الثلاثاء، 15 نوفمبر، 2016

مفهوم البيئة واهتمام المشرع بحمايتها



مفهوم البيئة واهتمام المشرع بحمايتها
إن الوقوف على أهمية هذه الحماية يستدعي منا الأمر في هذه الدراسة التطرق وتحديد المفاهيم المتعلقة بالتلوث البيئي كأبرز مشكلة بيئية في الجزائر،كما يجرنا إلى تسليط الضوء على التطور التشريعي و المؤسساتي لقطاع البيئة في الجزائر،و قصد الإلمام بهذه الجوانب يتطلب أولا تحديد المفاهيم المتعلقة بالبيئة وتحديد عناصرها ومشكلاتها .
المطلب الأول: مفاهيم بيئية
لقد بدأت كثير من المصطلحات المتعلقة بالبيئة تظهر في الميدان العلمي و المجال القانوني ، ومعرفة تلك المصطلحات وضبطها أمر له أهميته بالنسبة لرجال القانون لأنهلا يمكن أن يصدروا أحكاما على شيء لم يعرفوه أو يهتدوا إلى تصوره " والحكم على الشيء فرع عن تصوره" ، ولعل أبرز المفاهيم البيئية التي لا يسع الباحث في علم البيئة جهلها ، ويلزمه معرفتها هي مفهوم البيئة ومفهوم التلوث الذي يعد بحق أخطر المهددات البيئية لذلك يقتضي مني هنا تحديد تعريف للبيئة و بيان عناصرها و مشكلاتها
الفرع الأول :



















العناصر أو البيئة الصناعية
البيئة الصناعية أو المستحدثة أو الإنسانية أو الحضرية أو المشيدة أو الوضعية كلها أسماء متعددة لمعنى واحد تقريبا وغالبا ، ألا وهو كل ما أدخله الإنسان عبر الزمن من نظم ووسائل وأدوات تتيح له الإستفادة بشكل أكبر وبتكلفة أقل من مقومات العناصر الطبيعية  للبيئة وذلك من أجل إشباع حاجياته ومتطلباته الأساسية وحتى الكمالية [1] ، فهي تشمل البنية الأساسية المادية التي شيدها الإنسان والمؤسسات التي أقامها إضافة إلى المناطق السكنية والصناعية وأبنية المراكز والمعاهد والمدراس وكذلك الطرق والموانئ والمطارات والمصانع والورش والطائرات والسفن والشاحنات والسيارات ومما شابه ذلك .[2]
كما تشمل إستعمالات الأراضي للزراعة ولإنشاء المناطق السكنية وللتنقيب فيها عن الثروات الطبيعية وإنشاء المناطق الصناعية والتجارية و الخدماتية .[3]
إذن البيئة الصناعية ماهي إلا البيئة الطبيعية نفسها و لكن بتدخل الإنسان و تطويع بعض مصادرها لخدمته فهي بيان و اقعي صادق لطبيعة التفاعل بين الإنسان و بيئته [4].
   ونظر لأهميتها بإعتبارها عنصر من عناصر البيئة أولى لها المشرع الجزائري حيزا كبيرا للحديث عنها سواء في القانون 03-10 في فصله السادس [5] أو من خلال إصدار العديد من التشريعات مثل قانون
05-04 المتعلق بالتهيئة والتعمير[6]والقانون 04/98 المتعلق بحماية التراث الثقافي[7]والقانون 06-06 المتعلق بتوجيه المدينة[8].








أنواع التلوث البيئي :
لكي تتضح لنا صورة التلوث بشكل جيد وجب علينا بعدما عرفنا التلوث أن نتبعه ببيان أنواع التلوث الذي يصيب البيئة بسوء، وهذا التقسيم إنما الهدف منه الزيادة في البيان والتوضيح  وإلا فإن جميع أنواع التلوث تشكل الظاهرة الخطيرة وهي " التلوث".
لذا فهناك عدة معايير يعتمدها العلماء لتقسيم التلوث البيئي، فبالنظر إلى درجة التلوث وشدة تأثيره على النظام البيئي  ينقسم إلى " مقبول ، خطر، مدمر" أما بالنظر إلى مصدره هناك " تلوث طبيعي، وآخر صناعي "، أما بالنسبة إلى نطاقه الجغرافي "محلي ، بعيد المدى " ، كما يقسم حسب المواد الملوثة إلى " بيولوجي ، إشعاعي ، كيميائي " أما بالنسبة لطبيعته ينقسم إلى " مادي يحدث في الماء و الهواء والتربة " أو معنوي يتمثل أساسا في التلوث الضوضائي ، صوتي و أخلاقي[9]، أما بالنسبة للتجريم ينقسم إلى " تلوث معاقب عليه " مجرم " و آخر "غير مجرم " [10] وعلىالرغم من كثرة أنواع  التلوث فإن هناك تداخلا واضح و ترابط بينهما فهي ظاهرة عامة ومترابطة لا تتجزأ والقول بوجود أنواع للتلوث البيئي لا يعني البتة وجود إنفصال بين هذه الأنواع أو إختلاففيما بينها ، لكن ضرورات البحث العلمي تقتضي المعالجة لظاهرة التلوث والقول تبعا لذلك بمثل هذه التقسيمات[11] ومنه وعليه فإننا سنقتصر في هذه الدراسة على معالجة ظاهرة التلوث بالنظر إلى نوع البيئة التي يحدث فيها " هوائي ، مائي ، أرضي ، تربة " .
1: التلوث الهوائي : يعتبر التلوث الهوائي من أخطر أنواع التلوث البيئي على صحة و سلامة الإنسان وعلى المكونات البيئية عموما، إذ أنه المسؤول سنويا عن مئات الآلاف من الوفيات وعن ملايين الحالات المرضية وعن إندثار مساحات واسعة من الغابات والأراضي الزراعية وتدهور الأنهار والبحيرات وتآكل المباني والمنشآت الأثرية وغير ذلك من الأضرار المختلفة الناتجة عن تلوث الهواء[12].
يحدث عندما تتواجد جزئيات أو جسيمات في الهواء و بكميات كبيرة عضوية أو غير عضوية حيث لا تستطيع الدخول إلى النظام البيئي وتشكل ضررا على العناصر البيئية، وهو أكثر أنواع التلوثإنتشارا نظرا لسهولة إنتقالهوإنتشاره من منطقة إلى أخرى ولفترة زمنية وجيزة نسبيا [13]و قد عرّفه المجلس الأوروبي في إعلانه الصادر في 08 مارس 1968 بأنه " وجود مواد غريبة في الهواء أو حدوث تغيير هام في نسب المواد المكونة له ويترتب عليها حدوث نتائج ضارة أو مضايقات .[14]
في نفس السياق جاء تعريف المشرع الجزائري للتلوث الهوائي في الفقرة الحادية عشرة من المادة 04 من القانون رقم 03/10 المتعلق بحماية البيئة في إطار التنمية المستدامة حيث عرّفه بأنه" إدخال أية مادة في الهواء أو الجو بسبب إنبعاث غازات أو أبخرة  أو أدخنة أو جزئيات سائلة أو صلبة من شأنها التسبب في أضرار وأخطار على الإطار المعيشي "
كما عرّفه بأنه " إدخال بصفة مباشرة أو غير مباشرة في الجو وفي الفضاءات المغلقة مواد من طبيعتها تشكيل خطر على صحة البشرية أو التأثير على التغيرات المناخية أوإفقار طبقة الأوزون،أو الإضرار بالمواد البيولوجية والأنظمة البيئية أو تهديد الأمن العمومي وإزعاج السكان أو إفراز روائح كريهة شديدة أو الإضرار بالإنتاج الزراعي والمنتجات الزراعية الغذائية أو تشويه البنايات والمساس بطابع المواقع أو إتلاف الممتلكات المادية [15].
و تعتبر المصانع من أهم الأسباب المؤدية إلى هذا النوع من التلوث بسبب ما ترميه من فضلات صناعية ،ملايين الأطنان من المواد الملوثة مصدرها المصانع الكيميائية.[16]
2: التلوث المائي : هو كل تغيير في الصفات الطبيعية للماء ، مما يجعله غير مطابق للاستعمالات المشروعة للمياه وذلك عن طريق إضافة مواد غريبة تسبب تعكر الماء أو تكسبه لونا أو رائحة أو طعما غريبا [17] وهو يعني أيضا وجود أي نوع من أنواع الملوثات بنسبة تؤثر على صلاحية الماء وتجعله غير مناسب للاستعمالالمراد منه ، فقد يحدث له تلوث فيزيائي أو كيميائي أو حيوي أو إشعاعي مما يؤدي إلى الإضرار به .[18]
و قد عرّفت مجموعة الخبراء العلميين للأمم المتحدة التلوث المائي بأنه " إحداث تلف أو إفساد لنوعية المياه من خلال إدخال مواد بطريقة مباشرة أو غير مباشرة من جانب الإنسان مما يؤدي إلى حدوث خلل في النظام الإيكولوجي المائي بما يقلل من قدرته على أداء دوره الطبيعي [19] .
   المشرّع الجزائري عرّف التلوث في القانون 03-10 [20] بأنه إدخال أية مادة في الوسط المائي من شأنها أن تغير الخصائص الفيزيائية أو الكيمائية و/أو البيولوجية للماء وتتسبب في مخاطر على صحة الإنسان وتضر بالحيوانات أو النباتات البرية والمائية وتمس بجمال المواقع أوتعرقل أي إستعمال طبيعي آخر للمياه .
وهكذا فإن الفضلات الصناعية و الفلاحية و الحضرية " العمرانية " تزايدت بشكل أوقفت عملية التصفية الذاتية للأنهار و الوديان [21] ، لإحتوائها على مواد كيمائية لا تنحل .
3: التلوث الأرضي : و يعني به كل تغير في المكونات الطبيعية للتربة بإدخال أجسام غريبة إليها ينتج عنها تغير في الخواص الكيميائية أو الفيزيائية أو البيولوجية [22] بشكل يجعلها تؤثر سلبا – بصورة مباشرة أو غير مباشرة – على من يعيش فوق سطحها من إنسان و حيوان و نبات [23] كما تؤثر في الكائنات الحية التي تستوطن في التربة و التي تساهم في عملية التحلل للمواد العضوية بحيث تمنح التربة قيمتها و صحتها وقدرتها على الإنتاج  [24].
فأهمية الأرض  إضافة على كونها نقطة نتائج أغلب التلوثات الهوائية والمائية تكمن في الوظائف والإستعمالات المتعددة للأرض والمتداخلة أحيانا، فجهة بسيطة تشغل النشاطات الإنسانية والدعم الغذائي للنظام الفلاحي، ومخزون مياه، لكن أيضا القسم والعنصر الأساسي للنظام البيئي والدورة الطبيعية بإعتبارها عنصر هام من عناصر البيئة الطبيعية[25] .
إن مصادر تلوث التربة عديدة و متنوعة أهمها المنتجات الطاقوية ، النشاطات الصناعية والكيميائية والنشاطات الفلاحية [26]، فالنفايات والفضلات الصادرة عن هذه النشاطات سواء كانت صلبة أم سائلة عادية أم خطرة تشكل خطر على الصحة العامة ، إضافة إلى الزحف العمراني وماينجّر عنه من قطع للأشجار و إزالة الغابات.[27]
المشرع الجزائري تحدث عن مقتضيات حماية التربة والأرض في القانون 03-10 في الفصل الرابع وهذا من المادة 59 إلى 62 حيث أكد على ضرورة حماية الأرض وباطن الأرض والثروات التي تحتوي عليها من كل أشكال التدهور أو التلوث [28]، وكذا ضرورة تخصيص الأرض للإستعمال المطابق لطابعها الزراعي أو الصناعي أو العمراني طبقا لمستندات التهيئة العمرانية ومقتضيات الحماية البيئية .
كما أكد على ضرورة إتخاذ التدابير اللازمة لمكافحة التصحر والإنجراف والملوحة وكذا إستغلال موارد باطن الأرض وفقا لمبدأ العقلانية .


[1] أنظر : عبد الغني حسونة ،المرجع السابق ، ص 16 .
[2]أنظر:حسن أحمد شحاتة ً البيئة والتلوث والمواجهة، دراسة تحليلية ً د م ن ، د ت ن http://ww.kotobarabia.com تاريخ الاطلاع 30/06/2014 ، ص 12 .
[3]أنظر: أحمد عبد الفتاح محمود و إسلام إبراهيم أبو السعود ً أضواء على التلوث البيئي بين الواقع و التحدي و النظرة المستقبلية ً المكتبة المصرية للنشر و التوزيع ، مصر 2007 ، ص 17 .
[4]  أنظر : عبد الغني حسونة ،المرجع السابق ، ص 17.
[5]أنظر : المواد 65،66،67،68 قانون 03-10 المتعلق بحماية البيئة ، المرجع السابق
[6]  أنظر : القانون 05-04 المؤرخ في 14 أوت 2004  المعدل و المتمم للقانون 90-29 المؤرخ 1 ديسمبر 1990 يتعلق بالتهيئة و التعمير ج ر ، عدد 51 مؤرخة في 15 أوت 2004 
[7]أنظر: قانون 98-04 مؤرخ في 15 جوان 1998 يتعلق بحماية التراث الثقافي ج ر ، عدد 44 مؤرخة في 17 جوان 1998 .
[8] أنظر: قانون 06-06 يتضمن القانون التوجيهي للمدينة مؤرخ في 20 فيفري 2006،  ج ر ، عدد 15 مؤرخة في 12 مارس 2006 .
[9]أنظر : عوادي فريد ، المرجع السابق ، ص 54 .
          : منصور مجاجي ، المرجع السابق ، ص ص 107،108،109،110 .
[10]أنظر : محمد رائف لبيت ، المرجع السابق، ص 20
[11] أنظر : فرج صالح الهريش "جرائم تلويث البيئة "، المؤسسة الفنية للطباعة و النشر ، القاهرة ط1 ،1998،ص 53
[12]أنظر : فرج صالح الهريش ، المرجع نفسه ، ص 61
[13]أنظر:التلوث البيئي مفهومه- مصادره، درجاته وأشكالهhttp://www.greenline.com تاريخ الإطلاع 29-06-2014
[14] أنظر : منصور مجاجي ، المرجع السابق ، ص 108 .
[15]أنظر : المادة 44 ، القانون 03-10 ، المرجع السابق .
[16] - voir ,AzouzKerdoun «  les termes d’une approche environnementale : état des lieux et dynamique de protection «  l’environnement en algerie , impacts sur l’écosystème et stratégies de protection , ouvrecollectif sous la direction de prazouzkerdoun , prmohamed el hadilarouk , mohamedsahli , laboratoire d’études et de recherches sur le maghreb et la méditerranéeuniversitémentouriconstantineédition 2001 , p 15   
[17]أنظر : إيمان مرابط : " دور الجمعيات البيئية المحلية في نشر الوعي البيئي – المرجع السابق ، ص 75
- عبد الوهاب بن رجب هاشم بن صادق '' جرائم البيئة و سبل المواجهة " جامعة نايف العربية للعلوم الامنية مركز       الدراسات و البحوث ، الرياض 2006 ، ص 38
[18]  أنظر : منصور مجاجي ، المرجع السابق ، ص 109 .
[19] أنظر : منصور مجاجي ، المرجع نفسه ،ص ص 109-110  .
[20] أنظر: المادة 04 من القانون  03-10 المتعلق بحماية البيئة ، المرجع السابق .
[21] - voir .AzzouzKerdoun .opcit p 16                       
[22]أنظر :أشرف هلال : جرائم البيئة بين النظرية و التطبيق ، د د ط ، ط1 ، 2005 ، ص 69 .
[23]  أنظر : حسن أحمد شحاتة ، المرجع السابق ، ص 19 .
[24]  أنظر : منصور مجاجي ، المرجع السابق ، ص 110 .
[25]- voir ,AzzouzKerdounop.cit , p 17

[26] - voir ,AzzouzKerdoun ,op.cit p 17.
[27]  أنظر : منصور مجاجي ، المرجع السابق ، ص 110  .
[28]أنظر :المواد : 59 ، 60 ،61 ، 62 ، 63 ،64 من القانون 03-10 ، المرجع السابق .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق