروع أو البرنامج يمكن أن يستخدمها لإنجاز الأنشطة التي تم التخطيط لها.
لنفرض أن مجموعة من الأشخاص فكرت في إنشاء مخبز لإنتاج المخبوزات والحلوى في أحد أطراف المدينة. أول خطوة لإنشاء هذا المشروع هي توفير المدخلات أو الموارد المالية اللازمة لشراء الأرض وإقامة مبنى المخبز وشراء الآلات وإقامة التجهيزات وتأجير العمال والمواد الخام.
إذا تم توفير هذه المدخلات فإن المشروع يصبح قادراً على تنفيذ العمليات اللازمة لإنتاج المخبوزات والحلوى.
3-     المخرجات: إذا تم تنفيذ العمليات المخطط لها، فسوف يتم توفير إنتاج المخبوزات والحلوى بالكميات التي تم التخطيط لها. فمهما كانت فترة الإنشاء اللازمة لإقامة المخبز والمعرض فسوف تأتي لحظة بدء العمل، أي تنفيذ العمليات من قبل العمال والموظفين والموردين والبائعين، لعرض منتجات المخبز من المخبوزات والحلوى بالكميات والنوعيات التي تم التخطيط لها.
4-     النتائج : إذا ما تم تنفيذ العمليات المخطط لها، وإنتاج المخبوزات والحلوى كمخرجات أساسية، فإن الأطراف المختلفة سوف تستفيد بطريقة ما من المشروع، حيث يحقق أصحاب المشروع عائد مالي على استثماراتهم، ويحقق السكان ميزة الحصول على احتياجات من منفذ قريب، ويجد الباحثين عن عمل فرص للعمل، وتزيد الدخول للفئات ذات العلاقة من موردين وموزعين وغيرهم.
5-     الآثار : إذا ما تم تحقيق هذه المزايا والمنافع كنتائج للمشروع، فإن تغيرات معينة سوف تحدث في المنظمة، والمجتمع، والبيئة ككل. حيث يحدث ارتقاء لمستوى المعيشة ونوعية الحياة لكل الفئات المتصلة بالمشروع، فهكذا تحدث التنمية والتطور وتتحسن مستويات المعيشة في المجتمعات من خلال إقامة البرامج وتنفيذ المشروعات وإحداث الآثار.
لماذا النموذج المنطقي ؟
فيما يلي تعرض للأغراض المختلفة من استخدام نموذج المنطق وتطبيقاته العملية.
فالغرض الرئيسي من استخدام النموذج هو اعتداد الأطراف ذات العلاقة بخريطة طريق تشرح تتابع المراحل واتساقها وكيف تتابع العمليات بدءاً من المدخلات وانتهاء بالمخرجات والنتائج والآثار. والواقع أن رسم خريطة الطريق تساعد في سد الثغرات وضمان تسلسل واستمرار واتساق العمليات دون اختناقات أو تعثر في المستقبل، كما تبين أهمية تكامل الموارد وكيف تساهم في العملية الإنتاجية وتحقيق الأهداف.
في النهاية يوضح النموذج المنطقي " أو نظرية المشروع/البرنامج" كيف يمكن تحقيق الأحلام التي تم التخطيط لها، وترسم معالم الطريقة والخطوات اللازمة وما هو مطلوب في كل مرحلة حتى يمكن تحقيق المرحلة التالية كما هو مخطط لها، وفي النهاية نرسم صورة إجمالية لكيفية عمل البرنامج.
من ناحية أخرى فإن تقييم أي مشروع والتأكد من أن ما نفعله هو ما تم التخطيط له، يتطلب التخطيط للبرنامج، وإتباع أو تطبيق النموذج المنطقي يحقق لك برنامجاً أو مشروعاً مخطط له بشكل جيد، ويوفر لك بالتالي إمكانية إجراء التقييم بطريقة منطقية متسلسلة وعلاج أية اختناقات قد تحول دون انتظام دولاب العمل والوصول إلى الغابات.
وبالتالي يمكن القول أنه: لا يمكن إجراء تقييم جيد، بدون خطة عمل جيدة" فإذا لم يكن لدى مخططي البرنامج فروض وتصور عن العمل نرشدهم للعمل، وتمكنهم من المتابعة والتقييم، فإن نجاح البرنامج سيكون غير مؤكد.
ويحقق نموذج المنطق مزايا عديدة كأداة للتخطيط والتقييم في نفس الوقت. فالنموذج تخيلي ومنطقي في نفس الوقت، حيث يتطلب رسم التصورات ووضعها موضوع التنفيذ، ومن ثم يتطلب تفكير مرتب ومنطقي، ومن ثم التخطيط لكل المراحل بالصورة التي تحقق النتائج والآثار والمخرجات المطلوبة.
وتتمتع خطة العمل master plan في النموذج المنطقي بالمرونة الكافية، حيث توضح خطوات العمل، وتحدد نقاط القوة، ونقاط الضعف، ومواضع الاختناقات، بما يتيح لأصحاب المشروع استعراض عدة سيناريوهات حتى يتم التوصل إلى أفضل سيناريو للعمل. وهكذا يسمح النموذج المنطقي بتعديل الأساليب، وتغيير المسارات والاختيارات الخاصة بموقع المشروع، ونوعية منتجاته، والعمالة وغيرها من المدخلات والعمليات، حتى يتم التوصل إلى أفضل خطة عمل.
ومتى تم هذا فإن عمليات المتابعة والرصد والتقييم يمكن أن تجرى بسهولة خلال العمليات والإنجاز والتنفيذ.
والحقيقة أن التقييم الفعال، ونجاح المشروع في النهاية يعتمد على الرؤية الواضحة لأصحاب المشروع حول كيف ولماذا يمكن حل المشاكل المحتملة، والبدائل المتاحة والاستخدام الأفضل للأصول والموارد. ولعل أهم مزايا النموذج المنطقي هي المساعدة في خلق فهم مشترك للأهداف، والتركيز عليها وعلى أساليب العمل المختلفة والأنشطة اللازمة لتحقيق النتائج وإحداث الآثار.
أسباب نجاح البرامج المعتمدة على النموذج المنطقي ؟
يتفق كثير من خبراء التقييم على أن استخدام النموذج المنطقي تمثل طريقة فاعلة لتأكيد نجاح المشروع، بمعنى أن الاعتماد على نموذج المنطق خلال كل مراحل البرنامج أو المشروع يساعد في فاعلية التنظيم والتخطيط المنظم للبرنامج، وإدارته وتنفيذ أعمال التقييم بنجاح.
1-     تصميم البرنامج والتخطيط له يعمل النموذج المنطقي كأداة من أدوات التخطيط، ويساعد في تطوير الإستراتيجية، ويحسن من قدرته على كل ما يتعلق بالبرنامج والوصول إلى كل الأطراف ذات العلاقة بسهولة بما فيهم الممولين والجهات الحكومية.
وبالإضافة إلى دور النموذج المنطقي في وضع الهيكل التنظيمي وتصميم البرنامج، فإنه يوفر نوعاً من التقييم الذاتي، بناء على الفهم المشترك لما سيتم عمله طوال حياة المشروع. حيث يتطلب تطوير النموذج المنطقي خلال مرحلة التخطيط اختيار أفضل الأنشطة والموارد اللازمة لتحقيق المنطقي – خلال مرحلة التخطيط – اختيار أفضل الأنشطة والتشاور مع أفضل الخبرات، وهو ما يدعم عملية تصميم البرنامج وإعداد خطة العمل ذاتها.
2-     دعم عملية تنفيذ البرنامج، يتطلب النموذج المنطقي تحديد وجمع البيانات اللازمة لمتابعة وتحسين البرمجة، وبالتالي فإن استخدام هذا النموذج حتى خلال تنفيذ البرنامج وإدارته يتطلب تركيز الجهود على الإنجازات ورصد وتوثيق النتائج، ومن ثم يساعد على وضع سلم الأولويات وإجراء التعديلات والإصلاحات اللازمة دون انتظار.
3-     تقييم البرنامج والتقرير الاستراتيجي، يوفر النموذج المنطقي معلومات عن البرنامج ومدى تقدمه نحو الأهداف بطريقة واضحة وكاشفة لكل الأطراف بما فيها الإدارة.
وكلنا يعلم مدى أهمية التقدم نحو الأهداف وأهمية إعداد تقارير دورية حول النتائج لأصحاب المشروع والمهتمين وغيرهم. فالتواصل والشفافية تعد عنصر أساسياً في نجاح البرنامج وإستمراريته، ويساعد النموذج المنطقي في دعم جهود التسويق الاستراتيجي من خلال 3 طرق أولية:
‌أ-      برامج وصفية بلغة واضحة ومحددة وسهلة الفهم والتقييم.
‌ب-    تركيز الاهتمام والموارد على عمليات البرنامج ذات الأولوية والنتائج الأساسية لأغراض التعلم وتحسين البرنامج.
‌ج-    تطوير وسائل اتصال واستراتيجيات تسويق.
ويوضح الجدول التالي العلاقة بين البرنامج الناجح والمزايا المشتقة من استخدام النماذج المنطقية.

جدول رقم (1)
كيف يؤدي النموذج المنطقي إلى دعم تحقيق الأهداف
عناصر البرنامج       معايير نجاح البرنامج  مزايا برامج النماذج المنطقية
1- تصميم وتخطيط البرنامج  - التعريف الدقيق لأهداف البرنامج وأهمية الآثار الجانبية.
- واقعية الأهداف والنتائج     - اكتشاف الفجوات في النظرية أو منطقية البرنامج والعمل على حلها.
- تشكيل فهم مشترك حول ماهية البرنامج، وكيف تعمل الأجزاء معاً.
2- التنفيذ والإدارة     - الواقعية، الموثوقية – الصلة بالموضوع، وسهولة الحصول على البيانات   تركيز إنتباه الإدارة على الارتباطات المهمة بين الأفعال والنتائج.
3- التقييم والاتصالات والتسويق.     موافقة المستخدمين لنتائج التقييم على كيفية استخدام المعلومات.       توفير فرص لإدماج المهتمين في التصميم والعمليات واستخدام النتائج.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق