السبت، 19 نوفمبر، 2016

الأخلاق عند الفلاسفة اليونان

الأخلاق عند الفلاسفة اليونان
يؤكد مؤرخو الفلسفة اليونانية أن سقراط يعتبر المؤسس للفلسفة الأخلاقية في العالم الغربي ويشيرون إلى أن الأخلاق الغربية مرت بثلاث مراحل كبرى هي:
المرحلة الأولى: الأخلاق اليونانية.
المرحلة الثانية: الأخلاق اليهودية والأخلاق المسيحية.
المرحلة الثالثة: الأخلاق الغربية المعاصرة.
وتمتاز المرحلة الأولى التي أسسها اليونان بالتخلي عن الدين واستبعاده من الفكر الأخلاقي والاعتماد على العقل والتجربة([1]). واتجهت الفلسفة اليونانية إلى مخاطبة العقل وحده والتركيز على تفسير الوجود الخارجي دون اهتمام يذكر بالإنسان حتى جاء سقراط الذي اهتم بسلوك الإنسان وبالرد على فلسفة من سبقه من السوفسطائية التي شغلت في طرق البرهنة المنطقية والنظر في سبل وصول المعلومات. والرد على مفاهيم السوفسطائية في أن طبيعة الإنسان مكونة من شهوة وهو وأن أساس المعرفة هو الإحساس أو المعرفة الحسية ومن العدل أن يسود القوي على الضعيف انسجاماً مع الطبيعة وغيرها من المفاهيم .
وممن سبق سقراط الفلاسفة الميتافيزيقيون الذين ركزوا على فهم العالم ككل وتكوين الأشياء وحركات الكواكب وغيرها.

فلسفة سقراط الأخلاقية:
اهتم سقراط بدراسة السلوك الإنساني ويقال عنه أنه أنزل الفلسفة من السماء إلى الأرض من التفكير الخيالي إلى الواقع العملي وحول النظر من الفلك إلى النفس البشرية وماهية الإنسان. وضع سقراط نظريته بين القرن السابع والسادس قبل الميلاد ورد فيها على السوفسطائية التي تبنت المفاهيم التالية:
1-   الطبيعة الإنسانية شهوة وهوى.
2-   الشهوة والهوى نسبية وتتغير.
3-   من حق القوي أن يسود وأن يغير الشهوة والهوى انسجاماً مع هوى الطبيعة.
4-   الفرد مقياس الأشياء جميعاً وعليه تتعدد الحقائق ويتعدد مدركوها.
5-   لا وجود لحق أو لباطل بذاته.
6-   لا وجود لحقائق ثابتة في مجال المعرفة وأصل المعرفة هو المعرفة الحسية.
7-   الخير يكمن في اللذة التي تنجم عن إشباع الشهوة.
وبدأ سقراط بهدم نظرية السوفسطائية المبنية على المعرفة الحسية من خلال دوره الأخلاقي ويتكون دور سقراط أو منهجه الأخلاقي كما يلي([2]) :
1-   ابتعد عن منهج الميتافيزيقيين وعن منهج السوفسطائية وركز على بحث مفاهيم العدل والظلم، الشرف والوضاعة والحكمة والسفه وفي كل ما يجعل من الرجل رجلاً صالحاً شريفاً .
2-   دعا سقراط إلى العمل بموجب مبدأ ( اعرف نفسك بنفسك).
3-   أكد أن الطبيعة الإنسانية تبحث عن السعادة، والسعادة هي حالة نفسية ناتجة عن الانسجام بين رغبات الإنسان وظروفه التي تحيط به وتكمن السعادة في سلوكنا الحكيم تجاه حاجاتنا ورغباتنا.
4-   الفضائل هي طريق السعادة.
5-   الإيمان مكمل للحياة الأخلاقية.
6-   أقام الحقائق الثابتة على أساس العقل في ميدان المعرفة.
7-   فصل بين العقل والحس بسبب أن الإنسان جسم وعقل وأكد أن العقل يسيطر على الجسم والحس والنزوات. واعتبر أن طبيعة الإنسان الحسية تمثل الجانب الحيواني فيه وتتعارض مع الجانب الأخلاقي الذي يسيره العقل. والقوانين العادلة الصادرة عن العقل والمطابقة للقوانين الإلهية تنسجم مع الجانب الإنساني العاقل.
8-   العلم فضيلة والجهل رذيلة والإنسان يسعى للخير ويهرب من الشر، أما الشهواني فرجل جهل نفسه وخيره ولا يُعقل أن يرتكب الشر عمداً.
9-   الروح خالدة والخلود هو ثمن الحياة الفاضلة في الدنيا وعند مغادرة الروح للجسد تغمرها السعادة لأنها ستحيا إلى جوار الآلهة في العالم العقلي.
يلاحظ من ما سبق أن سقراط أعطى للعقل دوراً محورياً في فلسفته الأخلاقية وفي دوره في إظهار الحقائق الثابتة والتأكيد على العلم كفضيلة ويبدو في فلسفته الأخلاقية وفي دوره في إظهار الحقائق الثابتة والتأكيد على العلم كفضيلة ويبدو في فلسفته طابع ديني رغم اتهامه بالكفر بآلهة المدينة وإعدامه على أثر ذلك. وأنكر أن الآلهة لها شهوات ودعا إلى عدم تقديم القرابين لها. والروح كما يعتقد بأنها الصوت الذي يسمعه بنفسه ينهاه عن الفعل الضار. واعتماد الفضائل الخلقية على أربعة قواعد عند سقراط هي : ([3])
1-   معرفة النفس.
2-   العلم.
3-   القناعة والزهد أقرب إلى الآلهة التي لا تحتاج شيئاً .
4-   العمل تمييز العمل المناسب والذي يتم اختياره بدون تردد وإذا عمل الإنسان شراً يكون قد أخطأ في الاختيار وجهل في معرفة وتمييز الأعمال المناسبة له.

نظرية أفلاطون وأخلاقياته:
يعتبر أفلاطون تلميذاً لسقراط وقد أخذ عنه فكرة السعادة وجعل الفضيلة العليا هي فضيلة العدالة. والعدالة على مستوى الفرد تكمن في توازن وتوافق قوى النفس عن طريق العقل([4]).
وقد فصل أفلاطون بين المعرفة الظنية بالمحسوسات والماهيات المفارقة للمادة (المثل) واعتبر أن الخير أسمى المثل. وساهم في إبطال دعوى السفسطائيين بإقامة الأخلاق على المعرفة الحسية ودعا إلى جعل القانون الأخلاقي عاماً للناس وذلك لأنه يرى أن الأخلاق تقوم على جانب مشترك بين الناس هو العقل وأبطل الاتجاه السفسطائي الذي يرى أن غاية الأخلاق خارجها ورهن الخير باللذة التي تنجم عنها. وأكد أن الإنسان يعقل الخير لذاته باعتباره غاية في نفسه([5]).
ورد أفلاطون على دعوى أن علاقة العدالة هي سيادة القوي على الضعيف وأن اللذة الناشئة عن التفوق هي السعادة كما يرى السفسطائيون، بأن إنماء الشهوات هو تعهد آلام مستمر في النفس بحيث تصبح حياة الشهوة موتاً متكرراً ومثالها الأجرب الذي يجد حاجة ملحة للحك فكلما ازداداً حكاً ازداد ألماً ويقضي حاجته في الحك بالألم المستمر. ودعا أفلاطون إلى الاعتدال وضبط الشهوات وهو يرى أن العقل يتحكم بالشهوة وبالقوة  الغضبية ([6]).
والفضائل عند أفلاطون أربعة هي:
1-   الحكمة فضيلة العقل.
2-   العفة فضيلة القوة الشهوية.
3-   الشجاعة فضيلة القوة الغضبية.
4-  التناسب بين القوى الثلاث أعلاه في النفس يمثل الفضيلة الرابعة العدالة على مستوى الفرد وأما على مستوى المجتمع فتكون العدالة أن يقوم الفرد بأداء الوظيفة المناسبة في المجتمع. والعدالة في نظر أفلاطون (حالة باطنية عقلية أخلاقية) يظهر بها صحة النفس وجمالها.
ويرى أفلاطون أن النفس أسمى من الجسد وأن الجسد مصدر الشرور والآثام وأن النفس تشقى بالجسد الذي يحمل قوى الروح النبيلة ويوجهها وجهة غير أخلاقية. ويرى أفلاطون في كتابه "الجمهورية" أن تنظيم المجتمع يقوم على تنظيم علاقة الأفراد بداخله ويقسم المجتمع في نظره إلى ثلاثة طبقات هي(*):
1-   الطبقة الحاكمة ويسميها الطبقة الذهبية.
2-   الطبقة التي تحرس المجتمع وهي أصحاب الوظائف الكريمة ويسميها الطبقة الفضيلة.
3-   الطبقة المنتجة من زراع وصناع وتجار وهي الطبقة النحاسية.
وتلاحظ أن أفلاطون كان متأثراً بروح عصره من حيث إنشاء المدينة الفاضلة على أساس طبقي وهو لا يؤمن بالمساواة بين الأفراد في المجتمع ويرى العدالة على مستوى المجتمع هي أن يؤدي كل فرد الوظيفة المناسبة في المجتمع حسب الطبقة التي ينتمي لها.
ونلاحظ أن سقراط أكد وجود الصلة بين الفضيلة والعلم بينما اعتبر أفلاطون أن " العلم ينتقل من عقل إلى عقل عن طريق البراهين والأدلة وليست الفضيلة كذلك"([7]). ومن الانتقادات التي وجهت إلى فلسفة أفلاطون بأنه يدعو لإقامة الدولة على أساس طبقي في المجتمع وأنه ينظر إلى البشر في المجتمع كالقطيع يمثل فيه الرعاة الحكام وتمثل فيه كلاب القطيع طبقة الحراس المحاربين وأما العوام فيمثلهم بالقطيع. ولا يرى أفلاطون إمكانية المساواة بين العبيد والسادة في المجتمع ويطالب بمعاملة العبيد مثل النظام الأثيني([8]).
يرى بعض الكتاب أن أفلاطون يكره المرأة وذهب البعض إلى اتهامه بالشذوذ الجنسي لأنه يصرح بأن الحب الحقيقي هو حب الرجل للرجل وليس حب الرجل للمرأة([9]).
ويرى أفلاطون شيوع المال والنساء والأطفال بين طبقة المحاربين وأن يتم التزاوج على أوسع نطاق وأن يتزاوج النوع الأدنى على أضيق نطاق من أجل تحسين القطيع. ويدعو كذلك إلى تنظيم التزاوج في فترات يصرّح فيها الإنجاب للدولة وأي إنجاب خارج العمر المحدد والزمن المحدد يجب أن يباد. وأكثر من ذلك يرى أفلاطون أن المرأة يجب أن تعمل مثل الرجل تماماً ويشبه النساء بإناث كلاب الحراسة التي تشارك الذكور الحراسة والصيد. وقد أباح أفلاطون الكذب للحكام في مواجهة المحكومين وأنه قد يلجأ الحكام أحياناً إلى الخداع  من أجل نفع الرعية.

أرسطو:
ركز أرسطو على فكرة السعادة كمحور للأخلاق واعتبرها الغاية القصوى للأفعال التي تهدف إلى خير الجميع وهي الغاية التي يستهدفها الفعل الإنساني. وميز أرسطو بين درجات الفهم لهذه الغاية القصوى أو السعادة بحسب اختلاف الناس في ظاهر سلوكها . ويؤكد أرسطو أن السلوك الأخلاقي يمثل ثلاث مراتب وهي([10]):
أولاً : السعادة في نظر أصحاب الطبائع الغليظة تكمن في اللذة.
ثانياً: السعادة في نظر أصحاب العقول الممتازة تكمن في المجد والكرامة السياسية.
ثالثاً: السعادة في نظر الحكماء والفلاسفة الذين يعيشون حياة الحكمة والتأمل الفعلي تكمن في العيشة العقلية التأملية وهي السعادة الحقة.
ويلاحظ التشابه بين هذه المراتب الثلاث وطبقات المجتمع في فلسفة أفلاطون بحيث تتناسب مراتب السلوك مع الطبقات التي ركز عليها أفلاطون وهي طبقة الذهب وطبقة الفضة وطبقة النحاس، ولكن أرسطو يتفق مع سقراط في محاربة اللذة واعتبار الغاية القصوى هي السعادة لأفعال الإنسان، وهو يرى أن الاقتصار على هدف اللذة تجعل الإنسان في مرتبة البهائم بينما يمتاز الإنسان بعقله الذي يجعله قادراً من بين كل الكائنات على التأمل والتصور العقلي([11]) وهذه الحالة ومزاولتها أكمل حالات الوجود الإنساني.
ويرى أرسطو أن الفضيلة تشكل الوسط بين رذيلتين ويرى أن أسمى حياة وأكمل حالات الوجود للإنسان هي حياة التأمل الذهني والحياة للمعرفة  والعلم والفلسفة وفضائل هذه الصورة من حياة الإنسان تشمل فضائل الذكاء والإدراك للقواعد العلمية والتبصر والحكمة والمهارة وهي أرقى الفضائل العقلية.
وهناك نوع آخر من الفضائل هي الفضائل الأخلاقية وهي الفضائل التي تنشأ استناداً إلى العقل وهي فضائل لها صفة الاستمرارية كعادة متأصلة في الإنسان مثل عادة الكرم وغيرها، ويلاحظ أن أرسطو قد وضع نظريته في تحديد الفضائل الأخلاقية بأنها " الوسط الذهبي" بين أنماط السلوك المتطرفة سلباً أو إيجاباً وأن الفضائل هذه تقع في مجموعتين هما الفضائل العقلية والفضائل الأخلاقية التي تنشأ عن تنظيم الحياة حسب العقل.
ويرى أرسطو أن الفضيلة ليست أمراً موروثاً وليست وليدة المعرفة فقط وإنما هي عادة أو ملكة من عادات النفس الناطقة والتي يمكن الوصول بها إلى درجات الكمال، ويعطي أرسطو اهتماماً في التركيز على أهمية التعليم وملاحظته لحياة المتعلم وبين أن بعض الفضائل لا تتحول عند الإفراط بها إلى رذائل مثل الذكاء والإدراك الدقيق للقواعد العلمية والمهارة وهي أرقى درجات الكمال في العلوم([12]).
وبين أرسطو أنواع الخير التي تشمل الخير الخاص وهو خير خاص بالنفوس وهو أساسي وجوهري وخير خاص بالأجساد مثل الصحة والمال وخير خارجي لا يمكن الاعتماد عليه في تحقيق السعادة الفردية مثل الشهرة.


(1) محمد عبد الله الشرقاوي، الفكر الأخلاقي: دراسة مقارنة، بيروت: دار الجيل، 1990، .
ص:64-65.
(2) مصطفى حلمي ، الأخلاق بين الفلاسفة وحكماء الإسلام، القاهرة: دار الثقافة العربية، 1986، ص:31 – 36 .
(3) يعقوب المليجي ، الأخلاق في الإسلام، الإسكندرية . مؤسسة الثقافة الجامعية، 1985م ، ص: 224 – 226 .
(4) محمود حمدي زقزوق، مقدمة في علم الأخلاق، المنصورة : الدار الإسلامية للطباعة والنشر، 1984، ص: 50 .
(5) مصطفى حلمي ، الأخلاق بين الفلاسفة وحكماء الإسلام، القاهرة : دار الثقافة العربية، 1986، ص 34- 38 .
(6) المرجع السابق، ص: 38- 39 .
( * ) يعقوب المليجي ، الأخلاق في الإسلام، الإسكندرية: مؤسسة الثقافة الجامعية، 1985، ص:228.
(7) محمد عبد الله الشرقاوي، الفكر الأخلاقي دراسة مقارنة ، بيروت : دار الجيل ، 1990، ص: 70- 95 .
(8) المرجع السابق ، ص: 76 – 77 .
(9) يرى جورج سارطون أن كره أفلاطون للمرأة يعود لشذوذه الجنسي.
(10) مصطفى حلمي ، مرجع سابق، ص: 471- 44
(11) محمد عبد الله الشرقاوي ، مرجع سابق، ص: 96 – 98 .
(12) يعقوب المليجي ، الأخلاق في الإسلام، الإسكندرية: مؤسسة الثقافة الجامعية ، 1985 ص: 230 – 231 .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق