السبت، 19 نوفمبر، 2016

شروط مقومات التنمية


شروط التنمية ومقوماتها  ما يأتي :

الشرط الأول : الاعداد الايماني والتربوي والأخلاقي لجعل الانسان الذي يقوم بالتنمية ، والانسان الذي يجني ثماره صالحيْن قادريْن على الانتاج والترشيد الاستهلاكي .
  فعلى الدولة إن أرادت التنمية الشاملة أن يكون ضمن برامجها الأساسية التربوية الاعداد الشامل للجانب العقدي ، والجانب الأخلاقي والسلوكي والوعي الحضاري ، والفقه المقاصدي ، للوصول إلى المؤمن القوي الهادي الهادئ الهادف .





علاقة الاعداد الايماني والأخلاقي بالتنمية :
أ‌.       ان العقيدة الصحيحة هي التي تعطي للانسان القيمة للحياة ، وتمنحها الخلود ، بحيث لا تنتهي بعمر قصير ، بل تمتد إلى الآخرة ، لذلك فهو يعمل لأجل هذا الخلود ، ولتحقيق جنته في الدنيا والآخرة ، كما أنه حسب عقيدته خليفة في الأرض ، أو خليفة الله في الأرض للتعمير .
ب‌.  إن هذا الايمان يعطيه دفعة قوية لمزيد من العمل الصالح ، بحيث إذا كان الكافر يعمل لدنياه القصيرة ، ويبذل كل جهده ، فماذا عليه أن يعمل لهذه الحياة الخالدة ، كما أنه يجعله أمام هدف كبير وهو تعمير الكون على ضوء منهج الله تعالى .
ت‌. إن إيمانه بالله ، وباليوم الآخر وما فيه من نعيم ومقيم يمنعه من الظلم والفساد في الأرض ، وأكل أموال الناس بالباطل ومن عامة المحرمات والخبائث والمؤذيات ، فيصبح إنساناً صالحاً نافعاً غير ضار .
ث‌. ان التربية الأخلاقية الصحيحة تجعل المسلم صالحاً نافعاً في تصرفاته ، غير ضار بأحد من إنسان ، أو حيوان ، أو بيئة .

إذن فعلاقة الايمان والأخلاق بالتنمية من ناحيتين :
1- الايجابية من حيث الاندفاع نحو العمل الصالح النافع الكثير الدائم الباقي .
2- السلبية من حيث الامتناع عن الاضرار والجرائم والفساد في الأرض وكل ما فيه ضرر .

وإذا فصلنا في مجال العقيدة فيتبين لنا أن العقيدة تقوم بتحقيق ثلاثة أدوار ، أو تهيئة النفوس لها ، وهي :

الدور الأول : انها تعطي الأمن الداخلي والنفسي لصاحبها ، وتجعله متوكلا ً على الله تعالى مع الأخذ بالأسباب مؤمناً بالقدر خيره وشره ، فيكون في حالة الفقر والمصائب صابراً لا يجزع ولا ييأس ، ولا يأسى ، بل راضياً برضاء الله تعالى قانعاً بما رزقه ، وفي حالة الغنى شاكراً خاضعاً متواضعاً لا يطغى ولا يستغني ولا يتكبر ولا يتجبر ، بل ينفق أمواله في سبيل الله لتحقيق التوازن والخير للجميع .
  وفي جميع الحالات لا يرتكب الجرائم لا بسبب الفقر والفاقة ولا بسبب القوة والطغيان فهو يخاف الله تعالى فيكون كما قال الله تعالى عن ابن آدم الصالح : (لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ)[1] .
  فالأمن النفسي يساعد على الانتاج بشكل طيب ، وأما عدم ارتكاب الجرائم فآثاره واضحة على الحفظا على الأموال وتنميتها ، وتشجيع الاتسثمار بالنسبة للغير ، حيث إن من أهم مقوماته عدم الخوف من الاعتداء على الأموال والأنفس إضافة إلى إيمان المؤمن بالبركات المعنوية التي تنزل من السماء عند الايمان والتقوى والاستغفار .

الدور الثاني : هو أن العقيدة الصحيحة تدفع نحو العمل الجاد ، ولا تخدر الانسان بالتواكل أو العجز أو الكسل الذي استعاذ منه الرسول صلى الله عليه وسلم وإنما هي التي تفجر طاقات المؤمن وتدفعه إلى العمل الصالح والتقوى والعفاف والطهارة والنقاء مع توكله على الله ، والحفاظ على مصالح الآخرين ولذلك لا يذكر الايمان إلاّ والعمل الصالح مقرون به ملازمة لا ينفك عنه ، فالآيات القرآنية علقت البركات والخيرات بالايمان والتقوى التي هي قمة العمل مع الاخلاص ، وربطت بين الايمان ، والعمل الصالح ، وبين الحياة الطيبة في الدنيا ، والأجر الأحسن في الآخرة ، فقال تعالى : (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ )[2]وقال تعالى : (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ)[3] وقال تعالى : (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًاوَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا )[4] وقال تعالى : (أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللَّهَ إِنَّنِي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِن تَوَلَّوْا فَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ )[5] فهذه الآيات واضحة في ربط المسببات والأسباب .

الدور الثالث : السعي الجاد لتحقيق الاحسان والأحسن في كل شيء فقال تعالى : (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌالَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ)[6].
 وأما التربية الأخلاقية فهي تحقيق حسن النية ، وحسن التعامل مع الناس ، والايثار ، والعفة ، والبر والاحسان وغير ذلك من الأخلاق الفاضلة .
 وأما التربية الدينية حتى في مجال الشعائر فلها دورها الكبير على السلوك الدنيوي أيضاً ما دامت تؤدى في صورتها الصحيحة ، فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر بنص القرآن الكريم : ( إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ )[7]، والزكاة عبادة مالية لتطهير النفوس والأموال ولأداء حقوق المستحقين فقال تعالى :  (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا)[8]والصوم عبادة نفسية روحانية لتهذيب النفوس فقال تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)[9]، وأما الحج فهو عبادة شاملة فقال تعالى : (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ )[10].
 فهذه العقائد والأخلاق والعبادات الإسلامية تهيئ الإنسان فعلاً ليكون شخصاً صالحاً لتعمير الكون وحمل الأمانة وتحقيق العدل ... .


الشرط الثاني : العمل الصالح الذي لا ينحصر معناه لا لغة ، ولا شرعاً في الشعائر التعبدية ، وإنما حقيقته وجوهره هو كل ما عمل طيب نافع للانسان والحيوان والبيئة ..
  فالعمل الصالح تقع في قمته أركان الاسلام الخمسة ، ثم بقية الواجبات ، ثم المندوبات ، ثم المباحات ، مع مراعاة فقه الأولويات والموازنات ، علماً بان جميع الأنشطة الاقتصادية تتوزع على الأحكام التكليفية من إيجاب وندب ، وتحريم وكراهة وإباحة .

الشرط الثالث : الاعداد العلمي والتقني للانسان في مجتمعنا الاسلامي من خلال التزود بالعلم النافع الشاكل لكل علوم الحياة الدنيوية والاخروية ، ويدخل فيه تحقيق المهارات والقدرات على الابتكار ، وصناعة التقنيات الجديدة ، واختراعها ، وقد أثبتت التجارب التي مرت بأمتنا ، وبالأمم الأخرى أن النهضة الشاملة ، أو التنمية الشاكلة لن تتحقق إلاّ بتغيير الأنفس من أنفس خاملة مضطربة إلى أنفس جادة مطمئنة ، وتغيير العقول من الفوضى والتقليد والجمود إلى التنظيم والتجديد والابداع ، وتشغيلها على أساس ديناميكية تحركها للبحث الدائم عن الأحسن ـ أحسن السيناريوهات في كل المجالات ـ وتغيير مناهج التعليم والتربية من التقليد والتبعية والاجترار والتكرار إلى مناهج بنّاءة قادرة على نصاعة الرجال والعلماء .
  وكل ذلك لن يتحقق إلاّ بالعلم الذي جعله الله تعالى مفتاحاً للاستخلاف والتعمير


([1]) سورة المائدة / الآية 28
([2])  سورة النحل / الآية 97
([3])  سورة الأعراف / الآية 96
([4])  سورة نوح / الآية 10-12
([5])  سورة هود/ الآية 2-3
([6])  سورة الملك / الآية 1-2
([7])  سورة العنكبوت/ الآية 45
([8])سورة التوبة / الآية 103
([9])  سورة البقرة / الآية 183
([10])  سورة الحج / الآية 28

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق