السبت، 19 نوفمبر، 2016

العلم اساس التقدم

العلم هو الشرط الأساسي ، وهو المفتاح للتمكين :
   وليس المقصود به محو الأمية ، الذي يُعدّ المرتبة الأدنى ، ثم يأتي بعدها محو الجهل بالحقائق ، ثم المرتبة الثالثة وهو العلم الشامل النافع المؤثر ولا سيما في مجال التقنيات والوسائل المؤثرة ، أو ما يسمى بالتقنيات والتكنولوجيا المعاصرة .
  وقد أشار القرآن الكريم إلى دور الرسول صلى الله عليه وسلم أمام أمته فقال تعالى : (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ)[1] .
  فالأمة الأمية التي لا تقرأ ولا تكتب ، والجاهلة بحقائق الأمور وبواطنها ومآلاتها ، والضالة في دينها ودنياها ، لا يمكن أن تتحقق لها سعادة الدنيا والآخرة ، ولذلك كان من وظائف الرسول صلى الله عليه وسلم القيام بما يأتي : 
1)   تزكية نفوسهم وقلوبهم وباطنهم بتخليتها من الحقد والحسد ، والبغضاء ، والفرقة والخلاف ، ثم بتحليتها بجميع الفضائل والقيم السامية من المحبة والصفاء والنقاء والتواضع والاباء ، ليكونوا كجسد واحد ، وبالتالي ليتألفوا على منهج واحد ولتتكون منهم الأمة ، لأن الأمة لن تتحقق بعصبيات متنافرة ، وشعوب متفرقة ، وقلوب متباغضة ، ونفوس متشاحنة ، وأرواح خبيثة ، بل يقيم جامعة وأخلاقيات سامية ، ونفوس طيبة ، وعقول نيرة ، وقلوب سليمة طاهرة .
وبينت الآية الكريمة أن الوسيلة لتحقيق هذا الهدف هو التربية الايمانية القائمة على تلاوة القرآن الكريم والعمل به ويدخل في القرآن الكريم بيانه المتمثل بالسنة المطهرة ، والسيرة العطرة لرسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم ، التي تظهر لنا أخلاقه السامية حتى شهد الله تعالى بذلك فقال : (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ )[2] .

2)   التعليم للكتاب الذي يكون على رأسه القرآن الكريم ، لكنه يشمل أيضاً كل كتاب نافع صالح للدين والدنيا.
وهنا يدخل جميع العلوم المكتسبة ، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم من خلال القرآن الكريم أعطى مفتاح العلوم كلها لهذه الأمة .

3)   الحكمة هي كل شيء نافع ، وبالتالي فهي تشمل العلوم إذا طبقت وذلك لأن نفع العلوم ليس في ذاتها وإنما من تطبيقها ، فالعلم النافع هو الذي انتفع به صاحبه ، ثم ينتفع به غيره ، فهو يتعلم فيستفيد ، ثم يعلم فيفيد ، وإلاّ فالعلم الذي لا يطبقه صاحبه يكون وبالاً عليه فقال تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ )[3] إذن تدخل في الحكمة الاستفادة من علوم العصر والتقنيات ، والتكنولوجيا المعاصرة النافعة .
كما أن الحكمة تشمل التجارب النافعة من أي شخص كان ، كما أنها تشمل المنهج النافع إذ الحكمة وضع الشيء المناسب في محله المناسب في وقته المناسب ، وبأسلوب مناسب ، وهذا هو المنهج الصحيح للوصول إلى الغرض المنشود .

    إذن فهذه الآية الكريمة تضمنت معظم شرائط التنمية المتمثلة في محو الأمية ، ورفع الجهل ، وتحقيق العلم النافع ، والقيم الأخلاقية السامية ، والاستفادة من التجارب النافعة ، والمنهج الصحيح من خلال خطة محكمة .
  ويدل على أن العلم بالمعنى الذي ذكرناه هو مفتاح التنمية الشاملة ، بل مفتاح التمكين والاستخلاف في الأرض ما يأتي :

أولاً ـ أن الله تعالى خلق آدم ليكون خليفة في الأرض وجعل له غاية ورسالة ، فالغاية هي العبادة لله تعالى حيث بهذه العبودية تتزكى نفسه وتنصلح حاله فيكون صالحاً ومصلحاً .
  وأما رسالته فهي تعمير الكون  لصالح البشرية فقال تعالى : (هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا....)[4] ، ولتحقيق هذه الرسالة فإن الإنسان يحتاج إلى العلم الاستنباطي الذي يكتسبه الانسان من خلال اجتهاداته ومعارفه .
  ومن هنا فالملائكة لديهم العبودية الكاملة (لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)[5] ولديهم العلم اللدني من الله تعالى ، ولذلك لما امتحنهم الله مع آدم نجح آدم بعلم الاستنباط ولم تنجح الملائكة ، فأمرهم الله تعالى بالسجود له . 
  إذن فمعيار الاستخلاف ليس العبودية فقط ، كما قال الملائكة حينما قالوا : (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)[6]ـ وإنما المعيار هو العلم الاستنباطي مع العبادة لله تعالى الذين أعطاهما الله لآدم فاستحق أن يكون خليفة في الأرض .
 وإذا كان الله تعالى أمر بسجود الملائكة ـ وهم أفضل الخلق بعد الرسل ـ لآدم بسبب العلم فإن في ذلك دلالة واضحة بأن الكون كله قد سخر الله تعالى بالعلم أيضاً .

ثانياً ـ اصلاح منهج العلم والتعليم في أول سورة من القرآن الكريم على عكس ما يتوقعه أي إنسان في نزول كتاب سماوي من أن يبدأ بتصحيح العقيدة ، أو بتصحيح العبادة ..... تنزل أول سورة ، وأول آية تقول : (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ )[7] .
  هذا التركيز على القراءة والعلم على نبيّ أمي ، وأمة أمية ، وفي بيئة جاهلية ، وفي وقت كان الرسول صلى الله عليه وسلم يتحنث في غار حراء فهو كان بحاجة إلى بيان العقيدة والعبادة الصحيحة ، ولكن الله تعالى ـ وهو أحكم الحاكمين ـ يختار هذه الآيات .
  ولقد فكرت ملياً وعشت مع هذه الآيات سنين طويلة إلى أن اهتديت إلى الحكمة ـ والله أعلم بها ـ وهي بيان أن هذه الأمة أخرجت للناس لترث الأرض (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ )[8] وهؤلاء هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم بالاتفاق ، وبالتالي فهم محتاجون لمفتاح التوريث والتمكين فبين الله تعالى لهم أن مفتاح ذلك هو إصلاح النظام التعليمي من خلال :
‌أ)       القراءة الشاملة للكتاب المقروء " القرآن الكريم " ، والكتاب المفتوح " الكون " فقد كان من قبل الاسلام إما انهم في الغالب يحصرون أنفسهم على قراءة الكتب الدينية فيكونون بمعزل عن الحياة الدنيا ، أو على قراءة الكون فيكونون بمعزل عن الآخرة ، فجاءت هذه الآية آمرة بالقراءة مطلقاً ، أي القراءة لكل شيء حيث حذف المفعول به لاقرأ فيراد به العموم .
‌ب) القراءة المتجددة الحادثة في كل وقت ، حيث يفهم من ذلك من الجملة الفعلية الدالة على الحدوث والتجدد .
‌ج)   القراءة المتكررة المفهومة من أن الأمر يقتضي التكرار كما هو مذهب بعض الأصوليين[9] .
‌د)     عدم تضييع الوقت والفرص وعدم التأخير ولو لحظة ، حيث يفهم من ذلك من صيغة الأمر الدالة على الفورية[10] .
‌ه)      أن تكون القراءة بطريقة هادئة هادفة متسمة باللطف واللين ، وبالتدرج المطلوب حيث أخذ ذلك من ربط القراءة بالربّ ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ) .
‌و)    الاستفادة من كل ما جاء في القرآن الكريم ليس للأمور العقائدية والتعبدية فحسب ، بل في الأمور الدنيوية والعلوم المتعلقة بالانسان ، والكون كله من خلال ( الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ)على تفسير بعض ، ومن خلال (عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ)[11].
‌ز)    الاستفادة من كل مصادر المعرفة وهي الحواس ، والعقل والتجارب المشار إليها في قوله تعالى : (عَلَّمَ بِالْقَلَمِ) .
‌ح)   الربط بين القراءة والعلم وبين كرامة الانسان من خلال قوله تعالى : (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ) أي الذي أكرم الانسان فأعطاه العقل والحرية والاختيار ـ في دائرة قدرة الله ـ مما يفهم منه العلاقة الكبيرة بين العلم المؤثر ـ الذي يترتب عليه الابداع وبالتالي التمكين ـ وبين كرامة الانسان وحقوقه المحفوظة ، وذلك لأن الانسان الذي ليس له حرية ولا كرامة : (كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ)[12] .
‌ط)   عدم وجود نهاية للعلم من خلال قوله تعالى : (عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) فالعلم بحر متلاطم الأمواج لا يصل الإنسان إلى نهايته بل : (وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ)[13] لذا يجب عليه السعي الدائم الدائب للمزيد والمزيد ، والمزيد ، لذلك لا ينبغي الاكتفاء ، بل يجب طلب المزيد مع السعي الحثيث .
‌ي)  أن تكون القراءة مرتبطة بالله تعالى وبرحمته حتى لا يتجاوز حدّه ، فيتحول إلى الإضرار بالآخرين ، كما حدث للغرب ، حيث تضررت البيئة بسبب الاسراف في الصناعات المربحة لهم ولو كانت على حساب الآخرين .

   وإذا نظرنا إلى القرآن الكريم والسنة المشرفة لوجدنا فيها مئات من الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة تتحدث عن فضائل العلم وأهميته ،،، ونحيل القارئ الكريم إليها[14].

الشرط الرابع : حماية حقوق الانسان وكرامته وحريته ، إذ بدونها لا ابداع ، ولا قدرة ، بل يصبح الانسان في ظل الاستبداد والدكتاتورية وكبت الحريات كالعبد الذي فقد حريته وارادته وبالتالي بوصلته ، فقد عبر القرآن الكريم عن خطورة الاستبداد والكبت تعبيراً رائداً ورائعاً فقال تعالى : (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَىَ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ )[15] .
  ويرتبط بهذا الشرط تحقيق العدالة والابتعاد عن الظلم في الحقوق والواجبات من خلال أداء الحقوق إلى أصحابها بعدل وانصاف بعيداً عن هضم الحقوق والظلم والاعتساف .
 وباختصار شديد فإني على يقين بأن إصلاح النظام السياسي شرط أساسي لتحقيق التنمية الشاملة المستدامة .
  إن منهج الاسلام يمكن ايجازه في أحد جوامع الكلم لرسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قال : ( فأعط كل ذي حق حقه )[16] وقال تعالى : (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا)[17] .
  كما أن منهج الاسلام دائماً يقوم على الحقوق المتقابلة ، فكل من له حق فعليه حق وواجب ، وأن المسلم يؤدي الحق تنفيذاً لأمر الله ، كما أن مقابله كذلك يعطي الحق ، وحينما يصل كل إنسان إلى حقه دون خصومة يعطي الحق ، وحينما يصل كل إنسان إلى حقه دون خصومة ولا عناد و لا حاجة إلى المحاكم إلاّ في حالات نادرة .
  وبالحقوق المتقابلة يتم تشغيل الجميع ، وتفعيله ، وينال كل واحد ما له بعدما أدى ما عليه ، لذلك يبدأ بنفسه لينطلق نحو المطالبة بحقوقه ، كما أنه من خلالها تتحقق المسؤولية والمساءلة ، فلا أحد يكون بمنأى عن المسؤولية وأداء ما عليه .


([1])  سورة الجمعة / الآية 2
([2])  سورة القلم / الآية 4
([3]) سورة الصف / الآية 2-3
([4])  سورة هود / الآية 61
([5]) سورة التحريم / الآية 6
([6])  سورة البقرة / الآية 30
([7])  سورة العلق / الآية 1-5
([8])  سورة الأنبياء / الآية 105-107
([9])  شرح الكوكب المنير (3/43)
([10]) المصدر السابق (3/48 )
([11]) يراجع : تفسير الطبري                ، وتفسير الرازي في تفسير هذه الاية
([12])  سورة النحل / الآية 79
([13]) سورة يوسف / الآية 76
([14])  يراجع : العلامة : أ.د. يوسف القرضاوي : الرسول والعلم ط. مؤسسة الرسالة 1985 ، والدكتور علي القره داغي : مقدمة التحقيق لكتاب : أيها الولد للإمام الغزالي ، ط. دار البشائر الاسلامية بيروت
([15])  سورة النحل / الآية 76
([16])  هذا القول قاله سلمان الفارسي لأبي الدرداء ، فنقله أبو الدرداء للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( صدق سلمان ) رواه البخاري ـ مع الفتح ـ (4/182-185 ، 10/443) والترمذي الحديث رقم 2415
([17])  سورة النساء / الآية 58

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق