الخميس، 27 أكتوبر، 2016

المعاملات المصرفية

المعاملات المصرفية

البنوك تقوم على عملين إجمالاً، أحدهما: الاقتراض، إذ يقترض البنك من الجمهور من خلال ما يسمى بقبول الودائع، وفي هذه المعاملة يكون البنك مقترضاً، ويفترق البنك التجاري عن الإسلامي في هذا من جهة أن البنك التجاري يدفع فائدة مقابل هذه القروض، بخلاف البنك الإسلامي.

وثانيهما: الإقراض بفائدة، حيث إن البنك يقرض هذه الأموال المجتمعة لديه من الجمهور، مقابل فائدة، وذلك ما يسمى بـ"الائتمان" أو "التمويل"، وهو أساس عمل البنوك التجارية، وقد يقرضها بإعادة إيداعها لدى البنوك الكبرى.

والبنوك الإسلامية أساس عملها التمويل أيضاً الذي يقوم على ودائع الجمهور، لكن التمويل لدى البنوك الإسلامية، لا يكون بالقرض بفائدة، بل بالبيع، أو المشاركة، ونحو ذلك.

ومن نظر آخر تنقسم أعمال البنوك إلى قسمين: "تمويل"، و"خدمات".
أما أعمال الائتمان "التمويل"، فهي ما يكون فيها البنك ممولاً "مقرضاً".
وأما أعمال الخدمات فغايتها التسويق للعمل الأساسي للبنوك "التمويل"، فتكون تلك الخدمات التي يقدمها البنك للأفراد والمؤسسات طريقاً، ومدخلاً إلى تمويلها، ومن تلك الخدمات: "بطاقة الائتمان"، "الاعتماد المستندي"، وغيرها، وفيما يلي بيان لأهم المعاملات المصرفية:

أولاً: الوديعة المصرفية([1])
وهي معاملة تقوم عليها البنوك تجاريةً كانت، أو إسلامية، طرفاها: البنك، والعميل، وفيها يقوم البنك بتقبل ما يقدمه العملاء باسم الوديعة، وسنتكلم عليها من خلال العناصر الآتية:

(أ)  تعريفها:
        وقد عرفت الوديعة المصرفية بأنها:  (النقود التي يعهد بها الأفراد، أو الهيئات إلى البنك، على أن يتعهد الأخير بردها، أو برد مبلغٍ مساوٍ لها إلى المودِع، أو إلى شخصٍ آخر معين، لدى الطلب، أو بالشروط المتفق عليها)([2]).

(ب) أقسامها: وتنقسم الوديعة المصرفية إلى قسمين:
الأول:         وديعة جارية "تحت الطلب"، وفيها يمتلك البنك المبالغ المودعة، ويكون للمودع أن يطلب استردادها في أي وقت، ولا يأخذ صاحبها عوضاً "فائدة" من البنك مقابلها([3]).
الثاني:         وديعة لأجل، وهذه يجرى اتفاقٌ بين البنك، وصاحبها بأن لا يستردها، أو شيئاً منها إلا بعد أجلٍ معين، ومقابل ذلك يعطي البنك صاحبها عوضاً "فائدة" يناسب أجلها([4]).

ج - تخريجها "تكييفها": الوديعة المصرفية بنوعيها تتميز بالآتي: 
(1) أن المصرف يمتلكها.          
(2) ثم إنه تبعاً لذلك يتصرف فيها.
(3) ثم إنه تبعاً لذلك يضمن رد مثلها لصاحبها بكل حال.
وهذه الخصائص لا تكون للوديعة، لكنها من خصائص القرض، وعليه: فإن الوديعة المصرفية قرضٌ في حقيقتها، وإن سميت وديعة.

د- حكمها: وإذْ كانت الوديعة المصرفية قرضاً في حقيقتها، فإنها تكون رباً عند أخذ فائدة عليها، ومعلوم أن الربا حرامٌ، من كبائر الذنوب.

ثانياً: القرض بفائدة([5]): والقرض بفائدة مشروطة في أصل العقد من أعمال البنوك التجارية، بل هو أساس عملها، وسنتكلم عليه من خلال ما يلي:-
أ-      صورته: وصورته: أن البنك وهو المقرض يتفق مع شخص هو المقترض، على أن يقرضه البنك مائة ألف ريال مثلاً إلى أجل معين، وليكن سنة، بفائدة معينة، مقابل هذا الأجل، حسب سعر الفائدة السائد وقت العقد.
ب-    أقسامه: ينقسم القرض باعتبار الفائدة إلى قسمين، هما قسما الفائدة، وهما:
·                  الفائدة المشروطة في أصل عقد القرض لقاء الأجل المحدد
للوفاء به. 
·                   الفائدة التي تستحق لاحقاً لقاء تأخير الوفاء عن أجله المحدد.

وباعتبار طرقه ينقسم القرض إلى قسمين :
·                   القرض المباشر، وفيه يدخل البنك مع العميل في عقد القرض مباشرة .

·                   القرض غير المباشر، وفيه لا يدخل البنك مع العميل في عقد القرض مباشرة، بل يكون ذلك بعد دخوله في معاملة أو تعهد سابق عليه، يكون طريقاً إليه، مثل: "الاعتماد البسيط" ، و "الاعتماد المستندي"، و"بطاقة الائتمان"، وغيرها من أعمال الخدمات التي غايتها التسويق للائتمان، ولا يكون البنك مقرضاً بمجرد هذه الخدمات، وإنما يكون مقرضاً للعميل بإبرام عقد القرض .

جـ-    تخريجه: والقرض بفائدة ليس قرضاً في حقيقته، لكنه ربا، فإن القرض الشرعي يعرف بأنه: (دفع مال إلى الغير، لينتفع به، ويرد بدله)(1) ويشترط في البدل المماثلة، فإن الزيادة المشروطة في القرض رباً بالإجماع(2) فإذا لم يرد مثله، بل أكثر منه لم يكن قرضاً، وصار بهذه الزيادة ربا، سواءً أكانت الزيادة مشروطة في أصل العقد، أم اشترطت عند حلول الأجل، وعجز المدين .

د- حكمه: وإذْ كان ربا، فإنه محرم، لأن الربا من كبائر الذنوب.

ثالثاً:   الاعتماد البسيط: وهو: (عقد يلتزم البنك بمقتضاه أن يضع تحت تصرف عميله مبلغاً معيناً من النقود، أو أي أداة من أدوات الائتمان، ويكون للعميل حق الاستفادة من ذلك دفعة واحدة، أو على دفعات معينة)(3) .
ولا يكون العميل مديناً للبنك بمجرد هذا العقد، لكن بعد حصوله على القرض.
رابعاً: الاعتماد المستندي(4): وهو: (تعهد صادر من البنك بالدفع عن العميل لصالح طرف ثالث، بشروط معينة، مبينة في التعهد).

وهذه المعاملة يحتاج إليها في التجارة الدولية، إذ يكون البنك وسيطاً بين المصدِّر في بلد أجنبي، والمستورد في بلد البنك، ويكون دفع البنك للمصدِّر مشروطاً بتسليم مستندات البضاعة إلى البنك.

ولا يكون البنك مقرضاً للعميل بمجرد هذا التعهد، لكن بدفعه المبلغ للمصدر .

والبنك الإسلامي لا يمول العميل من خلال الاعتماد المستندي على وجه القرض بفائدة، بل على وجه المشاركة، أو نحوها من العقود المشروعة.

خامساً: بطاقة الائتمان(1): وهي من الأعمال التي ابتكرتها البنوك التجارية، وتمارسها البنوك الإسلامية أيضاً، على نحو يوافق منهجها، وسنتكلم عليها من خلال الآتي:                              
أ-      تعريفها: وهي: (مستند يعطيه مصدره لشخص طبيعي، أو اعتباري، بناء على عقد بينهما، يمكنه من سحب النقود، وشراء السلع، والخدمات، ممن يعتمد المستند، دون دفع الثمن حالاً، لتضمنه التزام المصدر بالدفع).(2)

ب- فائدتها لحاملها "العميل":
1-          أنه يستحق بموجبها قرضاً من البنك إما على هيئة الوفاء بما عليه من حقوق "ديون" ناتجة عن تعاملة بهذه البطاقة، أو على هيئة نقد يحصل عليه العميل في حال سحبه على المكشوف بواسطتها.
      وهذا القرض لا تحتسب البنوك عليه فوائد إذا وفاه العميل خلال المهلة المتفق عليها في العقد وهي تختلف مدتها باختلاف البنوك، وباختلاف البطاقات، لكنها ما بين 25-55 يوماً.
      فإن تجاوز العميل هذه المهلة دون وفاء احتسب البنك عليه فائدة.
2-          وهناك فوائد أخرى لبطاقة الائتمان تشترك معها فيها في بطاقة الصرف الآلي، ومنها:
·                   سهولة التعامل بها، والاستغناء بها عن حمل النقود.
·                   إمكان السحب النقدي بها، وهذه الخدمة تكلف عن طريق بطاقة  الائتمان أضعاف ما تكلفه عن طريق بطاقة الصرف الآلي.
·                   إمكان تسديد الفواتير بها.

جـ- فائدتها للمصرف "البنك": ويستفيد منها المصرف "مصدرها" فوائد منها:
1.           توظيف المصرف أمواله من خلالها بالائتمان.
2.           كسب عدد كبير من العملاء حاملي بطاقته الصادرة عنه.
3.           فتح المتعاملين بها –إن كانوا حامليها، أو التجار الذين يقبلون التعامل بها- حساباً جارياً لدى المصرف "مصدرها" لتسوية ما يتم بواسطتها من معاملة.
4.           ما يحصله البنك "مصدرها" من عوائد من خلالها على هيئة رسوم، وعمولة، وفوائد، وفرق في سعر الصرف، وهذه العوائد كبيرة جداً بالنظر إلى أعباء البطاقة، بل كبيرة بالنظر إلى ما يحصله البنك من الائتمان من غير هذه البطاقة، حيث تبين من خلال دراسة أجريت على بطاقة الائتمان أن عائد البنك منها يصل إلى ما يقارب 150%.

د- إجراءات التعامل بها:
1-     يُعِدُّ التاجر أنموذجاً  يتضمن قيمة البضاعة، ونوعها ومن ثم يطبع عليه اسم العميل، وبياناته .
2-     يوقع العميل على هذا الأنموذج، إقراراً منه بالشراء.
3-     يرسل التاجر الأنموذج إلى أقرب فرع للبنك مصدر البطاقة لتحصل القيمة.

هـ-     الفرق بينها وبين بطاقة الصرف الآلي: هناك بطاقة أخرى تصرفها البنوك لأصحاب الحساب الجاري لديها تمنكهم من الصرف من حسابهم، تسديد الفواتير منها، والاستعلام عن أرصدتهم، وكل ذلك يتم عن طريق مكائن الصرف، دون حاجة إلى مراجعة البنك، وتختلف هذه البطاقة عن بطاقة الائتمان من جهة أن هذه البطاقة لا يقرض البنك العميل من خلالها، بل استخدامها مرتبط بوجود رصيد في الحساب الجاري، أما بطاقة الائتمان فإن البنك يقرض العميل في حال استخدامها، وقد انكشف حسابه.

و-     حكمها: ما كان منها يتضمن عقده بين البنك والعميل شرط الفائدة "الزيادة" عند تأخير الوفاء على الأجل المحدد، -وهو الشائع- فإنه يمنع التعامل بها، لاشتمالها على شرط الربا، سواءٌ أحققه حامل البطاقة في المعاملة أم لم يحققه، بل وفَّى ما عليه قبل نهاية الأجل، كي لا تحتسب عليه الفائدة المشروطة.
وقد أفتى بالمنع فضيلة الشيخ محمد بن عثيمين -رحمه الله- في فتواه المؤرخة في 26/8/1414هـ، واللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالفتوى رقم 17611 في 27/1/1416هـ، ومجمع الفقه الإسلامي في دورته الثانية عشرة المنعقدة في الرياض بتاريخ 25/6/1421هـ.
أما التعامل الإسلامي بالبطاقة، بحيث لا يتضمن الربا سواء أكان مشروطاً في العقد، أم لم يكن مشروطاً فيه، فلا مانع منه.

سادساً:        حسم الأوراق التجارية: وهو من أعمال البنوك التجارية التي تمارس من خلاله الائتمان، وسنتكلم عليه من خلال الآتي:
أ-      المقصود بالورقة التجارية: وهي: (صكوك محررة وفق أشكال معينة، قابلة للتداول، بالطرق التجارية، وتمثل حقاً، بمبلغ معين من النقود، يستحق الوفاء لدى الإطلاع، أو بعد أجل قصير، وجرى العرف بقبولها كأداة للوفاء)(1).
والأوراق التجارية هي: الشيك، الكمبيالة، السند الإذني "لأمر"
ب-    المقصود بالتظهير: والمقصود بالتظهير هو: أن يكتب المستفيد من الورقة التجارية على ظهرها ما يفيد نقل حقه فيها إلى طرف آخر.(2)
جـ-    تعريف الحسم "الخصم": وهو: (تظهير الورقة التجارية التي لم يحل أجلها بعد إلى المصرف، تظهيراً ناقلاً للملكية، في مقابل أن يعجل المصرف قيمتها للمُظهِّر، بعد أن يخصم منها مبلغاً يتناسب مع الأجل الذي يحل عنده موعد استحقاقها) (3). 
د-      فائدة الحسم: وفائدة الحسم بالنسبة إلى العميل "المُظهِّر" هي: أنه يمنحه قرضاً من خلال تعجيل البنك قيمة الورقة التجارية له، في حين أنها في الأصل لا تستحق إلا بعد أجل.
هـ-     تخريج الحسم "الخصم": والحسم يخرَّج على أنه قرض، فإن المصرف يعجل لحامل الكمبيالة نقداً، ويأخذ عوضاً عنه نقداً مؤجلاً أكثر منه، هو مبلغ الكمبيالة المستحق عند حلول أجلها.
        وهذه الزيادة يتحول بها القرض إلى ربا، لانعدام المماثلة (1).      
و-     حكم الحسم: وإذ كان ربا، فإنه محرم شرعاً، لأن الربا من  كبائر الذنوب.
ويأخذ حكم الحسم كل دين مؤجل يبيعه مستحقه على طرف ثالث بثمن معجل أقل منه-سواء كان مثبتاً بسند يمكن تظهيره أو لا- .

سابعاً: تداول الأسهم(2): وهو من المعاملات التي تمارسها البنوك تجارية كانت أو إسلامية، فهي تمارسها على وجه السمسرة، والوساطة، بين المتداولين، وتأخذ مقابل ذلك عمولة.    
وهي تمارسها على وجه التجارة، إذ تمتلك البنوك جزء من أسهم الشركات، وفق ما يسمح به النظام.

وسنتكلم عن هذه المعاملة من خلال ما يلي:
أ-      تعريف السهم: وهو: (صك يمثل حصة في رأس مال الشركة المساهمة)(3).
ب-    تخريج السهم(4): السهم يمثل جزءاً شائعاً في الشركة المساهمة، فمن امتلكه فقد امتلك جزءاً منها، فكان بذلك شريكاً.
جـ-    حكم تداول الأسهم(1): وحكم تداول أسهم الشركات المساهمة مبني على ما تقوم به الشركة من عمل، وهي بهذا الاعتبار تنقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: شركات عملها مباح، فيجوز تداول أسهمها.

الثاني:         شركات عملها حرام، كالتي تتاجر بالربا، وكالتي تتجار بالخمر مثلاً، فهذه لا يجوز تداول أسهمها.

الثالث: شركات أصل عملها مباح، كالتي تمارس التجارة، أو الزراعة، أو الصناعة المشروعة، لكنها بجانب ذلك تمارس الربا، فهي تودع ما يفيض عندها من سيولة لدى البنوك بفائدة، وتقترض من البنوك بفائدة.

وهذه اختلف العلماء المعاصرون فيها، فمنهم من أجاز تداول أسهمها، بشرط إخراج مقدار الفائدة الربوية.

ومنهم من لم يجز تداول أسهمها، وهذا القول أقوى، فإن الربا معلوم تحريمه بنصوص الكتاب والسنة، فإذا كانت الشركة تمارسه، فقد مارست عملاً محرماً لا يجوز الإقدام عليه، وإذا كانت أموالها، وأعمالها مختلطة، بحيث لا يتميز الربا عن غيره – كما عليه واقع الشركات المساهمة- فإنه لا يجوز تداول أسهمها، لما فيها من الربا الممنوع.
ثامناً: المرابحة للآمر بالشراء(2): وهي من طرق التمويل التي ابتكرتها البنوك الإسلامية، ومع انتشارها، وتزايد الإقبال عليها مارستها البنوك التجارية، من باب المنافسة، وسنتكلم عليها من خلال العناصر الآتية:
أ-      تعريفها: وهي: (أن يتقدم العميل إلى البنك طالباً منه شراء سلعة معينة، بالمواصفات التي يحددها، على أساس الوعد منه بشراء تلك السلعة مرابحة، بالنسبة التي يتفق عليها، ويدفع الثمن مقسطاً)(3).
ب-    غرضها: وغرض هذه المعاملة –في الغالب- تحصيل السيولة، من جهة أن كثيرين ممن يشترون سلعاً بهذه الطريقة، هدفهم بيعها للحصول على السيولة.
وقد يكون غرضها الحصول على مهلة في دفع الثمن، من جهة أن البيع بهذه الطريقة يكون الثمن فيه مؤجلاً على أقساط، فيستفيد العميل هذه الميزة، ويتجه لأجلها إلى هذه المعاملة، إذ إن كثيراً من المستهلكين يعوزهم دفع كامل الثمن نقداً.
جـ-    حكمها: وهذه المعاملة أصلها جائز، لكنها في التطبيق قد تنطوي على مخالفات تنقلها إلى المنع –وذلك مختلف باختلاف البنوك- ومن هذه المخالفات:
1.     عدم امتلاك البنك للسلعة، حيث إنه يقع في التطبيق أن بعض البنوك لا تشتري السلعة من مالكها، ولا تمتلكها، وكل ما تفعله هو: أنها تدفع ثمن السلعة لبائعها، ثم تطالب العميل بهذا الثمن، مضافاً إليه زيادة.
وهي بهذه الصورة تمويل ربوي صِرْف، فإن البنك قد دفع الثمن عن العميل، فصار بهذا مقرضاً له، ثم استرد منه القرض، مضافاً إليه زيادة عليه هي الربا.
2.     إلزام العميل بشراء السلعة من البنك، وهذا الإلزام ثابت باتفاق سابق على امتلاك البنك للسلعة، حيث إنه قبل أن يمتلك البنك السلعة المطلوبة منه، يتفق مع العميل على الثمن الذي سيبيع به السلعة عليه، وعلى عدد الأقساط، وقدر القسط، وفي هذا الاتفاق يشترط البنك على العميل أن يلتزم بشراء السلعة بعدما يمتلكها البنك، وهذا الإلزام يتضمن أمرين:

أحدهما: التأثر بالفلسفة الربوية، فلا تكون التجارة مقصودة، لكن المقصود هو التمويل، وتبعاً لهذا تحاذر البنوك اقناء السلع، والبضائع، وذلك مخالف لهدي الكسب في الإسلام الذي تكون التجارة مقصوده، فتُشترى السلع، وتُحاز، قبل تحديد مشتريها.

وثانيهما: أن إلزام العميل بشراء السلعة بعد أن يمتلكها البنك لا يخلو من أحد حالين:
الأولى: أن يُرغم العميلُ على عقد البيع، وهذا مناف للتراضي المشروط في التجارة الثانية:     أن يُحكم بتملك العميل للسلعة، استناداً إلى الاتفاق الأول، السابق على امتلاك البنك لها، فهذا يؤول إلى بيع مالا يملك، وهو ممنوع لقوله r (لا تبع ما ليس عندك)(2).

3.     أن البنك قد يشتري السلعة من التاجر، ويبقيها لديه، ليستلمها العميل "المشتري" منه، ثم إن العميل يقوم ببيعها ثانية على بائعها الأول، الذي اشتراها البنك منه، وأبقاها عنده، فالبائع الأول عادت إليه عين سلعته، وهذا من قبيل العينة عند بعض الفقهاء(3)، وهي ممنوعة.

4.     التساهل في القبض، فلا يقبض البنك السلعة التي اشتراها، لا قبضاً حقيقياً، كأن يخرجها من محل البائع، وينقلها إلى ملكه، ولا قبضاً حكمياً، كاستلام وثيقتها الرسمية، وتحويلها باسمه، وقد جاء النهي عن بيع المبيع قبل قبضه في الحديث:[(من ابتاع طعام فلا يبعه حتى يستوفيه) قال ابن عباس: "وأحسب كل شيء مثله"](4).

فمن أراد التعامل بالمرابحة للآمر بالشراء، فعليه أن يحذر هذه المخالفات لتستقيم معاملته.


التورق المصرفي المنظم(1): وهو معاملة حديثة –نسبياً- فقد كان ظهورها في حدود عام 2000م، وتمارسها بعض البنوك الإسلامية، كما تمارسها الفروع، والنوافذ الإسلامية للبنوك التجارية، ولها أسماء تختلف من بنك لآخر، فبعض البنوك تسميها "تيسير"، وبعضها تسميها "تورق الخير"، وبعضها تسميها "التورق المبارك"، وبعضها تسميها "دينار"، وبعضها تسميها "مال"، وهكذا، وسنتكلم عليها من خلال العناصر الآتية:
أ-      الغاية منها: والغاية منها تحصيل السيولة النقدية للأفراد والمؤسسات.
ب-    تعريفها، وهي: (تحصيل النقد بشراء سلعة من البنك، وتوكيله في بيعها، وقيد ثمنها في حساب المشتري).
جـ-    الفرق بينها وبين المرابحة للآمر بالشراء: وتختلف عن المرابحة للآمر بالشراء من جهة أن قصد العميل في التورق الحصول على النقد، أما المرابحة فقد يكون قصده النقد، وقد يكون قصده شراء السلعة بالتقسيط.

ومن جهة أن التورق –كما عليه واقع المعاملة- يتضمن توكيل العميل للبنك في بيع السلعة نيابة عنه، أما المرابحة، فلا تتضمن التوكيل غالباً.

ومن جهة أن التورق يقوم على بيع معادن في السوق الدولية مثل: المغنيسيوم، والبلاديوم، والبلاتين، والألمونيوم، ونحوها على العميل، أما المرابحة فتقوم على بيع بضائع محلية، كالسيارات، والأثاث، ونحوها.

ومن جهة أن التورق تكون فيه السلعة موجودة لدى البنك، قبل أن يطلبها العميل –كما تقول البنوك-، أما المرابحة فلا يشتري البنك السلعة إلا بعد أن يطلبها منه العميل غالباً.

د-      تخريجها: التورق المنظم يتم في السوق الدولية، ويكتنفه الكثير من الغموض في التطبيق، فقد توجد السلعة "المعدن"، وقد لا توجد، وقد تباع على من اشتريت منه، وقد تباع على طرف آخر، لهذا لا يمكن الخلوص إلى تخريج محدد لها، لكنها تحتمل أن تكون تورقاً، وتحتمل أن تكون عينة.

هـ -    حكمها: ونظراً لما في هذه المعاملة من غموض، حيث تتم في السوق الدولية، بعيداً عن الرقابة، ولما فيها من الاحتيال، ومن مظاهره: 
·                    الإخلال في القبض الشرعي من جهة البنك، البائع، فإنه لا يستلم الإيصال الأصلي للسلعة، الذي يعدّ قبضاً حكمياً، وإنما يستلم ورقة من الشركة البائعة التي يشتري منها، والمتعارف عليه عند ذوي الشأن من البنوك، والشركات العالمية أن عدم الحصول على الإيصال الأصلي يعني عدم وجود السلعة.(1)
·                    والإخلال بالقبض من جهة العميل حيث إنه يشتري وحدة من المعدن صغيرة، غير معينة، وغير محددة، إذ إنها جزء من كمية كبيرة من المعدن غير مجزأة، فكيف يشتري شيئاً غير معين، إلا إذا لم يكن قصده منه إلا الاحتيال به على تحصيل نقد بنقد، كما هو الشأن في العينة.
بل ولو كان ما اشتراه العميل معيناً، فإنه لا يمكنه قبضه، لا حقيقة، ولا حكماً، فإنه لا يتم استلام السلعة إلا بالإيصال الأصلي، وكل إيصال يمثل خمسة وعشرين طناً، ولا يمكن تجزئته(1)(2)، ولا يستطيع أحد أن يستلم السلع بموجب إيصالها الأصلي إلا إذا كان من المسموح لهم بالتعامل مع البورصة(2)(3)

وبه يتبين أن العميل يشتري سلعة لا يمكنه أن يستلمها، فيكون البيع حيلة غير مقصود.

ولما فيها من تهجير الأموال للخارج، فإن بعض البنوك تخصص يومياً خمسة ملايين دولار، وبعضها عشرة ملايين دولار للمتاجرة في هذه المعاملة في السوق الدولية.

ولهذا كله، فالظاهر منعها –والله أعلم- وقد أفتى بمنعها مجمع الفقه الإسلامي، لرابطة العالم الإسلامي، في دورته السابعة عشرة، بتاريخ 19/10/1424هـ في مكة المكرمة.


(1)       انظر: الربا في المعاملات المصرفية المعاصرة، مرجع سابق، 2/979.
(2)       عمليات البنوك من الوجهة القانونية، علي جمال الدين عوض، مصر: دار الاتحاد العربي للطباعة،
1981م، ص 30.
(3)       انظر: المرجع السابق، ص 31.
(4)         انظر: المرجع السابق، ص 32.
(1)        انظر: الربا في المعاملات المصرفية المعاصرة، مرجع سابق، 2/981.
(1)         الإنصاف، علي المرداوي، مصر: هجر للطباعة والنشر، ط1، 1415هـ، 12/323.
(2)         الإجماع، بن المنذر، قطر: رئاسة المحاكم الشرعية، ط2، 1407هـ، ص95، الإجماع، ابن عبدالبر، الرياض: دار القاسم، ط1، 1418هـ، ص217.
(3)       انظر: الوجيز في القانون التجاري، مصطفى كمال، مطبعة دار العالم العربي، 2/511.
(1)       انظر: الربا في المعاملات المصرفية المعاصرة، مرجع سابق، 1/381.
(2)       انظر: المرجع السابق 1/281، وما بعدها.
(3)        انظر: تعريف مجمع الفقه الإسلامي في دورته السابعة، لعام 1412هـ.
(1)       الأوراق التجارية في النظام التجاري السعودي، إلياس حداد، الرياض: مطابع معهد الإدارة العامة، ص9.
(2)       انظر: المرجع السابق، ص131.
(3)         العقود، وعمليات البنوك التجارية، على البارودي، الأسكندرية: منشأة المعارف، ص 397، وانظر: عمليات البنوك من الوجهة القانونية، مرجع سابق، ص 583.
(1)       الربا في المعاملات المصرفية المعاصرة، مرجع سابق، 1/639.
(2)       انظر: المرجع السابق، 1/699.
(3)       الوجيز في القانون التجاري، مرجع سابق، 1/300.
(1)       الربا في المعاملات المصرفية المعاصرة، مرجع سابق، 1/703.
(2)       انظر: المرجع السابق، 1/720 وما بعدها.
(2)       انظر: المرجع السابق، 2/981، وما بعدها.
(3)       انظر: الموسوعة العلمية والعملية للبنوك الإسلامية، 1/29.
(1)        رواه أبو داود في كتاب البيوع ، باب في الرجل بيع ما ليس عنده برقم 3040 ، والترمذي في كتاب البيوع برقم 1153 .
(2)        انظر: مواهب الجليل، الحطاب ، مطابع دار الكتاب اللبناني، 4/404، الفتاوى، ابن تيمية، القاهرة، مطابع إدارة المساحة العسكرية،  29/430، 441.
(3)       أخرجه مسلم كتاب البيوع، باب بطلان بيع المبيع قبل القبض، برقم 2810 .
(1)        انظر: التورق المصرفي المنظم، عبدالله بن محمد السعيدي، رابطة العالم الإسلامي، المجمع الفقهي، الدورة السابعة عشرة.
(1)         العينة والتورق والتورق المصرفي، علي السالوس، رابطة العالم الإسلامي، المجمع الفقهي، الدورة السابعة عشرة، ص59.
(1) ، (2)          المرجع السابق.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق