السبت، 19 نوفمبر، 2016

الفساد الاداري والمالي والسياسي

الفساد الاداري والمالي والسياسي

ظاهرة الفساد منتشرة وتشمل مجموعة كبيرة من الجرائم التي يغطى عليها تحت أسماء مختلفة ، أو تمحى تحت منطق القوة والسلطان ، فهي تشمل الرشوة ، والمتاجرة بالنفوذ ، والتعسف في استعمال الحق ، وسوء استخدام السلطة ، والتلاعب بالأموال العامة باختلاسها ، أو تبديدها  ، أو التبذير فيها وصرفها في غير وجهها ، أو صرفها في المحسنات والكماليات في حين أن الأمة لا زالت في بداية الضروريات ، إضافة إلى الجرائم المالية الأخرى من التزوير ، والجرائم المحاسبية وغسْل الأموال ، وتزييف العملة ، والغش التجاري ، والتعدي على حقوق الآخرين ، وبخاصة الحقوق المعنوية ونحوها .
  فهذه الجرائم تندرج في الفساد الاداري ، والمالي والسياسي ، بل إنني أعتقد أنها حزمة واحدة مرتبط بعضها ببعض ، فالفساد السياسي يترتب عليه الفساد المالي ، والاداري ، والفساد الاداري يترتب عليه الفساد المالي والسياسي ، فليس أمام العالم الاسلامي إذا أراد النهوض والنهضة والحضارة والتقدم إلاّ القضاء أولاً على هذا الفساد الذي ينخر في جسم الأمة فأنهكه ، بل أهلكه ، ونحن هنا وإن كنا نركز على الفساد الاداري لكنه يشمل حسب النتائج : الفساد السياسي والمالي أيضاً .
  وقد ثار جدل كبير لدى علماء الادارة في تفسير الفساد الاداري ، وتعريفه بسبب اختلاف المعايير التي اعتمدوا عليها :
1- فمنهم من اعتمد على المعيار الكلاسيكي القائم على المصلحة فعرف الفساد الاداري بأنه : إساءة استخدام الوظيفة العامة ، أو السلطات ، أو الموارد العامة لتحقيق مصالح شخصية[1].
  فهذا التعريف يشمل جوانب متعددة ، فأي استخدام سيء للوظيفة العامة سواء كانت كبيرة أم صغيرة لصالح المصلحة الشخصية يدخل في الفساد الاداري ، وأي استخدام للموارد العامة لصالح الشخص الموظف يدخل في الفساد الاداري ، كما يشمل كذلك أخذ المقابل في مقابل أداء عمل غير مشروع ، أو مشروع ، ولأن المطلوب أن لا يأخذ شيئاً سوى مرتبه من الآخر في مقابل عمله[2] ، فهذا التعريف يتمتع بشمولية جيدة لكنه انتقد بسبب أنه لم يحدد الأسس في تحديد معنى سوء الاستخدام ومرجعيته ، كما أنه غير جامع للفساد الاداري الذي يحدث في المؤسسات الخاصة[3] .
2- ومنهم من اعتمد في تعريفه على المعيار الأخلاقي ، فعرفه بأنه : أزمة أخلاقية في السلوك تعكس خللاً في القيم ، وانحرافاً في الاتجاهات عن مستوى الضوابط والمعايير التي استقرت عزماً أو تشريعاً في حياة الجماعة ، وشكلت البناء القيمي في كيان الوظيفة العامة[4] .
  وهذا التعريف منتقد بأنه عام وعائم ، وغير محدد بمعيار يمكن الرجوع إليه ، كما أنه جعل مرجعية المعايير الأخلاقية إلى الجماعة ، وحينئذ يمكن أن يكون الفساد الاداري ناتجاً عن سلوك غير صحيح ولكنه مستقر لديهم[5] .
3- ومنهم من اعتمد على المعيار القانوني فعرفه بما يدل على أنه خرق للقوانين والأنظمة التي يجب مراعاتها في عالم الوظيفة[6] .
  ومع أن هذا التعريف يقوم على معيار منضبط وهو القانون والنظام الخاص بالوظائف ، ولكن الاشكالية تأتي في ان القانون قد يُصْدَر لإضفاء شرعية على تصرف بعض الحكام ، مثل ما حدث لماركوس رئيس الفلبين الأسبق الذي أصدر قوانين وأكدها البرلمان لصالح نهب الثروة[7].

4- ومنهم من عرفه معتمداً على معيار الجمهور ، أو الرأي العام[8]، بحيث ما يراه الجمهور من تصرفات الاداريين أنه من الفساد الأسود ، فتجب إدانته ومعاقبة مرتكبه ، وما يراه أنه من الفساد الأبيض ـ وهو السلوك الذي يتغاضى عنه الجمهور ، فلا تجب إدانته ، وما يراه من الفساد الرمادي ـ وهو المتوسط بين النوعين ، الذي تردد فيه الجمهور بين الادانة ، وعدمها ) فيبقى متردداً [9] .
  وهذا التعريف في حقيقته أكثر غموضاً من التعريفات السابقة ، بل اعتمد على معيار يصعب تحديده ، فمن هؤلاء الأشخاص الذي يمثلون الرأي العام ، هل كل أفراد المجتمع ؟ هل المسجلون الناخبون ؟ وبالتالي فكيف نعرف رأيهم ، فهل نعمل استفتاء بينهم ، أم أنهم عينة معينة ؟ بالتالي كيف نعبر عن الرأي العام ؟ ثم ان تصنيف الأنواع الثلاثة ليس له معيار منضبط وبالأخص فيما يخص النوع الثالث ، وكيف يحكم فيه ؟ .
  ومن جانب آخر فإن وسائل الاعلام لها دورها في إثارة الجماهير في قضية صغيرة فتجعل من الحبة قبة ، ومن الذرة مجرة ، في حين لو لم تصل إلى الاعلام لما عرفت بها الجماهير .
  وانتقده البعض بأن هذا المعيار يفتقر إلى القدرة على التعامل مع الصور المستحدثة للفساد ، فلو فرضنا ظهور شكل جديد من أشكال الفساد الاداري الذي لا معرفة لجمهور الناس به فإن هذا يعني أنه سيبقى مشروعاً إلى أن يتم تشكيل رأي عام حوله ، ومن ثم تصنيفه ضمن الأنواع الثلاثة ....[10] .

التعريف المختار للفساد الاداري :
    نحن ننطلق لتعريف الفساد الاداري عن المعنى الشمولي للفساد في اللغة ، والقرآن الكريم ، والسنة النبوية المطهرة ، حيث يشمل كل خلل وضرر مقصود أو بعبارة أخرى : فهو يشمل ما سماه الفقهاء بالتعدي والتقصير ، ثم إذا وصفنا الفساد بالإداري يخرج ما عداه من أنواع الفساد .
واما لفظ " الاداري " في اللغة فهو نسبة إلى الادارة التي هي مصدر : أدار يدير إدارة .
والاداري في عرف الفقهاء يشمل كل من له سلطة في رعاية ، إو إدارة عمل يشترك معه آخر ، وهو مرادف ، أو قريب من لفظ " الراعي " الذي فصلته السنة النبوية المشرفة حيث يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( كلكم راع ، وكلكم مسؤول عن رعيته ، الإمام راع ومسؤول عن رعتيه ، والرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته ، والمرأة راعية في بيت زوجها ، ومسؤولة عن رعيتها ، والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته ، وكلكم راع وسمؤول عن رعيته )[11] .
  فعلى ضوء ذلك فالاداري أو المدير هو كل من جعله الله تعالى تحت يده وإشرافه أعمالاً أو أشخاصاً ، وعلى ضوء ذلك فالفساد الاداري يشمل الاخلال بكل ما استؤمن فيه إنساناً أو عملاً أو تصرفاً سواء كان ذلك صغيراًَ أم كبيراً ، وبالتالي فكل من ضيّع أمانة أو قصر فيها فهو فساد إداري ، ولذلك لا تنحصر دائرة " الفساد الاداري " في الرشوة ، بل تشمل كل ما هو تعدّ على هذا الحق ، أو تقصير فيه ، أو اتسغلال له استغلالاً غير مشروع .
  فعلى ضوء ذلك فالفساد الاداري ـ في نظري ـ هو : التعدي أو التقصير في ولاية شرعية ـ خاصة ، أو عامة ـ بما يترتب عليه إخلال بمقصادها .
  فهذا التعريف قد أخذته من مصطلحات فقهائنا العظام عندما تحدثوا عن الشركات والمضاربة والوكالة ، ورعاية أموال اليتامى ، ونظارة الأوقاف ، ونحوها ، وهو تعريف جامع مختصر مفيد .
فلفظ " التعدي " يشمل كل إخلال مقصود متعمد ، وأما لفظ " أو التقصير " فهو يعني الاهمال لأي سبب كان بحيث يترتب عليه ضرر ، والولاية الشرعية : هي سلسطة شرعية لشخص في إدارة شأن من شؤون ، وتنفيذ إرادته فيه على الغير من فرد أو جماعة )[12] .
  فعلى ضوء ذلك يدخل في " التعدي " كل فعل يترتب عليه فساد وضرر ، فيشمل الغش ، والخيانة ، والتزوير ، والاختلاس ، واستغلال السلطة ، والتعسف في استعمال الحق ، وتجاوز الحدود الموضوعة للسلطات الادارية ، وللحدود والصلاحيات التي حددها الشرع ، أوولي الأمر ، أو من خلال الشروط والقيود المشروعة ، ويدخل فيه كذلك استعمال السلطة بما يتنافى مع مقاصد الشريعة ، واقعاً أو مآلاً ، فكل ما سبق يعتبر تعدياً في نظر الشرع ، ويدخل في التعدي كل أنواع الاستغلال للإدارة للحصول على ميراث ومكتسبات أي الاستغلال غير المشروع  .
  ويدخل في " التقصير " الاهمال الجسيم ، أو الاهمال بمقتضيات الولاية الادارية ، ومتطلبات السلكة الادارية من الرعاية والعناية التامة .
  قولنا " بما يترتب عليه الاخلال بمقاصدها " يراد به : ان الفساد الاداري إنما يتحقق إذا ترتب على التعدي أو التقصير ضرر بالشيء المؤتمن عليه ، أو بصاحبه أو بالمجتمع ، أو بالبيئة ، لأن العبرة في تحقق الفساد الاداري بتحقيق آثاره السلبية ، ومن جانب آخر فإن لكل وظيفة إدارية كبيرة أو صغيرة ، مقاصدها وأهدافها وغاياتها ، فإذا تعدى الموظف أو المسؤول ، أو قصر بحيث أدى إلى الاخلال بهذه المقاصد فقد أخل بأمانته ، وتجاوز صلاحياته ، وتعدي الحدود الموضوعة للسلطة الادارية .
معيار الفساد الاداري :
يتكون معيار الفساد الاداري من عنصرين أساسين ، وهما :

1)    القصد السيء سواء وصل هذا القصد السيء إلى مرحلة التعدي المباشر ، أم توقف عند الاهمال الجسيم الذي ترتب عله الاضرار بمقاصد الوظيفة .
ويتبين لنا من خلال هذا العنصر التمييز بين الفساد الاداري وبين الخطأ الاداري الذي لا يصحبه سوء النية ، وحينئذ لا تترتب عليه العقوبة ، بل قد تترتب عليه المسؤولية المدنية ، في حين أن جزاء الفساد الاداري من شأنه أن تترتب عليه العقوبات والمسؤولية الجنائية .
2)    تحقق الضرر ، أو الاخلال بمقاصد الولاية ، بحيث يترتب على ذلك ضرر بالشيء المؤتمن عليه أو بصاحبه ، أو بالآخرين ، أو بالبيئة إما ضرراً واقعاً فعلاً ، أو مآلاً .

  وبذلك أصبح التعريف جامعاً لكل أنواع الفساد ، وليس خاصاً بحالات الرشوة ، والمحسوبية والمنسوبية ، واستغلال السلطة للاثراء على حساب الغير فحسب ، بل يشملها كما يشمل الاهمال في مقتضيات الادارة ، حيث يسمى : الاهمال الجسيم


([1])  يراجع : روبرت كليتجارد : السيطرة على الفساد ، ترجمة على حسين حجاج ، ط.دار البشير ، عمان 1994 ص21 ، وحسني عائش : الفساد : عوامله ، وعلاقته وسبل التصدي له ط. دار الطليعة ، ضمن : دراسات عربية ، بيروت المجلد 33 العدد 11-12 العام 1997 ص 96 ، ومص\فى كامل السيد : الفساد والتنمية ، مركز دراسات وبحوث الدول النامية ، جامعة القاهرة 1999 ص 8 ، ود. آدم نوح علي معابدة : مفهوم الفساد الاداري في التشريع الاسلامي ، بحث منشور في مجلة جامعة دمشق للعلوم الاقتصادية والقانونية المجلد 21 العدد 2 لعام 2005 ص 417 وما بعدها
([2]) ميخائيل جنستون : حيوية السياسة وقضية الفساد ص 29
([3])  المراجع السابقة
([4]) ابراهيم بدر شهاب : معجم مصطلحات الادارة العامة ، مؤسسة الرسالة بيروت 1999 ص 232
([5])  مصطفى كامل السيد : المرجع السابق نفسه
([6])  روبرت كليتجارد : المرجع السابق
([7])  المراجع السابقة
([8])  منقذ محمد داغر : علاقة الفساد الاداري بالخصائص الفردية والتنظيمية ط. مكرز الامارات للدارسات والبحوث الاستراتيجية 2001 ص 12
([9])  المصدر السابق
([10]) د . آدم نوح معابدة : بحثه السابق ص 423
([11])  رواه البخاري في صحيحه ـ مع الفتح ـ (1/428 – 429 ) ومسلم الحديث 551
([12]) أستاذنا الشيخ مصطفى الزرقا : المدخل

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق