السبت، 19 نوفمبر، 2016

الفساد الاداري



أسباب الفساد الاداري والمالي والسياسي ، وآثاره المدمرة :

إن من أهم أسباب الفساد ما يأتي :
1- ضعف الوازع الديني والأخلاقي ، أو عدمه ، وإلاّ فمن كان مؤمناً بالله واليوم الآخر ويعلم علم اليقين بأن الوظيفة مسؤولية ، وأنها خزي وندامة إلاّ من أخذها بحق ، واستعملها بعدل فلا يستطيع أن يأخذ الأموال بالباطل ، أو أن يظلم لأنه يعلم أنه سيموت وسيحاسب حساباً عسيراً ، وأكبر دليل تطبيقي على ذلك سيدنا يوسف حينما عرضت عليه امرأة العزيز وقالت : (وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ)[1].
2- حب الدنيا والمظاهر والغنى على حساب الآخرين .
3- عدم وجود قدوة صالحة في رأس الدولة ، أو المؤسسة ، أو مع الضعف ، وبالتالي فكما يقول المثل : إذا كان شيمة أهل البيت الرقص ................  .
4- عدم وجود فصل بين السلطات الثلاث : التشريعية ، والقضائية ، والتنفيذية ، وعدم إعطاء كل سلطة سلطاتها بدقة وضبط ، وإلاّ فلو قامت السلطة التشريعية : مجلس الشورى " البرلمان " بواجبها من المساءلة والاستجواب لما استجرأ هؤلاء المفسدون أن يعيثوا في الأرض فساداً .
5- عدم وجود قوانين رادعة ، أو قضاء قوي عادل يصل إلى الجميع دون فرق ، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم حينما شفع أسامة في المرأة المخزومية : (إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهمُ الشريف تركوهُ ، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد! وايم الله، لو أن فاطمة بنت مُحمدٍ سرقت لقطعتُ يدها )[2] .
6- عدم وجود لوائح وقوانين تنظم الحقوق والواجبات بشكل عادل .
7- الأثر السلبي للوسائط والشفاعات ، حيث أصبح لدى البعض قناعة : أنه ما دام من قبيلة قوية ، أو له وسائط قوية فإنه سيكون بمنجى من العقاب .
8- وجود فقر ناشئ يظن بعض أصحابه بأنه ناشئ بسبب الظلم الاجتماعي الذي يثير الحقد والحساسية والثأر ، وبالتالي يثأر هؤلاء من الحكومة أو الشركة من خلال الفساد الاداري أو يظنون أنهم أصحاب حق ، وأن كل ما يأخذونه فهو جزء من حقهم ، ومع أن هذا التفكير خاطئ في نظر الاسلام ، لكن له تأثيره على نفسية الفاسد .

الآثار السلبية للفساد الاداري :
  أستطيع أن أعبر عن هذه الآثار المدمرة للفساد الاداري بقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث السابق : (إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهمُ الشريف تركوهُ ، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد! وايم الله، لو أن فاطمة بنت مُحمدٍ سرقت لقطعتُ يدها ) فالفساد الاداري والمالي والسياسي هلاك للنفس وإهلاك للأمة بالكامل ، ويكفي أن نذكر حالة أمتنا الاسلامية التي تتوافر في معظم دولها كل عناصر التقدم والنهضة والتحضر من الموارد المالية والبشرية والعلمية ، ولكن الفساد بجميع أشكاله هو المانع ، وهو العقبة الكأداء .
وإذا ذكرنا بعض الآثار فهي :
1.   التخلف والفقر ، وعدم التقدم
2.   هروب رأس المال إلى الخارج ، وعدم التحمس للاستثمار في داخل البلد لا من أهله ، ولا من غيرهم ( في الغالب ) .
3.   إسناد الأمور إلى غير أهلها وحينئذ قامت قيامة المؤسسة كما قال الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم ، ويترتب على ذلك هروب العقول الجيدة والكفاءات الممتازة إلى الخارج .
4.   عدم وجود الجودة الحقيقية في المنتجات
5.   غياب الثقة ، وتردي حالة التوزيع العادل .
6.   عدم الادخار في المؤسسات والشركات .
   والخلاصة أن الفساد الاداري منظومة تخريب وافساد تطال كل مقومات الحياة ، فهو هدر للأموال والثروات والأوقات والطاقات ، وعرقلة لأداء المسؤوليات ، وتجارة بالوظائف العامة ، وعقبة أمام التنمية والبناء والحضارة ، كما أنه تحطيم للأخلاق والقيم ، وانحراف للسلوك القويم ، فهو تدمير للإنسان والدولة والمجتمع ، ولما يملكه الانسان .


الحل الاسلامي لمشكلة الفساد الاداري ( الاستراتيجية الاسلامية ) :
  إن القضاء على الفساد ، وتحقيق النزاهة على مختلف المستويات ليس عملية سهلة ، بل يحتاج إلى برامج اصلاحية شاملة ، وقدوة حقيقية في قمة الهرم الاداري ، ودعم سياسي فقال ، وتعاون مختلف أجهزة الحكومة ، ومشاركة شعبية ، ومساندة قوية في مختلف وسائل الاعلام ( المقروءة ، والمكتوبة ، والمسموعة ) في التوعية ، وكشف الفاسدين دون خوف ولا وجل ، ومساهمة كافة مؤسسات المجمتمع المدني للوقوف صفاً واحداً لمحاربة الرشوة والمحسوبية ، واستقلال السلطة ، ونحوها .
  إن الآثار المدمرة التي يتركها الفساد يتطلب وضع استراتيجية شاملة ، لأنه لا بدّ أن نعلم أن مستقبلنا السياسي والمالي والاجتماعي ين يزدهر في ظل الفساد الاداري والمالي والسياسي والبيئي .
  ولذلك نعتقد أن الاستراتيجية الاسلامية في القضاء على الفساد شاملة لمختلف أوجه الفساد وصوره ، ومرتكزة على بناء الانسان النزيه الطاهر ، والمجتمع الطاهر ، والدولة الطاهرة القوية ، وهي تتكون في نظري من ستة عناصر متكاملة ومترابطة ، وهي :

أولاً : تحصين الفرد والمجتمع ضد الفساد ، بالعقيدة ، والقيم الأخلاقية والتربوية وتنمية الوازع الديني ، وذلك من خلال منح الدولة ومؤسسات التعليم والتربية العناية القصوى بالتربية الدينية والروحية والسلوكية ، وغرس الأخلاق العالية ، وتزكية النفوس ، وتطهيرها من أمراضها ، وأهوائها ، لبناء إنسان مؤمن بالله تعالى وباليوم الآخر ، يخافه ويخشاه ، ويتقيه في السرّ والعلن ، وبالتالي صنع إنسان صالح قادر على الاصلاح ، وراض بقضاء الله وقدره ، وقانع بما رزقه الله ، لا يبيع آخرته بدنياه ، ولا بدنيا غيره مردداً قول الشاعر :
إذا أظمأتك أكــــف اللئـــام              كفتك القناعة عزاّ وفخراً
فكن رجلاً رِجْلُه في الثرى         وهامة همّته في الثـــــريا
فإن إراقــة مــــاء الحيــاة              دون إراقة ماء المحيّــــى
  ومع بناء الفرد تكون العناية بالأسرة ، وإعطاؤها دورها في تربية النشئ وبناء المجتمع السليم .
ولتحقيق هذه البند يحتاج إلى العمل بما يأتي :
1.   قيام المؤسسات العلمية بوضع مفردات ومقررات تعالج هذا الموضوع بدقة ووضع برامج تعليمية وتثقيفية عن حماية النزاهة ومحاربة الفساد .
2.   وضع برامج توعية تثيقيفة ، ودورات جماهيرية على مستوى القطاع العام والخاص .
3.   قيام الخطباء بالتوعية الدائمة في هذا المجال .

ثانياً : الجانب التشريعي الخاص بالعقوبات الدنيوية والأخروية على الفساد الاداري ( الرشوة ، واستغلال السلطة ، والتعسف في استعمال الحق ) كما سبق .

ثالثا : الثواب الدنيوي والآخروي للولاة العادلين الناجحين حيث يستحقون الشكر والدعاء والتقدير في الدنيا ، والجزاء الأوفى عند الله تعالى تطبيقاً لقوله تعالى : (وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)[3]حيث بينت هذه الآية أن جزاء العمل الصالح الناجح المثمر هو الجزاء هي في الدنيا من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم بالدعاء والرحمة لهم ، ومن قبل المؤمنين بالشكر والتقدير ـ المادي والمعنوي ـ ، ومن الله تعالى بالثناء والشكر والجزاء الأوفى في الدنيا والآخرة ، وقد وردت أحاديث كثيرة في فضل الولاة العدول ، منها قوله صلى الله عليه وسلم : ( إن المقسطين عند الله على منابر من نور ، عن يمين الرحمن ( وكلتا يديه يمين ) الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما وَلَوا )[4] كما ورد الحديث الصحيح المتفق عليه أن الإمام العادل ضمن السبعة الذين يحشرون في ظله يوم لا ظل إلاّ ظله[5] .
ومن المهم بمكان العناية بوضع الجوائز والمكافآت المجزية للصالحين المصلحين .

رابعاً : اشتراط مواصفات معينة فيمن يكلف بأداء الوظائف العامة أو المهمة وإحساسه بمسؤوليته أمام الله تعالى ثم أمام المجتمع والأمة ، نذكر منها ما يأتي :
‌أـ    أن الموظف راع ، وأنه مسؤول عما أؤتمن عليه أمام الله تعالى ، ثم أمام الناس أجمعين ، حيث إن القاعدة الاسلامية المنصوص عليها في هذا المقام هي : ( كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ... )[6] .
‌بـ   وجوب الاخلاص في العمل وإحضار النية لله تعالى ، واستشعار رقابته للوصول إلى مرحلة الاتقان والاحسان في الأعمال كلها لأن الذي يعمل باخلاص كأنه يرى الله تعالى لا يمكنه إلاّ أن يبذل كل جهده للوصول إلى ما هو الأحسن ، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في جواب جبريل عن الاحسان : ( أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك )[7] .
‌جـوجوب بذل الغاية من الجهد والطاقة والنصح لانجاح مهمته الوظيفية ، وتحقيق أهدافها وغاياتها فقد روى مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ما من أمير يلي أمور المسلمين ، ثم لا يجهد لهم ، وينصح لهم إلاّ لم يدخل الجنة ) وفي رواية : ( فلم يحطها بالنصيحة لم يجد رائحة الجنة )[8].
‌دـ  وجوب الحرص الشديد على حفظ الأمانة ، والتغليظ في تحريم الغش من لإمام ، أو السؤول للرعية حيث يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم : ( ما من عبد يسترعيه الله رعيّة ، يموت يوم القيامة وهو غاش لرعيته إلاّ حرم الله عليه الجنة )[9] .
‌هـ التغليظ في تحريم أخذ أي مال من أموال المسلمين بدون وجه حق ، أو إعطائه لأحد ـ مهما كان ـ دون مصلحة معتبرة وضمن صلاحياته ، وهذا يدخل كله في مصطلح       " الغلول " الذي يراد به أخذ مال ـ من أي شخص كان ـ من أموال الفيئ والغنيمة ، أو من أموال الدولة فقد روى مسلم وغيره بسندهم عن أبي هريرة قال : قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات فذكر الغلول ، فعظمه وعظم أمره ، ثم قال : ( لا ألفيّن أحدكم يجيئ يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء ، يقول : يا رسول الله ! أغثني ، فأقول : ( لا أملك لك شيئاً ، قد أبلغتك .... ) حيذ ذكر معظم أنواع الأموال ....[10]. والأحاديث في ذلك كثيرة
‌وـ مع العدل وجوب الشفقة والرحمة من ولاة الأمور ، ووجوب فعل كل ما يحببهم إلى من تحت ولايتهم ، فقد عقد أئمة الحديث باباً في أمر ولاة الأمور بالرفق برعاياهم ونصيحتهم والشفقة عليهم ، والنهي عن غشهم والتشديد عليهم وإهمال مصالحهم ، والغفلة عن حوائجهم ، ثم ذكروا آيات كثيرة منها قوله تعالى : (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ)[11]وقوله تعالى : (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ.... )[12]ثم ذكروا أحاديث كثيرة[13] منها قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( خياركم خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليه ويصلون عليكم ، وشراء أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنوهم ويلعنوكم ...)[14] ومنها قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( أهل الجنة ثلاثة : ذو سلطان مقسط موفق ، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم ، وعفيف متعفف ذو عيال)[15].


([1])  سورة يوسف / الآية 23
([2])  متفقٌ عليه
([3]) سورة التوبة / الآية 105
([4])   صحيح مسلم (3/1458) الحديث 1827
([5])  يراجع : صحيح البخاري ـ مع الفتح ـ (                ) ومسلم (                     )
([6])   سبق تخريجه
([7])  رواه مسلم ، الحديث 8 ، ورواه الترمذي ، الحديث 2613 ، وأبو داود ، الحديث 4695 ، والنسائي (8/97)
([8]) صحيح مسلم ،كتاب الامارة (3/1460)
([9])  المصدر السابق (3/1460)
([10])  صحيح مسلم (3/1461)
([11]) سورة الحجر / الآية 88
([12]) سورة النحل / الآية 90
([13]) يراجع : رياض الصالحين بتحقيق الشيخ شعيب الأرنؤوط  ص 122
([14])  رواه مسلم في صحيحه ، الحديث 1855
([15])  رواه مسلم ، الحديث 2865

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق