الجمعة، 4 نوفمبر، 2016

حقوق الملكية الفردية من المنظور الإسلامي

حقوق الملكية الفردية من المنظور الإسلامي
عادت الأصوات تتعالى – من جديد - وهي أكثر إلحاحًا في المطالبة بخطوات جادة من قبل الحكومات والمشرّعين  وذوي الاختصاص ، لإصـدار القوانين والنظم  والتشريعات  الناظمة لحقوق الملكية الفكرية، التي يمكن الاحتكام إليها في الدعاوى الخلافية الناجمة عمّا يتعلّق بقضايا الفكر والإبداع، وما يدور في فلكهما من تنازع وخلاف.
وإذا كانت القضيّة أكثر بساطة قبل عدة سنوات مضت؛ نظرًا لضيق الدائرة التي تحتوي على عناصر الملكية الفكرية وفروعها؛ إلاّ أنها ازدادت تعقيدًا في الوقت الحاضر، لما شهدته السنوات الأخيرة من تطورات، ونهضة صناعية وتقنية واسعة، أضافت الكثير من الروافد الفكرية والإبداعية، كالبرامج والاختراعات والبحوث التي تصبّ – بشكل مباشر – في قناة الملكية الفكرية.
ويبقى الحاسوب، أو ما يدعى (الكمبيوتر) هو معجزة العصر العلمية، ودرّة الكشف التقني بما حققّه من فتوحات هائلة في مجالات الحياة كافة، وقد هيمن – بقدرته العالية على الخدمة – على الأفراد والمؤسسات والهيئات والأجهزة الحكومية، وأمكن بواسطته الوصول إلى فتوحات متقدمة وصولاً للإنترنت.
ومن كل ما سبق، يمكننا أن نتساءل.. أفلا يستحق أولئك المجتهدون، إضافة إلى المكافأة والتقدير، أفلا يستحقون أن يُصان جدهم، ويُشكر جهدهم، وتُحمى حقوقهم؟!.. بلى، وعزّ من قائل : ] قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون[ .
ومما تقدّم نلحظ صعوبة المهمّة، وتشابك الإجراءات التي تنتظر المشرعين والجهات والإدارات التنفيذية لدى الحكومات العربية بشكل خاص، والإسلامية بشكل عام، وذلك بسبب التباطؤ والتقصير الذي مارسته الأجهزة الحكومية، والتقاعس الذي اعترى المشرعين، وصرفهم عن الاهتمام بوضع الضوابط والتشريعات التي تكفل حقوق الملكية الفكرية للأفراد والمؤسسات والحكومات، وإن بدأت بعض هذه الدول المعنية بمحاولات مبكرة، أو هي سنّت – فعلاً – بعض القوانين، ووضعت بعض الإجراءات؛ إلاّ أنها لم تكن جادة بما فيه الكفاية لتطبيق هذه القوانين، أو تطويرها حتى السنوات القليلة الماضية.
لقد أفرزت التطورات المتلاحقة في السنوات الأخيرة عبر التكتلات الإقليمية، والاتفاقيات الدولية في المجالات المختلفة، وما صاحبها من اكتشافات علمية متقدمة، واختراعات، بالإضافة إلى ما تحقق من إنجاز فكري وعلمي يؤسس لنظريات علمية وإنسانية، وخلاف ذلك مما وصلت إليه الحضارة الإنسانية المعاصرة كل هذا جعل الأصوات تتعالى من جديد لمطالبة الحكومات في المنطقة العربية، والعالم الإسلامي لردم الهوّة بينها وبين العالم الغربي في مجال حماية حقوق الملكية الفكرية، وتعاون الأفراد والحكومات في محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، فعُقِدَت الندوات، وتشكّلتْ الهيئات، وصدرت التشريعات، وطُبِعَتْ البحوث والآراء والدراسات.
        ولعل من أبرز الكتب  التي تناقش (حقوق الملكية الفكرية في المنظور الإسلامي) لمؤلفه: الأستاذ الدكتور بركات محمد مراد – أستاذ الفلسفة الإسلامية بجامعة عين شمس، وقد صدر الكتاب عن مؤسسة اليمامة الصحفية ضمن سلسلة كتاب الرياض الشهري العدد رقم / 109 / لشهر ديسمبر – كانون الثاني 2002م. والذي تناوله بالعرض والتعليق الأستاذ  سهيل نجيب مشوّح  عرض (كتاب في سطور) والذي سنورده هنا حيث تفضل سيادته بتغطيه محتويات الكتاب الغزيرة بصورة ملخصة ومقتضبة للإستفاده.
وقد أورد الأستاذ سهيل بأن الكتاب يحتوي على ثلاثة فصول مبوّبة منطقيًا بحسب تسلسل الموضوع، بالإضافة إلى المقدمة والمدخل، وما فيها من اختزال لرؤية المؤلف، ودوافعه القريبة والبعيدة لإنجاز هذا الكتاب.. ومما جاء في المقدمة : (أصبحت الملكية الفكرية موضوعًا يفرض نفسه في العلاقات التجارية والثقافية بين الدول، كما أصبح لها تأثير خطير اقتصادي وتكنولوجي.. مما دفع إلى التفكير في البحث عن سبل لتوفير الحماية القانونية لهذه الموضوعات، مثل براءات الاختراع والتكنولوجيا الحيوية والتجارة الإلكترونية والعلامات التجارية إضافة إلى حقوق التأليف الأدبي والفني في مختلف المجالات العلمية والإنسانية.
وقد عرّف المؤلف (الملكية الفكرية) في مقدمته بالقول: (يقصد بالملكية الفكرية في معناها العام المعاصر الحقوق التي يوفرها القانون والمترتبة على أي نشاط أو جهد فكري يؤدي إلى ابتكار في المجالات الأدبية والفنية والعلمية والصناعية).
وقد أشار الأستاذ سهيل نجيب بأن المؤلف قد أغفل في تعريفه، على ما يترتب على مالك الحق الفكري من واجبات والتزامات تجاه اكتشافه، أو اختراعه، أو جهده الفكري.
وفي المدخل، تحدّث المؤلف عن تاريخ الحقوق الفكرية بعجالة مفيدة، وعرض لأشكال الملكية الفكرية لدى الغرب، وجذورها في البلدان الإسلامية، وأفاض في أهمية الحفاظ على حقوق المفكرين والمخترعين والباحثين، لما يتمتع به نتاجهم ومكتشفاتهم من آثار إيجابية تنعكس على مستقبل البشرية وتطوّرها وصولاً إلى نتيجة مفادها أن : (رأس المال الثقافي بحكم الاتساع المفرط للعولمة، أصبح قادرًا على صنع وعي ممتد دون توقف، ومن ثمَ يتحول إلى طاقة تنويرية متحررة).
وأما فصول الكتاب الثلاثة كما أوردها وعرضها باقتدار أ. سهيل نجيب، فقد توزعت على المضامين التالية :
الفصل الأول : وهو يمثل رؤية تاريخية وفلسفية لحقوق الملكية الفكرية وسبل حمايتها. هذه الرؤية التاريخية لحقوق الملكية كانت مثار اختلاف وتباين بين الدول تبعًا لاختلاف المصالح والنتائج، وتباين الرؤية لدلالاتها الفلسفية والسياسية والاقتصادية. وقد أدى تفاقم الخلاف، وكثرة الخروق القانونية الرسمية والشعبية إلى تكتل الدول الصناعية صاحبة المصلحة العليا، وإعلانها – بما يشبه الإلزام – التوصل إلى اتفاقية حقوق الملكية الفكرية (تريبس TRIPS)، والتي ضُمنت بموجبها حقوق المؤلف والمخترع، كما شملت التصميم الصناعي، والأسرار الصناعية، والدوائر المتكاملة.
وقد "هدفت هذه الاتفاقية توفير حماية دولية وفعالة لحقوق الملكية الفكرية المرتبطة بالتجارة، وذلك من خلال وضع وتحسين القواعد والضوابط والمعايير المطلوبة لهذه الحماية، وبحيث تصبح تدابيرها وإجراءاتها فعالة ضد أي اعتداء على حقوق الملكية الفكرية على أن تكون هذه التدابير منصفة وعادلة وغير معقّدة أو باهظة التكاليف، وبحيث لا تتحول في الوقت نفسه إلى قيود معيقة للتجارة".
وجاء تبويب الفصل الأول محيطًا بتفاصيل مضمونة، من خلال بنوده التالية :
1 – اتفاقية حقوق الملكية الفكرية في إطار دورة الجات  TRIPS:
وكانت بداية الاتفاق – بحسب المؤلف -: (بعد اجتماع وزراء التجارة في العالم في مراكش بالمغرب، وتضمن ملحق I-C فيها اتفاقية التجارة المرتبطة بجوانب حقوق الملكية الفكرية، وقد وقعت 118 دولة على هذه الاتفاقية من بينها مصر).
وأشار المؤلف إلى أن الحماية تتاح لأي اختراع، وكذلك برامج الحاسب الآلي، وأن الاتفاقية تسمح بمدة انتقالية للدول النامية تصل إلى خمسة أعوام للالتزام بها.
2 – حقوق الملكية الفكرية في تشريعات الغرب :
وهنا أظهر الكاتب أن الحاجة لحماية الملكية بدأت مع اختراع الطباعة في القرن الخامس عشر على يد "جوتنبرج"، وإن ظهور الوعي بضرورة التنظيم القانوني لحق المؤلف يعود إلى أوائل القرن الثامن عشر بصدور قانون الملكية في إنجلترا عام 1710م، ولكنه اقتصر على حماية المؤلف، وحماية الكتب فقط، حتى أصدر الملك لويس السادس عشر في فرنسا عدة مراسيم تحدّد قواعد الطباعة والنشر وذلك في عام 1877م، أما في أمريكا فقد صدرت عدة قوانين تتعلق بحماية حقوق المؤلف في عام 1790م، وهو أول قانون فيدرالي في البلاد، ثم توالت التشريعات في دول أخرى حتى أصبحت حماية حق المؤلف محل اهتمام التشريعات العالمية كلها.
3 – حقوق المؤلف القانونية :
وحق المؤلف في إنتاجه الفكري المبتكر، هو حق عيني مالي، وليس حقًا مجردًا.
(وقد أشارت المادة 13/9 من قانون الملكية الفرنسي الصادر عام 1985م إلى أن "البرنامج الموضوع من قبل عامل أو أكثر أثناء أداء عملهم، يثبت لرب العمل كل حقوق المؤلف، على هذا البرنامج).
(وفي أمريكا نشر العالم الأمريكي "تشارلزمان" بحثًا جاء فيه أن الملكية الفكرية هي تلك المعرفة أو ذلك التعبير الذي يملكه شخص ما، وجرى العرف على أن لها ثلاثة ميادين هي: حقوق النشر، وبراءة الاختراع، والعلامة التجارية، " وفي بعض الأحيان يضاف إليها شكل رابع هو أسرار المهنة").
4 – حقـوق الملكية الفكرية في العالم العربي:
يرى المؤلف بأن التبعية التي تعانيها معظم بلدان العالم الثالث بما فيها الكثير من الدول العربية الإسلامية، وخضوعها لإملاءت العالم الغربي دفعها إلى استنباط قوانين حماية الملكية الفكرية في الغرب، واعتمدها البعض بحرفيتها تمامًا في ظل توقيع معاهدات التجارة العالمية (الجات)، وقد تأخرت الدول العربية كثيرًا في إصدار قوانين حماية الملكية الفكرية، وتأخر بعضها الآخر في تعديل قانونه القديم ليوائم تطورات العصر، وفي كل الأحوال، فإن توقيع الدول النامية على اتفاقية قانون الحماية سيكون عبئًا عليها، أو هو يدفعها إلى تشجيع البحث والابتكار.
5 – حقوق الملكية الفكرية بين النظامين الاشتراكي والرأسمالي:
في هذا الباب يفسّر المؤلف ببساطة ظاهرة مفادها : أنّ حماية الملكية الفكرية تقود إلى البحث والتأليف والمنافسة في الابتكار والاختراع لتحقيق منفعة، وفي ظل النظام الرأسمالي تتحقق المنافسة وينجح البحث وتتقدم العلوم والمكتشفات، بينما يؤدي احتكار المنفعة في النظام الاشتراكي إلى ضعف الحافز لدى الباحث والمخترع؛ لأن ربح المنفعة من نصيب الحكومة، وبالتالي تبدأ هجرة الأدمغة ونزيف العقول.
6 – حقوق الملكية الفكرية صناعة غربية :
يكاد المؤلف أن يضع في هذا الباب خلاصة البنود السابقة، ورؤيته الخاصة، إذ يرى: (خلاصة القول : إن حق الملكية الفكرية بكافة أشكالها وطرائق حمايتها، وما تحظى به من اهتمام دولي ومحلي، مما لا يخلو عن أغراض استعمارية، وإن أفاد منه المؤلفون والمبدعون، وإن كان لـه الأثر البالغ في تشجيع الابتكار والإبداع العلمي على نحو ازدهرت به فنون الصناعة والتجارة، وزاد في تنمية المظاهر المدنية في الحضارة المعاصرة).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق