السبت، 19 نوفمبر، 2016

مفتاح الحضارة هو العلم

مفتاح الحضارة هو العلم بمعناه الشامل ، وأن مفتاح التمكين من الأرض والكون ، هو قراءة هذا الكون وما فيه قراءة متأنية للوصول إلى التركيب بين المكونات ، وتحقيق الغايات.
  لذلك فأمتنا مطالبة بوضع استراتيجية هادئة هادفة كاملة شاملة للخروج من مستنقع الأمية ، وعار الجهل ، ومأساة التخلف ، يمكن أن نذكر معالمها المتمثلة فيما يأتي :

1-  العناية القصوى بالإنسان وكرامته وحقوقه ، وتربيته على القيم السامية والأخلاق الفاضلة ، والصلاح والرحمة ، وحب الوطن والإنسان والقيم الحضارية الإنسانية لتحقيق الأمة الواحدة ، إن لم تكن في جميع المجالات فلا بدّ أن تتحقق الوحدة ، أو التكامل والتعاون البناء في مجالات الاقتصاد ، والعلوم والتقنيات والمواصلات والأسواق الاقتصادية ونحوها .
2-  الخروج من الشعارات والرغبات إلى الخطط والبرامج التي تستجيب لحاجيات الأمة تحفظ لها أصالتها وثوابتها ، وتحقق لها التقدم والمعاصرة ، وتنهض بها في مختلف المجالات ، وتقوم على أساس اكساب العلوم والمهارات ، والخروج من التقليد والجمود إلى الابداع والتجديد ، وذلك بوضع الخطط المرحلية والاستراتيجية لمستقبل الأمة والنهوض بها.
3-  العناية القصوى بالعلم النافع وهو العلم المطبق ـ كما أمرنا بذلك الاسلام ـ وأن نطبق على أنفسنا في هذا المال المبدأ الاسلامي القائم على البحث عن أحسن المجالات العلمية ، وأحسن العلوم والنظريات والآليات والأساليب ، والطرق والسيناريوهات ، فإن الله تعالى أمرنا بالأحسن في القول والفعل وفي العلم في آيات كثيرة ، وامرنا حتى في القرآن بأن نرتقي فقال صلى الله عليه وسلم : ( اقرأ وارتق )[1] .
4-  الاهتمام بالجامعات ، والمعاهد والمدارس ووضع البرامج الجادة ، والمناهج العلمية القادرة على التعليم والتحليل والتفكير والابداع بدل التلقين والحفظ المجرد والحشو والتقليد .
5-  وضع ميزانيات سخية للمراكز العلمية ، والعناية بها عناية قصوى ، فالتنمية الحقيقية تبدأ منها ، والعناية بالبحوث العلمية الجادة ، والابداع ، ووضع حوافز للموهوبين والمبدعين ورعايتهم رعاية كبيرة ،وتوفير جميع حاجاتهم من الأجهزة والمواد ، ووسائل البحث العلمي الموصلة للابداع في مختلف مجالات الحياة .
6-  الاعتماد على الذات مع الاستفادة من الغير ، فالحكمة ضالة المؤمن فهو أحق بها أن وجدها .
7-  تسليم المراكز القيادية لأهل الاختصاص على أساس الكفاءة وليس على أساس الولاء الشخصي .
8-  وضع اللوائح والقوانين المنظمة لأمور التعليم والابداع بشكل يقطع النزاع والصراع.
علماً بأن الأمة الاسلامية لو توافرت الادارة السياسية من حكامها لاستطاعت أن تصل في زمن محدد إلى تحقيق غاياتها ، وذلك لأن جميع مقومات النجاح ( الدينية ، والبشرية ، والجغرافية ، والاقتصادية ، والاجتماعية ، .... ) متوافرة .
9-  ان أمتنا الاسلامية لديها  الامكانيات الجيدة ، ولكنها لا تبذل ما هو المطلوب للنهوض بالأمة من خلال بذل الغالي والنفيس في سبيل النهضة العلمية التي تتطلب ميزانيات ضخمة كما فعلت الدول المتقدمة وتفعله حيث تخصص نسباً عالية قد تزيد على 21% للبحث العلمي فقط في حين أن معظم دولنا تصرف على السلاح والحروب ما بين 30% – 75% من الدخل القومي ، ولا تخصص للبحث العلمي والنهضة العلمية إلاّ في حدود 0.5% إلى 1.5% فكيف ننهض ؟
10-                    وأخيراً فإن أمتنا لن يستطيع جزء منها أو بلد واحد أن يحقق النهضة العلمية الشاملة إلاّ إذا اتحد معه بقية الأجزاء ، فهي حقاً كجسد واحد ، ولذلك لا بدّ أن تكون خطط الدولة الاقليمية ضمن الخطة الشاملة ، ولن يتحقق ذلك إلاّ إذا عادت جميعاً إلى أخوتها الايمانية ، وإحساسها بجسد واحد ، وهذا يتطلب اصلاح النظام السياسي مع النظام التعليمي ، والسعي الحثيث معاً للتعاون والتكامل للوصول إلى الوحدة (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ )[2] .

أين الخلل :
 ونحن نتحدث هنا عن ثلاثة أمراض تعتبر من أشد الأمراض فتكاً ، فشت في أمتنا الإسلامية ، ولنا الحق أن نتساءل : لماذا ؟ هل هي بسبب قلة الموارد البشرية ، أو المالية؟
الجواب القطعي هو النفي ، فنحن نملك موارد بشرية مختلفة التخصصات والقدرات تصل إلى أكثر من خمس العالم ( مليار ونصف ) موزعين في عالم واسع ولدينا من الموارد المالية من الطاقة ( البترول ، والغاز ) والمعادن وغيرهما من المواد الخام ما يجعل العالم الإسلامي من أفضل المناطق في العالم ثراء وقدرة ، وأما الموقع الجغرافي له فهو أفضل المواقع استراتيجية وتنوعاً وثراءً .
  إذن القضية ليست قضية الموارد المالية والبشرية ، وإنما قضية التنظيم والإدارة ، والمناهج التعليمية والفساد الشامل الذي نخر في جسم هذا العالم فأضعفه ، فخارت قواه .
  ومن جانب آخر فإن مدارسنا وجامعاتنا ظلت تعمل منذ أكثر من مائة سنة في عالمنا حسب الأساليب المطبقة ، ولكنها مع ذلك لم تحقق الغرض المنشود ، بل عجزت في تحقيق الأهداف المنشودة ، بل فشلت في المساهمة الفعالة إنشاء جيل الإبداع والمبدعين ، إلاّ من رحم ربي .
 لذلك فإعادة النظر في مناهج المدارس من الروضة إلى الثانوية العامة أو الاعدادية ، والجامعات ضرورة تقتضيها الضرورة ، وذلك لأن التنمية البشرية ضرورة فعلية لهذه الأمة ، يفرضها الواقع ، والمستقبل ، وبقاؤها وكرامتها ، وهي فريضة شرعية تدل عليها الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة .
  وهذه التنمية الشاملة تعتمد على عنصرين مهمين هما : الاخلاص من خلال التربية ، والقضاء على الفساد بجميع صوره ، والاختصاص الذي يتحقق بالعلم ، ومن هنا فإصلاح النظام السياسي ، والنظام التعليمي والتربوي من ضروريات التنمية الشاملة ، ولذلك نرى الربط الأساس في وظيفة الرسول صلى الله عليه وسلم بين التعليم والتزكية فقال تعالى : (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْآيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوامِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ)[3] فالتعليم شمل التلاوة وتعليم الكتاب ، والحكمة ، أي التجارب والأفكار الحكيمة النافعة ، والتزكية شملت تطهير النفس والروح والداخل من كل ما هو فساد على مستوى الأفراد والدولة ، وحقاً فهما السبيل الوحيد للتنمية والسعادة .

 ونحن في هذا الفصل تحدثنا ، ونتحدث عن أسباب هذا الخلل ، وسبل علاجه من صيدلية الإسلام مستفيدين كذلك من جميع الأقوال الحكيمة والتجارب الناجحة ، والنظريات والأفكار النيرة ، والنماذج الرائدة .

فالانسان يتعلم القراءة والكتابة ، ثم يتعلم أكثر ليعرف حقائق الأِشياء ومآلاتها ثم يسعى جاهداً لتعلم الصناعات المتوافرة ، والتقنيات المؤثرة والتكنولوجيا المعاصرة ، فإذا سار على هذا المنهج فقد تحضر واستطاع أن يتمكن من الأرض أو الكون المسخر له ، لأن من شروط التسخير التمكين ، وأن مفتاح التمكين هو العلم ـ كما سبق ـ .
  ومع الأسف الشديد فإن أمتنا الاسلامية لا تعاني من الجهل والتخلف فقط ، بل تعاني من الأمية العادية أيضاً أي عدم القراءة والكتابة في القرن الخامس عشر الهجري والقرن الحادي والعشرين الميلادي في الوقت الذي وصل العالم الغربي إلى القضاء على الأمية بالكامل ، بل هم اليوم يتجهون نحو تغيير معنى الأمية بجعلها شاملة لمن لا يستطيع التعامل مع آليات العصر ووسائل الاتصال الحديثة من الحاسوب وشبكة الانترنيت ونحوهما .
  وتدل الاحصائيات أن نسبة الأمية في أمة " اقرأ " كبيرة جداً ، بل إنها ـ كما يقول الدكتور التويجري ـ لم تنخفض بل بدأت تزداد في عالمنا الاسلامي بسبب الحروب والكوارث والفقر والمجاعة ، حيث يقول : ( إن مرصد الاسيسكو لمحو الأمية سجل زيادة في نسب الأمية في بعض البلدان الاسلامية ، مما يشكل ايذاناً باستفحال الأمور )[4] وهذا الايذان بخطر الأمية في عالمنا صدر من منظمة اليونسيف ، والأمم المتحدة أيضاً ، حيث طالبت هذه المنظمات بضرورة القيام بتحركات فورية لتلبية احتياجات أكثر من 600 مليون طفل مسلم يعانون من الفقر والمرض وبالتالي عدم التعليم[5] ، ويقول الأمين العام لمنظمة المؤتمر الاسلامي : إن 11-16 دولة اسلامية توجد فيها أعلى معدلات لوفيات الأطفال في العالم حيث يموت 4.300.0000 طفل من  دول المنظمة دون سن الخامسة ، وبسبب سوء التغذية يتوفى أكثر من 60% منه قبل العام الأول ، وأن أكثر من 40% من الأطفال في 17 دولة اسلامية لا يلتحقون بالمدارس أصلاً ، وأن نسبة الأمية تصل بين النساء في مجموعة من البلدان الاسلامية أكثر من 70% ، وأن ثلث أطفال المنظمة ـ ما عدا دول الخليج العربي ـ يعاني من سوء التغذية ، وأن نسبة منهم تعاني من الايدز[6] .
  وتشير احصائيات البنك الدولي ، وصندوق الأمم المتحدة للتنمية البشرية إلى أن الأمة الاسلامية هي أكثر الأمم تخلفاً في التعليم ، حيث إن نسبة الأمية ـ بمعنى القراءة والكتابة ـ هي في حدود 50% ولكن الأمية ـ بمعنى عدم إكمال الدراسة والتعليم ـ هي 90% ، وأن نصف سكان العالم الاسلامي لا يزيد معدل دخل الفرد عن مائتي دولار ـ باستثناء الخليج العربي ـ وأرجع الدكتور كينت ديفيد ذلك إلى الانفاق العسكري ، والحروب ، وإلى قلة العاملين المسلمين في مجال الصناعات أي قلة المصانع المنتجة ، إضافة إلى تزايد عدد السكان بشكل عشوائي[7] .
   وذكرت احصائيات صندوق التنمية البشرية للأمم المتحدة أنه ينشر في المجلات العلمية العالمية المحكمة سنوياً 260.000 مقالة علمية ، وأن نسبة العالم الاسلامي منها هي 1%[8].
 وفي العالم العربي الذي هو جزء مهم من العالم الإسلامي يوجد 100 مليون أميّ بينهم 60% من النساء ، وان حجم الاستثمار في الاختراعات العلمية 0.14% من الناتج المحلي ، بينما تصل في اليابان إلى 2.9% وأن الاحتراعات المسجلة في العالم العربي كله 400 اختراع في حين وصلت في أمريكا 134000 اختراع[9] .
  ولا شك أن هذا الوضع المأساوي للعالم الاسلامي حيال الجهل والأمية والتخلف والفقر تعود أسبابه إلى الحروب الداخلية والخارجية ، والانفاق العسكري ، وإلى التفرق والتمزق ، وعدم التعاون والتكامل ، وإلى السياسات الخاطئة القائمة على الكبت ، والاستبداد والدكتاتورية ..... .
  ولكن أياً كانت الأسباب فإننا أمام كارثة خطيرة تحتاج إلى تكثيف الجهود ، وتوحيد الصفوف ، وبذل كل المجهود للوصول إلى محو الأمية العادية تماماً ، والقضاء على الجهل بحقائق الأمور ، ورفع التخلف عن أمتنا ، للوصول إلى أمة قارئة للكتاب المسطور ، والكتاب المفتوح ( الكون كله ) وقادرة على التعامل مع الحقائق الكونية ، والطبيعة لاستخراج خيراتها وبركاتها .
  كم يتألم المسلم أن أمة " اقرأ " لا تقرأ ، وأن أمة يكون أول آية من دستورها هو الأمر بالقراءة والتعلم ومع ذلك تصبح جاهلة ولا تتعلم في القرن الحادي والعشرين ، وتبقى في سلّم آخر الأمم في العلم والقراءة !!! .
   ان أمتنا الاسلامية اليوم تحتاج إلى نهضة علمية شاملة تتجاوز فيها الأمية بالكامل ، والجهل ، والتخلف للوصول إلى أمة تقرأ ، وتقدر على التعامل مع التقنيات والعلوم المعاصرة ، بل تبدع ليكون لها اللحاق أولاً بالحضارة ، ثم لتتسابق وتتسارع حتى تسبق غيرها ، فيكون لها الشهود والحضور والتمكين حينئذ .
  إن







([1]) رواه الترمذي الحديث 2915 وقال : حديث حسن صحيح ، وأبو داود الحديث 1664 ، وأحمد 2/192 وابن ماجه الحديث 3780
([2])  سورة  الأنبياء / الآية 21 
([3]) سورة الجمعة / الآية 2
([4]) موقع اليونسيف ، واسيسكو ، والأمم المتحدة على شبكة الانترنيت
([5])  جريدة الوطن السعودية  في عددها 21/9/2005 ، وموقعها على شبكة الانترنيت ، والمنشور فيه التقرير
([6])  مواقع منظمة المؤتمر الاسلامي ، على شبكة الانترنيت
([7]) موقع الأمم المتحدة على شبكة الانترنيت
([8]) المصدر السابق
([9]) جريدة الشرق القطرية العدد7899 في 31 يناير2010 ص34 نقلاً عن أوراق مؤتمر تمكين الأسرة الذي عقد بالدوحة وانتهت أعماله في 30 يناير2010م

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق