السبت، 19 نوفمبر، 2016

خطورة الاقتصاد الرأاسمالي

سلبيات النظام الرأسمالي
نجم عن النظام الرأسمالي الحر أسوأ أنواع الاحتكارات ، وأبشع أنواع السلوكيات فمثلاً قامت أمريكا في السبيعينات من القرن العشرين بإحراق جبال من القمح ، وأعداد هائلة من المواشي ، كما قامت الدول الأوروبية الغربية بإتلاف بحيرات من الحليب والزبدة ، كل ذلك لأجل بقاء الأسعار مرتفعة ، في الوقت الذي كان مئات الملايين يتضورون جوعاً ، وتموت أعداد هائلة بالمجاعة ، بل تاجر البعض بالأغذية الفاسدة ، واللحوم المريضة وبأعضاء البشر[1] وصدرت بعض القوانين مبررة لذلك فأجازت في أمريكا تصدير الأغذية والأدوية التي لا تتوافر فيها شروط استهلاكها المحلي إلى الخارج إلى العالم الثالث المسكين.
  ومن جانب آخر فإن هدف النظام الرأسمالي هو توفير الوفرة والغنى والرفاهية لأصحابه ، لذلك فلا فرق بين من يصنع المواد الكيميائية أو يشتريها ليصنع منها الأدوية ، وبين من يصنعها ، أو يشتريها ليصنع منها أسلحة مدمرة ... إلاّ في فرق واحد ، وهو أيهما أكثر ربحاً ، ومن هنا استبيحت سيادة الدول وحرمة الشعوب ، فاحتلت الأراضي من قبل المستعمرين بحثاً عن المعادن ، والثروات ، والطاقات مما نتج منه إذلال الشعوب وكبتها وقتلها وتشريدها ، حتى ان الأستاذ الجارودي يثبت بالأدلة ان حضارة الغرب ، ورفاهيته اليوم قامت على أكتاف الشعوب المحتلة وثرواتها وطاقاتها في القارات الثلاث (آسيا ، أفريقا ، أمريكا الجنوبية )[2] .
  لم يقم الاقتصاد الرأسمالي على مبادئ الدين الحنيف ، وقوانين الأخلاق ، والقيم الانسانية في النشاط الاقتصادي ، ولم يكن له رادع إلاّ القوانين التي قلما تدخلت في هذا المجال ، ولذلك تحطمت القيم الدينية تحت عجلة الثورة الصناعية ، وغُيّبت القيم الأخلاقية والانسانية في ظل الحروب الاستعمارية الاستعلائية ، وانتهكت حقوق المستضعفين في ظل القوانين والتحليلات التي أطلقت العنان للفرد ، ولقانون العرض والطلب ، وبررت النتائج السلبية بدافع الحرية والتنافس ، فمثلاً ان قانون ساي للأسواق وهو " كل عرض يخلق الطلب عليه " يعطي للمنتج المبرر لأن ينتج أي شيء دون النظر إلى مآلاته ونتائجه وآثاره على البيئة أو الإنسان[3] ، ولم يؤثر كثيراً في هذه القوانين والتحليلات الرأسمالية ظهور بعض الدعوات الاصلاحية ، وبعض المدارس الاقتصادية الجديدة في النصف الثاني من القرن العشرين التي دعت إلى القيم الأخلاقية ، حيث ظل عالم الاقتصاد في الغرب متأثراً بالنظام الرأسمالي وقوى السوق ، والعرض والطلب ، وسعر الفائدة ، وحركة رؤوس الأموال ، ومؤشرات الأسواق المالية دون التفات إلى المشكلات الحقيقية التي تعاني منها البيئة ، بل البشرية جمعاء ، بل إن قوى العولمة الرأسمالية لا تركز إلاّ على أكثر المنتجات ربحية ، وأكثر التجارات المدرة للربح السريع ، فاتشرت المضاربات والمقامرات والمراهنات ، وتجارة أسلحة الدمار الشامل ، وازدهرت تجارة المتعة ، والأفلام الاباحية ، ونجم عن ذلك حجم إنتاج الطيبات على مستوى العالم ، وازداد حجم إنتاج الخبائث مما زاد من فساد البيئة وتلوثها[4] .
  والعالم الغربي المتطور في تسارع شديد في ظل العولمة لتحقيق المزيد من المكاسب التجارية والاقتصادية ، ولذلك ترفض أمريكا ـ التي تسببت في انبعاث الغازات المتسببة في تآكل طبقة الأوزون بنسبة 35% وتليها دول السوق الأوروبية ، التوقيع على معاهدة الحد من الانبعاث الحراري[5] .
  إن معظم النتائج المخيفة لفساد البيئة تتعلق بالاقتصاد علاقة مباشرة أو غير مباشرة فالغابات التي تتناقص بمعدل 2% والتربة الصالحة للزراعة التي تتناقض أيضاً بنسبة 7% والحيوانات التي ينقرض بعضها ، ويصاب بعضها بأمراض الجنون وغيره ، وملايين الناس الذين ماتوا ، أو أصيبوا بأمراض بيئية .... ، والموارد التي تهدر ، والطاقات التي تبدد ، و... ، كل ذلك له علاقة بالاقتصاد بوضوح .

ثانياً ـ الحل الاقتصادي الاسلامي الخاص بالبيئة :
  ذكرنا في السابق منهج الاسلام بإيجاز لحل المشكلات البيئية ، ونضيف هنا أن الاسلام قد ذكر مجموعة من المبادئ الاقتصادية التي تعالج هذا الجشع الرأسمالي بصورة خاصة ، وهي :
1-   ترسيخ عقيدة أن الملك الحقيقي لله تعالى ، وأن الإنسان مستخلف في الأرض ـ كما سبق ـ فهذه العقيدة تربط الملكية بتحقيق أهدافها المرسومة لها ، وتجعل للإنسان رسالة ، وهي رسالة التعمير والاصلاح ، والابتعاد عن التدمير والاضرار والفساد ، وتجعل له مسؤولية عن الأرض بالحفاظ عليها ، وتعميرها .
2-   أداء شكر المنعم ، بشكر الله تعالى بالقلب ، والفكر واللسان ، وباستخدام الموارد المائية فيما خلقها الله تعالى لها دون إسراف ولا تبذير ، مع الحفاظ عليها ، وعدم تلويثها بالنجاسات المضرة مثل البول في المال الراكد ، وبعد استنزافها ، وكذلك الحال في البيئة والبرية حفظاً وتنمية وتجميلاً وتنظيفاً ، وحماية مكوناتها وموجوداتها الزراعية والنباتية والحيوانية ، وحماية أنواعها ، وكذلك حماية التربة ، وضرورة الاستصلاح ، وكذلك يتحقق الشكر باستخدام ما في الأرض من المعادن ، وما عليها من الطاعة بجميع أنواعها فيما خلقها الله تعالى له وذلك لأن علماءنا قالوا : إن شكر الله على نعمه إنما يتحقق باستعمالها فيما خلقها له ، وأن استعمالها في غير أغراضها المشروعة كفران لها ، وقد أخذوا ذلك من أن القرآن الكريم حينما يذكر المظاهر الكونية يعقب عليها في الغالب بالذكر والشكر فقال تعالى : (وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُواْ آلاء اللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ)[6]أي اذكروا نعم الله تعالى بالاستفادة منها واستعمالها فيما خلقت له بحيث تستخدم فيما يحقق الصلاح دون الفساد ، ولذلك كان من أعمال الشيطان الأساسية تغيير خلق الله ، أي تغييره عما خلق الله تعالى الشيئ له ، ولذلك حينما تدخلت التقنيات المعاصرة في تغيير الطبيعة ترتبت عليه أضرار كبيرة مثل جنون البقر ..
  وقد قام الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله بتأصيل هذا المبدأ ، فقال : ( اعلم أن فعل الشكر ، وترك الكفر لا يتم إلاّ بمعرفة ما يحبه الله عما يكرهه ، إذ معنى الشكر استعمال نعمه تعالى في محابه ، ومعنى الكفر نقيض ذلك ، إما بترك الاستعمال أو  باستعمالها في مكارهه ... فلذلك أرسل الله تعالى الرسل ، وسهل بهم الطريق على الخلق ، ومعرفة ذلك تنبني على معرفة جميع أحكام الشرع في أفعال العباد ، فمن لا يطلع على أحكام الشرع في جميع أفعاله لم يمكنه القيام بحق الشكر أصلاً ( هذا أولاً )
 وأما الثاني ـ وهو النظربعين الاعتبارـ  فهو إدراك حكمة الله تعالى في كل موجود خلقه إذ ما خلق شيئاً في العالم إلاّ وفيه حكمة ، وتحت الحكمة مقصود ، وذلك المقصود هو المحبوب ، وتلك الحكمة منقسمة إلى جلية وخفية ، ام الجلية فكالعلم بان الحكمة في خلق الشمس أن يجعل بها الفرق بين الليل والنهار ، فيكون النهار معاشاً ، والليل لباساً … ، فجميع أجزاء العالم : سماؤه ، وكواكبه ، ورياحه ، وبحاره ، وجباله ، ومعادنه ، ونباته ، وحيواناته ، وأعضاء حيواناته …. ، لا تخلو ذرة من ذراته عن حكم كثيرة من حكمة واحدة إلى …..عشرة آلاف ، وكذا أعضاء الحيوان تنقسم إلى ما يعف حكمتها كالعلم بأن العين للابصار لا للبطش ، واليد للبطش لا للمشي …. ) .
 ثم قال : ( إذن فكل من استعمل شيئاً في جهة غير الجهة التي خلق لها ، ولا على الوجه الذي أريد به فقد كفر فيه نعمة الله تعالى ، فمن ضرب غيره بيده فقد كفر نعمة اليد ، إذ خلقت له اليد ليدفع بها عن نفسه ما يهلكه ، ويأخذ بها ما ينفعه ، ولا ليهلك بها غيره ، ومن نظر إلى وجه غير المحرم فقد كفر نعمة العين ، ونعمة الشمس ، إذ الابصار يتم بهما ، وإنما خلقتا ليبصر بهما ما ينفعه في دينه ودنياه ، ويتقي بهما ما يضره فيهما ، فقد استعملها في غير ما أريدت به .. ) .
  ثم ذكر سلسة مترابطة بين الانسان والكون فقال : ( ولا يمكن الدوام على الذكر والفكر إلاّ بدوام البدن ، ولا يبقى البدن إلاّ بالغذاء ، ولا يتم الغذاء إلاّ بالأرض والماء والهواء ، ولا يتم ذلك إلاّ بخلق السموات والأرض .. ، فكل ذلك لأجل البدن ، والبدن مطية النفس ، والراجع إلى الله تعالى هي النفس المطمئنة بطول العبادة والمعرفة…).
  ثم ختم كلامه بقوله : ( فكل من استعمل شيئاً في غير طاعة الله فقد كفر نعمة الله في جميع الأسباب التي لا بدّ منها لاقدامه على تلك المعصية ، ولنذكر لذلك مثالاً واحداً … ، فنقول : من نعم الله تعالى خلق الله الدراهم والدنانير ، وبهما قوام الدنيا … ، فخلقهما حاكمين ومتوسطين بين سائر الأموال حتى تقدر الأموال بهما … ، ولتتداولهما الأيدي ، وللتوسل إلى سائر الأشياء … ، فكل من عمل فيهما عملاً لا يليق بالحكم ، بل يخالف الغرض المقصود بالحكم مثل كنزهما فقد كفر نعمة الله ، وإذا عرفت هذا المثال فقس عليه حركتك وسكونك ونطقك وسكوتك ، وكل فعل صادر منك فإنه إما شكر ، وإما كفر ....)[7] .
3-   اتباع المنهج الوسط المعتدل القائم على القصد ، والتوازن والاعتدال في كل شيء ، وحرمة الاسراف والتبذير والبخل والتقتير فقال تعالى : (وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا )[8] وقال تعالى في وصف عباد الرحمن : (وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا)[9]وقد حرم الله الاسراف حتى في ماء البحر .
4-   تعمير الأرض وإصلاحها ، وتحقيق متطلبات الخلافة ، فقال تعالى : (هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ)[10] ولذلك أمرهم الله تعالى بالتعمير فقال تعالى : (هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا)[11] وقد سبقت عناية الاسلام بالزراعة ، وإحياء الأرض ونحوهما .
5-   حرمة الفساد والافساد والضرر والضراء والخبائث والمحرمات .
6-   تشريع عقوبات رادعة ، لكل من يفسد في الأرض ، منها عقوبة الحرابة والفساد في الأرض ، ومنها العقوبات التعزيزية التي يستطيع ولي الأمر إجراءها على كل من يضر بالبيئة ، ومن الاجراءات المقررة في هذا الباب الحجر على السفهاء ، حيث يقول تعالى : (وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا)[12]فاتفق الفقهاء على اجراء الحجر على الصبي ، والمجنون ، واتفق جمهورهم على الحجر على السفيه المبذر ماله الذي لا يحسن التصرف فيه ، لخفة في عقله ، أو في دينه عند جماعة منهم[13] .
7-   ضرورة معالجة الملوثات لاعادتها إلى حالة صالحة للاستفادة منها ، وفي السنة النبوية توجد عدة حالات تعطي لنا الضوء الأخضر لازالة الملوثات بالمعالجة والاستحالة وتطهير النجاسات وبالتالي الاستفادة منها بعد التطهير والمعالجة ، منها حالة دباغ جلود الميتة حيث ورد قول النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ : ( إذا دبغ الاهاب فقد طهر )[14]رواه مسلم ، وأحمد وغيرهما فهذا الحديث يدل بوضوح على ضرورة الانتفاع بجميع الجلود حتى ولو كانت من الميتة عن طريق دباغها ، ويقاس عليها غيرها من المتنجسات التي يمكن تطهيرها .
ومن هنا تطهير الماء المتنجس عن طريق تكثيره حتى يبلغ القلتين ، حيث يقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث )[15]، وفي رواية لابن ماجه والدارمي  وأحمد بلفظ : ( إذا بلغ الماء قلتين لم ينجسه شيء )[16] .
ومنها هو التطهير عن طريق الاستحالة ، أي تغيّر الشيء من حالة إلى حالة أخرى ذاتاً ووصفاً ، مثل تخلل الخمر ، حيث تطهر ، وكذلك تطهر بالتخليل على خلاف وتفصيل[17] .
ويفهم من ذلك بوضوح مدى حرص الاسلام على الاستفادة من كل ذرة من ذرات هذا الكون ما دامت نافعة لا تضر حتى ولو كانت متنجسة حيث يمكن تطهيرها ليستفاد منها .
  وللاستحالة والاستهلاك والمعالجة تطبيقات معاصرة واسعة في مجال الدواء والغذاء ، والمنتجات الصناعية ، ومستحضرات التجميل ، والمعاجين والمساحيق ، حيث يستعمل فيها مواد نجسة ومحرمة ، ولا مانع منها إذا استحالت أو أستهلكت هذه المواد النجسة والمحرمة وزالت ، أو أزيلت عنها المواد الضارة والسامة ، وكذلك الأمر في مياه المجاري إذا استصلحت ، وأزيلت عنها الصفات الضارة الخبيثة القذرة تصبح مياه طاهرة مشروعة[18]، فقد ثبت أنه من الناحية العلمية أن بعض المواد تكون ضارة وسامة إذا انفردت ، ولكنها تكون نافعة مفيدة إذا اجتمعت مع مادة أخرى مثل الصوديوم والكلور ، فهما عنصران سامان ، ولكنهما إذا اجتمعا يتكون منهما ملح الطعام الذي لا يستغني عنه إنسان[19] .
8-   سياسة الوقاية من الفسادة البيئي :
 يعتمد الاسلام في منع الأمراض والمشاكل على سياسة الوقاية  ، وهذه السياسة تعتمد على الأخذ بالأسباب الظاهرة المانعة من الحدوث ـ بعد التوكل على الله تعالى ـ كالآتي :
‌أ)       العناية القصوى بالطهارة الشاملة للبدن والمكان ، وكل ما يستعمله الانسان ، بل كل ما يتعلق بالبدن ، فقد جعل الاسلام الطهارة شرطاً لصحة الصلان ، والطواف ، ووردت نصوص كثيرة في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة آمرة بالطهارة وناهية عن الاقتراب من النجاسات ، فقال تعالى : (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ )[20]وقد جعل الله الطهارة سبباً لمحبة الله تعالى فقال تعالى : (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ)[21] وروى مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله طيب لا يقبل إلاّ طيباً )[22] وقال : ( إن الله جميل يحب الجمال )[23] وروى الترمذي بسنده عن سعيد بن المسيب يقول : ( إن الله طيب يجب الطيب ، نظيف يجب النظافة ...فتنظفوا ـ أراه قال : أفنيتكم ـ ولا تشبهوا باليهود ) قال الراوي فذكرت ذلك لمهاجر بن مسمار فقال : (حدثه عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم إلاّ انه قال : ( نظفوا أفنيتكم )[24] أي دون تردد .
وقد ذكرت كتب السنة النبوية أحاديث كثيرة في الطهارة وأحكامها ، وعقدوا لها كتباً ، وترجموا لها عدة أبواب ، وذكر الحافظ ابن حجر عدة أحاديث للاستدلال على أهمية النظافة ، وفرضيتها ، وأنها مقررة في الاسلام[25].

‌ب)  تغطية الأواني لحماية الطعام والشراب من التلوث والفساد ، فقد روى مسلم في صحيحه بسنده عن حابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( غَطُّّوا الإناء، وأَوْكُوا السِّقاء ، فإن في السَّنَة ليلةً يَنْزِلُ فيها وباءٌ لا يمرَُ بإناء ليس عليه غِطاء ، أو سِقاء ليس عليه وِكاء إلاّ نزل فيه من ذلك الوباء )[26] وقد أورد مسلم عدة أحاديث في هذا الباب ، قال النووي : ( وقد ذكر العلماء للأمر بالتغطية فوائد منها : الفائدتان اللتان وردتا في هذه الأحاديث ، وهما : صيانته من الشيطان ، فإن الشيطان لا يكشف غطاء ، ولا يحل سقاء ، وصيانته من الوباء الذي ينزل في ليلة من سنة ، والفائدة الثالثة : صيانته من النجاسات والمقذرات ، والرابعة : صيانته من الحشرات والهوام فربما وقع شيء منها فشربه وهو غافل ، أو في الليل ، فيتضرر به والله أعلم )[27].

‌ج)   منع كل ما يؤدي إلى إضاعة المال وعلى ذلك أدلة كثيرة كما سبق .

‌د)      حَظر كل ما يؤدي إلى عدوى الأمراض مثل :
1.   حرمة التبول في الماء الراكد ، حيث نهى النبي صلى الله عليه عن ذلك فقال : ( لا يبولنّ أحدكم في الماء الراكد ثم يغتسل منه )[28] ،  وهذا لما يترتب عليه افساد الماء نفسه ثم ما ينتج منه من أمراض الكوليرا والبلهاريسيا ونحوهما التي تصيب من يشرب منه ، أو يستحم منه .
2.   حرمة البزار في موارد الماء ، وقارعة الطريق ، وتحت ظل الشجرة ، حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( واتقوا الملاعن الثلاث : البِرازََ في الموارد ، وقارعة الطريق ، والظِّل )[29] وقد بين الحديث نفسه أن البراز في هذه الأماكن الثلاثة يؤدي إلى لعن الناس من تبرز فيها ، وذلك لما يترتب عليه من إضاعة المال ، وايذاء الناس ، والتسبب في عدوى الأمراض إلى الغير ، حيث ثبت علمياً أن البزار في المياه يترتب عليه تلوثها بالطفيليات ، والروائح الكريهة ، إضافة إلى أنه يتسبب في استهلاك الأوكسجين الذائب فيها مما يؤثر على الكائنات التي تعيش قيها ، وبالتالي فإنه يؤدي إلى إحداث آثار خطيرة على الحياة البشرية[30] .
3.   تدخل الدولة والمحتسب لوقاية الهواء من التلوث ، فقد ذكر علماؤنا القدامى أن من وظائف المحتسب مراقبة الأدخنة التي تحدث في محالات الخبازين وصناعي الطعام ، فقد ذكر الشيرازي ضمن واجبات المحتسب أن المحتسب عليه أن يهتم بأن يرفع أسقف الحوانيت للخبازين ، وأن تفتح أبوابها ، ويجعل في سقوف الأفران منافذ ومنافس واسعة ليخرج منها الدخان حتى لا يتضرر بذلك الساكنون[31] .
4.   حرق النفايات بصورة علمية في أفران خاصة ، والاستفادة منها لتوليد الطاقة ، حيث ان العالم اليوم يعاني من الجبال المجمعة من النفايات في كل مدينة وان معظم الدول النامية تترك هذه النفايات لتترتب عليها مشاكل بيئية وأمراض خطيرة ، أو تحرقها بصورة عشوائية وبدائية ، أو تتركها لتطرح في البحار والمحيطات والأنهار ، وحينئذ تتسبب في تلويثها وبالتالي موت أنواع كثيرة من الكائنات البحرية ، وتقوم بعض الدول بالطمر الصحي ، ودفن النفايات في الأرض ، وكل طريقة ، أو سيلة تحقق الغرض المنشود ـ حسب شهادة الخبراء من تحقيق المصالح ومنع الضرر ، ودرء  الفساد ، أو التقليل منها بقدر الامكان ـ فهي طريقة مشروعة بل مطلوبة ، لأنها تتفق مع مقاصد الشريعة .




([1])  د. حسين كامل : مأساة البلدان النامية ، الجوع في عالم الوفرة ، منشور في مجلة الأمة في قطر1985 ، عدد 55 ص77 ود. كمال حطاب ، بحثه السابق ص 148
([2])  حوار الحضارات للأستاذ رجاء الجارودي
([3]) عبدالحي زلوم : نذر العولمة ط. المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت 1999 ص 347 ود.كمال حطاب : المرجع السابق ص 148-149
([4]) د. كمال حطاب : بحثه السابق ص 149-150
([5])  أحمد عبدالعظيم : الاسلام والبيئة ط. مؤسسة شباب الجامعة / الاسكندرية 1999 ص 11
([6]) سورة الأعراف / الآية 74
([7])  إحياء علوم الدين ط. عيسى الحلبي بالقاهرة (4/88-91)
([8]) سورة الاسراء / الآية 29
([9]) سورة الفرقان / الآية 67
([10])  سورة فاطر / الآية 39
([11])  سورة هود / الآية 61
([12]) سورة النساء / الآية 5
([13]) مبدأ الرضا في العقود ، دراسة مقارنة ط. دار البشائر الاسلامية (1/ )
([14])   
([15])  رواه أحمد في المسند (2/12 ، 38) وأبو داود في سننه ـ مع عون المعبود ـ (1/103) والترمذي في جامعه ـ مع تحفة الأحوذي ـ (1/215) والنسائي في سننه ، كتاب الطهارة ، تحقيق عبدالفتاح أبو غدة (1/46) وابن ماجه في سننه ، تحقيق الأعظمي : الطهارة (1/97) ورواه الدارمي (1/152) والطحاوي ، والدارقطني والحاكم والبيهقي باسناد صحيح ، وقال الألباني في الارواء (1/60) : صحيح ، وقال المباركفوري في تحفة الأحوذي (1/216) : وهو حديث صحيح قابل للاحتجاج ..... ، قال الحافظ أبو الفضل الغراتي في أماليه : قد صحح هذا الحديث الحجم الغفير من أئمة الحفاظ .... )
([16]) رواه أحمد في مسنده ( ) وابن ماجه ، تحقيق الأعظمي  (1/97) والدارمي (1/152)
([17])   يراجع لمزيد من التفصيل والتأصيل في هذه الموضوعات : أ.د. علي محيى الدين القره داغي وأ.د. علي يوسف المحمدي : فقه القضايا الطبية المعاصرة ط. دار البشائر الاسلامية بيروت ص 203-252
([18])  يراجع لمزيد من التفصيل : أ.د. علي محيى الدين القره داغي وأ.د. علي يوسف المحمدي : فقه القضايا الطبية المعاصرة ص 203-252
([19])  د. كمال حطاب : بحثه السابق ص 160
([20]) سورة المدذر / الآية 4
([21])  سورة البقرة / الآية 222
([22])  صحيح مسلم (2/703)
([23]) صحيح مسلم ( 1/93)
([24]) رواه الترمذي ـ مع تحفة الأحوذي ـ (8/82)
([25])  فتح الباري عند شرحه للأحاديث المرقمة 149 ، 204 ، 803 ، 1231 ، من صحيح البخاري
([26])  صحيح مسلم ، كتاب الأشربة (3/1596) وأحمد (3/355)
([27])  شرح النووي على صحيح مسلم ط. دار ابي حيان بالقاهرة 1415هـ (7/2001)
([28])  رواه مسلم في صحيحه (1/235) وأحمد في مسنده (3/288 ، 464 ، 532 ، 4/341 ، 350 )
([29]) رواه أبو داود (1/5) وابن ماجه (1/328) والحاكم (1/167) وقال : صحيح ، ووافقه الذهبي ، وكذلك صححه ابن السكن ، وصعفه البعض ، ولكن له شواهد ، ولذلك فالحديث حسن كما قال في الإرواء (1/100) الحديث 62
([30]) د. كمال حطاب : بحثه السابق ص 161
([31])  نهاية الرتبة في طلب الحسبة لعبدالرحمن بن نصر الشيرازي ، ط. دار الثقافة ببيروت 1981 ص 15

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق