السبت، 19 نوفمبر، 2016

عدم نجاح النظريات الغربية في العالم الاسلامي

عدم نجاح النظريات الغربية في العالم الاسلامي :
  لا شك أن المناهج الرأسمالية حققت في أوروبا الغربية وأمريكا منذ القرون الماضية نجاحاً كبيراُ في ميدان التنمية الاقتصادية والتقدم المادي ، والتكنولوجي ، والصناعي ، لما تحمله من حرية الفرد في ممارسة النشاط الاقتصادي ، والحرية في الملكية ، وحافز الربح ونحوها ، والتشجيع على الابداع والعمل ، والسبق في الاختراعات ، وساعد على ذلك استعمار أوروبا الرأسمالية لمعظم البلاد في العالم ...
 ومع ذلك فقد أصيبت التنمية في العالم الغربي بعدة نكسات وأزمات كبيرة بلغت أكثر من ( 200 ) أزمة ، تعتبر الأزمة  الأخيرة التي بدأت منذ عام 2007 م أخطرها وأشدها على الإطلاق ، ولكن العالم الغربي استطاع أن يخرج منها ، وأن يحقق كثيراً من التقدم والرفاهية لشعوبه .
  ولكن هذه المناهج أو النظريات الغربية وكذلك المناهج الاشتراكية فشلت في عالمنا الاسلامي ، بل وفي العالم الثالث أجمع ، لعدة أسباب لعلّ من أهمها أنها اعتمدت على الوضع الحالي للدول المتقدمة التي لديها البنية التحتية الكاملة ، والتعليم والحرية ، أو أنها أرادت أن تقوم على القياس على المراحل التي مرت بها التنمية في الدول الرأسمالية ، وبالتالي فاقتباسها منها لبلد آخر غير مضمون النجاح نظراً للظروف التأريخية والاجتماعية والثقافية المختلفة عنها ، وهكذا معظم النظريات الأخرى التي قد لا تتناسب بيئتنا في العالم الاسلامي أو في العالم الثالث[1]، بل إن بعضها تقوم على فروض غير متوافرة في الدول الاسلامية .
  ولكن أهم أسباب هذا الفشل يعود ـ في نظري ـ إلى الفساد الاداري والمالي وسرقة الأموال العامة ، وثراء الرؤوساء والمسؤولين ثراء فاحشاً على حساب عامة الشعب ، وعدم وجود البنية التحتية الكافية في  معظم العالم الاسلامي والعالم الثالث ، ناهيك عن أن معظم الديون صرفت في الانفاق العام والاستهلاك ، وتمويل مشروعات السياحة غير الناجحة والترفيه مع وجود الحاجة الماسة إلى توفير الضروريات والحاجيات ، وبالأخص في مجال التصنيع والزراعة والتجارة .
  ولذلك ظهرت نظريات جديدة تعتبر أكثر واقعية للعالم الثالث من النظريات القديمة ، فمثلاً ذكر مايكل تودارو في كتابه عن التنمية الاقتصادية في عام 1994 عدة معايير جديدة جعلها شرطاً لتحقيق التنمية ، منها :
1)   التركيز على الضروريات التي تحتاجها الدولة والشعب
2)   التوزيع بعدالة
3)   رفع مستويات المعيشة
4)   نشر ثقافة الحرية في الاختيار والتحررّ من العبودية للآخرين .
  بل إن هنري بروتون في كتابه " البحث عن الرفاه " ذكر شروطاً أخرى للتنمية غير الشروط الاقتصادية ، مثل حرية الاختيار ، والتحرر من الظلم والاضطهاد والاستغلال ، والأمن من الاعتقال التعسفي ، وحقوق الانسان ، بل إنه يرفض الحلول والمعايير التي يقدمها البنك الدولي مثل تخفيض سعر الصرف ، والخصصة والتركيز على السياحة[2].




الدول العربية الاسلامية تعاني معظمها من الفقر والبطالة والتخلف ، والأمية ، فلا زالت نسبة الفقر تزداد في عالمنا الاسلامي ، والبطالة تتسع دائرتها ، والتضخم الموجود في معظم بلادنا يفوق على ما هو موجود في معظم بلاد العالم .
 فأمام هذه المفارقات الغريبة في عالمنا الاسلامي ( كثرة الموارد مع الفقر والبطالة ) لا بدّ أن تكون هناك أسباب أخرى ، وأكبر دليل على ذلك أن معظم الدول ( مثل يابان ، وكوريا الشمالية ) التي تقدمت وتفوقت علمياً وتقنياً واقتصادياً خلال فترة وجيزة لا تملك مثل هذه الثروات الطبيعية المتوافرة في عالمنا ، فالخلل إذن في الانسان نفسه ، وفي إرادته ، وفي عقله ، وفي تفكيره ، وفي الإرادة السياسية ، وفي الفساد المالي والإداري ، وفي التخطيط والاستراتيجيات ، وفي الفوضى في التنفيذ.
 ونحن في هذا البحث نتحدث بإيجاز عن التنمية الشاملة في الاقتصاد الاسلامي ، وفي شروطها ، وتحدياتها ، ومنهج الإسلام في حلّها ، حيث نعرّف بالتنمية ، وتطور مفهومها ، ومناهجها ، وشروط تحقيق التنمية الشاملة في الفكر الاسلامي ، ثم نتطرق إلى تحدياتها والعقبات التي تقف أمامها ، وبخاصة : تحدي الأمية والجهل والتخلف ، وتحدي الفساد الشامل ( الإداري ، والسياسي ، والمالي ، والبيئي ) وتحدي عدم التوازن ، مركزّين على منهج الإسلام في علاج هذه التحديات .
واللهَ أسال أن يُلبس أعمالنا كلها ثوب الإخلاص ، وأن يعصمني من الخطأ والزلل في العقيدة والقول والعمل ، ويتقبله مني بفضله ومنّه إنه حسبي ومولاي فنعم المولى ونعم النصير .
التعريف بالتنمية ، وتطور مفهومها ، ومناهجها ، وشروطها .


العالم الأول والعالم الثالث .


يقسم الغرب العالم من الناحية الاقتصادية إلى ثلاثة عوالم :

العالم الأول : وهو العالم الغربي الذي يشمل أوروبا الغربية ، وأمريكا الشمالية واستراليا والذي يوصف بالمتطور الغني الصانع ، ويلحق به اليوم يابان ، وربما الصين في المستقبل القريب .

العالم الثاني : وهو يمثل الاتحاد السوفيتي ، والدول الأوروبية الاشتراكية ، واليوم يمثل روسيا ، والصين ، وأوروبا الشرقية ، والهند .

العالم الثالث : وهو يشمل أفريقيا كلها ، ومعظم آسيا ، وأمريكا الجنوبية ، أي ما عدا العالمين السابقين ، ويدخل فيه عالمنا الاسلامي ، بل يمثل ثلاثة أرباع العالم كله ، وهذا ما سنفصل فيه مع التركيز .
هذا العالم يتصف معظمه بهذه السمات والخصائص الآتية :
1.      نسبة عالية للأمية ، وقلة الخبرة ، وجهل بالتقنيات المتطورة .
2.      عالم زراعي في معظمه ، ومع ذلك لا يوفر الغذاء الكافي ، لأنه لا يعتمد على التقنيات الحديثة ، كما أن الصناعات المتطورة الذاتية مفقودة .
3.      نقص في رأس المال الانتاجي .
4.      تخلف في تنمية الموارد الطبيعية .
5.      ضعف في الانتاج ، وقلة الموارد ، وانخفاض في معدل دخل الفرد بالقياس إلى الدول المتقدمة.
6.      ضعف في البنية التحتية والخدمات التعليمية والصحية ، والمرافق الأساسية مثل الطرق والجسور والموانئ والمطارات ، ومحطات توليد الكهرباء .
7.      عجز في ميزان المدفوعات بالنسبة للدول .
8.      تفاوت في الثروة والدخل ، ودرجات من المواطنة ، وظلم واقع على الكثيرين .
9.      كثرة التقلبات الجوية مثل الفيضانات والجفاف .
10.كثرة الحروب والاضطرابات ، فمثلاً وقعت بين 1945-1976 أكثر من 133 حرباً في 80 قطراً ، صرفت عليها 334 مليار دولار وهو يعادل 17 مرة على ما أنفق على التنمية في العالم الثالث .
11.كثرة الانقلابات العسكرية حتى أصبحت من أهم خصائص العالم الثالث ، حيث تبين الاحصائيات أنه بين سنة 1962-1975 وقع ما لا يقل عن 104 انقلابات في العالم الثالث حتى إنه في سنة 1975 كان ربع الدول في الأمم المتحدة تتولاها حكومات جاءت عن طريق الانقلاب[3] ، وهذه الانقلابات العسكرية والحروب والاضطرابات تجعل المنطقة غير مستقرة ، وبالتالي ينتهي أو يقل الاستثمار والادخار ، ويزداد الفقر كما نشاهد .

 وهناك من يضيف عالماً رابعاً ، وحينئذ يخصص العالم الثالث بالدول التي لديها البترول والمال ، ولكن ليس لديها التقدم الصناعي والتكنولوجي ، ويجعل العالم الرابع خاصاً بالدول الفقيرة التي ليس لديها بترول ولا تقدم ولا مال يغني الشعب[4] .



([1])  يراجع : د.محمد زكي شافعي : التنمية الاقتصادية ، الكتاب الأول ، معهد البحوث والدراسات ترجمة عبدالله صايغ ط. مكتبة لبنان 1964 ص 16 ، ود.يوسف ابراهيم : المنهج الاسلامي في التنمية الاقتصادية ط. الاتحاد الدولي للبنوك الاسلامية 1401هـ ص 17 وما بعدها
([2])  عبدالرزاق بني هاني : عرض ومراجعة كتاب : البحث عن الرفاه ، المنشور في مجلة أبحاث اليرموك المجلد 16 عدد3 سنة 2000 ص183-186
([3])  د. محمد عزيز : مقدمته لكتاب : مقدمة في التنمية الاقتصادية ، بقلم والترإيلكات ص 18 ، نشر جامعة قاريونس 1983 ص 28 وما بعدها
([4])   د. محمد عزيز : في مقدمته لكتاب : مقدمة في التنمية الاقتصادية ، بقلم والترإيلكات

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق