الخميس، 27 أكتوبر، 2016

تاريخ التأمين وأقسامه

تاريخ التأمين وأقسامه

أولاً : في بيان تاريخ التأمين(1): التأمين مما شاع بين الناس اليوم، مصطلحاً، ومعاملة وأول ما ظهر كان يطلق على التأمين التجاري، الذي بدأ بالتأمين البحري في أواخر القرن الرابع عشر في أوروبا، على البضائع التي تنقلها السفن بين مدن إيطاليا، وبلدان حوض البحر الأبيض المتوسط.

ثم تلاه بعد زمن طويل التأمين البري في إنجلترا، في أواخر القرن السابع عشر، في صورة التأمين من الحريق، عقب حريق هائل نشب في لندن سنة 1666م، ألتهم أكثر من ثلاثة عشر ألف منزل، ونحو مائة كنيسة.

ثم انتشر التأمين من الحريق بعد ذلك في ألمانيا، وفرنسا، وأمريكا، خلال القرن الثامن عشر الميلادي.

ثم أخذت تتقاطر صور التأمين الأخرى، وكان مما ظهر من صوره: "التأمين التعاوني"، بصوره المختلفة،  وقد ظهر في صورته المنظمة في وقت قريب جداً، ليكون بديلاً عن التأمين التجاري.
وبهذا صار مصطلح التأمين عند إطلاقه يشمل صوراً شتى، تختلف في حقيقتها، وحكمها.

ثانياً: في بيان أقسام التأمين(2): وينقسم التأمين أقساماً عدة، لاعتبارات عدة:

فباعتبار المكان الذي يقع فيه الحدث ينقسم التأمين إلى:
1-        التأمين البري: ويشمل حوادث البر "ما يحدث في البر، مما يؤمَّن عنه".
2-        التأمين البحري: ويشمل حوادث البحر "ما يحدث في البحر، مما يؤمَّن عنه".
3-        التأمين الجوي: ويشمل حوادث الجو " ما يحدث في الجو، مما يؤمَّن عنه".

وباعتبار محله ينقسم التأمين إلى:
1-               التأمين على الأشخاص: ومحله شخص الإنسان، أو ما يتعلق بشخصه وينقسم إلى أقسام منها:
1-أ- التأمين على الحياة: وفيها يُدفع للمستفيد "المؤمن له" مبلغ التأمين على نحو معلق بحياته، وجوداً، أو عدماً.
1-ب- التأمين على الصحة: وهو التأمين على صحة المؤمن له، فيتحمل المؤمن ما يجب على المؤمن له من تكاليف العلاج، والدواء، ونحوها.
1-جـ- التأمين على الذمة "المسؤولية": وهو التأمين لذمة المؤمن له، فيتحمل المؤمِّن ما يجب على المؤمن له تجاه الغير من مسؤولية، كالتأمين للمسؤولية  عن حوادث السير، وفيه يتحمل المؤمِّن تعويض الغير عما أصابه من ضرر من قبل المؤمَّن له.
2-     التأمين على الأشياء "الممتلكات": وهو التأمين على ما يملكه المؤمن له، سواء أكان معيناً: كالمنزل، والمصنع، أم كان غير معين: كالتأمين على المخازن، والمتاجر، فإن محتوياتها غير معينة.

وباعتبار غرضه، ينقسم إلى:
1-           التأمين التجاري: وهو ما يكون مقصوده الربح، سواء أقام به الأفراد، أم الشركات، والجمعيات.
2-           التأمين غير التجاري: وهو ما لا يقصد به الربح، وإنما التعاون في تحقيق المصلحة، ودفع المفسدة، ومن أقسامه: "التأمين التعاوني"، وفيما يلي بيان كل منهما:

المطلب الثاني

التأمين التجاري: وهو الأصل في التأمين معاملة، ومصطلحاً، وشركاته تصنف على أنها من شركات الأموال فإنها تشبه -إلى حد- البنوك، من جهة أن كلاً منهما وعاء تجتمع فيه الأموال، وتوظف في القروض(1). وسنتكلم عليه من خلال العناصر الآتية:
أ.      تعريفه: لغة: التأمين مصدر، مشتق من المادة "أمَّن" بتشديد الميم، وهي في معنى ضد الخيانة(2)، لكن المعاصرين يرون أن التأمين من الأمان بمعنى رفع الخوف، ويعتبرون رفع الخوف منفعة يقدمها المؤمِّن للمستأمن "المؤمن له"، ويستحق بمقابلها عوضاً من المؤمِّن، وتلك مبالغة، فإن الأمان قسمان: أمان عام، وهذا لا يملكه سوى الله تعالى، إذ هو سبحانه مالك رفع المخاوف كلها، إذْ بقَدَره، وقدرته إنزالها، وبقدره، وقدرته رفعها. وأمان خاص، يصدر من كلِّ بحسبه، فالذي يملك سفك الدم يمكنه أن يعطي الأمان منه، والذي يمكنه استحلال المال، يمكنه أن يعطي الأمان منه.

والأمان في هذا وذاك هو رفع خوف المستأمِن على نفسه، أو ماله بكف المؤمِّن -من يعطي الأمان- عن سببه الذي يقدر عليه.

وهو أمان من وجه دون وجه، ذلكم أن المؤمِّن لا يملك منع سفك دم المستأمن مطلقاً، فقد يسفك من طريق لا يقدر عليه.

كما أن المؤمِّن لا يملك منع تلف مال المستأمن، إذ قد يتلف من طريق لا يقدر عليه.

وعلى هذا: فإن الأمان يرفع المكروه من وجه دون وجه، ويرفع الخوف من وجه دون وجه ولا يقوى على رفع ذلك مطلقاً.

وبالنظر إلى التأمين فإنه لا يرفع المكروه، فالحريق مكروه يؤمَّن منه والسرقة مكروه يؤمَّن منه، لكن التأمين لا يرفع الحريق ولا السرقة، ولو من وجه، فهو بهذا لا يرفع الخوف منهما، ولا يرفع كل أثر يترتب عليهما، وكل ما يمكن أن يفعله المؤمِّن بعد حدوث المكروه هو تعويض المستأمن، وهذا أقرب إلى مفهوم الضمان منه إلى الأمان، فإن الضمان لا يمنع وقوع المكروه، لكن يعمل على تخفيف بعض أثره بعد وقوعه، والتأمين في أحسن أحواله لا يعدو هذا، فكان الأولى اشتقاق اسمه من الضمان، لا من الأمان.

واصطلاحاً: أرى أن يعرف بأنه: (عقد يلتزم بمقتضاه طرف يسمى المؤمِّن، بالتحمل المالي عن طرف آخر، يسمى المؤمَّن له، أو الأداء له عند وقوع حادث معين، مقابل أقساط مالية، يدفعها المؤمَّن له سلفاً). 

ب- أركانه: إذا نظر في عقد التأمين نظراً فقهياً فإن أركانه هي:
1-                 العاقدان: وهما: "المؤمِّن"، "والمستأمن -المؤمَّن له-".
2-                 العوضان: وهما: "القسط المدفوع من قبل المستأمن"، و"مبلغ التأمين -التعويض- الذي يدفعه المؤمِّن".
3-                 المؤمَّن منه "الخطر": فإنه ركن في عقد التأمين، إذ هو الجانب الأقوى فيه
عند أرباب التأمين، وفيه يقول السنهوري: (الخطر هو المحل الرئيسي في عقد التأمين)(1)، ويقول: (العنصر الجوهري في التأمين هو: الخطر المؤمَّن منه)(2)، ويقول أيضاً: (وليس هو التزاماً معلقاً على شرط واقف هو تحقق الخطر المؤمَّن منه، لأن تحقق الخطر ركن قانوني في الالتزام، وليس مجرد شرط عارض)(3).
        ومما يوضح أن المؤمَّن منه "الخطر" ركن في التأمين: أن التأمين عملية تقوم على أقطاب ثلاثة هي: "المؤمِّن"، "المؤمَّن له"، "المؤمَّن منه -الخطر-"، ولا يتصور قيام التأمين إلا بوجود هذه الأقطاب.

     فإن قيل إن "المؤمَّن منه -الخطر-" قد لا يوجد، ومع ذلك يظل عقد التأمين قائماً، ملزماً للعاقدين، ولو كان ركناً لما أمكن وجود العقد بدونه، لأن الركن جزء من الماهية، لا يتحقق وجودها إلا به، فهو إذاً شرط علق عليه استحقاق التعويض في عقد التأمين، وليس ركناً.

     قلت: إن تصور العقد دون وجود ركنه وقت العقد ممكن، كما هو الشأن في عقد السلم، فإن المعقود عليه غير موجود وقت التعاقد.

     فإن قيل بالفرق بين التأمين، والسلم من جهة أن المعقود عليه في السلم وإن كان غير موجود وقت العقد إلا أنه يوجد لاحقاً عند حلول الأجل، وليس التأمين كذلك، فقد لا يقع "المؤمَّن منه -الخطر-" أبداً.

     قلت : هذا هو الغرر الذي يكتنف المعقود عليه في التأمين، وبه لا يكون التأمين مشروعاً، واحتماله الغرر لا يصيِّره شرطاً، لكنه يصيِّر  العقد ممنوعاً، لاشتمال ركنه على الغرر.
4-                 الصيغة: وهي الإيجاب، والقبول من طرفي العقد: "المؤمِّن"، و"المستأمن -المؤمَّن له-". 

جـ- خصائصه(1): وللتأمين التجاري خصائص تميزه، من أهمها:
1-          أنه عقد معاوضة، والعوضان فيه هما: "أقساط التأمين التي يدفعها المؤمن له" و"مبلغ التأمين، وهو التعويض الذي يدفعه المؤمِّن للمؤمَّن له عند وقوع الكارثة".
2-          أنه من عقود الغرر، فإن الخطر المؤمن منه قد يقع فيستحق المؤمن له العوض، وقد لا يقع، فتذهب أقساطه عليه هدراً، وقد يقع الخطر بعد أجل قريب من إبرام عقد التأمين، وقد يقع بعد أجل بعيد من إبرام عقد التأمين.
      وقد يدفع المؤمِّن للمؤمن له تعويضاً أكثر مما أخذه منه من أقساط، وقد يدفع له تعويضاً أقل مما أخذه منه من أقساط.
      وبه يتبين أن أحد العوضين، وهو "المبلغ التعويضي" يكتنف الغرر من جهات ثلاث: من جهة أصل استحقاقه، إذ هو مرتبط بخطر قد يقع، وقد لا يقع. ومن جهة مقداره، ومن جهة أجله، وبهذا يكون الغرر فاحشاً، وفيه يقول السنهوري: (وهو من العقود الاحتمالية، أو عقود الغرر، وقد أورده التقنين المدني ضمن هذه العقود بعد المقامرة، والرهان، والإيراد المرتب مدى الحياة)(1).
3-          أنه من عقود الإذعان: إذ فيه ينزل "المؤمَّن له" وهو -الجانب الضعيف في العقد- على شروط "المؤمِّن" وهو –الجانب القوي في العقد-

د- حكم التأمين التجاري: التأمين لم يك  ظاهراً في بلاد الإسلام من جملة معاملتهم، وأول بداياته كانت في الربع الأول من القرن الرابع عشر الهجري -تقريباً-، لذا فإنك لا تجد في خاصة حكمه كتاباً مسطوراً عن العلماء المتقدمين، عدا ما ذكره ابن عابدين في حاشيته على الدر المختار،(2) حيث ذكره باسم "السوكرة"، وجملة ما يُذكَر في التأمين من أقوال في حكمه تعود إلى العلماء خلال قرن من الزمان هو فترة بدايته إلى أن صار اليوم ظاهرة في بلاد الإسلام، فاشية في سوقها كغيرها من المعاملات.

وقد اختلف العلماء –خلال هذه الفترة- في حكم التأمين بين قائل بمنعه، وقائل بإباحته، على أن جمهورهم يقولون بمنعه، وفيما يلي بيان للأقوال بأدلتها:

القول الأول: القول بمنع التأمين التجاري، حيث عُرِض التأمين التجاري للنظر في حكمه على مؤتمرات، وهيئات علمية، ومجامع فقهية كلها قالت بمنعه، وهي:
1-         المؤتمر العالمي الأول للاقتصاد الإسلامي، في مكة المكرمة، سنة 1396هـ.
2-         مجلس هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية، في دورته العاشرة، بالرياض، بتاريخ 4/4/1397هـ.
3-         مجلس مجمع الفقه الإسلامي، لرابطة العالم الإسلامي، لدورته الأولى، في مكة المكرمة، بتاريخ  1/8/1398هـ.
4-                   مجلس مجمع الفقه الإسلامي، لمنظمة المؤتمر الإسلامي، في جدة، بتاريخ 10-16/4/1406هـ.
أدلة المنع: وقد اعتمد المانعون أدلة للمنع، من أظهرها(1):
1- اشتمال التأمين التجاري على الغرر الفاحش-وقد تقدم بيانه في خصائص التأمين-، فإنه يتردد بين أمور عدة، ويحتمل احتمالات عدة، وهذا هو الغرر، فإن الغرر في الاصطلاح: (ما تردد بين أمرين ليس أحدهما أظهر)(2). وهو محرم لنهي النبي r عن بيع الغرر(3).

      ويدخل في الغرر: الرهان، والمقامرة "القمار" فإنهما من أنواعه، وفيهما يتردد الإنسان بين أن يكون غانماً، أو أن يكون غارماً، وهما مما يشتملهما التأمين.

      وقد حاول المجيزون استخراج التأمين من كونه غرراً، ومقامرة، وذلك بأن لا يقتصر النظر على العلاقة العقدية بين المؤمِّن، وكل مستأمن على حدة، بل بالنظر إلى علاقة المؤمِّن بمجموع المستأمنين، وبهذا لا يكون عقد التأمين عقداً احتمالياً، أو مقامرة بالنسبة إلى المؤمِّن، لأنه بالنظر إلى مجموع المستأمنين، وتبعاً لقانون الكثرة لم يكن عَرَّض نفسه لاحتمال الخسارة، أو الكسب على نحو يفوق ما عليه التجارة المعتادة.(4)


ويناقش من وجوه:
      الوجه الأول: أنه في نفي المقامرة لم ينظر إلا إلى جانب المؤمِّن، لكنه لم ينظر إلى جانب المستأمن، فإن الاحتمال والمقامرة وارد في حقه جداً، ووجود الاحتمال في أحد جانبي العقد يبطله.
 
     فإن قيل: وفي جانب المستأمن ينتفي الاحتمال، والمقامرة أيضاً، فإنه بعقد التأمين قد حصل له الأمان(1)، فإذا فات عليه ما دفعه من أقساط، ولم يأخذ مقابلها تعويضاً مالياً، فقد حصل بمقابلها على عوض وجداني هو الأمان. قلت: هذا يخالف حقيقة عقد التأمين إذ العوضان فيه: القسط، ومبلغ التعويض، وهو أمر متقرر عند الفقهاء، والقانونيين(2).

ومن جهة أخرى فإن الأمان ليس سلعة تباع وتشترى، إذ لم يملكه البشر، فإنه منحة من رب البشر، وما يقدمه المؤمِّن ما هو إلا ضمان لا أمان فإنه بعد ارتفاع الأمان بوقوع الخطر يقوم المؤمِّن بما التزم به من ضمان بعض آثار الخطر، وما خلفه من كارثة، وهذا الضمان لا يتحقق به الأمان مطلقاً، ولا يتم به تعويض النقص مطلقاً، كيف والإنسان قد يرزأ بنفسه فلا يؤمنه من ذلك عقد التأمين، ولا يعوضه عن ذلك عقد التأمين، وقد يرزأ بحبيبه، وقريبه، فلا يؤمنه من ذلك عقد التأمين، ولا يعوضه عنه، عقد التأمين.

الوجه الثاني: ثم إن هذا التوجيه قد صيَّر التأمين علاقة تعاقدية، تعاونية بين مجموع المستأمنين وليس ذلك كذلك، لما يلي:
أ-     أن التأمين عقد ثنائي طرفاه المؤمِّن، والمستأمن(3)، وليس ثمة رابطة تعاقدية بين مجموع المستأمنين، والحكم على العقد ينبغي أن يكون بالنظر إلى طرفيه، وهما: المؤمِّن، والمستأمن، أما النظر إلى مجموع المستأمنين الذين لا يربطهم عقد، فذلك مجاوزة لأحكام العقد، لما فيها من تفريق بين ما اجتمع، وجمع بين ما افترق، إذ جمع بين عموم المستأمنين، وعقودهم متفرقة لا رابطة بينها، وفرَّق بين طرفي العقد المؤمِّن، والمستأمن، فلا ينظر إليهما باعتبارهما طرفي العقد، وإنما ينظر إلى كل منهما باعتباره طرفاً يقابله طرف آخر هم عموم المستأمنين، وهذا تفريق لا أساس له، وجمع لا أساس له، ومن ثم فإن ما بناه على ذلك من حكم لا أساس له، إذ العقود المختلفة لا يحتج ببعضها على بعض، ولا يؤثر بعضها في بعض، إذا لم تجتمع في عقد واحد، أو كانت مشروطة في عقد واحد.
ب-   وببطلان النظر إلى مجموع المستأمنين في رابطة تعاقدية تعاونية، تبطل دعوى التعاون، فيبقى التأمين على أصله عقد معاوضة، كما هو معلوم عند أربابه، وعند القانونيين شارحي أحكامه، وقد تقدم في بيان خصائصه.
جـ-   وببطلان النظر إلى مجموع المستأمنين يبقى التأمين على أصله عقداً ثنائياً بين طرفيه: المؤمِّن، والمستأمن، كما هو معلوم عند أربابه وعند شارحي أحكامه من القانونيين.
2-     اشتمال التأمين التجاري على الربا بنوعيه: "الفضل، والنسيئة" ، فإن المؤمِّن إن دفع للمستأمن أكثر مما أخذ منه من النقود ، فهو ربا فضل ونسيئة، لاجتماع الزيادة، والتأخير.
وإن دفع للمستأمن مثلما دفع، أو أقل، فهو ربا نسيئة، وكلاهما محرم.
3-     اشتمال التأمين التجاري على أكل المال بالباطل، فإن من يدفع أقساطاً نقدية، ولم يُعوَّض عنها شيئاً، فإنها تفوت عليه بلا مقابل، ويكون من أخذها قد أكلها بلا مقابل، وهو الباطل المنهي عنه.
4-     اشتمال التأمين التجاري على الإلزام بما لا يلزم شرعاً(1)، فإن المؤمِّن لم تحدث منه الكارثة، ولم يتسبب في حدوثها، فلم يكن ملزماً بضمان آثارها، والتزامه بالضمان لقاء عوض يدفع له مجاوزة لا يقر عليها. 

القول الثاني:   القول بجواز التأمين التجاري، ويكاد يكون فضيلة الشيخ مصطفى الزرقا -رحمه الله- عمدة القائلين بجوازه، إذ أفاض في الاستدلال له، ومناقشة مخالفيه.

ومع إفاضة الشيخ الزرقا -رحمه الله- في الاستدلال للجواز، إلا أن المتأمل لأدلته يجدها:
أ- إما أن تكون قائمة على تصوير التأمين على غير حقيقته.
ب- أو أن تكون قائمة على قياس غير صحيح.

ومن أمثلة الأول: ما ذكره عيسى عبده -رحمه الله- من خلال رجوعه إلى السجلات الرسمية بدار الإفتاء، حيث نقل سؤالاً تقدم به "هور روسل" في صفر سنة 1321هـ إلى الشيخ محمد عبده -رحمه الله-، وهو المفتي وقتها، ونص السؤال هو: (رجل يريد أن يتعاقد مع جماعة" شركة مثلاً على أن يدفع لهم مالاً من ماله الخاص، على أقساط معينة، ليعملوا فيها بالتجارة، واشترط عليهم أنه إذا قام بما ذكر، أو انتهى أمد الاتفاق المعين بانتهاء الأقساط المعينة، وكانوا قد عملوا في ذلك المال.. وكان حياً، فيأخذ ما يكون له من المال، مع ما يخصه من الأرباح، وإذا مات في أثناء تلك المدة فيكون لورثته، أو لمن له حق الولاية في ماله أن يأخذوا المبلغ تعلق مورثهم مع الأرباح، فهل مثل هذا التعاقد الذي يكون مفيداً لأربابه بما ينتجه لهم من الربح.. جائز شرعاً؟)(1) وقد أجاب الشيخ محمد عبده بما يلي -وهو النص الرسمي للفتوى المشهورة-:

(لو صدر مثل هذا التعاقد بين ذلك الرجل وهؤلاء الجماعة على الصفة المذكورة كان ذلك جائزاً شرعاً...)(2).

ويذكر عيسى عبده -رحمه الله- أن هذه الفتوى قد راجت رواجاً كبيراً بين شركات التأمين، إذ طبعت بحروف دقيقة، وأحيطت بالأختام، ووضعت في إطار ثمين، صارت تقتنيه شركات التأمين، وتشهره في مكاتبها(3).

وقد بني على هذا التصوير المخالف لحقيقة التأمين الاستدلال لجوازه بعقد المضاربة، وسيأتي بمناقشته.

ومن أمثلته أيضاً: تصوير التأمين على أنه تعاون قائم بين مجموع المستأمنين، وليست شركة التأمين إلا وسيطاً بينهم(4).
وبناءً على هذا التصوير استدلوا لجواز التأمين بأنه قائم على التعاون، وسيأتي بمناقشته.
ومن أمثلة الثاني: قياس عقد التأمين على المضاربة، والاستئجار للحراسة، وضمان المجهول، وضمان خطر الطريق، وكل ذلك قياس مع الفارق سيأتي بمناقشته.

في بيان أدلة الجواز، ومناقشتها(1):
1-           الاستدلال بالإباحة الأصلية على جواز التأمين، فإن الأصل في الأشياء الإباحة، ومن ذلك: العقود، والشروط.
       ويجاب عنه: بأن الاعتبار بالإباحة الأصلية مشروط بانتفاء الموانع الشرعية، والتأمين قد اشتمل على موانع شرعية، كالربا، والغرر، وأكل المال بالباطل، فتخرجه من عموم قاعدة الإباحة الأصلية، وتقضي بتحريمه.
2-           الاستدلال بالاستصلاح على جواز التأمين، فإن التأمين فيه مصلحة، إذ به يطمئن الناس على أموالهم، وتجارتهم، وصناعتهم.
       ويجاب: بأن المصلحة في التأمين ملغاة لاشتماله على ما جاءت الشريعة بإلغائه ومنعه، كالربا والغرر، وأكل المال بالباطل.
3-           الاستدلال بالتعاون على جواز التأمين، بالنظر إلى مجموع المستأمنين، إذ يتعاونون فيما بينهم على تحمل ما يصيبهم من ضرر(2).
قلت: وهذا الاستدلال مبني على تصوير التأمين على خلاف حقيقته كما تقدم، وقد ذكر عيسى عبده -رحمه الله- أن دعوى التعاون هذه، لا تثار إلا في بلاد المسلمين، لتبرير التأمين، أما في بلاد الغرب، فشراح القانون لا يجدون غضاضة في وصف التأمين بأنه عقد معاوضة، ورهان، ومقامرة(3)، وقد تقدمت مناقشة هذه الدعوى عند مناقشة استدلال المانعين بالغرر.
4-           الاستدلال بقياسه على المضاربة من جهة أن المؤمِّن يستثمر أموال المستأمنين، وما يصرفه على التأمين من مبالغ للمستأمنين يمثل أرباحهم، وما يحتفظ به لنفسه من مال يمثل نصيبه من الربح.

وهذا الاستدلال مبني على تصوير التأمين على خلاف حقيقته، كما في صورة الفتوى المنقولة فيما تقدم عن الشيخ محمد عبده -رحمه الله- ويجاب عنه: بأنه قياس مع الفارق فإن شركة المضاربة تفترق عن التأمين من وجوه منها:
أ- أن رأس المال في المضاربة يكون ملكاً لصاحبه الذي دفعه، وفي التأمين ما يدفع من مال يكون ملكاً لشركة التأمين.
ب- أن الربح الناتج عن رأس المال في المضاربة يكون بين الشريكين حسب اتفاقهما، وفي التأمين يكون الربح للشركة، باعتبار أنها مالك رأس المال.
5-                  الاستدلال بقياسه على الإجارة في عمل الحراسة، من جهة أن الحارس يجوز استئجاره للقيام بعمل الحراسة، وهو بعمله يحقق الأمان، والاطمئنان لمن استأجره، وكذا الشأن في التأمين فإنه يحقق الأمان والاطمئنان للمستأمن.
ويجاب: بأن القياس مع الفارق فإن الأجرة في عقد الحراسة إنما هي على العمل، ليس الأمان، ولهذا فإن الحارس عند قيامه بعمل الحراسة يستحق الأجرة، سواء أتحققت الغاية من العقد وهي الأمان، أم لم تتحقق.
أما الأقساط في عقد التأمين فإنها مقابل مبلغ التعويض، فافترقا، وفي كلا العقدين لم يكن الأمان محلاً للعقد.
6-                  الاستدلال بقياسه على ضمان المجهول، وضمان مالم يجب، من جهة أنه يجوز -على خلاف بين الفقهاء- ضمان ما يكون مجهولاً، ومالم يكن واجباً من الحقوق، فإذا كان جائزاً مع اشتماله على الجهالة، فليجز التأمين على ما فيه من جهالة، وغرر.
ويجاب: بأنه قياس مع الفارق، فإن الضمان تبرع، وإحسان فتغتفر فيه الجهالة، بخلاف التأمين، فهو عقد معاوضة تفسده الجهالة، والاحتمال.
7-                  الاستدلال بقياسه على ضمان خطر الطريق، فإن من قال لآخر: اسلك هذا الطريق، فإنه آمن، فإن كان مخوفاً، وأُخِذَ مالك فإنا ضامن، فإنه يضمن، ووجه الشبه بين هذا والتأمين: أن في كل منهما ضماناً للخطر إذا وقع، فإذا جاز ضمان خطر الطريق، فليجز التأمين.

ويجاب: بأنه قياس مع الفارق لما يلي:
أ -    أن ضمان خطر الطريق تبرع وإحسان، أما التأمين فمعاوضة، فافترقا.
ب-   أن سبب ضمان خطر الطريق هو تغرير الضامن للمضمون له ولهذا صار الضامن سبباً فيما حصل للمضمون له، فلزمه الضمان، أما التأمين فلا تغرير فيه من قبل شركة التأمين للمستأمن يستحق بسببه المستأمن الضمان، فافترقا.

الترجيح: ومما سبق من عرض لقول المجيزين بأدلته، ومناقشته، وعرض لقول المانعين بأدلته ومناقشته، يتبين رجحان القول بالمنع، لقوة أدلته، وظهور دلالتها، في حين أن القول بالجواز أدلته متكلفة في جملتها.


(1)       انظر: الوسيط في شرح القانون المدني، عبدالرزاق السنهوري، القاهرة: دار النهضة العربية، 1964م،
7/مج 2/ 1096.
(1)       انظر: المرجع السابق، 7/مج 2/ 1156، التأمين الاجتماعي في ضوء الشريعة الإسلامية، عبداللطيف
آل محمود، بيروت: دار النفائس، ط1، 1414هــ، ص39، 43، 45.
(1)         انظر: الوسيط، مرجع سابق، 7مج2/1096، إدارة المنشآت المالية، منير هندي، الأسكندرية: منشأة المعارف، 1994م، ص397.
(2)         لسان العرب، ابن منظور، بيروت: دار صادر، مادة "أمن"، 13/21، 22، ترتيب القاموس المحيط، الطاهر أحمد الزاوي، بيروت: دار الكتب العلمية، 1399هـ، مادة "أمن"، 1/182.
(1)         الوسيط، مرجع سابق، 7مج2/1217.
(2)         المرجع السابق، ص1144.
(3)         المرجع السابق، ص1139.
(1)         المرجع السابق، ص1139 – 1141.
(2)       المرجع السابق، ص1140.
(2)       انظر: حاشية ابن عابدين، بيروت: دار الكتب العلمية، ط1، 1415هـ، 6/281، وابن عابدين توفي سنة 1252هـ.
(1)         انظر: أبحاث هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية،الأمانة العامة للهيئة، الرياض: دار القاسم،
ط1، 1421هـ، 4/93-142.
(2)         شرح منتهى الإرادات، 2/145
(3)         أخرجه صحيح مسلم ، كتاب البيوع، باب بطلان بيع الحصاة والبيع الذي فيه غرر،10/157. برقم 2783 .
(4)         انظر: الوسيط ، مرجع سابق، 7مج2/1140، نظام التأمين، مصطفى الزرقا، بيروت: دار الرسالة، ط1، 1404هـ،  ص42 ، 43، 50
(1)         انظر: المرجع السابق، ص50، 51.
(2)       انظر: الوسيط، مرجع سابق، 7مج2 /1144، 1148
(3)         انظر: مرجع سابق، 7مج2/1165.
(1)         انظر: حاشية ابن عابدين، مرجع سابق، 6/281
(1)         التأمين الأصيل، والبديل، عيسى عبده، بيروت: دار البحوث العلمية، 1392هـ،  ص25، 28، وقد نقل هذه الفتوى السنهوري في الوسيط،7مج2/1087
(2)         المرجع السابق، ص29، وقد اكتفيت بما يفيد الغرض من الفتوى، للاختصار
(3)         انظر: المرجع السابق، ص25.
(4)         انظر: الوسيط مرجع سابق، 7مج2/1092، 1140.
(1)         أنظر: نظام التأمين، مرجع سابق، ص45-53، ص57 أبحاث هيئة كبار العلماء، مرجع سابق،
4/180-233.
(2)         الوسيط، مرجع سابق، 7مج2/1140، نظام التأمين، مرجع سابق، ص42، 43، 50
(3)         انظر: التأمين الأصيل والبديل، مرجع سابق، ص42.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق