السبت، 19 نوفمبر، 2016

معالم القانون الأخلاقي في القرآن الكريم

معالم القانون الأخلاقي في القرآن الكريم

مقدمة
يعتبر الإسلام في حقيقته نظام حياة يتكون من العقيدة والشريعة والعبادات والأخلاق([1]) . ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم : (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) . وقد أخذ الإسلام ما وجده من الأخلاق الحميدة واعتبرها أخلاقاً إسلامية سواء ما كان منها ثمرة للعقل الإنساني الراشد أو النظرة البشرية أو ما جاءت به الديانات السماوية السابقة .
ويعتبر القرآن الكريم والسنة الشريفة مصدراً للأخلاق الإسلامية بحيث يكون دور العقل في الفهم والإدراك والتحليل لما جاء به القرآن الكريم والسنة المطهرة من مفاهيم أخلاقية . وهذا المنهج يختلف عن توجه الفلسفة الغربية التي ترى أن العقل يضع الأصول النظرية الأخلاقية ومقاييسها ويحدد جوانب الالتزام والواجب والمسؤولية الخلقية([2]).
ويبين القرآن الكريم القانون الأخلاقي بشكل شامل في جميع مجالات النشاط الإنساني من حيث علاقة الفرد بخالقه  وعلاقته بالآخرين في مجتمعه وعلاقته بنفسه. ويظهر هذا الشمول في الإحاطة بما جاءت به الديانات السابقة ومتمماً لها. ويمتاز القانون الأخلاقي في الإسلام في تحديد ناحية الالتزام الأدبي في الأخلاق وبيان مصدرها الرباني([3]). وفي المقابل تؤكد الفلسفة الغربية أن مصدر الالتزام هو الضمير أو العقل أو الإحساس الأخلاقي وليس صانع العقل وهذا الاختلاف واضح في القانون الأخلاقي في الإسلام.
ويشكل الإيمان المرحلة الأولى التي تدفع الإنسان نحو الواجب بحيث ينبع الفعل من ذات الفرد وضميره وهي المرحلة الثانية ويكون الباعث على الفعل والدافع له هو إحساس الفرد بالمسؤولية الخلقية([4]). وسنورد فيما يلي ملامح من شمول القانون الأخلاقي في القرآن الكريم.

بعض معالم القانون الأخلاقي في القرآن الكريم.
جاء القرآن الكريم جامعاً لمكارم الأخلاق ومحيطاً بما جاءت به الديانات السابقة  ومنسجماً مع القوانين الأخلاقية لهذه الديانات ومتمماً لها وقد حفظ القرآن الكريم القانون الأخلاقي الذي جاء به موسى عليه السلام وتبين آيات القرآن الكريم في سور عديدة هذه القواعد القانونية والتي جمعها في مقارنة للدكتور (دراز) بين ما جاء في التوراة وما جاء في القرآن الكريم([5]).
التوراة ( سفر الخروج الفصل العشرين)            القرآن الكريم
لا يكن لك آلهة أخرى أمامي      ( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه) الإسراء:23
لا تصنع لنفسك آلهة مسبوكة      ( فاجتنبوا الرجس من الأوثان) الحج: 30
لا تنطق باسم الرب إلهك باطلاً   ( ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم) البقرة: 224
أكرم أباك وأمك                   ( وبالوالدين إحساناً) الإسراء : 23.
لا تقتل                             ( ولا تقتلوا أنفسكم) النساء: 29.
لا تزن                             ( وقل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظو فروجهم ) النور: 30.
                                    ( وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ) النور 31.
لا تسرق                           ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهم) المائدة : 38
لا تشهد على قريبك شهادة الزور ( واجتنبوا قول الزور) الحج : 30.
ولا تشته بيت قريبك               ( ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض )
ولا شيء  مما لقريبك                النساء: 32
ويلاحظ من هذه المقارنة أن القرآن الكيم قد حفظ القانون الأخلاقي الذي جاء به موسى عليه السلام . وتمتاز الأخلاق في القرآن الكريم بأنها قابلة للتطبيق وأنها تعتمد على الوسطية والاعتدال وأنها ترتبط بالجزاء الإلهي وأن لها قيمة ذاتية وليست مرتبطة باللذة أو المنفعة كما يقول الفلاسفة الغربييون واليونان([6]). ولا يدعي المؤلف الإحاطة بكل ما جاء في القرآن الكريم والسنة المطهرة وإنما أورد بعضا من ملامح القانون الأخلاقي في القرآن الكريم ولا يتسع المجال للدخول في تفصيلات أكثر.
أولاً : الفضيلة في القرآن الكريم
يستند السلوك الإنساني إلى ثلاث نزعات هي : 1- نزعة الاستئثار، 2- نزعة المبادلة ، 3- نزعة الإيثار . وتكاد القيم الأخلاقية تكون موزعة على مقياس واحد في أعلاه قيمة ونزعة الإيثار وفي أدناه قيمة الاستئثار بينما قيمة المعادلة والمبادلة فليست فضيلة ولا رذيلة وإنما رخصة مباحة.
وتتسم الفضيلة في القرآن الكريم بعدة سمات منها :
1-   السمة الأولى وهي النهي عن التزيد في حق النفس والحث على الزيادة في حق الغير والفضيلة تعني أن الفرد مخير في المعاملة بالمثل دون نهي عنه أو تحريض عليه.
2-    السمة الثانية أن الفضيلة تصدر عن النفس بطيب خاطر ومثالها إنفاق المال إرضاء لله تعالى وليس الإنفاق على كره من الفضيلة في شيء .
وكذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بدافع من داخل الفرد يبغي منه مرضاة الله. والمجتمع الصالح هو مجتمع العدل والكفاية الذي يقوم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقد ورد في القرآن الكريم العديد من الآيات بهذا المعنى ومثالها:
( يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر) لقمان: 17
( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ) آل عمران: 110.
وهذه الآيات وغيرها تمثل فلسفة إصلاح المجتمع والدعوة إلى الحق وقوله عندما يطلب من الإنسان ذلك.
وقد طبقت المقاطعة الاجتماعية لردع المخالف لشرع الله وسنة نبيه كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم في ردع المتخاذلين عن الجهاد والذين تخلفوا عن غزوة تبوك.
ويلاحظ أن الأخلاق في الإسلام كما يبين لنا اللقرآن الكريم أنها مسايرة للفطرة البشرية ومحققة لخير المجتمع وصلاحه ، ولخير الفرد والجماعة من خلال علاقات التواد والتراحم.
ويلاحظ أن العمل الأخلاقي يستند في القرآن الكريم والأخلاق الإسلامية إلى مبدأ النية... النية هي محور العمل الأخلاقي ( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى..) هذا على مستوى الفرد وعلى مستوى العلاقات بين الأفراد في المجتمع بين القرآن الكريم حدود الفضيلة في التعامل كما تشير الآيات التالية :
( يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا) الحجرات : 12
( يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون ) النور : 22.
ويؤكد القرآن الكريم بوضوح الفضيلة الجماعية والعامة في قوله تعالى ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير) الحجرات : 13. ويبين القرآن الكريم كيفية التعامل مع غير المسلمين بقوله تعالى ( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين) الممتحنة : 88 ، وكذلك قوله تعالى ( ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا) المائدة :13 .
ولدى مقارنة ما جاء في القرآن الكريم مع الديانة اليهودية نرى أن الديانة اليهودية تميز بين اليهودي وغيره وأما الديانة المسيحية فقد جاءت بمبدأ الأممية وأسقطت الحواجز وجاء القرآن الكريم ليرسم بوضوح طريق التعامل مع غير المسلم من أهل الكتاب والأخوة بين المسلمين والأخوة بين بني البشر والدعوة للمحافظة على مجتمع المسلمين من خلال ما يلي :
1-    دعوة المؤمنين ليكونوا جماعة واحدة متماسكة.
2-    الحث على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، كما يستفاد من الآيات التالية:
( وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) العصر: 3.
(واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) الأنفال:25.
(وتعاونوا على البر والتقوى) المائدة:2.
يركز القرآن الكريم على الفضيلة في المعاملات بين الدول وبين الأديان من خلال الإشارة إلى أخلاق الحرب وشرعية الجهاد ضد المعتدين وشرعية السلام عند رغبة الأعداء به واحترام العهود والمواثيق بين المسلمين وغيرهم. ويبين القرآن الكريم في هذا المجال قوله تعالى: ( وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الإيمان بعد توكيدها) النحل:91.
والفضيلة في اللغة تعني الفضل والزيادة. وتعني الفضيلة الاستعداد الدائم لفعل الخير . ويعرفها ابن رشد بأنها " الفضيلة ملكة مقدرة لكل فعل خير أو يظن به أنه خير".
وتعرف الفضيلة بأنها الاستعداد الراسخ لإنجاز نوع معين من الأفعال الأخلاقية أو الاستعداد لإرادة الخير وتنمية عادة فعل الخير، ومثالها فضائل العدل والصداقة والحكمة.
وعند سقراط تعني الفضيلة العلم والمعرفة وأما أفلاطون فيرى لكل قوة من قوى النفس فضيلة، وقوة الشهوة فضيلتها العفة وقوة الغضب فضيلتها الشجاعة وقوة العقل فضيلتها الحكمة. وأما أرسطو فيرى الفضيلة في الوسط الذهبي أو الوسط العادل بين رذيلتين.
وتقوم الفضيلة على العلم والإرادة لأن العلم يحدد الوسائل والإرادة تحدد عملية الاختيار بين الأفعال المحققة للفضيلة ولهذا فالفضيلة تمر بمراحل هي:
1-   مرحلة تكرار أفعال الخير.
2-   مرحلة توجيه الأفعال نحو الوسط العادل.
3-   مرحلة تحديد الوسط باستخدام العقل وليس بالضرورة أن يمثل الوسط نقطة المنتصف تماماً.
ويمتاز القرآن الكريم والسنة المطهرة في التركيز على الوسطية في الأفعال لأنها تأتي منسجمة مع الأغلبية أو أكثرية الجماعة في كل الأمور . ومن الفضائل ما يلي:
الحكمة : وهي فضيلة عقلية تعني الإصابة بالعلم والعمل كما يؤكد ذلك ابن مسكويه وتشمل الحكمة ( الذكاء ، والذكر ، والتعقل ، وسرعة الفهم وقوته، وصفاء الذهن، وسهولة التعلم، والحكمة وسط بين السفه والبله، والسفه استخدام القوة الفكرية فيما لا ينبغي ، وأما البله فهو تعطيل القوة الفكرية بالإرادة.
الشجاعة: هي مواجهة الخطر أو الألم عند اللزوم بثبات ويرتبط بها كبر النفس والهمة والصبر والحلم وعدم البطش والشهامة واحتمال الكد.
العفة: وهي اعتدال الميل إلى اللذة وخضوعه لحكم العقل وترتبط بها فضائل الصبر والسخاء والقناعة والحرية والوقار والدماثة والورع وغيرها.
العدل: وهو إعطاء كل ذي حق حقه وهو فضيلة عقلية فردية وجماعية. والعدالة الاجتماعية تعني العدل بين الناس وأكد القرآن الكريم جميع هذه الفضائل واختص العدل بالنص في أكثر من موضع.


(1) محمد عقله ، النظام الأخلاقي في الإسلام، عمان : مكتبة الرسالة الحديثة ، 1986، ص: 21 .
(2) محمد عبد الله الشرقاوي ، مرجع سابق ، ص: 111- 113 ، وكذلك محمود حمدي مرزوق، مقدمة في علم الأخلاق ، ص: 52 .
(3) علي معبد فرغلي ، الأخلاق الإسلامية والإنسانية ، ط1، القاهرة : دار الكتاب الجامعي، 1985، ص 64 – 73 .
(4) المرجع السابق ، ص : 66 – 71
(5) مصطفى حلمي ، مرجع سابق ، ص : 126 .
(6) يعقوب المليجي ، الأخلاق في الإسلام ، الإسكندرية : مؤسسة الثقافة الجامعية، 1985، ص: 146-152.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق