الجمعة، 4 نوفمبر، 2016

حماية حق المؤلف دوليًا وإسلاميًا

حماية حق المؤلف دوليًا وإسلاميًا
وكما نعلم أن حق المؤلف في القوانين والتشريعات العربية والإسلامية لم يكن واردًا، أو واضحًا، إلاّ أنه كان يحظى بحصانة متينة بقوة العرف والتقاليد، وكان السارق يناله النبذ والتشهير، ويفقد مكانته في المجتمع مهما كان شأنه، وإن خلت آثار الأقدمين من دلالة تشير إلى قانون أو شرعة تحفظ حقوق الملكية الفكرية، إلاّ أن أكثرهم تنبّه لذلك باكرًا فعمد إلى نسخ مؤلفاته بنفسه، أو لجأ إلى النساخين الثقات.
ويختم المؤلف الفصل الأول من الكتاب بإيجاز موضوعات مهمة تندرج في سياق الفصل ذاته، وأهمها :
أ –  الحق الأدبي في ميزان الشريعة.
ب – حق المؤلف والكمبيوتر.
ج – وسائل تحقيق الحماية.
ثمّ تحدّث الكاتب عن حماية حق المؤلف طبقًا لمشروع الاتفاقية الإسلامية لحماية حقوق المؤلفين الذي جرى تقديمه للمنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم في خطتها لعام 1994م، وقد تمّ بموجبه تحديد المصنفات المحمية، كما أوضحت الاتفاقية وسائل حماية حق المؤلف، وذلك انطلاقًا من كون الإسلام قد حفظ حقوق الإنسان، وحرّم العبث بها وانتهاكها.
وجاء الفصل الثاني من الكتاب شاملاً الرؤية الإسلامية لحقوق الملكية الفكرية، وأبرز عناصر هذه الرؤية : مبادئ الرؤية الإسلامية وحقوق الملكية الفكرية. ويقول المؤلف بهذا السياق: (لابدّ أن نرى تأثير النظرة العقدية في الرؤية الإسلامية لحقوق الإنسان وواجباته التي تتلازم، بغرض تحقيق المقاصد العامة والكلية وتحقيق عمارة الأرض بما يؤكد مراعاة حق الآخر وحق النفس، وحقوق الجماعة، وبما يؤكد عناصر تكافل تحقق عناصر منظومة حقوق الإنسان، تجعل من التوحيد مركزها الذي يحرّك الإنسان في رعاية حقوقه، ومراعاة حقوق غيره في إطار حضارته وعلى امتداد الإنسانية بأسرها).
ويرى الكاتب بأن: (المنهج الإسلامي الشامل يقوم على قيمة تأسيسية هذه القيمة هي التوحيد) ، وأن الله هو مصدر تقرير الحقوق والواجبات، لأن أصل الملكية هي للخالق سبحانه وتعالى، وللإنسان ملكية المنفعة، وهذا هو مبدأ الاستخلاف والملكية، ومن مبدأ العدل في الاقتصاد الإسلامي عدم بخس الناس أشياءهم وجهدهم، وعلى هذا الأساس تأتي الرؤية الإسلامية الخاصة بالنشاط الاقتصادي والملكية المادية والمعنوية، والتي (ينبغي أن تطوّر تشريعاتها وآلياتها من أجل استيعاب المتغيرات الحياتية الجديدة في عصر "العولمة" خاصة فيمـا يتصل بتشريعـات الملكية الفكرية المرتبطة بالتجارة وتبادل المعلومات ونظمها).
وأشتمل الباب الثاني عنصرًا مهمًّا من الرؤية الإسلامية وهو : حقوق الملكية في نظر الشرع الإسلامي، حيث يبحث الكاتب أولاً في الملكية الفكرية في الفقه الإسلامي، ويبدأ بتحديد مفهوم حق الابتكار أو التأليف في الفقه الإسلامي بأنه: "الصورة الفكرية" التي تفتقت عنها الملكة الراسخة في نفس العالم أو الأديب ونحوه. مما يكون قد أبدعه هو، ولم يسبقه إليه أحد. على أن يلاحظ أن الإنتاج المبتكر لا يشترط فيه أن يكون متسمًا كله بالابتكار والإبداع.
ولم يذهب الفقه الإسلامي بعيدًا عن هذا التعريف للملكية الفكرية، إلاّ أنه وضع ضوابط لحماية حق الملكية الفكرية، والاعتراف بها، ومن هذه الاشتراطات للمنهج :
أولاً : ضرورة الالتزام بالمنهج الفكري لدى فقهاء الإسلام السابقين.
ثانيًا : عند بحث ما يسمى الوقائع والأحداث المستجدة، يجب أن يوضع بعين الاعتبار أن الشريعة الإسلامية في خطوطها العريضة ومعانيها العامة تستوعب كل ما يستجد من وقائع وأحداث إلى يوم القيامة.
وبناء على تلك الضوابط الشرعية يتم اتفاق الفقهاء على جواز الانتفاع بنتيجة المؤلَّف أو البحث أو الاختراع، وتُكفل حمايته، وهذا ما يفسّر الخطوة اللاحقة، والتي دعاها الكاتب (التكييف الشرعي لمنشأ حق الملك في الإنتاج الفكري).
هذه الفكرة التي مفادها: أن حق المؤلف في إنتاجه الفكري المبتكر هو حق عيني مالي وليس حقًا مجردًا. وعن طبيعة حق الملكية والوظيفة الاجتماعية يقول الكاتب: (وقد بيّن المحققون من الأصوليين طبيعة الحق الفردي في الفقه الإسلامي بأنه حق مشترك وليس فرديًا خالصًا، وذلك لأن الصالح العام مراعى في كل حق فردي).
ثمّ يأتي المؤلف على: الحكم الشرعي في حقوق الملكية الفكرية، فيخلص من استعراض الآراء المختلفة حول طبيعة حق المؤلف والمبتكر، فيرى في النتيجة: بأنه بالنسبة لتقسيم الحق إلى حق شخصي وحق عيني، فإن الحق الشخصي هو الحق الذي يقرره الشرع لشخص على آخر. وهكذا تحمي الشريعة الإسلامية كل أنواع الحقوق الدينية والمدنية الخاصة والعامة لحق المؤلف باحترام حقه وعدم الاعتداء عليه وبمعاقبة المعتدي.
أمّا أدلة مشروعية حقوق الملكية الفكرية في إطارها الإسلامي، فإن سندها واضح في قوله تعالى : ] ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا [، وقوله صلى الله عليه وسلم : "نضّر الله امرأً سمع منا شيئًا فبلغه كما سمعه، فرب مبلغ أوعى من سامع".
وتقوم فكرة : حقوق الملكية الفكرية في الميزان على (أن الناتج الذهني أو الإبداع الفكري هو نوع من أنواع الكسب البشري الذي يُجزى عليه الإنسان في الدنيا والآخرة وهو مما يدخل في معنى الملكية والملك بحسب الشرع الحكيم في قولـه صلى الله عليه وسلم: "إن خير ما اتخذ الإنسان عليه أجرًا تعليم آية من كتاب الله تعالى"، ثم إن الشارع الحكيم جعل تعليم المرأة شيئًا من كتاب الله تعالى مهرًا لنكاحها..".
وعن حماية الملكية الفكرية وضوابطها وشبهة الاحتكار. يرى الأستاذ سهيل نجيب أن هذه الحماية تقوم على ثوابت معينة في الآتي:
1 – الملك لله وحده وأن الناس ما هم إلا مستخلفون.
2 – حق الملكية يتصل بوجود الفرد وبكرامته من جهة وبناموس العمران من جهة أخرى.
3 – حق الناس والمحتاجين لهذه الملكية.
4 – لذا، رأت التشريعات المختلفة وضع قيود على هذه الحقوق.
تلك الضوابط والقيود التي تنادي بها الدول الإسلامية والدول النامية، هي مطلب مشروع لإبعاد شبح الاحتكار عن المنتج الفكري أو العلمي المخطوط والمجسد ؛ لأن احتكاره سيؤدي بلا ريب إلى منع فوائده ومنجزاته عن تلك الدول، ممّا يؤثر حتمًا على نموها وتقدمها ويزيدها فقرًا وجهلاً وتخلفًا.
وفي خضّم الجدل القانوني والإنساني حول تنظيم حقوق الملكية الفكرية، فمن الطبيعي أن ينقسم العالم بين التأييد والمعارضة تبعًا للمصالح الاقتصادية والسياسية لكل فريق، واعتبارات أخرى تختلف دوافعها من بلدٍ إلى آخر، ومن مجموعة إلى أخرى، ولكن الغلبة – طبعًا – لأنصار حماية الحقوق؛ لأنها الطرف الأقوى.
وقد أفرد المؤلف الفصل الثالث – والأخير – من مؤلفه لموضوع مهم يستكمل الإحاطة بجوانب البحث كافة، وعنونه بـ "القرصنة الدولية وحقوق الملكية الفكرية".
ويستهل الفصل الثالث بعملية القرصنة والتزوير، وأورد في هذا الباب إحصائيات رسمية حول بعض أرقام القرصنة التي تتعرض لها بعض الدول الغربية، والقراصنة – بطبية الحال – من الدول النامية العاجزة عن الابتكار، أو امتلاك مثل هذه البرامج، أو المخترعات نظرًا لتكاليفها الباهظة.
وفي الباب الثاني يشير الكاتب بعجالة مبررة إلى : هجرة العقول وشلل الصناعة في البلدان النامية، تلك الهجرة القديمة التي تعاني منها الدول النامية منذ وقت ليس بالقصير، ومازالت مستمرة في ظل العجز والتخلف الاقتصادي الذي تعانيه تلك الدول، وفشلها في القيام بأية محاولة جادة لوقف الهجرة. ويورد الكاتب في الباب الثالث نماذج من : الاتفاقيات الدولية غير المتوازنة، ورضوخ الدول النامية – في نهاية المطاف – إلى شروط الدول والشركات الكبرى.
أما المعايير المزدوجة، في الباب الرابع، فيقدمها المؤلف معززَة بالأمثلة كدليل على الانتقائية التي تمارسها الدول المتقدمة في منظمة التجارة العالمية وفقًا لحسابات المصالح، أو السياسات الغامضة.
وهناك حديث مقتضب عن (حيتان الثقافة)؛ والخوف القادم من الاحتكار الثقافي، وتداعياته المستقبلية على الدول النامية – خصوصًا - ، وسياسة الإقصاء، والمنافسة غير المشروعة بين حيتان الثقافة والبرامج أنفسهم.
وبنفس الاقتضاب، تحدّث الكاتب عن: الحماية الدولية كبدعة غربية، جاءت في بعض أهدافها لإبطاء عمليات التنمية في الدول الفقيرة، وذلك بهدف تركها تدور في فلك الغرب إلى وقت غير معلوم، وفي الجانب الآخر من البدعة وقف الخلافات المتصاعدة بين دول الغـرب نفسهـا من جراء السرقات المتكررة لحقوق الملكية الفكرية في دول الغرب، وقد نجحت إلى حدٍ كبير في إرساء قوانين الحماية بالالتزام، أو عن طريق إرهاب المصالح، والتلويح بنظام المنع والعقوبات؛ إلاَ أن الدول العربية والإسلامية مازالت تضغط لوضع مشروع قانون يأخذ في الحسبان ظروف هذه الدول السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وقد بحث الكاتب تفاصيل ذلك بعنوان : توصيات لا ينبغي  إغفالها.
ويعتبر الكتاب مرجعًا مهما لموضوع الملكية الفكرية للجوانب المتعدده التي تناولها، كما يحمد لمؤسسة اليمامة الصحفية جهدها في إصدار سلسلة كتاب الرياض الشهري وعرضها لهذا الكتاب بالتفصيل من ضمن إصداراتها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق