السبت، 19 نوفمبر، 2016

دور الأمة في الاختيار ، والرقابة الشعبية ، والمساءلة والتعيير :

دور الأمة في الاختيار ، والرقابة الشعبية ، والمساءلة والتعيير :
  إن من الملاحظ أن الأنظمة الديمقراطية قد نجحت في الغرب إلى حدّ كبير في كبح جماح السلكان ، والدكتاتورية من خلال آلية مقررة عندهم أصبحت العقد الاجتماعي الذي ينظم العلاقة فيما بينهم ، وهي وجود السلطة التشريعية ( البرلمان ) الذي يعتبر المرجع الأول للسلطة التنفيذية ، بل لها الحق في محاسبتها ، وسحب الولاية عمن منحته ، فهي فعلاً تنفذ مصطلحنا الاسلامي ( أهل الحل والعقد ) ولكن بطريقتها .
  ولم يصل الغرب إلى هذه المرحلة إلاّ بعد ما عانى من الظلام والجهل والاستبداد ومحاكم التفتيش فنهض من خلال أفكار رواده الأوائل ، وقام بثورات عديدة سالت فيها الدماء ، وتناثرت فيها الاشلاء ، ومع نهضته السياسية التي أعادت للغربيين كرامتهم ظهرت نهضته العلمية والصناعية والتكنولوجية ، حتى وصل إلى ما وصل إليه اليوم من الحضارة المادية .
  والمستحق للتأمل هو أن الاسلام أصّل مبادئ الرقابة الشعبية على السلطة التنفيذية من خلال أمرين هما :

الأمر الأول : أن الأمة الممثلة في أهل العقد والحلّ ، هم الذين يختارون من يكون المسؤول الأول عن رعاية مصالح العباد ، وحراسة الدين ، وسياسة الدنيا ، قال الماوردي : ( فإذا اجتمع أهل العقد والحلّ للاختيار تصفحوا أحوال الإمامة ـ أي من يصلح للإمامة وتتوافر فيه شروطها من العلم ، والعدل وسلامة العقل والأعضاء ، والرأي المفضي إلى سياسة الرعية وتدبير المصالح ، والشجاعة والنجدة والمروءة ـ فقدموا للبيعة منهم أكثرهم فضلاً ، وأكملهم شروطاً ، ومن يسرع الناس إلى طاعته ، ولا يتوقفون عن بيعته )[1] .

الأمر الثاني : حق المساءلة من أين لك هذا ؟ وحق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وحق النصح من الجميع للإمام وبالعكس ، حيث روى مسلم وأبو داود والنسائي بسندهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : ( الدين النصيحة ، قلنا : لمن ؟ قال : لله ولكتابه ولرسوله ، ولأئمة الملسمين ، وعامتهم )[2] فليس هناك شخص أكبر من أن يُنْصَحُ ، ولا شخص أصغر من أن يَنْصَحَ .
  والاسلام أقرّ هذا المبدأ ، ولذلك يمكن اتخاذ أية وسيلة مشروعة للوصول إلى نصح الحاكم ، وتغيير سلوكه أو منعه ، حتى لو أدى ذلك إلى قتل الناصح ظلماً ، وحينئذ يكون يد الشهداء كما ورد في الهديث الصحيح ، بل إن قول كلمة الحق عند سلطان جائر تعتبر من أفصل الجهاد ، حيث سئل النبي صلى الله عليه وسلم : ( أي الجهاد أفضل ؟ قال صلى الله عليه وسلم : ( كلة حق عند سلكان جائر )[3] .
  وقد شدد القرآن الكريم والسنة النبوية المشرفة في موضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واخلاص النصح من الجميع للجميع وجعل المسؤولية تضامنية كما في حديث النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( مثل القائم في حدود الله ، والواقع فيها كمثل قوم استهموا سفينة فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها ، وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم ، فقالوا : لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا ، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً ، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ، ونجوا جميعاً )[4] فهذا الحديث الصحيح الشرف قد وضع النقاط على الحروف وذكر الداء ، فوضع له الشفاء ، وأن التجارب المريرة التي مرت بها الأمة منذ عدة قورن بسبب طغيان حكامها واسبدادهم وظلمهم وكبتهم للحريات ، وهيمنتهم على الثروات والممتلكات مع فقر شعوبهم ، ثم النتائج التي انتهت في بعض الأحيان بهيمنه الأعداء علينا وتمزيق الأمة الاسلامية وما انتهت إليه مما لا يخفى على أحد .... كل ذلك يجعل وضع هذه المبادئ والنصوص الشرعية الخاصة برفع الظلم ، وتحقيق العدل ، وتعمير الأرض ، وتحقيق الرفاهية للشعوب .... في إطار آليات محددة مثل مؤسسات المجتمع المدني ، ومجالس الشورى ( البرلمان ) الفعالة القادرة على الحل والعقد ، وعلى المساءلة واستجواب أي شخص ، وليس هذا غريباً عن تطبيقات الخلفاء الراشدين ، حيث كانت المرأة تعترض على إصدار حكم في المهور فيرجع عنه الحليفة عمر ، كما أن الصحابة كانو واضحين في محاسبة الحليفة ومساءلته حتى ولو على بعض أمتار من القماش[5] .
ويرتبط بهذا العنصر الأخير وتهيئة الأجواء المناسبة له توافر الشروط الآتية :

الشرط الأول : ضرورة تطوير الأنظمة الرقابية والادارية والمالية لضمان وضوحها ، واستمرار جودتها وسهولة تطبيقها وفعاليتها ، وتعزيز جهود الأجهزة الضبطية المتعلقة بمكافحة الفساد ، وسرعة البت في قضايا الفساد .

الشرط الثاني : إقرار مبدأ الوضوح والشفافية ، وتعزيزه داخل مؤسسات الدولة عن طريق ما يأتي :
1.    توعية المسؤولين في الدولة بأهمية البيان والوضوح والشفافية للوقاية من الفساد .
2.    تسهيل الاجراءات الادارية والتوعية بها ، واتاحتها للراغبين وعدم اللجوء إلى السرية إلا فيما يتعلق بالمعلومات التي تمس السيادة والأمن الوطني .
3.    وضع نظام عام ، ولوائح دقيقة للتصرف في المال العام ، بل للحقوق والواجبات على مستوى المسؤولين ومن تحت أيديهم من الادارات ، فاللوائح الدقيقة المفصلة التي يمكن من خلالها المحاسبة والمساءلة .
4.    توضيح اجراءات عقود مشتريات الحكومة ، والمؤسسات العامة والشركات المساهمة ، وإعطاء الجمهور ، والمؤسسات المدنية ، ووسائل الاعلام ، وحق الاطلاع عليها ونقدها .
5.    كفالة حرية تداول المعلومات عن شؤون الفساد بين عامة الجمهور ووسائل الاعلام[6].

الشرط الثالث : تشكيل هيئة عليا لمحاربة الفساد ، وتحقيق النزاهة ، يشترك في عضويتها أهل العلم والقضاء ، ومؤسسات المجتمع المدني ، كما يؤخذ رأي الهيئات المهنية والأكاديمية كالمحامين والمهندسين والمحاسبين حول الأنظمة الرقابية والمالية والادارية ، وتقديم مقترحاتهم حيال ظبطها وتطويرها ، وتحديثها ، وكذلك حث الغرف التجارية والصناعية في المساهمة في الرأي والتطوير[7] .

الشرط الرابع : تحسين أوضاع العاملين بالدولة ، أو في الشركات أو المؤسسات من الناحية المعيشية والأسرية والوظيفية ، وتحسين مستوى رواتبهم ، بحيث توفر لهم الحاجات الأساسية للوصول إلى تمام الكفاية .
  وذلك لأن الفقر خطير ، وله آثاره المدمرة إن لم يكن صاحبه مؤمناً قوياً صابراً ـ كما سيأتي ذلك بالتفصيل ـ .
  فإذا وفرت الدولة ، أو الشركات لمنتسبيها ما ذكرناه فتستطيع حينئذ القيام بالمساءلة والمعاقبة والمراقبة الشديدة .

الشرط الخامس : وجود قدوات صالحات في رأس الهرم الوظيفي أي أن يكون الرئيس ، أو الحاكم نزيهاً ، وكذلك الوزراء ، والمسؤولون الكبار ، ورؤساء المجالس والمدراء ، فإذا كان هؤلاء قدوة في النزاهة فإن غيرهم يقتدون بهم ، وأيضاً يخافون أما إذا كانوا هم فاسدين في أخذ الأموال ، أو الرشوة تحت اسم العمولة ، أو فاسدين في استغلال الوظيفة ، أو .... ، أو.... ، فإن العلاج مستحيل ، أو صعب جداً فلا يتم إلاّ بالقلع والابعاد بعد أن استنفذ النصح والارشاد .


([1]) الأحكام السلطانية للماوردي ط. التوقيفية بالقاهرة ص 7 ، ومثل هذا النص موجود في الأحكام السلطانية للقاضي أبي يعلى ، ط. مصطفى الحلبي بالقاهرة 1386 ص 24
([2])  صحيح مسلم ، الحديث 55 ، ورواه أبو داود الحديث 4944 ، والنسائي (7/156)
([3])  رواه النسائي (7/161) باسناد صحيح كما قال النووي في رياض الصالحين ، بتحقيق الشيخ شعيب الأرنؤوط ص 96 وحسنه المنذري في الترغيب والترهيب (3/168)
([4])  صحيح البخاري ـ مع الفتح ـ (5/94 ، 216 ،217)
([5]) يراجع لمزيد من التفصيل : د. علي الصلابي : تأريخ الخلفاء الراشدين ، ط. ابن كثير ، حيث أفاض فيه من خلال مصادر موثوق بها
([6])  الاستراتيجية الوطنية لحماية النزاهة ومكافحة الفساد ، صدرت بقرار مجلس الوزراء المرقم 43 في 1/2/1428هـ والمنشور في مجلة العدل ، العدد 35 رجب 1428هـ السنة 9 ص 202-203
([7]) المصدر السابق

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق