السبت، 19 نوفمبر، 2016

الفلسفة الوضعية

الفلسفة الوضعية
إميل دوركهايم وأوجست كونت كأمثلة على هذه الفلسفة المعاصرة . ويتلخص موقف الفلسفة الوضعية في موضوع الأخلاق بأنه علم واقعي يخضع للأسلوب الاستقرائي في البحث العلمي ويعتمد على الملاحظة ويركز على العادات والعرف والآداب العامة والمثل العليا للجماعة وهذا الموقف يرى الأخلاق ظاهرة موضوعية وليست مرتبطة بكونها ظاهرة ذهنية وهذا الاعتقاد يتفق مع ضرورة إخضاع الظاهرة الأخلاقية للملاحظة بما في ذلك نتائج الأفعال أو الظاهرة الأخلاقية.
أوجست كونت ( 1857)
ظهرت الفلسفة الخلقية لأوجست كونت بعد الثورة الفرنسية وسط  مشاعر متزايدة في الإصلاح الاجتماعي وتعرضت هذه الفلسفة إلى نقد الديانة المسيحية واعتبارها لا تشكل أساساً للأخلاق لعجزها في رأيه عن التعامل مع العلم ، واعتبر العلم الوضعي يصلح كأساس للدين والأخلاق معاً.
ويرى أن العلم الوضعي يجب أن يوجه لحل المشكلات الاجتماعية والدينية اعتماداً على العقل بحيث توضع قواعد المجتمع الحديث من خلال هذه الفلسفة الوضعية . ويرى أوجست أن الإنسان عقلاني بطبعه وستوفر له العلوم الوضعية أساساً للإيمان يستند إلى البراهين ، ومع زيادة التقدم في تفسير الظواهر بطريقة عقلية سيتخلى الإنسان عن التفسيرات اللاهوتية والمجردة لأنه يدرك أن الظواهر الاجتماعية خاضعة للقوانين. والمعرفة الحقيقة في نظره  هي معرفة الظاهر الاجتماعية وقوانينها. وعندها يمكن أن يكون علم الاجتماع ( علم الطبيعة الاجتماعية) العلم الذي يقضي على سبب وجود اللاهوت والعلم المجرد وعندها سيكون هناك توافق بين الدين والأخلاق لاستنادها إلى العلم الوضعي([1]).
 ويرى أوجست كونت أن إنشاء العلم الوضعي وتحوله من الفلسفة الوضعية يقوم على قانون الأطوار الثلاثة أو قانون الحالات الثلاثة والتي تعني أن كل فرع من فروع المعرفة يمر بثلاث مراحل هي المرحلة اللاهوتية والمرحلة  المجردة والمرحلة العلمية أو الوضعية.

ملامح الفلسفة الأخلاقية عند أوجست كونت:
يرى أن الأخلاق لا تقوم على مبدأ المنفعة الذي يكرس الأنانية والأثرة ويتنافى مع الطبيعة الاجتماعية للإنسان. كما أنها لا تقوم على أساس الإحساس بالواجب الذي يصعب إخضاعه للملاحظة والأسلوب العلمي الوضعي. وتشمل ملامح الفلسفة الأخلاقية، ما يلي ([2]):
أولاً : تقوم الأخلاق على أساس الملاحظة وتنظر للإنسان نظرة واقعية كما هو .
ثانياً: الأخلاق نسبية وليست ثابتة وقد أثار هذا الاعتقاد الانتقادات الكثيرة والأخلاق نسبية لأن المعرفة نسبية.
ثالثاً: الأخلاق في سيادة مشاعر الإيثار وليس الأثرة ومشاعر المودة على دوافع الأنانية وتغلب الطبيعة الاجتماعية للإنسان على المنفعة الفردية.
رابعاً: الميول الغيرية فطرية لدى الإنسان وهي أساس الأخلاق في تعامل الفرد مع الغير.
خامساً: تنشأ الأخلاق أو الحاسة الخلقية بسبب وجود الميول والعواطف الفردية بين الناس . وتتطور بتطور الإنسان لتصبح هذه العواطف ذات صيغة عقلية.
فلسفة إميل دور كهايم ( 1858 – 1917 ) :
تشبه فلسفته إلى حد كبير فلسفة أوجست كونت من حيث اعتبار الأخلاق والقيم الأخلاقية تشبه إلى حد كبير الظواهر الاجتماعية واعتبارها وليدة المجتمع ونتيجة لاجتماع الناس بعضهم ببعض ومهمة علم الأخلاق دراسة هذه القيم مرتبطة بمكامنها وزمانها وهذا يعكس اعتقاده بأن القيم نسبية.
اعتبر إميل دوركهايم أن الظاهرة الاجتماعية من صنع العقل الجمعي وتحمل صفة القهر والإلزام لأفراد المجتمع وذلك لأن الخروج على الأخلاق الاجتماعية يترتب عليه عقوبة من نوعين هما : العقوبة المنصوص عليها بالقوانين الوضعية والعقوبة الاجتماعية بالسخط والاستهجان وهذه العقوبات تمثل وسائل الضبط الاجتماعي في المجتمع.
ويتطرق إميل إلى الدين ويعتبره فكرة اجتماعية وهو أقوى مظاهر الحياة الاجتماعية ويشكل وسيلة ضبط اجتماعي نظراً لما له من تأثير في نفوس الأفراد. ويذهب إلى أبعد من هذا حين يعتقد بأن القانون والدين تشكل قيوداً على حرية الفرد في المجتمع ووسائل ضبط اجتماعي موجودة في كل المجتمعات البشرية. وأن العاطفة الدينية تنشأ طبقاً للعوامل الاجتماعية ويفسر الحياة الدينية بقانون الحالات الثلاثة لأوجست كونت ليخلص إلى القول ( بأن المجتمع يعيد نفسه ) وينكر على الفرد رأيه وأفكاره وعقائده لأنها في نظره وليدة الحياة الاجتماعية للفرد وليست نزعة فطرية لديه.
وخلاصة القول أن هناك تشابهاً كبيراً بين آراء الفلاسفة الوضعيين في تعريف الأخلاق بأنها نسبية ويجب أن تستند إلى علم الاجتماع باعتبارها علماً وضعياً يقوم على الملاحظة والمعرفة الحسية في بدايته ويتحول من فلسفة وضعية إلى علم وضعي. والأخلاق وليدة الحياة الاجتماعية وتشكل مثلها العليا وسائل ضبط اجتماعي فتفرض قيوداً على الحرية الشخصية مثلها مثل القانون الوضعي.



(21)  مصطفى حلمي ، مرجع سابق ، ص : 72 – 76 .
(22) مصطفى حلمي ، مرجع سابق ، ص : 77- 78

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق