الأربعاء، 26 أكتوبر، 2016

بحث موضوع النظام الاقتصادي الرأسمالي

النظام الاقتصادي الرأسمالي

أ- تعريفه : ـ
يعرف النظام الاقتصادي الرأسمالي بتعريفات كثيرة وذلك لتعدد خصائصه ومؤسساته. وقد اخترنا تعريفاً لأحد الباحثين لعله أفضلها وأدقها، حيث عرفه بأنه: "النظام الاقتصادي الذي يمتلك فيه الأفراد آحاداً أو جماعات الموارد الإنتاجية ملكية خاصة، كما أن لهم الحق في استخدم مواردهم بأية طريقة يرونها مناسبة"[1]، وفي هذا التعريف نجد الباحث استخدم تعبير "الموارد الإنتاجية" بدلاً من رأس المال وذلك لشموليته، فالموارد الإنتاجية تشمل كل ما ينتجه الإنسان من أدوات ومعدات ومبان استثمارية، كما تشمل كل ما هو موجود في الطبيعة من أراض ومعادن وغيرها. كما أنه من خلال هذا التعريف نستشف أن الملكية الخاصة والحرية في النشاط الاقتصادي من أهم أسس النظام الرأسمالي[2].

ب- نشأته: ـ
يكشف التطور التاريخي للنظام الرأسمالي بأنه من أقدم النظم الاقتصادية الوضعية ظهوراً، وقد مر بمراحل متعددة، يمكننا أن نبرزها في النقاط التالية:

مرحلة الرأسمالية التجارية:
يمثل المذهب التجاري أو الرأسمالية التجارية البداية المبكرة للرأسمالية في المجتمع الأوروبي، وقد ظهرت الرأسمالية التجارية من بداية القرن السادس عشر وامتدت حتى منتصف القرن الثامن عشر الميلادي. وقد ساعد على ظهورها عدة عوامل داخلية وخارجية، يمكننا أن نجملها في النقاط التالية[3]:
(1) انهيار النظام الإقطاعي*، بسب هروب رقيق الأرض من الريف الزراعي إلى المدن، لأنهم لم يستطيعوا تحمل الطلبات المتزايدة من قبل أسياد الإقطاع، والتي كانت تستنفذ كل منتجاتهم ومجهوداتهم.
(2) الاكتشافات الجغرافية الكبرى والمتمثلة في:
(أ)   اكتشاف القارة الأمريكية سنة (1493م) وما أسفر عنه ذلك من اكتشاف مناجم الذهب الغنية هناك، حتى أصبح تدفق المعدن النفيس منها إلى المجتمع الأوروبي عاملاً مهماً في اتساع دائرة التبادل النقدي في المجتمعات الإقطاعية في أوروبا، الأمر الذي أثر سلباً على الاقتصاد الإقطاعي، لأنه اقتصاد عيني تحصل فيه المبادلات بصورة عينية، حيث أصبح التجار يستخدمون العمال في نظير أجور نقدية، كما أصبح أسياد الإقطاع أنفسهم يشترون من التجار السلع ويدفعون ثمناً نقداً، ويبيعون مالهم من حقوق إقطاعية عينية في نظير مبالغ نقدية، بشكل تحطمت معه رابطة التبعية، وما تفرضه من التزامات مالية، وتحطم معها نظام رقيق الأرض، الذي هو أساس النظام الإقطاعي[4].
(ب) اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح إلى الهند والشرق الأقصى (1498م) وما أسفر عنه ذلك من فتح الطريق بحراً نحو تلك الدول، ومن ثم فتح آفاق جديدة للتجارة الخارجية التي كانت كاسدة منذ قرون، الأمر الذي زاد من ثراء طبقة التجار الرأسماليين.
(3) الاحتكاك بالحضارة الإسلامية أثناء الحملات الصليبية، حيث يكاد يجمع المؤرخون على أن الحروب الصليبية كان لها أكبر الأثر في التطور الأوروبي، أنها أتاحت الفرصة أمام الدول الأوروبية لمعرفة ثروات العالم الإسلامي، وإمكاناته الاقتصادية، ومن ثم كان انتهاء هذه الحروب إيذاناً بقيام صلات تجارية وفتح منافذ تصديرية بينها وبين العالم الإسلامي.

وهكذا شهدت أوربا في هذه المرحلة فجراً لعهد اقتصادي جديد يختلف اختلافاً جذرياً عما عرف في ظل النظام الإقطاعي، وقد ساد الاعتقاد في هذه الفترة بأن قوة الدول تكمن في مقدار ما تملكه من الذهب وغيره من المعادن النفيسة، ولهذا اهتم التجاريون اهتماماً خاصاً بالتجارة الخارجية، حتى أصبحت حجر الزاوية في النظام الرأسمالي الجديد، ولذلك سميت الرأسمالية في هذه الفترة بالرأسمالية التجارية، ومن ثم أكدوا على ضرورة تدخل الدولة في التجارة الخارجية، بغية تحقيق فائض في ميزانها التجاري، وانتهجوا سياسة الانفتاح من جانب واحد، وتمثلت في تشجيع الصادرات، حتى يرد الذهب والفضة من الخارج، وتقييد الواردات، لكي لا تتدفق هذه المعادن إلى الخارج. وهي السياسة التي تسمى بلغة الاقتصاد المعاصر بسياسة إفقار الجار.
مرحلة الرأسمالية الصناعية:ـ
كما أتضح من الصفحات السابقة فقد تطور الاقتصاد الأوروبي من مرحلة الاقتصاد الإقطاعي إلى مرحلة الرأسمالية التجارية، ولكن الرأسمالية لم تقف عند هذا الحد بل تطورت ونمت، حتى وصلت في القرن الثامن عشر إلى الرأسمالية الصناعية، نتيجة الثورة الصناعية، التي ظهرت في منتصف هذا القرن، والتي أدت إلى التعجيل بنهاية الرأسمالية التجارية من جهة، وإلى تغيير وتطور الفن الإنتاجي من جهة أخرى حتى أصبح هناك زيادة هائلة في ميادين الإنتاج المختلفة، نتيجة إحلال الآلات الصناعية محل العدد اليدوية والأدوات البسيطة التي كانت مستخدمة من قبل في الإنتاج، الأمر الذي جعل قطاع الصناعة نتيجة هذا التطور في الفن الإنتاجي مغرياً للاستثمارات، حيث جذب الكثير من رؤوس الأموال إليها، ولهذا سميت الرأسمالية في هذه الفترة ـ والتي مازالت قائمة ـ باسم الرأسمالية الصناعية[5].

وقد اعتمد النظام الرأسمالي في هذه الفترة ـ الرأسمالية الصناعية ـ على الحرية الاقتصادية التي نادى بها آدم سميث، الذي ظهرت أفكاره وسط هذا التطور، حيث دعا إلى إلغاء كافة القيود التي كانت تفرض على التجارة الداخلية والخارجية، وعدم تدخل الدولة في الحياة الاقتصادية، كما كان الأمر في ظل الرأسمالية التجارية، إلا بما يكفل الأمن والعدالة وحماية الملكية الفردية[6]، غير أن هذا النظام الرأسمالي الذي يعتمد على الحرية الاقتصادية المطلقة وبشكله الكلاسيكي القديم لم يعمر طويلاً في الدول الرائدة في النظام الرأسمالي في ذلك الوقت، كبريطانيا وأمريكا ـ فلم يعمر في بريطانيا على سبيل المثال لأكثر من نصف قرن وهو النصف الأخير من القرن الثامن عشر الميلادي ـ وإنما أدخل عليه بعض التعديلات والتدخلات الحكومية لمعالجة مساوئه، إذ كانت الدول الرأسمالية تفرض الرسوم الجمركية، وتمنح الإعانات والدعم لبعض القطاعات الاقتصادية، كما كانت تحدد أسعار بعض النشاطات الاقتصادية ذات النفع العام كالكهرباء والماء والغاز. كما أنها مازالت تستخدم السياسة النقدية والمالية، كأداة من أدوات التدخل الاقتصادي، وذلك للحيلولة دون حدوث أزمات اقتصادية معينة، إذ إنها في خلال فترات الكساد الاقتصادي وتفشي البطالة تسارع إلى خفض سعر الفائدة، بالقدر الذي يؤدي إلى زيادة حجم الاستثمار، وإلى زيادة الإنفاق العام، ومنح المساعدات المالية، والتوسع في المشروعات العامة، بشكل يسهم في النهاية في زيادة القوة الشرائية في المجتمع، فتنشط حركة الاقتصاد ويرتفع مستوى الطلب الفعلي، بينما في حالة فترات الرواج الاقتصادي وظهور بوادر التضخم تسارع إلى كبح جماح التضخم عن طريق رفع سعر الفائدة، والحد من إنفاقها العام[7].

وبهذا التدخل من قبل الدولة الرأسمالية انتهت مرحلة الحرية التجارية المطلقة، ودخل النظام الرأسمالي في مرحلة أصبح فيها التدخل الاقتصادي أمراً مقبولاً في الدول الرأسمالية، بالرغم من أنه كان مرفوضاً في الأصل من قبل المنظرين لهذا النظام، خاصة آدم سميث وتلاميذه، إلا أنه ينبغي التنبيه إلى أن هذا التدخل لا يصل إلى درجة القضاء على جوهر النظام الرأسمالي، وإنما لم يعد بهذا التدخل يحتفظ بشكله الكلاسيكي القديم المفرط في الحرية الاقتصادية المطلقة.


([1] )       النظم الاقتصادية المعاصرة، د. محمد حامد، ص16.
([2] )       المرجع نفسه، ص 17.
([3] )      د. حسين عمر، تطور الفكر الاقتصادي، ص149.
 د. النجار، تاريخ الفكر الاقتصادي، ص26.
*           الذي كان سائداً في المجتمع الأوروبي إبان فترة العصور الوسطى وهي الفترة التي استغرقت نحو عشرة قرون متتالية تبدأ من سقوط الإمبراطورية الرومانية في القرن الخامس الميلادي إلى فتح القسطنطينية في منتصف القرن الخامس عشر وهي فترة ساد فيها الجهل والتخلف المجتمع الأوروبي.  انظر: د. صلاح الدين نامق، النظم الاقتصادية المعاصرة، ص52، د. سعيد النجار تاريخ الفكر الاقتصادي، ص17.
([4] )        د. لبيب شقير، تاريخ الفكر الاقتصادي، ، ص67.
([5] )       د. لبيب شقير تاريخ الفكر الاقتصادي، ص 56.
([6] )       د. محمد حامد عبدالله، النظم الاقتصادية المعاصرة، مرجع سابق، ص18.
([7] )       د. محمد النشار، النظم الاقتصادية، ص59.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق