السبت، 19 نوفمبر، 2016

تحدي عدم التوازن

تحدي عدم التوازن ( وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ) :

 أقصد بعدم التوازن : الخلل الحاصل بين الإنتاج والاستهلاك ، داخل العالم الإسلامي ، بل داخل الدولة الواحدة ، وبين الضروريات والحاجيات ، والترفيهيات ، وبين الموارد البشرية في بلد والموارد المالية في بلد آخر ، وبين ... .
  فمثلاً إن دول الخليج العربية تملك الموارد المالية الممتازة ـ والحمد لله ـ وبعض الدول العربية والإسلامية لديها إمكانية بشرية هائلة ، ومع ذلك لا توضع السياسات الفعالة لتحقيق التوزان والتكامل ، فهنا الخلل .
  ومن جانب آخر فإن الدول الغنية في العالم الإسلامي تولي كل عنايتها بالمحسنات والمرفهات ، بل بثقافة الاستهلاك والتبذير ، في حين أنها بحاجة إلى توفير الضروريات الصناعية والزراعية والغذائية والدوائية ، وبالتالي تستورد كل هذه الضروريات من الخارج دون خطة عملية خلال عشر سنوات ، أو خمسين سنة ، أو مائة سنة للخروج من عالم الاستهلاك المحض إلى عالم الإنتاج والتصنيع والاكتفاء الذاتي ، بل التصدير للخارج ، مع أن لدينا إمكانيات كافية بل زائدة لتحقيق التقدم الصناعي والزراعي والتجاري .
  وكذلك ففي السودان وغيره مساحات شاسعة لمختلف الزراعات الناجحة وتربية المواشي والدواجن ، بل إذا استغلت حسب التقنيات المعاصرة فإنها تصبح سلة الغذاء الكافية للعالم العربي أجمع .
  وهكذا نجد الخلل ، وعدم التوازن في معظم الأمور الاقتصادية في عالمنا الإسلامي ، ولذلك تأخر وافقر ، ووصل فيه الفقر إلى أكبر نسبة في العالم الاخر .
  ولذلك نعى القرآن الكريم الحضارات السابقة بهذا الوصف فقال تعالى : (فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ)[1]، حيث أوضح أن السبب في هذا المصير هو الظلم بمعناه الشامل ، وأن النتيجة هي الخراب ، ولكن الآية يفهم منها أن تلك القرية ( المدينة ) كانت مرفهة ، لديها القصور المشيدة ، ولكنها كانت ظالمة غير متوازنة ، حيث كانت وسائل الإنتاج ـ مثل الآبار ـ معطلة مع أن القصور الفخمة ( مظهر الترف ) كانت موجودة ، ومع الأسف الشديد ينطبق ما ذكرناه على معظم العالم الإسلامي ، حيث مظاهر الترف والقصور بارزة ، مع عدم وجود ما يكفي من أدوات الإنتاج ، وبخاصة في مجال الصناعة والزراعة ، والله المستعان .

الخلاصة أن النجاة في اقتصاد موزون ...
 ولذلك فإن الهدف الأسمى للاقتصاد الإسلامي من خلال نصوص الشريعة ومقاصدها هو الوصول إلى اقتصاد متزن متوازن موزون .
  إن الله تعالى خلق كل ما في هذا الكون فأعطى لكل شيء وزنه ، ووضع كل شيء في مكانه بتوازن دقيق للوصول إلى كوْن موزون بجميع عناصره وطبائعه ، فقال تعالى : (وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ )[2] .
 وهكذا صناعة الحياة في هذه الدنيا لن تستقيم إلاّ بالتوازن الدقيق ، وذلك لأن كل ما في هذا الكون زوج وشفع ، وهذا أثبته العلم الحديث ، وعبّر عنه القرآن الكريم بوضوح قبل أكثر من 14 قرناً فقال تعالى : (سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ)[3].
 ومن طبيعة الشيء المزدوج قابليته لأحد عنصريه أي نحو اليمين أو اليسار ، فالإنسان بما أنه مكون من روح ومادة طينية يمكن أن يميل كثيراً نحو أحدهما ، فإذا مال كثيراً إلى الأول تحققت الرهبانية والانعزال ، وإذا مال ميلاً كبيراً إلى الجانب المادي تحققت الفلسفة المادية ، وهكذا جميع تصرفاته ، لذلك فهو في ذاته ، وفي جميع تصرفاته وأفعاله يحتاج حاجة ماسة إلى التوازن ، وهكذا نشاطه الاقتصادي ، ونشاطه السياسي ، والاجتماعي . .
  وقد دلت التجارب والتأريخ والوقائع على أن هذا التوازن لن يستطيع البشر أن يحققه وحده بدون هداية ربانية ، ولذلك كانت الرسالة الخاتمة ( رسالة الإسلام ) قائمة على هذا التوازن في جميع أوامرها ونواهيها وإرشاداتها وتوجيهاتها ، ولذلك جعل هذا الميزان الدقيق بهذا التوازن منزلاً من عند الله تعالى مثل القرآن الكريم نفسه فقال تعالى : ( لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ)[4] فبدون الميزان الدقيق لهذا التوازن لن يتحقق العدل قطعاً ، بل يكون العالم مرة يميل نحو اليمين ، ومرة نحن اليسار ، والحق دائماً هو الوسط والصراط المستقيم ، ولذلك نرى الآية بوضوح تربط بين الميزان وتحقيق العدل ( لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ )[5]  .
  وكما نرى هذا الربط بين العدل والميزان في النشاط الإنساني ، حيث ربط القرآن الكريم بين بقاء السماء والأرض متزنتين وبين الميزان فقال تعالى : (وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَأَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِوَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ)[6] .


ونحن هنا نذكر معالم هذا التوازن في الاقتصاد الاسلامي على ضوء ما يأتي :

أولاً – التوازن في جميع الأنشطة الاقتصادية ، وداخل النشاط الاقتصادي الواحد ، وهو كما ذكرنا له ستة أنواع : 

1.  التوازن في الملكية من خلال ما يأتي :
‌أ)     الملكية ليست ملكية فردية فقط ، كما هو الحال في النظام الرأسمالي الحر ، ولا جماعية (الدولة) كما هو الحال في النظام الشيوعي ، بل هو جماع بين الأمرين بدقة متناهية ـ كما سبق ـ .
‌ب) وضع شروط للتملك من حيث الأسباب المشروعة ، وفرض قيود على الملكية لمنع الجشع والاحتكار ومنع آثار الفلسفة المادية ، مع الحث الكبير على المال وكسبه وبيان أهميته ودوره في النهوض بالأمة لإزالة آثار الرهبانية والعزلة ..
‌ج) فرض حقوق كثيرة مثل الزكاة والنفقة ...على المال لتحقيق التكافل ، وحتى لا يكون المال محصوراً في دائرة معينة (كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاء مِنكُمْ)[7] مع عدم تحديد الملكية والأموال بحد معين ، بل ترك الإسلام الحرية المنضبطة ليسكب المسلم الملايين ، أو المليارات دون أي حرج ما دام ملتزماً بالشروط والقيود والحقوق السابقة .

2.  التوازن في الانتاج من حيث توجيه الإسلام الإنتاج نحو الإنتاج النافع ، ومنع الإنتاج الضار بالإنسان ، أو الحيوان أو البيئة .
فقد وضع عليه قيوداً ومع ذلك جعل الإنتاج عبادة وجعل عليه أجراً وثواباً عظيماً ، حيث إذا أنتج شيئاً نافعاً فكل من يستفيد منه من الإنسان أو الحيوان يكون ذلك أجراً وثواباً جارياً للمنتج ، وهكذا .. .

3.  الاستهلاك حيث يجب أن يقوم على القوام بنص القرآن الكريم في وصف عباد الرحمن  (وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا)[8] وقال تعالى : (وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا)[9] .

4.  التبادل من خلال العقود التي دلت النصوص الشرعيى على أنها يجب أن تكون قائمة على العدل ، وعلى الحقوق المتساوية للعاقدين فقد وزعت الشريعة الحقوق والواجبات بين طرفي العقد ، فإذا وجد أي خلل في هذا التوازن أصبح العقد غير مشروع ، فمثلاً فإن عقد القرض يقوم في الإسلام على ميزان له كفتان متعادلتان وضعت في كل كفة حقوق والتزامات ، أو ايجابيات وسلبيات بتوازن دقيق ، ففي كفة المقرض (الدائن) ايجابية ضمان قرضه بمجرد تسليم المقترض ، وفيها سلبية حيث ليس له الحق في أن يأخذ أي فائدة من هذا القرض ، وأما كفة المقترض ( المدين ) ففيها ايجابية تتمثل في أنه يستفيد من كل ينتجه دون أن يكون للدائن حق فيه ، ولكن فيها سلبية تتمثل في أن المال مضمون عليه مطلقاً ، وفي جميع الأحوال حتى في الظروف القاهرة .
وكذلك عقد المضاربة الشرعية (القراض) له ميزان يتكون من كفتين ، فوضعت في كفة المضارب (المستثمر) ايجابية أن المال ليس مضموناً عليه ( إلاّ في حالات التعدي أو التقصير) وسلبية مشاركة رب المال في ناتج جهده بالنسبة المتفق عليه 50% أو غيرها ، وفي كفة رب المال ايجابية مشاركته للربح الناتج ، وسلبية أن ماله غير مضمون على المضارب إلاّ في الحالتين السابقتين .
وهكذا جميع العقود .
وهناك أمر آخر في غاية من الأهمية ، وهو ضرورة استعمال كل عقد في مقتضاه الشرعي دون تغييره ، وعدم استعماله في غير ما وضع له .

5.  التوزيع :
ان الفكر الرأسمالي وضع في مقابل رأس المال ( النقود ) الفائدة (الربا ) ، والإسلام حرم الربا ، لأنه ظلم في ميزان العدل الذي تحدثنا عنه في الفقرة السابقة ، وذلك لأن جميع الايجابيات تجتمع في كفة المرابي ، والسلبيات في كفة المقترض ، حيث إن كفة المرابي تجمع بين ضمان رأس المال وأخذ جزء من المال ( نسبة متحركة أو ثابتة من رأس المال) مطلقاً في جميع الأحوال ، في حين أن كفة المقترض تجمع سلبيات ضمان رأس المال ، وضمان نسبة من رأس المال زيادة وربا .
 ولذلك وضعت الشريعة بديلاً عن الربا العقود الشرعية من البيع ، والسلم ، والمشاركة ، والمضاربة ، والمساقاة ، والمزارعة ، ونحوها من العقود المتوازنة العادلة القائمة على توزيع الحقوق والواجبات على الطرفين وعلى أساس (الغنم بالغرم) في المشاركات كلها .
  ومن جانب آخر فإن الربا ظلم للمجتمع ، لأنه عبء على المنتج والمستهلك ، في حين أن الربح الناتج من العقود الشرعية (المشاركات) ناتج على سبيل الحقيقة ، إذا لو لم توجد يستحق الربح .

6.  إعادة التوزيع :
 إن النظام الإسلامي في هذا المجال في غاية من الأهمية من التوازن بين الأغنياء والفقراء ، وكل طبقات المجتمع ، فأجاز لهم الملكية والتملك والإنتاج والتعاقد لتحقيق الربح والمال الصالح ، وبالمقابل أوجب على الأغنياء حقوقاً بسيطة ، لكنها تحقق التكافل والتكامل ، وهي حق الزكاة ، وحق النفقة ، حيث يتبدأ التكافل داخل الأسرة الصغيرة ليشمل المجتمع كله ، إضافة إلى الصدقات والأوقاف والكفارات والديات ، ثم بعد ذلك تتدخل الدولة من خلال أموال الفيئ وغيره لتحقيق التكافل الاجتماعي .
فالإسلام لم يترك الأغنياء دون فرض حقوق عليهم ، ولم يضر بهم أيضاً بنزع الملكية ، أو بقيود ضارة ، وكفل كذلك حقوق الفقراء في توازن بديع .


ثانياً – التوازن بين دور الدولة ، ودور الفرد ، والسوق :
  إن الإسلام جعل المسؤولية بين الجماعة والدولة ، ومسؤولية الفرد في تكامل حقيقي ، من خلال المراقبة ، حيث دلت النصوص الشرعيى على خطورة هذه المسؤولية أمام الله تعالى ، ثم أمام الأمة فقال تعالى : (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ)[10]وقال صلى الله عليه وسلم : ( كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ...)[11] وقد عبر الخلفاء الراشدون عن هذه المسؤولية عن الإنسان ، والحيوان ، والبيئة ، فقد قال الخليفة عمر رضي الله عنه : ( لو عثرت دابة على دجلة لسئل عنها عمر ) .
  وقد ذكر الاقتصاديون اليوم أن أحد أسباب هذه الأزمة يعود إلى عدم قيام الدول بواجبها نحو البورصات والمؤسسات المالية ، يقول جوزيف ستغليتز " الحائز على جائز نوبل في الاقتصاد ، وكبير الاقتصاديين في البنك الدولي" في مقال له بمجلة تايم : ( أرى أنا وغيري من الاقتصاديين : أن التنظيم الحكومي ، والمراقبة عنصران أساسيان في اقتصاد الأسواق القادرة على العمل ، وبدونهما ستكون هناك أزمات اقتصادية متكررة ...) ثم أنحى باللائمة في المقام الأول على التحرر من القوانين المنظمة بدقة ، وعن المراقبة الفعالة ، ثم ذكر أهمية التوازن ...ثم ختم مقاله بقوله : ( إن هذه الأزمة علمتنا أن الأسواق المتحررة من القوانين محفوفة بالمخاطر )[12].

ثالثاً ـ التوازن الدقيق في ظل مراعاة فقه الضروريات ، والأوزان ، والأولويات :
 إن التوازن الدقيق يقتضي وضع ميزان دقيق لكل الأنشطة الاقتصادية في جميع المجالات الحيوية ، وهذا يقتضي مراعاة الأوزان أيضاً لكل نشاط حسب حاجة الأمة غليه ، ففي عصرنا الحاضر فإن مما لا شك فيه أن وزن الصناعات ( الخفيفة ، والمتوسطة ، والثقيلة ) أثقل من غيرها ، وأن وزن التقنيات والتكنولوجيا أكبر ، وهكذا فيجب على الدولة أن تبدأ بتحقيق الضروريات والعناية بالأهم ، فالأهم ، وهكذا ، فالتربية على هذه الثقافة ، والعمل على تنفيذها من أولى الواجبات .


([1])  سورة الحج / الآية 45
([2]) سورة الحجر / الاية 19- 23
([3])  سورة يس / الآية 36
([4]) سورة الحديد / الآية 25
([5]) سورة الحديد / الآية 25
([6]) سورة الرحمن / الآية 7-9
([7]) سورة الحشر / الآية 7
([8]) سورة الفرقان / الآية 67
([9]) سورة الإسراء / الآية 29
([10]) سورة الصافات / الآية 24
([11]) الحديث رواه البخاري في صحيحه – مع الفتح – ( 2/317 ، 13/100) ومسلم برقم 1829
([12]) يراجع : موقع الجزيرة نت 18 أكتوبر 2008م

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق