السبت، 19 نوفمبر، 2016

خطورة الرشوة وعلاجها

خطورة الرشوة وعلاجها
الرشوة  هي ما يعطى لقضاء مصلحة ، أو ما يعطى لابطال حق ، أو احقاق باطل ، وجمعها : رشا ـ بكسر الراء وضمها ، فيقال : رشا فلاناً ، أي أعطاه رشوة ، وراشاه أي جاباه ، وارتشى  : أي أخذ رشوة ، واسترشى ، أي طلب الرشوة ، ولها معان أخرى[1] ، وتسمى الرشوة : البرطيل ، قال المرتضى الزبيدي : ( واختلفوا في البرطيل بمعنى الرشوة ، هل هو عربي أو لا ؟ وفي المثل : البراطيل تنصر الأباطيل )[2] .
  وفي الاصطلاح الفقهي لا يخرج معناها عن المعنى اللغوي حيث عرفها القاضي  ابن العربي بقوله : الرشوة كل مال دفع ليبتاع به من ذي جاه عوناً على ما لا يحل ، والمرتشى قابضه ، والراشي معطيه ، والرائش : الواسطة )[3] .
  وقد سمى الصحابة ، والتابعين الرشوة : سحتاً ، وقالوا في تفسير قوله تعالى في وصف اليهود : (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ )[4] وقوله تعالى : (وَتَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ )[5] وقوله تعالى : (لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ)[6]فالسحت : الرشوة ، وهذا مروى عن ابن مسعود ، وعلي ، وعمر ، وأبي هريرة ، وابن عباس ، وابن عمر ، وأنس ، والحسن ، وقتادة ، ومجاهد ، وابراهيم ، والضحاك ، والسدي ، وابن زيد ، وغيرهم[7] ، حتى جاء عن بعضهم القول بالحصر مثل ابن مسعود الذي قال : ( ما لنا نرى السحت إلاّ الرشوة في الحكم...)[8].
  قال الطبري : ( وأصل السحت : كلب الجوع ، يقال منه ، فلا مسحوت المعدة : إذا كان أكولاً لا يلقى أبداً إلاّ جائعاً ، وإنما قيل للرشوة السحت تشبيهاً بذلك ، كأن المسترشي من الشره إلى أخذ ما يعطاه من ذلك ، مثل الذي بالمسحوت المعدة من الشره إلى الطعام)[9].
  والخلاصة أن المقصود بالرشوة في الاصطلاح هي : ما يعطى من له سلطة لقضاء مصلحة للراشي بوجه غير مشروع .
فالمعيار في الرشوة يتحقق بثلاثة عناصر:
العنصر الأول : أخذ شيء مادي أو معنوي ، وهذا بالنسبة للمرتشي ، أو إعطاؤه بالنسبة للراشي ، فالجريمة تتحقق بالنسبة للراشي بمجرد الاعطاء ، ولكنها  لا تتحقق بالنسبة للمرتشى إلاّ إذا أخذ .
العنصر الثاني : القصد الجنائي ، أو النية السيئة ، حيث تظهر أهمية هذه النية وتتحقق بكون العمل غير مشروع .
العنصر الثالث : العمل الذي يراد فعله بوجه غير مشروع شرعاً ، مثلا إعطاء ما لا يستحقه حسب اللوائح والنصوص في الظاهر أو أن يكون الفعل مشروعاً ، ولكن الطريقة غير مشروعة ، بحيث لا تسمح مقتضيات الوظيفة بفعل ذلك .
  وقد تختلط الرشوة بالهدية ، والهبة إذا قصد تحت اسم الهدية ، أو الهبة : الوصول إلى تحقيق مصلحة للواهب أو المهدى بوجه غير مشروع ، فليست العبرة بظاهر اللفظ وإنما العبرة هنا بالغاية والمقصد والنتيجة[10] ، ويدل على ذلك بوضوح قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( هدايا العمال غلول )[11]ـ كما سيأتي تفصيله ـ .

أركانها في الفقه الاسلامي :
1-  الراشي : هو من يعطي الذي يعينه على الباطل .
2-  المرتشي : هو الذي يأخذ
3-  الرشوة هي ما يأخذه المرتشي سواء كان مادياً كالنقود والعقارات ، أم معنوياً مثل الجاه .
4-  مقابل الرشوة : وهو ما يسعى إلى تحقيقه الراشي سواء كان مالاً ، أم جاهاً ، أو ترخيصاً وموافقة ، أم نحو ذلك .
وقد يدخل بينهما الوسيط فيسمى الرائش ، وهو أيضاً ملعون لأنه يتعاون على الاثم والعدوان .

حكم الرشوة :
  لا خلاف بين الفقهاء في حرمة الرشوة وذلك للأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة والاجماع والمعقول .
  أما الكتاب فمنه قوله تعالى : (وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ )[12]وقوله تعالى : (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ)[13]وروىشعبة عن منصور عن سالم بن أبي الجعد عن مسروق قال : سألت عبدالله بن مسعود عن السحت ، فقال : الرشا[14].
  ومن السنة النبوية ما وراه عبدالله بن عمر قال : ( لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي )[15]وفي رواية عن أبي هريرة بزيادة " في الحكم "[16] وفي رواية ثوبان بزيادة " والرائش "[17] .
وأجمع العلماء على حرمة طلب الرشوة ، وبذلها ، وقبولها ، والوساطة فيها[18] .


الرشوة لدفع الضرر أو كسب الحق :
 في حكم دفع الرشوة بالنسبة للراشي ، للحصول على حق ، أو لدفع ظلم ، أو ضرر فالجمهور على عدم جوازه ، وبعضهم أجاز ذلك للدافع فقط إذا كان لدفع ضرر محقق ، أو لدفع مظلمة واقعة عليه ، أما لكسب الحق فلا يجوز وفي جميع الأحوال فإن الآخذ المرتشي آثم ملعون[19].
  والراجح الذي تؤيده الأدلة المعتبرة هو حرمة الرشوة مطلقاً ، ووجوب الصبر ، وعدم الرضوخ للابتزاز ، بل الصدع بالحق ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والرجوع إلى القضاء وديوان المظالم  ـ إن وجد ـ وإلى المسؤولين الكبار لكشف الأمر ، وإلاّ فلو وجد كل واحد لنفسه مبرراً لدفع الرشوة لازداد الفساد وعمت الفوضى وخربت البلاد والديار ، فالساكت على الحق شيطان أخرس فما بالك بمن يشارك في الجريمة نفسها ، ويتعاون على الاثم والعدوان بدفع المال ، وقد قال تعالى : (وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبَرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)[20] .
 ولا يستثنى من ذلك إلاّ حالات الضرورة بمعناها الأصولي الخاص ، وهو الخوف على النفس ، أو البدن ، أو العرض ، أو الهلاك الكلي للمال أو الإفلاس المحقق بدون دفعها ، وهذا أيضاً مربوط باتخاذ جميع الوسائل السابقة دون جدوى .



أقسام الرشوة :
قسم بعض الفقهاء الرشوة إلى أربعة أقسام وهي :
1-    الرشوة على تقليد القضاء والامارة أو أي وظيفة أخرى ، فهي حرام على الآخذ والمعطي .
2-    دفع الرشوة للقاضي ليحكم ، أي أن القاضي كان يمكن أن يتأخر في إصدار الحكم فيعطى له رشوة ، أو هدية حتى يستعجل ، فهذا أيضاً حرام على الطرفين حتى ولو حكم بالحق ، لأن سرعة الحكم والقضاء واجب بالشرع فلا يجوز أخذ الأجر عليها ، فما بالك بالرشوة ؟.
3-    أخذ المال لتسوية أمره عند السلطان دفعاً للضرر ، أو جلباً للنفع ، وهذا حرام أيضاً عند الجمهور .
4-    إعطاء القاضي ، أو السلطان مالاً لتحصيل حقه ، وهذا غير جائز عند جماهير الفقاء فهو أشد من الثالثة [21].

عقوبة الرشوة :
  اتفق الفقهاء ـ كما سبق ـ على أن الرشوة حرام ، وبما أن عقوبتها لم تحددها الشريعة ، فتكون عقوبة تعزيرية تعود إلى اجتهاد الإمام ، أو من ينوب عنه ، وهي ترتبط شدة أو خفة أو تغليظاً أو تخفيفاً بحجم الرشوة ، وآثارها ، وظروفها وملابساتها المحيطة بها[22] .
  ولا مانع شرعاً من إصدار تقنين خاص بالرشوة تحدد فيها العقوبات وحدها الأدنى والأقصى ، معتمدة على آراء أهل الشرع والقانون والخبرة .

انعزال السلطان والقاضي بالرشوة :
  مما ذكره الفقهاء ( أبو حنيفة ، والشافعية في الأصح ، والحنابلة ، والخصاف ، والطحاوي من الحنفية ، وابن قصار من المالكية )[23] أن الحاكم ينعزل بقبول الرشوة ، دون الحاجة إلى العزل ممن ولاه ، لأن من أهم شروط الولاة والقضاة العدل والأمانة ، وان الرشوة فسق وخيانة ، ولذلك لم يعد المرتشي صالحاً فانعزل بذاته ، قال أبو حنيفة : ( إذا ارتشى الحاكم انعزل في الوقت وان لم يعزل ، وبطل كل حكم حكم به بعد ذلك )[24]، وأما الآخرون فقالوا : لا ينعزل بذات الرشوة ، ولكن يجب على من ولاه عزله[25] يقول الجصاص : ( فإن رشاه ليقضي له بحقه فقد فسق الحاكم بقبول الرشوة على أن يقضى له بما هو فرض عليه ، واستحق الراشي الذم ... ولا ينفذ حكمه لأنه قد انعزل عن الحكم بأخذه الرشوة .... وإن أعطاه الرشوة على أن يقضي له بباطل فقد فسق الحاكم من وجهين : أحدهما أخذ الرشوة ، والآخر : الحكم بغير حق ، وكذلك الراشي ......... )[26] .


حكم المال المأخوذ رشوة :
 اتفق جماهير الفقهاء على وجوب رد المال المأخوذ رشوة ، ـ ولو كانت باسم الهدية ـ إلى صاحبها ، وقيل تؤخذ لبيت المال[27] .
  والذي نرى رجحانه هو التفرقة بين حالة ما إذا كان الراشي قد دفع المال مضطراً لدرء ظلم عنه ، أو لإحقاق الحق ، وإبطال الباطل ، ففي هذه الحالة يجب ردها إليه لأنه مظلوم ، ولم يندفع إلى دفع الرشوة إلاّ في ظل الضرورة أو الحاجة الملحة جداً ، وبين حالة ما  إذا كان الراشي هو الظالم أيضاً فقد دفع هذا المال رشوة في سبيل كسب مال أو جاه بدون حق ، أو في سبيل ابطال الحق ، واحقاق الباطل ففي هذه الحالة لا ترد عليه ، بل تدفع لبيت المال عقوبة وجزاء لما اقترفه من اثم ، وهذا ما يدل عليه حديث ابن اللّتبيّة الصحيح الآتي .
  ثم إنما يرد المال في الحالة الأولى على صاحب الرشوة إذا كان معلوماً ، إما إذا لم يعلم فيجب صرفه في وجوه الخير ومصالح المسلمين[28] ، وكذلك الحال إذا كان بيت المال في الحالة الثانية غير منضبط أو غير موجود ، حيث يجب صرفه في مصالح المسلمين .


([1])  القاموس المحيط ، ولسان العرب ، والمعجم الوسيط مادة " رشا "
([2]) تاج العروس ، مادة " رشا "
([3]) فتح الباري (5/220)
([4]) سورة المائدة / الآية 42
([5])  سورة المائدة / الآية 62
([6])  سورة المائدة / الآية 63
([7])  أحكام القرآن للجصاص ط. دار الفطر ببيروت (2/432- 433 ) وتفسير الطبري ط. دار الاعلام ، ودار ابن حزم 1423هـ (4/309-313)
([8])  المصدران السابقان
([9]) تفسير الطبري (4/313)
([10])  التعريفات ص 174 والمفردات ص 541 وحاشية ابن عابدين (4/508) والمغني (5/684) وكشاف القناع (2/278)
([11])  رواه أحمد في مسنده (5/425) والتنوخي في الفوائد العوالي (5/8/1) والبيهقي في سننه (10/138) وأبو نعيم في القضاء (4/153) وقال الألباني في الارواء (8/246) : صحيح
([12]) سورة  البقرة / الآية 188
([13]) سورة المائدة / الآية 42
([14])  أحكام القرآن للجصاص (2/232)
([15])  رواه الترمذي في سننه ط. الحلبي (3/614) وقال : حديث حسن صحيح ، ورواه أحمد (2/164 ، 190 ، 212) والحاكم في مستدركه (4/102 ، 103 ) وقال : صحيح الاسناد ، ووافقه الذهبي ، وابن حبان في صحيحه الحديث 1196 وأبو نعيم في الحلية (2/251) والخطب في تأريخ بغداد الحديث 254 والبيهقي في السنن (1/138) وقال الألباني في الارواء : صحيح أي بهذا اللفظ
([16]) رواه الترمذي (3/614) وابن حبان الحديث 1196 والحاكم (4/103) وأحمد (2/387)
([17])  رواه أحمد (5/279) والحاكم (4/102-103) ويراجع الارواء (8/245)
([18])  يراجع : حاشية ابن عابدين (4/303) ومواهب الجليل (6/120) وتفسير القرطبي (6/183) ونهاية المحتاج (8/243) والمغني (9/78) والمحلى لابن حزم (9/157) ونيل الأوطار (8/277) ، ويارجع : الموسوعة الفقهية الكويتية (2/0000219)
([19])  المصادر السابقة أنفسها
([20])  سورة المائدة  / الآية  2
([21])  حاشية ابن عابدين (4/303) ودرر الحكام (4/536)
([22])  المصادر السابقة
([23])  يراجع : تفسير الطبري (6/183) وتبصرة الحكام بهامش فتح العلى المالك (1/78) ومغني المحتاج (4/381) ومطالب أولى النهى (6/468) ودرر الحكام (4/537)
([24])  فتاوى قاضيخان (2/362) وتبصرة الحكام (1/78) وأدب القضاء لابن أبي الدم ص 24
([25])  المصادر السابقة أنفسها
([26])  أحكام القرآن (2/433)
([27])  درر الحكام (4/537) وكشاف القناع (6/317) والموسوعة الفقهية الكويتية (22/227)
([28]) وهذا رأي شيخ الاسلام ابن تيمية وغيره ، يراجع : كشاف القثناع (6/317)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق