السبت، 19 نوفمبر، 2016

الفلسفة النفعية

الفلسفة النفعية
تستند الفلسفة النفعية إلى المبدأ القائل بأن الناس يبحثون عن السعادة ويتجنبون الألم وأن الإنسان عقلاني بطبيعته في عملية الاختيار بين البدائل المتاحة له وأن عملية الاختيار، كما يقول كتاب المنفعة تتأثر بالمنافع والمضار المترتبة على الاختيار([1]).
ويؤكد بعض الكتاب أن السلوك الفردي يمكن تفسيره بالاستناد إلى المصالح أو المنافع الفردية المترتبة على هذا السلوك. وأن المنفعة الفردية تفسر سلوك الأفراد في المواقف الاجتماعية المختلفة من خلال اختيارهم للبدائل التي تحقق منفعة بأقل تكلفة ممكنة([2]).
والفلسفة النفعية التي ظهرت في القرن السابع عشر والقرن الثامن عشر تمتد جذورها إلى منابع الفلسفة الغربية وتحديداً  الفلسفة اليونانية القديمة المتمثلة في المذهب الابيقوري الذي يركز على اللذة ، واعتبارها الخير الأعظم مع التحفظ على أن الإفراط في اللذة يؤدي إلى عواقب غير محمودة، والفلسفة النفعية الحديثة تميز بين المنفعة الفردية، والمنفعة العامة وتعتبر المنفعة العامة ذات طابع اجتماعي عقلاني من حيث اعتماد المنهج التجريبي في تحديد مدى المنفعة المتحققة لأكبر عدد ممكن في المجتمع. والفلسفة النفعية تعتمد على الأساليب العلمية في تحويل دراسة الظواهر الأخلاقية والأخلاق بشكل عام إلى علم واقعي.
وسنكتفي في هذا المجال باستعراض المنفعة الفردية والمنفعة العامة لعدد محدود من كتاب وعلماء المنفعة.
فلسفة هوبز([3]) (1588- 1670) : المنفعة الفردية
ذهب توماس هوبز إلى أن غريزة حب البقاء هي القانون الطبيعي الأول الذي يحرك سلوك الفرد وإرادته. ودافع حب البقاء عند الفرد يتناقض مع نفس الدافع لدى الآخرين، ويولد  هذا التناقض مشاعر الحقد والكراهية لدى الأفراد والجماعات مما يدفع الفرد والجماعات للبحث والكفاح من أجل الحصول على القوة، وهذا الكفاح من أجل البقاء يتحول إلى حرب الكل ضد الكل . ويستفاد من هذا النمط من التفكير أن هوبز افترض أن الطبيعة الإنسانية تمتاز بما يلي:
1.   الإنسان لا يتمتع بغريزة اجتماعية أو تعاونية.
2.   الإنسان يبحث عن لذاته ولو على حساب شقاء الآخرين.
3.   الإنسان يحمل بالضرورة مشاعر الحقد والكراهية لغيره.
4.   جميع فضائل الإنسان ليست مجردة من الهوى وتعود جميع أعماله إلى مشاعر الأنانية.
ويعتقد هوبز أن جميع أفعال الإنسان بما في ذلك إطاعة القوانين وأعمال الخير مدفوعة بمنفعة عاجلة أو آجلة.
5.   المنفعة الفردية والقوة تحدد ماهية الجماعة وعلاقتها مع الجماعات الأخرى في المجتمع.
المآخذ على آراء هوبز:
        هناك العديد من المآخذ على آراء هوبز ومنها:
1.   أن اعتماد مبدأ البقاء لا يتناسب مع الوعي الاجتماعي الأخلاقي في المجتمعات المتمدنة.
2.   مبدأ حب البقاء يكرس مبدأ اللذة الشخصية الذي لا يمكن أن يؤدي إلى المجتمع الفاضل.
3.   يكون دور العقل في اختيار اللذة وليس في السيطرة عليها وهذا يلغي دور العقل في توجيه سلوك الفرد والسيطرة على هذا السلوك لتحقيق المثل العليا ومختلف القيم الأخلاقية.

المنفعة العامة:
يعتقد الكُتاب في مجال المنفعة العامة أن المنفعة هي المبدأ الأخلاقي الذي يرى تحقيق أكبر سعادة ممكنة. والخير ما هو نافع للفرد وهو بالضرورة نافع للآخرين.  وسنورد موقف بنثام وموقف جون ستيوارت مل من المنفعة العامة بصورتها التجريبية.

رأي بنثام في المنفعة العامة :
يرى بنثام (1748- 1832) أن الإنسان مطالب بالعمل على تحقيق أكبر قدر ممكن من المنفعة أو السعادة لأكبر عدد ممكن من الناس. ويرى ضرورة استخدام المنهج التجريبي لتحديد المنفعة المشتركة بين أكبر عدد ممكن من الناس. ويقيم بنثام موقفه على الأسس التالية:
1.              يطلب الإنسان اللذة ويتجنب الألم ويمتاز عن الحيوان باستخدام عقله لتحديد المنفعة. ومثالها أن العقل يقرر أن الخير في زيادة اللذة على الألم وأن الشر يزيد فيه الألم على اللذة.
2.              يرى بنثام أنه يمكن قياس اللذة من خلال المعايير التالية([4]):
(1)  شدة اللذة : كون اللذة أشد من غيرها.
(2)   دوام اللذة : كون اللذة دائمة أكثر من غيرها.
(3)  سهولة الحصول على اللذة : كون اللذة سهلة المنال.
(4)  تأكيد اللذة: كون الحصول على اللذة مؤكداً.
(5)  خصوبة اللذة: كون اللذة تولد لذات أخرى.
(6)  صفاء اللذة: كون اللذة خالية من الألم الذي يمكن أن يصاحبها.
(7)  سعة اللذة : كون اللذة تتسع لأكبر عدد من الناس.
والسعادة عند بنثام هي زيادة اللذة على الألم وعدم اقتصارها على الفرد. بل كونها تتسع لأكبر عدد ممكن وتولد لذات أخرى. والناس تسعى إلى اللذة وتتجنب الألم مثل الحيوانات ولكنهم يمتازون عن الحيوانات باستخدام العقل الذي يقود إلى مبدأ النفعية للفرد ولأكبر عدد ممكن من الناس([5]).

موقف مل من المنفعة العامة:
يرى جون ستيوارت مل (1806 – 1873) أن المنفعة غاية الأفعال الإنسانية ومعيارٌ للأحكام الخلقية. وهو يرى أن الأخلاقية مرتبطة بنتائج الأفعال وهذا يتعارض مع المنطق. فمثلاً إذا عالج الطبيب مريضاً وترتب على المعالجة شفاء المريض اعتبر عمله أخلاقياً  ولكن إذا فشل العلاج في شفاء المريض اعتبر شراً وعملاً لا أخلاقياً، ويبدو أن مل لم يأخذ بالحسبان النية التي تسبق الشروع بالفعل وأن أخلاقية الأفعال يمكن تحديدها بالنوايا التي تسبق الفعل.
تستنتد فلسفة مل التجريبية إلى المبادئ التالية([6]) :
1.   اللذة هي الشيء الوحيد المرغوب به.
2.   رغبة الناس في شيء ما هي الدليل على أنهم يرغبون فيه بالفعل.
3.   سعادة الشخص تمثل خيراً بالنسبة له والسعادة العامة هي خير للجميع.
4.   رغبة الناس في أشياء أو موضوعات أخرى تشكل وسيلة للسعادة واللذة لديهم.
5.   إذا تم تفضيل لذة على أخرى من قبل أشخاص لهم دراية باللذتين فإن اللذة المفضلة أسمى من الأخرى.
وأكد مل أن التمييز بين اللذات لا يكون على أساس الكم ولكن على أساس النوع والكيفية التي تشبع فيها الرغبات واعتبر اللذات العليا أسمى من لذات الجسد مثل لذة الإخلاص والإيثار أو الغيرية([7]).
ويرى مل أن أستاذه بنثام قدم الأنانية على الغيرية ويرى ضرورة إخضاع المنفعة الفردية للمنفعة العامة وأن قاعدة السلوك الأخلاقي تتطلب معاملة الناس كما نحب أن يعاملونا. وتأكيداً لهذا المبدأ يرى مل أن مبدأ التضحية هو أن يقوم الفرد بالتضحية في منفعته الشخصية من أجل مصلحة الآخرين بشرط أن تنتج عن التضحية منفعة أكبر للمجموعة وكل تضحية لا تؤدي إلى زيادة منفعة المجموع لا تعتبر ذات فائدة تذكر.
ويرى مل أن الأخلاقية تكمن في نتائج الأفعال وأن الجزاءات تشجع على عمل الخير ومن هذه الجزاءات ما تطرق إليه بنثام مثل الجزاءات البدنية للشرير والجزاءات القانونية للمخالف والجزاءات العرفية الاجتماعية المتمثلة في استهجان بعض الأفعال وجزاءات دينية. وأضاف مل الجزاءات الداخلية أو الباطنية والتي تختلف عن الجزاءات الخارجية والمتمثلة في إحساس الفرد بالضيق وعدم الارتياح عندما يعصي نداء الواجب وارتياحه عند قيامه بالواجب . وهذا الجزاء الأخير الذي دفع مل لتعديل النزعة النفعية في التركيز  على الأنانية واستبدالها بالغيرية.
نقد موقف مل من المنفعة العامة:
يقيم النقاد موقفهم على عدد من الانتقادات هي :
1.   ليست حياة الإنسان في البحث عن اللذة وإشباعها وإنما في ضبط الشهوات والسيطرة عليها.
2.   إذا كانت اللذة غاية الأفعال ومعيار الأحكام الأخلاقية على مستوى الفرد فلابد أن تتناقض على مستوى المجموع أو المجتمع مع مبدأ المنفعة العامة.
3.   لا يرى النفعيون مجالاً للمثل العليا نظراً لاعتمادهم على المنفعة الحسية التي اضطر مل إلى تعديلها والإقرار بأن المثل العليا تسمو على لذات الجسد الحسية.
4.    يؤخذ على النفعيين  رفضهم مقولة أن قيمة الخير بداخله واعتبار قيمة الخير خارجية مسقطين بذلك دور الضمير ونداء الواجب والالتزام ودعوى المثاليين في تهذيب السلوك الإنساني وهذا ما دفع مل إلى تعديل مبدأ الأنانية الذي تقوم عليه المنفعة الفردية وإدخال الغيرية كأساس للمنفعة العامة.
وتحديداً تم توجيه الانتقادات التالية لنظرية مل في المنفعة العامة([8]):
1-   إذا كان مقياس السعادة هو تحقيق أكبر قدر ممكن لأكبر عدد من الناس فما هي السلطة التي تخضع الناس؟ هل هي سلطة العقل؟ هل هي سلطة الواجب؟ هل هي سلطة المنفعة؟ إذا كانت الإجابة سلطة العقل أو الواجب فلم يعد مل نفعياً وإذا كانت المنفعة فهناك تناقض بين المنفعة الفردية والمنفعة العامة.
2-   نداء الضمير الإنساني غير محكوم ويشكل مشجعاً على الخيرية دون أن يكون للمنفعة الفردية أي تأثير. فكيف تفسر النفعية مبدأ الإيثار؟
إذا كانت اللذة لا تعتبر أي مقياس آخر فكيف يمكن قياسها بالنوع والكيف دون وجود مقاييس غير اللذة. ويلاحظ القارئ التشابه بين مذهب المنفعة وتعاليم الفيلسوف اليوناني (ارستبس) الذي أكد أن اللذة تمثل صوت الطبيعة وأن الغريزة هي المحرك لأفعال الإنسان وأن معيار اللذة والألم هو معيار الخيرية والشرية وبخاصة اللذة البدنية.
وأكد ( ابيقور) أن اللذة نسبية وليست مطلقة وأن عواقب الإفراط في اللذة جسمية واعتبر أن الأخلاق هي تهذيب اللذات النبيلة كالصداقة والحكمة واعتبر الفضيلة في القدرة على ضبط النفس وسيادة القيم العليا.
تعرض مل من خلال المنهج التجريبي الذي اعتمده كتاب المنفعة إلى دراسة الظواهر الاجتماعية وإلى تحديد خمسة قواعد يكن بواسطتها دراسة العلاقات السبببة بين المتغيرات بحيث يسهل تحديد السبب المؤدي إلى نتيجة معينة وهذه القواعد تشمل:
أولاً: قاعدة التلازم في الوقوع بين العلة والمعلول أو طريقة الاتفاق وتعني أنه إذا كانت الظروف المؤدية إلى حدث معين تشترك في عامل واحد يكون هذا العامل هو السبب. ومثالها إصابة النساء دون الرجال بمرض معين ولدى استعراض حالات النساء المصابة بالمرض تبين أنهن جميعاً يلبسن فراء لحيوان يحمل جرثومة المرض يكون السبب الفراء والنتيجة الإصابة بالمرض.
ثانياً: طريقة التلازم في التخلف بين العلة والمعلول أو طريقة الاختلاف ، وتعني إذا اشتركت مجموعتان أو أكثر في جميع العوامل ما عدا عامل واحد يكون هذا العامل المختلف هو السبب في وقوع الحدث وظهور النتيجة. مثالها علاقة الضغط مع الحجم عند ثبوت درجة الحرارة.
ثالثاً: الطريقة المشتركة والتي تجمع قاعدة التلازم في الوقوع والتلازم في التخلف بقصد تحديد السبب لنتيجة ما بشكل قطعي. ويتم في هذه الحالة تطبيق القاعدة الأولى يتبعها تطبيق القاعدة الثانية في البحث عن السبب. أي هل هناك عامل مشترك أدى للنتيجة في الحالتين؟ أو هل هناك عامل غير موجود في إحدى الحالتين؟ أدى للنتيجة المدروسة.
رابعاً:  طريقة التلازم في التغير بين العلة والمعلول ( التغير النسبي) ويمكن تطبيق هذه القاعدة عند وجود عاملين تربطهم علاقة بحيث إذا تغير الأول تغير الثاني تبعاً لذلك، وهنا يمكن أن يكون السبب العامل الأول أو الثاني أو عامل خارجي.
خامساً: طريقة العوامل المتبقية وتطبيق هذه القاعدة عند وجود أكثر من عامل في حالة ما يمكن أن يكون أي من هذه العوامل هو السبب. ويتم بموجب هذه الطريقة استبعاد العوامل واحداً تلو الآخر لحين تحديد السبب. ومثالها انقطاع التيار الكهربائي:
الاحتمالات أو العوامل :
1-   انقطاع التيار من المصدر.
2-   احتراق فيوز في اللوحة الرئيسة.
3-   احتراق اللمبة في المكان.
4-   عدم فتح المفتاح.
5-   خلل في توصيلات الأسلاك والدوائر الكهربائية.
يتم استبعاد كل عامل بالتجربة واحداً تلو الآخر لحين تحديد السبب وفي كل مرة يتم اختيار  أحد العوامل يمكن أن يكون السبب هو أحد العوامل  المتبقية ولكن إذا تم تجربة العامل الأول وكان هو السبب تستبعد بقية العوامل كمسببة لانقطاع التيار الكهربائي.
ويلاحظ أن القواعد الخمسة تستنتد إلى التجربة وتؤدي للمعرفة الحسية التي يقوم عليها مذهب المنفعة الفردية والعامة ولا مكان للمعرفة العقلية التي تستند إليها المثل العليا التي تقع خارج المعرفة الحسية وكذلك استخدام المنهج التجريبي لدراسة العلاقات السببية على اعتبار أن المعرفة الحسية تمثل أصل الحقيقة ويبدو دور العقل في دراسة العلاقات السببية بأسلوب علمي حسي وتحديد الأسباب والنتائج ثم الحكم على هذه النتائج بالخيرية أو الشرية كما أسلفنا.


(13)Vecchio, Robert P., Orgauizational Behavior, 2nd Edition, Chicago: The Dryen Press, 1991, PP: 174-175.
(14) المرجع السابق ، ص: 175 .
(15) محمود حمدي مرزوق ، مرجع سابق، ص: 103- 106 .
(16) محمود حمدي زقزوق، مرجع سابق، ص :107- 109 .
(17) المرجع السابق، ص: 109
(18) المرجع السابق ، ص : 111- 112
(19) مصطفى حلمي ، مرجع سابق. ص: 64-67.
(20)  يعقوب المليجي ، مرجع سابق .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق