السبت، 19 نوفمبر، 2016

موقف الاسلام من البيئة ومن إفسادها

موقف الاسلام من البيئة ومن إفسادها :
  إن القرآن الكريم قد لخص لنا علافتنا بالبيئة من خلال أننا خلقنا من الأرض ، إذن فهي أمّنا ، ولها حقوق علينا ، وأنه لا يجوز لنا أن نضرّ بها ، لأن الاضرار بها عقوق ، ومع هذا الايجاز فصل القرآن الكريم أهمية الحفاظ على البيئة ، وحمايتها من الفساد والتلوث وكل ما يضر بها ، إضافة إلى أن آثارها السلبية ، أو الايجابية تكون للانسان ، أو على الانسان .

1- فقد وردت مجموعة كبيرة من الآيات الكريمة والسنة المشرفة التي تحمل بين طياتها النهي الشديد والزجر الكبير لكل من يفسد في الأرض ، فقال تعالى : (وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا)[1]وقال تعالى في وصف البعيدين عن رحمة الله : (وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ)[2] .
2- ووردت كذلك مجموعة أخرى من الآيات الكريمة والسنة والمطهرة ، التي تأمر بالاصلاح والتعمير والحفاظ على جمال الأرض ومكوناتها ، منها قوله تعالى : (.....إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ)[3]بل إن الله أقرّ سنة عظيمة من سننه ، وهي ان الأمة المصلحة لن يهلكها الله تعالى ، وإنما يهلك الأمة المفسدة الظالمة ، فقال تعالى : (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ)[4].
3- ذكرت كذلك مجموعة من النصوص الشرعية في الكتاب والسنة على أن أسباب فساد البيئة ترجع إلى الانسان نفسه ، وإلى تصرفاته وسلوكياته السلبية ، منها قوله تعالى : (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ )[5]  جاء في ظلال القرآن : ( ثم يكشف لهم عن ارتباط أحوال الحياة وأوضاعها بأعمال الناس وكسبهم ، وأن فساد قلوب الناس وعقائدهم وأعمالهم يوقع في الأرض الفساد ، ويملؤها براً وبحراً بهذا الفساد ، ويجعله مسيطراً على أقدارها ، غالباً عليها .... )[6] ويفسر ابن عاشور الفساد في البر بما يشمل : ( فقدان منافعه وحدوث مضاره ، مثل حبس الأقوات من الزروع والثمار والكلأ ، وفي موتان الحيوان المنتفع به ) وهكذا الأمر في الفساد في البحر[7]، غير أن الإمام الرازي ذكر بعض مظاهر الفساد البيئي الموجودة اليوم في تفسير هذه الآية الكريمة فقال : ( قال بعض المفسرين : المراد خوف الطوفان في البر والبحر ، وقال بعضهم : عدم إثبات بعض الأراضي " التصحر " وملوحة مياه البحر ... ) ثم قال : ( إن ظهور الفساد في البحر قلة مياه العيون ، فإنها من البحار ... )[8] .
 فهذه الآيات الكريمة وكذلك الأحاديث النبوية قد ربطت ربطاً محكماً بين الإنسان وسلوكياته وتصرفاته ، وبين الأرض اصلاحاً ، أو إفساداً وهذا التشخيص القرآني هو الذي توصل إليه علماء البيئة ـ كما سبق ـ .


الله تعالى سلّم الأرض للإنسان بعد إصلاحها ، والإنسان هو الذي أفسدها :
  إن القرآن الكريم ذكر أن الله تعالى سلّم الأرض للإنسان بعد أن جعلها صالحة للحياة في أفضل صورها فقال تعالى : (وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا)[9]والعلم الحديث أيضاً يؤكد هذه المقولة وتقول : إن الأرض في بدايتها ، كانت محاطة بالغازات السامة بنسبة كبيرة ، ولكن الله تعالى لم يبق من غاز الكربون في الجوّ إلاّ 0.03% أي ثلاثة من كل عشرة آلاف ، وهي نسبة مناسبة للحياة ، بل هي نعمة من نعم الخالق ، لأنها تعمل على تنظيم درجة الحرارة على سطح الأرض كما ورد بذلك في بحث جديد للعلماء في جامعة شيكاغو[10] ، في حين أن نسبته في المريخ 98% وفي الزهرة 96% .
  وكذلك أصلحها بأن أبقى في جوّ الأرض نسبة من الأوكسجين في حدود 20% وهي النسبة المناسبة أيضاً لاستمرار الحياة ، لأنها ـ كما يقول العلم الحديث ـ لو نقصت عن 15% فإن النار بن تشتعل ، لأن كمية الأوكسجين لا تكفي للتفاعل ، ولو زادت عن 25% سوف يحترق كل شيء على الأرض دون شرارة وإنما من خلال حرارة الشمس ، وهكذا[11] .
  ولكن الإنسان بحروبه الحديثة المدمرة التي يستعمل فيها الأسلحة الضارة بالبيئة ، والتي نشبت لأجل الاستغلال والاستعمار والهيمنة والطغيان ، وبسبب اسرافه في التقنيات الحديثة والتكنولوجيا المتقدمة ، وإسرافه في تبديد الموارد والطاقة ... قد تسببت في مشاكل كبيرة تنبئ بشرّ مستطير إذا لم يتدارك الأمر ، حيث تدل الدراسات إلى أن نسبة غاز الكربون في الجوّ الآن أعلى بـ 30% من العصور السابقة ، وأن نسبة غاز الميثان زادت بنسبة 100% [12].
  وكذلك أدت هذه السلوكيات إلى تهتك طبقة غاز الأوزون الذي ينذر بشر مستطير يصيب الحياة على الأرض ، وذلك لأن الله تعالى خلق هذا الكون على نظام بديع موزون كما قال تعالى : (وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ)[13]فمن ضمن هذا التوازن هو أن الله تعالى خلق داخل كل منظومة طبيعية نظاماً مناعياً ذاتياً ، كما خلق للانسان مناعة ذاتية مكتسبة فإذا أصيبت هذه المناعة فإنه يصبح معرضاً لكل الأمراض ، بل يترتب عليها مرض الايز ، وهكذا الكون كله ، فمثلاً خلق الله تعالى للغلاف الجوي آلية لتنظيف نفسه مما يعلق به من الغازات المتصاعدة إليه من الأرض ، وهذا ما يسمى بنظام " التأكسد الجوي " وكذلك أودع في الكيانات المائية " البحار والمحيطات " آليات أيضاً لتنظيف نفسها مما يخالطها من الملوثات المختلفة ، وفي الغلاف الجوي آلية لحفظ الأرض من سواقط محرقة مدمرة تأتي من الفضاء الخارجي[14] ، ثم أودع في الأرض أيضاً نظام التكامل ، واعتماد البعض على بعض بشكل دورة ، أو دورات متكاملة ، فتبين الانسان والأشجار ـ مثلاً ـ تبادل في الأخذ والعطاء بالنسبة للأوكسجين ، وغيره كما أن الإنسان يعيش على الحيوانات ، وهي على النباتات ، والأخيرة أيضاً تعتمد على ما تفرزه الحيوانات ، وهكذا .... .
  فهذه الأنظمة التي ذكرناها ، وغيرها مما لم نذكرها ، بل لم يكتشف بعضها إلى الآن ، كل ذلك يشكل مظهر الاتزان البيئي ، وجهاز مناعة للبيئة يدفع عنها ما يطرأ عليها من عوامل تصيب قدرتها وكفاءتها في الحفاظ على الحياة المناسبة للإنسان ، ولكن إرهاق الانسانللبيئة بطغيانه وإسرافه ، وبالاستنزاف لمواردها وطاقاتها ، وبتلويثها أدى ذلك إلى إصابة الجهاز المناعي بأعطاب مختلفة ، فينخرم اتزانه ، وتضعف كفاءته في دفع العوامل الضارة بالبيئة ، وهذا ما حدث لغاز الأوزون الي يوجد بكثافة في طبقة الاستراتسفير من طبقات الغلاف الجوي ، وهو بهذه الكثافة نعمة من نعم الخالق ، لأنه يمنع الأشعة فوق البنفسجية ـ التي ترسلها الشمس ضمن أشعتها إلى الأرض ـ من أن تسقط على الأرض فتدمر الحياة ، فهو يبتلعها ، ويقضي عليها ، وهذه العملية تكلف فناء نفسه مع فناءها ، ولكنه يتجدد فوراً بتحليلات كيميائية معقدة ، فتبقى كمية ثابتة من خلال عمليتي الفناء والولادة ... .
  فغاز الأوزون يعتبر وجوده درعاً واقياً للحياة على الأرض ، مع أنه في حدّ ذاته غاز حارق لو تسرب مركزاً إلى سطح الأرض فإنه ضار بالحياة ، لكن الله تعالى خلقه ليدفع هذا الضرر القادم من الشمس ، فجاء الإنسان المعاصر فأضرّ به من خلال الغازات التي تنبعث من المصانع والسيارات والأسلحة المدمرة ، ونحوها مما أدى إلى حدوث ثقب كبير في منطقة القارة القطبية الجنوبية ، واحتمال ثقوب أخرى في مناطق أخرى[15] . 


العلاج القرآني :
  بعد التشخيص الدقيق الذي ذكره القرآن الكريم والذي تمثل في الانسان وتصرفاته ... ، وضع علاجاً عاماً وشاملاً لمشاكل البيئة ونحوها من خلال منهج عقدي تغييري يقوم على تغيير الإنسان ظاهره وباطنه نحو الاصلاح وتحقيق المنافع ، والحفاظ على الصلاح وعدم الاضرار والاعتداء على حق أي كائن مخلوق ، وهذا التغيير يتطلب منهجاً ، وبرامج للتغيير الجذري ، لو نظرنا إلى جميع الشرائع السماوية ، وبخاصة الشريعة الخاتمة لوجدناها تركز على الانسان ، لأن سنة الله تعالى فيه قاضية بأنه لن يحديث تغيير نحو الأحسن في هذه الحياة ، أو الأسوأ فيها إلاّ من خلال تغيير ما في داخل هذا الانسان حيث يقول تعالى : (إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ)[16]ويقول تعالى : (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ )[17].
  وتغيير الداخل يقصد به تغيير العقيدة والفكر والتصور ، فهو الجهاز الداخلي الذي يحرك الجسد نحو ما يريده ، وهذا ما عبرّ عنه ابن خلدون فقال : ( أول العمل آخر الفكرة ، وأول الفكرة آخر العمل ، فلا يتم فعل الانسان في الخارج إلاّ بالفكر في هذه المرتبات لتوقف بعضها على بعض ، ثم يشرع في فعلها )[18].
  ومن هنا نفهم الربط في القرآن الكريم بين العقيدة الحقة وبين الاصلاح ، وبين العقيدة الباطلة " الشرك والالحاد " وبين الفساد والافساد ، فقد ذكر الله تعالى في سورة الفجر مجموعة من الطغاة المستبدين ثم وصفهم بقوله : (الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ )[19] وقال في وصف المتولى عن العقيدة الحقة : (وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ)[20] وهكذا .
  وذلك لأن المؤمن بالله تعالى وباليوم الآخر يؤمن بأن كل ما في الكون من نعم الله تعالى ، وأنه مخلوق لله تعالى خلقه للانسان  ليستعمله بالطرق التي أجازها الخالق ، فهو بمثابة الوكيل فلا يجوز الاعتداء ، ولا مخالفة موكله ، فحينئذ يلتزم بأوامر الاصلاح ، وبنواهي الافساد كلياً ، بل يخاف الله تعالى في تعامله فيحسن ويصلح حتى يحبه الله ، ويدعوه تضرعاً وخفية ، فقال تعالى : (وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ)[21] فهذه الآية الكريمة واقعة ضمن مجموعة من الآيات قبلها وبعدها كلها تتحدث عن الأرض والسماء والليل والنهار ، والشمس والقمر ، والرياح والثمرات ، بل تتحدث عن أن (..... الْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ)[22]بل تواصل هذه الآيات من سورة الأعراف فتذكر نماذج من الطغاة المفسدين ، وحينئذ تأمر المسلمين بذكر هذه النعم العظيمة بالحفاظ عليها والاستفادة منها مما ينفع ولا يضر ، فقال تعالى  : (وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُواْ آلاء اللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ)[23].
  ومع هذا الاصلاح الداخلي والتغيير في الأنفس تركز النصوص الشرعية على اصلاح سلوك الانسان ، في كل مجالات الحياة من خلال التربية ، والتزكية ، والعقوبات الرادعة ونحوها حتى يصل الأمر إلى العناية بطهارة الانسان من كل ما يحيط به ، ولا يسع المجال للخوض في برامج الاصلاح في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية المشرفة ، ولكن يكفي أن نردد ما قاله القرآن الكريم من أنه ما نزل إلاّ لتحقيق الخير والرحمة والمصلحة والمنفعة ، ودرء الضرر والشرور ، والفساد والافساد فقال تعالى : (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ)[24] .




([1]) سورة الأعراف / الآية 56
([2]) سورة البقرة / الآية 205
([3]) سورة الأعراف / الآية 170
([4])  سورة هود / الآية 117
([5]) سورة الروم / الآية 41
([6])  في ظلال القرآن , ط. دار الشروق 1407هـ (5/2773)
([7])  التحرير والتنوير (21/110-112)
([8])  التفسير الكبير ط. احياء التراث العربي / بيروت (25/128)
([9]) سورة الأعراف / الآية 56
([10])   www.kaheel.com
([11])  المرجع السابق
([12]) المرجع السابق
([13]) سورة الحجر / الآية 19
([14])  أل جور : الأرض في الميزان ، ترجمة عواطف عبدالعزيز ، ط. الأهرام بالقاهرة 1994 ص 58 ود. النجار : المرجع السابق ص63-64 ود.محمد عبدالقادر الفقي : البيئة ، مشاكلها وقضاياها ط. مكتبة ابن سينا القاهرة 1993 ص 166
([15])  المراجع السابقة أنفسها
([16]) سورة الرعد / الآية 11
([17]) سورة الأنفال / الآية 53
([18])   المقدمة لابن خلدون ط. دار الشعب بالقاهرة ص 391
([19]) سورة الفجر / الآية 11-14
([20]) سورة البقرة / الآية 205
([21]) سورة الأعراف / الآية 56
([22])  سورة الأعراف / الآية 58
([23]) سورة الأعراف / الآية 74
([24])  سورة الأنبياء / الآية 107

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق