الثلاثاء، 15 نوفمبر، 2016

مشكلات البيئة

مشكلات بيئية
أدت العلاقة السلبية بين الإنسان والبيئة في العصر الحديث ، إلى ظهور طائفة جديدة من الظواهر البيئية الخطيرة والتي إسترعتإهتمام العالم أجمع ، فالإنسان في بداية  نشأته لم يكن تعامله مع البيئة مثلما أصبح تعامله معها الآن ، خاصة في ظل إغفاله التام للإعتبارات البيئية ومتطلبات التنمية ، مما ساهم ذلك بأسره في حدوث الظواهر البيئية التي نعاني من ويلاتها في الوقت الراهن [1] فهو قد نسي أو تناسى أنه عنصر مكمل لعناصر البيئة ، وإعتبرها مخزنا ضخما للثروة ، فأطلق لقدراته البيولوجية العنان لإستغلالإمكاناتها و السيطرة عليها و قد أدى هذا الخلل في تصور الإنسان إلى مجموعة من المشكلات تكاد تذهب بحياته على هذا الكوكب[2]، لعل أبرزها حسب الأخصائيين ظاهرتا التلوث و الإستنزاف.
 إن البيئة اليوم تعاني الكثير من المشاكل والتحديات التي يمكن إجمالها وحصرها في نقطتين أساسيتين التلوث الذي بات يعد ضمن أكثر المشاكل خطورة على البشرية وجميع أشكال الحياة الأخرى على كوكب الأرض ذلك أن هذه المشكلة ظاهرة للعيان وخطورتها محسوسة ومشاكلها ملموسة [3]، يليه مشكل إستنزاف الموارد الطبيعية مما يؤثر على حقوق الأجيال المقبلة في الإنتفاع بتلك الموارد ومنه يقتضي منا الأمر أولا تناول تعريف التلوث وبيان عناصر وأنواعه ومن ثم التطرق إلى تعريف إستنزاف الموارد وتصنيفها .
أولا : التلوث البيئي
لقد سيطرت مشكلة التلوث على كل قضايا البيئة حتى غدت مشكلة البيئة الرئيسية وإرتبط في أذهان الكثيرين أن التلوث هو المشكلة الوحيدة للبيئة وأن التصدي لها تحلّ مشاكل البيئة [4]، فمع تقدم المجتمعات بدأت تتزايد مصادر تلوث البيئة الملازمة للسباق المحموم  في مجال الصناعة او الزراعة وغيرها، وباتت مكونات وموارد البيئة الحية وحتى غير الحية تعاني من سموم الأدخنة والغازات والمركبات السامة ومن النفايات الخطرة والضوضاء والإشعاعات وغيرها على نحو ينذر بقدوم حالة إنتحار جماعي بطيء لكل الكائنات على كوكب الأرض الذي يكاد يحتضر، وعلى الرغم من أن التلوث ليس هو الخطر الوحيد الذي يهدد بالضرر البيئة، إلا أنه وبحق أهم الأخطار على وجه العموم وأشدها تأثير .[5]
  لذلك فإن تحديد مفهوم التلوث في صورة دقيقة ومحدودة هو بلا شك نقطة البداية لأية معالجة قانونية في مجال التلوث البيئي وهو أيضا جوهر أية حماية يمكن تقريرها للبيئة في مواجهة أهم مشاكلها وضمان لإنجاح الجهود المختلفة التي تبذل لضبط مصادر التلوث ووضعها عند المستوى البيئي الآمن من أجل خلق بيئة نظيفة صحية قادرة على العطاء المتواصل للأجيال الحالية واللاحقة [6]، وبالتالي فإنه لا بد من الوقوف على مفهوم التلوث و بيان عناصره و أنواعه .

أ‌-      تعريفه
ليس من السهل تحديد المقصود بالتلوث البيئي ، فهي مسألة باتت تؤرق بال المسؤولين والباحثين الذين يجتهدون في وضع الضوابط الحاكمة والمعايير الآمنة التي تحدد مصادر التلوث وتضبط الملوثات عند حدودها ، فقد يستغرق البحث وقتا طويلا حتى نصل إلى تعريف جامع مانع للتلوث ويرجع هذا في واقع الأمر إلى طبيعة التلوث ذاته الذي لا يعرف حدودا سياسية يقف عندها ، كما أنه يغطي تقريبا كل مجالات الحياة البشرية [7] فرغم كثرة التعريفات التي تناولت مفهوم التلوث لكنها جميعا تتوقف عند نفس المعنى و تتفق على أن التلوث عبارة عن عملية تغيير سلبي في مكونات وعناصر البيئة .[8]
1-               التلوث لغة : جاء في لسان العرب المحيط تحت كلمة ً لوث ً أن التلوث يعني التلطخ فيقال تلوث الطين و لوث ثيابهبالطين أي لطخها و لوث الماء أي كدره [9]،فهناك من يرى بأن التلوث يقصد به التلطخ بالأقذار و الأوساخ[10]، و في اللغة الفرنسية فإن التلوث pollution لا يتغير في نطاق هذه اللغة عن معناه السابق حيث يقصد به إفساد وسط ما بإدخال ملوث ما[11] أما في اللغة الإنجليزية يقصد بالتلوث pollution إدخال مواد ملوثة في الوسط البيئي .[12]
2-               التلوث إصطلاحا : يثير تعريف التلوث صعوبة بالغة لدى الباحثين و المتخصصين في مجال العلوم البيئية ، خاصة أمام التعدد و التنوع في أنواع التلوث، الأمر الذي أدى إلى صعوبة إيجاد تعريف موحّد ومتفق عليه فالبعض يعرفه بأنه الطارئ غير المناسب الذي أدخل في التركيبة الطبيعية أي الكيميائية والفيزيائية والبيولوجية للمياه أو الأرض أو الهواء فأدى إلى تغير أو فساد أوتدّني في نوعية تلك العناصر مما يلحق الضرر بحياة الإنسان أو مجمل الكائنات الحية ويتلف الموارد الطبيعية [13].
وهو ذلك التصريف المباشر أو غير المباشر نتيجة النشاط الإنساني المتمثل بالمواد والأبخرة والحرارة والضوضاء الصادرة إلى الجو والماء والأرض التي قد تكون مضرة بصحة الإنسان وجودة البيئة والتي تؤدي بالنتيجة إلى دمار وتلف الممتلكات المادية والتدخل والتأثير بالإستخدمات الشرعية للبيئة .[14]
ويعرفه آخرون بأنه تغير كمي أو كيفي في مكونات البيئة الحية وغير الحية ، لاتقدر الأنظمة البيئية على إستعابه دون أن يختل إتزانها[15]،  فهو يظهر بوضوح في النشاطات المدركة وغير المدركة و التي تمس عنصر أو مجموعة من العناصر الطبيعية تحدد عل إثرها التلوث الهوائي و المائي و الأرضي[16]
وبالتالي التلوث هو إفساد مباشر للخصائص العضوية أو الحرارية أو البيولوجية أو الإشعاعية لأي جزء من البيئة [17]وهو الطرح المقصود أو العارض للنفايات ( مادة أو طاقة ) الناجمة عن النشاطات البشرية التي تؤدي إلى نتائج ضارة أو مؤذية .[18]
3-               التلوث قانونا : لما كانت القواعد القانونية تقترن عادة بجزاء مدني أو جنائي يوقع على من يخالفها عند الإقتضاء، فكان لابد من التحديد الدقيق للمراد بالعمل الملوث والتلويث البيئي لبيان نطاق سريان وتطبيق تلك القواعد من ناحية الموضوع فما المراد بالتلوث أو على الأدق التلويث في مفهوم القواعد القانونية ؟ [19]
إنه لمن الصعوبة وضع تعريف قانوني دقيق للتلوث لتعدد أسبابه و تشابك آثاره حيث قال عنه رشيد صباريني " أن التلوث متاهة كثيرة القنوات ومتنوعة المسالك تغطى تقريبا كل مجالات الحياةالبشرية "[20]فتعريفه يغلب عليه طابع المرونة و يتسم بالقابلية للتغير تبعا لما تسفر عنه الإكتشافات العلمية [21]، إلا أن مع ذلك جاءت أغلب القوانين المتعلقة بالبيئة مشتملة على تعريف التلوث .
فالمشرع الجزائري يعرف التلوث في الفقرة التاسعة من المادة 04 من القانون 03-10 المتعلق بحماية البيئة في إطار التنمية المستدامة بأنه " كل تغيير مباشر أو غير مباشر للبيئة يتسبب فيه كل فعل يحدث أوقد يحدث وضعية مضرة بالصحة وسلامة الإنسان والنبات والحيوان والهواء والجو والماء والأرض والممتلكات الجماعية و الفردية " .
أما المشرع المصري فنص في المادة الأولى من البند السابع من القانون رقم 04 لسنة 1994 على أن تلوث البيئة يقصد به " أي تغيير في خواص البيئة مما قد يؤدي بطريق مباشر أو غير مباشر إلى الأضرار بالكائنات الحية أو المنشآت أو يؤثر على ممارسة الإنسان لحياته الطبيعية .[22]
أما المشرع التونسي فعرفه في المادة 02 من القانون 91 لسنة 1983 المتعلق بحماية البيئة من التلوث بأنه : إدخال أية مادة ملوثة في المحيط بصفة مباشرة أو غير مباشرة سواء كانت بيولوجية أوكيمياوية أومادية .[23]
 و منه يتضح لنا من خلال التعريفات السابقة أن التعريف الدقيق و الذي يعتد به القانون لتطبيق قواعده ينبغي أن يشير إلى عناصر التلوث و هي :
·       إدخال مواد ملوثة في الوسط البيئي : يتحقق التلوث هنا بسب إدخال مواد "صلبة أو سائلة أو غازية " أو طاقة أيا كان شكلها في الوسط الطبيعي فتحدث اضطرابات في الأنظمة البيئية المختلفة ، بحيث يكون وجود هذه المادة أو الطاقة في البيئة الطبيعية يغير كيفياتها أو كمياتها أو في غير مكانها أو زمانها [24].
·       حدوث تغيير بيئي ضار :فلا يعتبر مجرد إدخال تلك المواد تلوث ، بل لابد من أن تحدث تغييرا في أحد الأوساط البيئية وليس مجرد التغييرأيضا كافيا فيالحكم بالتلوث بل حتى يكونذلك التغيير مضرا  ويكون هذا التغيير في الحكم أو الكيف.[25]
·       أن يكون التلوث بسبب الإنسان : أن يكون التلوث عائدا للإنسان سواء كان مباشر أو غير مباشر[26]. ذلك أن الطبيعة قد تتدخل في إحداث التغير عن طريق العواصف أو الزلازل أو البراكين و الفيضانات و لكن هذه الظواهر رغم ما تحمله من تهديد للتوازن البيئي ، فإنها لا يمكن أن تكون محلا للتنظيم




[1]أنظر : رائف محمد لبيت ، المرجع السابق ، ص 14 .
[2]  أنظر : رشيد الحمد ، محمد سعيد صباريني ، المرجع السابق ، ص112 .
[3]أنظر : رمضان عبد المجيد ، المرجع السابق ، ص 14 .
[4]  أنظر : إيمان مرابط " دور الجمعيات البيئية المحلية في نشر الوعي البيئي" الجمعيات البيئية المحلية لولاية قسنطينة نموذجا " مذكرة ماجستير، كلية العلوم الإنسانية والعلوم الإجتماعية ، جامعة منتوري قسنطينة ، 2009-2010 ، ص 70 .
[5] أنظر: منصور مجاجي ً المدلول العلمي و المفهوم القانوني للتلوث البيئي ، مجلة المفكر ، العدد الخامس كلية الحقوق والعلوم السياسية ، جامعة محمد خيضر بسكرة ، 2009،ص 98 .
[6]  أنظر : منصور مجاجي : المرجع نفسه ، ص 98 .
[7] أنظر : منصور مجاجي : المرجع السابق ، ص ص 100،101 . .
[8]أنظر : رمضان عبد المجيد ، المرجع السابق ، ص 14 .
[9]  أنظر : منصور مجاجي : المرجع السابق ، ص 101  .
[10]أنظر:عصام نورالدين "معجم نورالدين، الوسيط، الوسيط عربي عربي" منشورات علي بينون ،دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، ط4، سنة 2005، ص440.
[11]Voir: Le Petit Robert .op.cit .p 1477
[12] أنظر : عبد الحق خنتاش ، المرجع السابق ، ص 13
[13] أنظر: عامر محمود طراف " إرهاب التلوث والنظام العالمي"  المؤسسة الجامعية للدراسات والنشروالتوزيع، بيروت، سنة 2002 ، ص 29
[14] أنظر : شراف براهيمي" البيئة في الجزائر من منظور إقتصادي في ظل الإطار الإستراتيجي العشري ( 2001-2011) مجلة الباحث عدد ، 12/2013 ، ص97. 
[15]أنظر : عبد المنعم بن أحمد، المرجع السابق ، ص31 .
- رشيد الحمد ، محمد سعيد صباريني ، المرجع السابق ، ص 120 .
[16]Voir :Raphael Romi, op cit, p 10.
[17]  أنظر : كمال رزيق ، المرجع السابق ، ص 96 .
[18] أنظر : رشيد الحمد ، محمد سعيد صباريني ، المرجع السابق ، ص 120 .
[19]  أنظر : منصور مجاجي ، المرجع السابق، ص ص 102- 103 .
[20] أنظر : رشيد الحمد ، محمد سعيد صباريني ، المرجع السابق ، ص 119 .
[21]  أنظر : منصور مجاجي ، المرجع السابق ، ص 103 .
[22]أنظر : رائف محمد لبيت ، المرجع السابق ، ص 18 .
[23]أنظر : منصور محاجي المرجع السابق ص 103 .
[24]أنظر : منصور مجاجي المرجع نفسه ،  ص 105.
[25]أنظر : محمد بن زعمة عباسي المرجع السابق،  ص 20 .
[26] أنظر : نور الدين حمشة ، المرجع السابق ، ص 28 .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق