الاثنين، 14 نوفمبر، 2016

تغير الثقافات

تمتد الاستمرارية الثقافية من الجيل السابق إلى الجيل اللاحق حيث تورث المجتمعات لأفرادها القيم، المعايير، الرموز واللغة. تتميز المجتمعات التقليدية بالاستمرارية الثقافية المتشددة حيث تبقى القيم والمعايير ثابتة لا تتغير. لكن الثقافات البشرية لا تبقى ثابتة طول الوقت بل تتغير كما حدث أخيرًا على حياة المجتمع. فقد تغيرت حياة الإنسان تمامًا وانعكس ذلك على لباس الإنسان، أنواع الطعام، القيم والمؤسسات الاجتماعية. أحيانًا يحدث تغيير على أحد مركبات الثقافة أو قسم منها أو يحدث تغيير شامل في المجتمع.
يختلف التغيير من مجتمع لآخر، بعضها يكون مخططاً ومقصوداً وبعضها لم تخطر ببال من بدأها. مثلا تطور المدن وبناء البيوت متعددة الطوابق كان مخططًا ولكن سكن عشرات العائلات في هذه الطوابق خلق علاقات اجتماعية وواقعًا اجتماعيًا جديدًا لم يخطر على بال أحد. كما أن تطوير الحواسيب الشخصية أدى إلى تغييرات غير مخطط لها في مجالات عديدة.
تحدث بعض التغييرات بسبب الموضات العابرة مثل موضات الملابس والشعر ولا تنسب لها أهمية كبيرة نسبيًا. بالمقابل للتغييرات القيمية أهمية أكبر مثل اختراع الهواتف المحمولة أدى إلى تغييرات كبيرة في العلاقات بين الأفراد، واختراع التلفزيون أحدث تغييرًا في عادات قضاء أوقات الفراغ وهكذا بالنسبة لاختراع الطائرة أيضًا.
عالج موضوع التغيير الاجتماعي عالم الاجتماع ريمون ارون في كتابه "التقدم وخيبات الأمل فيه"، وسأل: هل التطور التكنولوجي والاقتصادي والثقافي يضمن التقدم وإيجابي؟ ما الذي ندفعه مقابل التقدم؟
توجد جماعات ترحب بالتغيير وأحيانًا تؤدي التغييرات إلى صراع وعدم ارتياح مما يجعل مجموعات أخرى تتحفظ منه. هل دخول التلفون إلى بيوتنا واستعمال التلفزيون والحاسوب أدى إلى تغيير إيجابي في حياتنا أم سلبي؟
1.   حدوث تحولات في المحيط الطبيعي: هذا سبب رئيسي مثل تحولات مناخية كالتغييرات في مصادر الطبيعة التي يعتمد عليها الاقتصاد وتحويل الأراضي من زراعية إلى بناء، وتغييرات ديموغرافية في حالات الولادة أو الوفاة. كل هذا يؤدي إلى تغيير ثقافي في القيم، المعايير، الرموز والمعتقدات ولا يستطيع المجتمع الاستمرار في تبني أنماط ثقافية كانت في الماضي.
تختلف المجتمعات عن بعضها من ناحية تعاملها ألقيمي مع الطبيعة. في المجتمع التقليدي يعتقدون بأن الطبيعة تتحكم بالإنسان، أما في المجتمع الحديث يعتقدون أن الإنسان قادر على التحكم بالطبيعة وإخضاعها لحاجاته. الزيادة السكانية تؤدي إلى زيادة الكثافة في المناطق السكنية وتغييرات على أسلوب الحياة. كما أن الهجرة تؤثر على الثقافة والمجتمع سواء على مجتمع المهاجرين أو المجتمع الذي يهاجرون إليه.
2.   الاحتكاك بين مجموعات من ثقافات مختلفة: ما يؤدي للاحتكاك بين الثقافات ويؤدي إلى التغيير الثقافي هو الحروب، الرحلات، النشاطات التجارية ووسائل الإعلام. تكون الاحتكاكات ودية وأحيانًا عدائية أو قسرية وأحيانًا اختيارية. مثال علاقات تجارية متبادلة أو احتلال وتحدث التغييرات أما في الثقافة السائدة أو في المجموعات الهامشية والأقليات. كثيرًا كان الاحتلال يمس بالمعتقدات والعادات عند المجموعة الواقعة تحت الاحتلال وأحيانًا كان التأثير متبادلا بين المجموعتين.
3.   الاكتشافات والاختراعات: هذا السبب قائم في الثقافة نفسها ويؤدي إلى ظهور مناهج ثقافية جديدة وبلورة معايير اجتماعية وأفكار جديدة مثل اختراع التلفزيون والطائرة وتطوير اقتصاد السوق والديمقراطية. قد تؤدي الاكتشافات والاختراعات إلى حدوث تغيير ثقافي في القيم، المعايير، المعتقدات ومركبات الثقافة الأخرى. استخدام الذرة والانترنت أدى إلى توجه جديد في الثقافة أما التطور البيوتكنولوجي أدى إلى تغيير في القيم ونقاش يدور حول التلقيح بالأنابيب وفندقة الأرحام.
تحليل عملية التغيير في الثقافة:
التغيير الذي يطرأ على أحد مركبات الثقافة يؤثر على التغييرات في مركبات أخرى للثقافة، مثل: التغيير في مكانة المرأة في المجتمع الغربي أدى إلى ارتفاع نسبة الطلاق، انخفاض نسبة الزواج، انخفاض عدد الأطفال في العائلة وتغيير في توزيع الأدوار في العائلة بين الزوج والزوجة. هذا الرباط بين مركبات الثقافة نسميه التكامل الثقافي.
أحيانا لا يمكن تلاؤم بين توقيت التغيير في احد المركبات الثقافية وتوقيت التغيير في مركب ثقافي آخر، يسمى هذا عدم ملائمة ثقافية أو عرقلة ثقافية. مثلاً يحدث تغيير تكنولوجي سريع في الثقافة المادية بسب تطور العلوم ولكن في الثقافة غير المادية كالقيم والمعايير والمعتقدات لا تتغير بنفس الوتيرة مثلاً التطور السريع في جهاز الالتراساوند الطبي والذي يكشف عاهات وأمراض عند الجنين في مراحل الحمل الأولى لم يغير من قيم ومعتقدات البعض من اجل الاستفادة منه.
يتحدث علماء الاجتماع عن خطورة انهيار المنظومة الثقافية المتوقع في أعقاب عدم الملائمة الثقافية أو العرقلة الثقافية.
التكيّف للتغيير الثقافي
يصعب أحيانا على أفراد المجتمع تقبل التغييرات الثقافية ويكون تقبل التغيير مرتبطاً بعدة عوامل:
1.       هل يعتبر أفراد المجتمع التغيير الثقافي عملياً ومفيداً بالنسبة لهم ؟
2.       هل يلائم التغيير الثقافي العادات، الأفكار والمعتقدات الشائعة في ثقافتهم ؟
3.       هل يرغب أفراد الثقافة بالتغيير أو يريدون المحافظة وعدم التغيير؟
قد يمس التغيير الاجتماعي بأصحاب السلطة التقليديين أو بالجماعات المالكة لزمام الأمور فيه، لذلك يؤدي إلى صراع اجتماعي، مثل الشبان الذين حصلوا على ثقافة وتمردوا على سلطة الأب والسلطة التقليدية في مجتمعنا العربي.
يقول ماركس أن التغيير الاجتماعي يحدث بسبب الصراع بين الطبقات الذي أساسه عدم المساواة الاجتماعية بين الطبقات. حسب المنهج الوظيفي فإن التغيير الاجتماعي يعتبر تكيفاً للتغييرات في المحيطين التكنولوجي والطبيعي أما ماكس ويبر يفسر كيف تؤثر الأفكار الجديدة على حدوث التغيير الاجتماعي.
 تأثيرات التغّير الثقافي
تاثيرات التغيير الثقافي تكون على مستوى الماكر والميكرو مثل تغير بعض المعايير الاجتماعية، تفقد بعض العقائد تأثيرها ويمكن أن يمر بعض أفراد المجتمع بأزمات شخصية.
بعد الثورة الصناعية حدثت عملية العصرنة في المجتمع الغربي التي أضعفت العلاقات الاجتماعية وعلاقات القرابة والانتماء، واخذ الفرد يتصرف بحرية ويؤمن بالتعددية وأهمية الوقت ويخطط للمستقبل. يتميز المجتمع الحديث بالتخصص في العمل ونشوء المنظمات البيروقراطية وتطورت مهن الياقة البيضاء، زادت نسبة المتعلمين وتقلصت نسبة الولادة.
حدثت عدة تحولات ثقافية على حياة الإنسان العصري أهمها:
1.       ضعفت قيم كانت مقدسة في الماضي وحلت مكانها قيم جديدة ذات صبغة علمانية.
2.       اهتمام أكثر بقيمة الوقت والتفكير نحو المستقبل.
3.       تغير معنى المعايير الأخلاقية واصبح تسامحاً مع المنحرف عن المعايير.
4.       تطور سريع في التكنولوجيا والثقافة المادية وتطور وسائل اتصال حديثة.
كلما زاد التغيير الثقافي زادت صعوبة التكيف معه لذلك تواجه المجتمعات التقليدية صعوبة في قبول التغييرات والتكيف لها فإذا تقبلت التطور التكنولوجي يصعب عليها تغيير قيمها ومعتقداتها.
أحيانا يرفض المجتمع ويتخوف من التغيير الثقافي الذي يتعارض مع قيمة الأساسية وأحيانا يتبنى جزءاً من مركبات التغيير ويرفض مركبات أخرى "مركبات انتقائية".
·       قد يحدث تجدد ثقافي مع تبني التغيير بكامله أو انهيار ثقافي في مواجهة التغيير


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق