السبت، 19 نوفمبر، 2016

أنواع التنمية في الاقتصاد الوضعي

أنواع التنمية في الاقتصاد الوضعي :
إن للتنمية أنواعاً كثيرة من أهمها : التنمية الاقتصادية التي تعتبر بمثابة العمود الفقري للفكر الوضعي ، وهي محور الاهتمام ، ومركز العناية لدى الحكومات والاقتصاديين ، وهي السبب الأساس في نظرهم للتقدم والاستقرار ، لذلك كان الشعار المرفوع لديهم هو أن " كل شيء من أجل الاقتصاد " .
غير أن التجارب الحقيقية التي مرّ بها العالم أثبتت أن التنمية الاقتصادية المستدامة لن تتحقق بالنمو الاقتصادي وحده بل إن النمو الاقتصادي نفسه يتطلب أنواعاً من النمو ، مثل التنمية العلمية ، والاجتماعية ، والسياسية والثقافية ، وفي نظرنا أن نجاح الدول الغربية في التنمية الاقتصادية خلال القرن الماضي ( العشرين ) كان بسبب أنها حققت في الماضي ( ولا زالت ) التنمية العلمية والسياسية والثقافية ، حتى الاجتماعية إلى حد مناسب ، ولكنها كانت تنقصها التنمية الدينية ، أو التربية الأخلاقية والدينية ، وهذا ما تنبه إليه بعض المفكرين الغربيين من ضرورة العناية بتجربة المجتمع ، وثقافته وفكره وبيئته[1].
ولذلك فإن التنمية الحقيقية لها ركنان أساسيان في فكر الاقتصاد الإسلامي يتمثلان في التنمية الروحية والتنمية المادية ، أو بعبارة أخرى فإن التنمية الاقتصادية المستدامة الحقيقية لن تتحقق إلا إذا نما الإنسان وتحققت له التنمية الثقافية والعلمية والسياسية والاجتماعية إضافة إلى التربية الروحية والأخلاقية .
ومما هو جدير بالتنبيه عليه أنه من الضروري ملاحظة ظروف كل بلد وبيئته وثقافته وإمكانياته .

معايير التنمية البشرية لدى الأمم المتحدة :
  بعد فشل كثير من المحاولات التي بذلتها الأمم المتحدة لاحداث التنمية البشرية في العالم الثالث توصلت في تقاريرها السنوية إلى مجموعة من المعايير تتضمن التحصيل العلمي ، والحرية ، ونصيب الفرد من الناتج المحلي ، وتمكين النساء من التصويت والترشيح والمساواة مع الرجل في العمل والأجور[2] .
  بل إن تقرير التنمية البشرية لعام 2004م الصادر من الأمم المتحدة يركز على الحريات الثقافية كمعيار للتنمية في المجتمعات المعاصرة .



التنمية في ظل الفكر الاسلامي :
  من خلال النظر في الكتاب والسنة وأقوال الفقهاء يتبين لنا أن التنمية الشاملة في الفكر الاسلامي يمكن تعريفها باعتبارين : باعتبار حقيقتها ، وباعتبار نتيجتها .

فباعتبار حقيقتها هي : الارتقاء بالروح بتحقيق متطلباتها من الايمان والعقيدة الصحيحة ، وسمو الأخلاق ، وبالعقل يتحقق غذائه العلمي والفكري والثقافي في ظل الحرية ، والاطمئنان ، وبالنفس بتغييرها نحو الأحسن ، وتوفير الأمن النفسي ، والاجتماعي ، وبالبدن بتحصيل متطلباته المادية والاقتصادية المشروعة ، فهي إذن عملية تغيير وتطوير دائم للإنسان بمكوناته ، وأمواله وأحواله للوصول إلى ما هو الأحسن في كل شيء .
  ثم إن الارتقاء والنماء في المجالات الأربعة يبدأ بالضروريات للوصول إلى الحاجيات ، ثم منها إلى التحسينات ، ثم داخل التحسينات يكون هناك الارتقاء حسب الكم والكيف ، فهي اذن في نماء مستمر ، وزيادة مطردة للفرد والمجتمع دون أن تعرف التوقف ، لأن التوقف هو عين التأخر ، فقال تعالى (لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ) (سورة المدثر: الآية 37) ولم يقل ( أو يتوقف ) ، لأن التوقف هو عين التأخر في مآلاته .

وباعتبار نتيجتها : فهي تحقيق السعادة والرفاهية الروحية ، والعقلية ، والنفسية ، والبدنية للانسان داخل المجتمع الذي يعيش فيه .

مؤشر التنمية في الاقتصاد الإسلامي :
ففي نظرنا : أن المؤشر للتنمية الشاملة هو تحقيق النتيجة السابقة ، ولكن من الجانب الاقتصادي نستطيع القول بأن مؤشر نجاح التنمية يكمن بالنسبة للفرد هو : الخروج من حد الكفاف ( الفقر ) إلى حد الكفاية ، للوصول إلى تمام الكفاية ــ كما سيأتي تفصيله
وبالنسبة للمجتمع والأمة الوصول إلى الاكتفاء الذاتي زراعياً ، وصناعياً ، وتجارياً ، ثم الاستمرار في النمو والزيادة دون توقف في كافة مجالات الحياة ، مع تحقيق القوة الاقتصادية المتكاملة والقوة السياسية والعسكرية ، والتحرر من التبعية بكل أشكالها من خلال التقدم العلمي والتكنولوجي ، والابداع والقدرة على المساهمة الفعالة في إدارة النظام الدولي وتحقيق أمة الشهود بالحق والعدل .



أهمية التنمية وحكمها :
  إن التنمية الشاملة بالمعنى الذي ذكرناه هي الغاية من إنزال الكتب وإرسال الرسل ، فالله تعالى أنزل هدايته لتتحقق للناس سعادة الدنيا والآخرة ، ويتحقق لهم الخير كله والرحمة كلها ، وأن الشعائر التعبدية كلها لتحقيق العبودية لله تعالى ولاصلاح الانسان حتى يكون صالحاً لأداء رسالته على الأرض وهي الاستخلاف والتعمير والعمارة والحضارة ـ كما سبق ـ .
  لذلك كله فإن التنمية الشاملة ، وحتى التنمية الاقتصادية فريضة شرعية ، وضرورة عصرية ، فلن تكون لأمتنا الاسلامية قوة ولا عزة ولا كرامة إلاّ إذا كانت أمة واحدة قوية غنية غير محتاجة إلى الآخر في قوتها وصناعتها وأسلحتها ، ناهيك عن أن هناك مئات الملايين من المسلمين وغيرهم يتضورون جوعاً ، ويفتقدون أبسط حياة كريمة ، بل يموت مئات الآلاف بسبب المجاعة ، وسوء الغذاء والدواء ، فنظرة إلى إخواننا في أفريقيا ، وآسيا وإلى أحوالهم وكوارثهم تقطع القلب ، وتدمع العين ، وتجعلنا حائرين متسائلين : لماذا وصلت الأمة إلى هذه المرحلة مع كل امكانياتها ؟ انها مسؤولية الجميع ، وقصور في استخدام الموارد ، وسوء في توزيع الناتج ، وكبت واذلال للانسان ... .
ونحن هنا نحاول بشيء من الايجاز ان نذكر شروط التنمية الشاملة .

شروط تحقيق التنمية الشاملة في الفكر الاسلامي :
  إن الفكر الاسلامي ينطلق نحو التنمية من خلال قيمة الانسان نفسه حيث يعتبره قطب الرحى ، ومركز التوجيه والتركيز ، والناهض بالتنمية إن أعدّ لها إعداداً جيداً ، وهو السبب في نجاح التنمية بعد توفيق الله تعالى ، وهو السبب في فشلها ، لذلك فلا يلومنّ عند المصائب إلاّ نفسه ، قال تعالى : (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ )[3] .
  فالفكر الاسلامي يربط بين الأسباب الظاهرة والنتائج ، ولا يقبل بإسناد المسؤولية إلى خارج الانسان فقط ، وبالتالي فلا يجعل الآخر ( عدواً أو غيره ) شماعة يعلق عليها مصائب الأمة ، بل يضع المسؤولية عن النتائج على المسلمين أنفسهم ، ويربط بين الأسباب الظاهرة والنتائج ، فهذه سنة الله تعالى التي جرت لعباده ، بأن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة ، وأن النصر لا ينزل من السماء إذا كانت النفوس لم تتغير ، ولم تعمل ولم تجاهد ، ولم تصبر ولم تتق ، وأن الله تعالى لا يغير النعمة إلى النقمة إلاّ بسبب تغير النفوس نحو الظلم والشرور والخبائث ، والجرائم والعجز والكسل ، كما أنه تعالى لا يُغَيِّرُ النقمة إلى النعمة  إلاّ إذا تغيرت النفوس نحو الايمان والعمل الصالح والطيبات فقال تعالى : (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ )[4] وقال تعالى : (إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ)[5].
  لذلك فأي تنمية ، وأي نصر ، وأي تقدم ، أو حضارة لن تتحقق في نظر الاسلام إلاّ بالانسان وإعداده الاعداد الجيد ، فقال تعالى : (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ)[6]فكلمة " عبادي " تشير إلى جميع العقائد الصحيحة والقيم والأعمال الصالحات وكلمة " الصالحون " تشير إلى الاعداد الجيد الايماني والعلمي والتقني حتى يكونوا صالحين لحمل الأمانة ، وتحقيق العدل ، وتعمير الأرض والشهادة على الناس بقسط وحق .
  فقد قال ابن خلدون كلمات نيرات مضيئات لتحقيق التنمية في نظر الاسلام : ( الملك لا يتم عزه إلاّ بالشريعة ، والقيام لله بطاعته ، والتصرف تحت أمره ونهيه ، ولا قوام للشريعة إلاّ بالملك ، ولا عزّ للملك إلاّ بالرجال ، ولا قوام للرجال إلاّ بالمال ، ولا سبيل للمال إلاّ بالعمارة ، ولا سبيل للعمارة إلاّ بالعدل ، والعدل الميزان المنصوب بين الخليقة ، نصبه الربّ ، وجعل له قيماً ، وهو الملك ... فهذه ثمان كلمات حكيمة ... ارتبط بعضها ببعض ، وارتدت أعجازها إلى صدورها ، واتصلت في دائرة لا يتعين طرقاتها )[7] .
  فهذه الحلقات الثماني هي التي تستطيع ان تملأ الفراغ ، وتحقق التنمية الشاملة بإذن الله تعالى .


  ([1])المراجع السابقة ، و محمد شريف بشير: نظرات جديدة في التنمية الاقتصادية ، مقالة منشورة في مجلة قضايا دولية ، إسلام أباد عدد ( 222 ) عام 1994  ص ( 18 ــ 19 ) .
([2])  يراجع تقرير الأمم المتحدة حول التنمية البشرية لعام 2003م وموقع الأمم المتحدة
([3])  سورة آل عمران / الآية 165
([4])  سورة الأنفال / الآية 53
([5])  سورة الرعد / الآية 11
([6])  سورة الأنبياء / الآية 105
([7])  نقله الدكتور محمد عمر شابرا وحوله إلى صورة علاقة دالة ، فارجع إليها في كتابه : مستقبل علم الاقتصاد من منظور اسلامي ، ط. المعهد العالمي للفكر الاسلامي عمل ب ، ط. دار الفكر بدمشق 2004 ص 190-206

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق