السبت، 19 نوفمبر، 2016

صندوق للتنمية

صندوق للتنمية :
  فلو وضعت خطة محكمة للعالم الاسلامي ، وأسند تنفيذ هذه الفكرة من خلال صندق اسلامي للتنمية تشارك فيه الدول الاسلامية التي فيها هذه المعادن الكبيرة بالنسبة التي ذكرناها لَما بقي فقير في العالم الاسلامي خلال فترة وجيزة ، فقد طبق الخليفة الخامس عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه الزكاة خلال سنيتن وستة أشهر وسبعة عشر يوماً فلم يبق في عصره فقير واحد .

صندوق القرض الحسن من الدول الغنية  للدول الفقيرة :
   وبالإضافة إلى ما سبق فإن مما هو مطلوب شرعاً إنشاء صندوق للقروض الحسن من الواردات المالية للدول الغنية ، وتمنح هذه القروض الحسنة للدول الفقيرة ، مع أخذ المصاريف الادارية الفعلية فقط ، وذلك بأن تنشأ لذلك إدارة ، أو مصرف للقرض الحسن يختار لإدارة أهل الاخلاص والاختصاص وأن تحمل المصاريف الادارية على المقترض ، ومن التجارب الناجحة في هذا المجال تجربة البروفيسور "محمد يونس" في سبتمبر من عام 1983م في بنغلاديش ، فأنشأ مؤسسة تحت اسم مصرف جرامين: GrameenBank (وتعني بالبنغالية مصرف القرية) ، حيث نال جائزتي نوبل ، والملك فيصل رحمه الله ، وهي تجربة ناجحة ينبغي الاستفادة منها مع الالتزام بأحكام الشريعة  ، ومن صاحبها .


: التعاون والتكامل الاقتصادي بين الدول الاسلامية ، حيث انه من الناحية الاقتصادية لا يمكن احداث تنمية شاملة لوطن صغير دون الاعتماد على الآخرين ، وتشكيل وطن اقتصادي كبير ، وهذا ما حدث لأوروبا حيث حققت نمواً اقتصادياً كبيراً من خلال السوق المشتركة .
  ونحن المسلمين ـ بالاضافة إلى الجانب الاقتصادي ـ فإن ديننا الحنيف يفرض علينا التعاون والتكامل ، بل الوحدة فقال تعالى : (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ)[1]وقال تعالى : (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ.......)[2] فالآيات والأحاديث في وجوب تجسيد هذه الاخوة لتصبح الأمة كجسد واحد ، كثيرة لا يسع المجال لذكرها في هذه المقدمة .






والأموال الزكوية ليست قليلة إذا أخذت بشكل كامل ، فإذا فرضنا أن الأموال الاسلامية المستثمرة في الخارج تريليون وخمسمائة مليار ، فهذا يعني أن الزكاة 37.5 مليار دولار ، فإذا أضيفت إليها بقية الأموال الزكوية ، وبخاصة أموال الشركات الموجودة المستثمرة في بورصات العالم الاسلامي وبنوكه ، فإن زكاتها في حدود مائة مليار دولار أي أن زكاة الأموال الموجودة للعالم الاسلامي في حدود 137,5 مليار دولار سنوياً .
  فإذا وضعت لهذا المبلغ خطة محكمة للتحصيل ، والتوزيع العادل ، واستهدفت الخطة حل مشكلة الفقر من خلال ما ذكره الشافعية رحمهم الله وهو إعطاء الفقير تمام الكفاية ، من خلال إعطائه أدوات الحرفة ان كان محترفاً ، أو رأس مال التجارة إن كان تاجراً ، يقول الإمام النووي : ( والفقير والمسكين يعطيان ما تزول بهما حاجتهما وتحصل كفايتهما ، ويختلف ذلك باختلاف الناس والنواحي حيث يعطي المحترف أدوات حرفته ، والتاجر رأس ماله الذي يحسن التجارة فيه  )[3].

الشرط العاشر : تخصيص جزء من واردات المعادن للتنمية الشاملة للأمة الاسلامية  ، وهذه الفكرة مرتبطة بالفقرة السابقة ، طرحتها في بحث خاص بالموضوع[4] تتلخص في النقاط الآتية :
i)            ان الاسلام قد فرض في الركاز الخمس ـ أي 20% ـ وذلك من خلال حديث صحيح يدل على ذلك ، يرويه البحاري ومسلم بسندهما عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (...وفي الركاز الخمس )[5] والركاز لغة ، وحسب الراجح من أقوال الفقهاء ( الحنفية وبعض التابعين ) يشمل الكنوز والمعادن .
ii)         وأن المعادن على الراجح من أقوال أهل العلم ( المالكية وغيرهم ) ملك لله تعالى ، أو ما يسمى بالحق العام الذي تمثله الدولة ، وأما الجمهور فقد فرقوا بين المعادن التي وجدت في أرض خاصة لشخص حيث تكون ملكاً له وحينئذ يجب فيما تنتجه الخمس ، وفيما عداها ملكاً للدولة  .
iii)       أن مصير ما يؤخذ من الركاز اما مصارف الفيء ، أي المصالح العامة للأمة الاسلامية ، أو مصارف الزكاة الثمانية .

فبناء على المقدمات الثلاث السابقة أن المعادن تكون لها حالتان :
أ‌)       أن تقوم الدولة نفسها ـ كما هو الحال في معظم العالم الاسلامي وغيره ـ باستخراجها واستثمارها وحينئذ تصرف عوائدها لمصالح الدولة العامة .
فإذا اعتبرنا خمس الركاز زكاة فيجب أن تصرف الدولة الخمس 20%  منه ـ بعد خصم جميع المصاريف التشغيلية والادارية ـ لصالح الزكاة ، وحينئذ تصرف في المصارف الثمانية بدءاً بالبلد الذي فيه المعدن ثم إلى بقية العالم الاسلامي حسب قواعد نقل الزكاة ، للقضاء على الفقر والبطالة ولتنمية العالم الاسلامي الذي هو في نظر الشرع عالم واحد ، وأن الأمة الاسلامية أمة واحدة وجسد واحد ، كما دلت على ذلك نصوص شرعية كثيرة لا تحصى .
وإذا اعتبرنا خمس الركاز فيئاً فيصرف أيضاً لمصالح المسلمين عامة حسب التسلسل السابق بدءاً بالبلد الذي فيه المعدن إلى بقية البلدان الاسلامية الأخرى وحسب قواعد نقل الزكاة السابقة .
ب‌)  أن تعطي الدولة المعدن لشركة ما لتقوم هي باستخدامها ، واستثمارها ، وحينئذ يجب أن تأخذ منها مالا يقل عن 20% .

  ثم إن هذا الخمس 20% تطبق عليه القواعد السابقة حسب الاعتبارين السابقين .
 إن فقهاء المسلمين لم يفصلوا في هذه المسألة كثيراً بناءً على أن الخلافة الاسلامية الراشدة ، ثم الخلافة الأموية والعباسية ، ثم السلطنة العثمانية كانت تمثل الأمة الاسلامية تقريباً ، وعلى الأقل لم تكن هناك حدود بين العالم الإسلامي ، فالمسلم يصول فيه ويجول دون حدود تمنعه تطبيقاً لقوله تعالى : (فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ)[6].
  أما اليوم ففي  ظل وجود عدد كبير من الدول والدويلات الاسلامية ، فأعتقد أن الاخوة الايمانية تقتضي أن يكون للفقراء حق على الاغنياء تنفيذاً لقوله تعالى : (وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ)[7] وفي آية أخرى (وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ )[8]وكلة ( الذين ) تشمل الأفراد والمؤسسات والدولة أي الأشخاص الطبيعية والمعنوية ، ان الأمة الاسلامية في نظر الإسلام " أمة واحدة " وجسد واحد ، وأن المؤمنين اخوة ، فلا يجوز أن تترك دولة غنية آتاها الله تعالى هذه الثروات ، دولة فقيرة مسلمة دون أن تساهم في رفع الفقر والقافة والجوع والحرمان عن بقية المسلمين الفقراء المحتاجين الذين يهددهم الجوع في دينهم وعرضهم وحياتهم ..
  وهذه النسبة 20% من الأموال ليست قليلة ، فلو حسبنا فقط البترول المباع في العالم الاسلامي رسمياً أنه ثلاثون مليون برميل يومياً وبمبلغ سبعين دولاراً للبرميل الواحد ، فهذا يعني أن الدخل السنوي من البترول : 30×70 $ × 365 يوماً = 766,500.000.000 أن الخمس 20% يساوي 153.300.000.000 $ .
  ولكن الخمس لا يحسب إلاّ بعد حسم جميع المصاريف الفعلية ومع ذلك فتبقى نسبة كبيرة لصالح مصارف الزكاة ، أو الفيء .
  فلو فرضنا أن 50% أو أكثر منها يعاد صرفها على مصارف الزكاة أو الفيء في الدولة القطرية ، فإن ما يزيد عن حاجة الدولة ومتطلباتها يجب أن يكون فيه نصيب لفقراء العالم الاسلامي على شكل صدقات عينية من البترول والغاز ، أو المعادن الأخرى ، أو على شكل أثمانها .
  والرأي الذي أراه راجحاً هو أن هذا الخمس تطبق عليه قواعد الفيء ، وليست أحكام الزكاة ، وحينئذ يمكن للدولة القُطرية التي يوجد في أرضها المعدن أن تجعلها أثلاثاً : ثلث تصرف على أهل البلد  وللتنمية الشاملة مع بقية الأموال حسب برنامج محدد تضعه الدولة ، وثلث يوضع في الاستثمار لصالح الأجيال اللاحقة من أهل البلد أيضاً ، أو ما يتبقى لتنمية العالم الاسلامي من خلال برنامج مخطط دقيق.
  وهذا الذي توصلت إليه في مسألة التوزيع الثلاثي هو اجتهاد اعتمدت فيه على بعض الأدلة الدالة على ثلاثية التوزيع في موارد الوقف ، وبالتالي فهو يقبل التعديل فيه حسب المصالح ورأي الخبراء ، ولا أقصد بمثالي في البترول حصر القضية فيه ، وإنما الشريعة أوجبت الخمس في كل ركاز في أي بلد ، وبالتالي فيشمل الذهب والفضة ، والحديد والغاز وجميع المعادن الكبيرة ، وقصدي من ذلك أن جميع النصوص الشرعية توجب على المسلمين جميعاً التكافل والتضامن وتحقيق مقتضيات الاخوة الإسلامية ، بل والإنسانية أيضاً.


([1])  سورة المؤمنون / الآية 52
([2])  سورة الحجرات / الآية 10
([3]) روضة الطالبين ( 2/ 324 )
([4])  وهو بحث : دور الزكاة في تنمية الأمة ، عام 2006 ، ويراجع كذلك بحثنا الآخر حول : وجوب الزكاة في المعادن المنشور ضمن أبحا ث الندوة الثامنة عشرة للهيئة العالمية للزكاة .
([5]) رواه البخاري في صحيحه مع الفتح (3/364) ومسلم الحديث رقم 3226 ، 3227 ، وأصحاب السنن ، وأحمد غيرهم
([6]) سورة الملك / الآية 15
([7]) سورة المعارج / الآية 25
([8]) سورة الذاريات / الآية 19

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق