الأحد، 16 أكتوبر، 2016

تأثير التكنولوجيا والتقنيات الحديثة على السلوك الإنساني

 

تأثير التكنولوجيا والتقنيات الحديثة على السلوك الإنساني

لقد تناول بالتحليل كثير من المختصين في مجال العلوم الاجتماعية عملية التفاعل بين التكنولوجيا والسلوك الاجتماعي. فهناك علاقة متبادلة داخل ثقافة المجتمع بين الأجزاء والعناصر المكونة له. فالسلوك الاجتماعي-بشكل عام- وعلى حد زعم ستيوارد Steward (1988)، يتأثر بشكل كبير ومباشر بالوسائل التكنولوجية المختلفة. فالوسائل التكنولوجية المتعددة تلاقيها استجابة ثقافية محددة. فتتم عملية تأثر وتأثير متبادلة بين التقنية المستخدمة والسلوك الاجتماعي. ولا شك بأن التكنولوجيا الحديثة، وما تمخضت عنه من تطور شامل وكبير خلال العقود القليلة الماضية من الزمن، أكد بما لا يقبل مجالا للشك بأنها قد وصلت إلى مرحلة تطورية في تاريخ التكنولوجيا بشكل عام أكثر مما حدث على امتداد التاريخ الإنساني على مر العصور.
ومن خلال عرضه ومراجعته لعدة أدبيات متعلقة بالتكنولوجيا وتأثيرها على سلوك الأفراد، ذهب باجان Bajan (1998) إلى أن التكنولوجيا والتقنيات الحديثة مثل الإنترنت، الهاتف المحمول، والوسائل الصوتية والبصرية المتحركة وغيرها من هذه التقنيات الحديثة قد أثرت بشكل كبير على حياة الإنسان وسلوكه وطريقة اتصاله بالآخرين، والتي أشارت أيضا إلى ارتباطها بالمعايير الاجتماعية والسلوك الاجتماعي.
فلقد نشطت، على سبيل المثال، منذ فترة الدراسات المتعلقة بالآثار الاجتماعية والنفسية لاستخدام جهاز التلفاز كأحد ابرز التقنيات التكنولوجية التي تركت تأثيراتها الاجتماعية. فقد ظهرت دراسات متعددة ومتنوعة ناقشت جوانب متفرقة من انتشار وتأثير هذه الظاهرة. ولقد تم إفراد جزءا كبيرا من هذه الدراسات لمناقشه وتحليل أثر مشاهدة التلفاز على الفئات السنية الصغيرة كونها أكثر تأثراً بمغريات هذه التقنيات الحديثة. ففي دراسة أعدها الحمداني (1979) عند تأثير مشاهدة التلفزيون على الأطفال، ركز من خلالها على أن من أهم المشكلات التي تواجه كثير من الأسر، هو عزلة الفرد داخلها. فاصبح الفرد في كثير من الحالات معزولاً عن الآخرين بسبب ارتباط ذلك بجهاز التلفاز ومشاهدة البرامج المختلفة التي تعرض به. ولقد قام بتقسيم العزلة إلى نوعيين: العزلة الجسمانية، أي الانفصال التام عن الأسرة لمشاهدة برامج التلفزيون وذلك لامتلاك الفرد جهازه الخاص في غرفته أو في محيطه المعزول؛ والعزلة المعنوية والتي يجلس فيها بعض الأفراد في مكان واحد لمشاهدة التلفاز. فعلى الرغم من هذا التجمع أمام الجهاز، إلا أن كل فرد يعيش منفرداً حسب زعمه بمشاعره مع أحداث البرنامج المعروض. فهو يؤكد على أن ذلك يترك أثره البالغ على فئات الشباب ، والمراهقين والأطفال بصورة أكبر.
وفي دراسة أخرى لسينجر singer  (1998) أبرز من خلالها تأثير التلفاز النفسي والاجتماعي على الأطفال. فلقد خلص إلى أن مشاهدة التلفاز بشكل كبير، وقضاء ساعات طويلة أمام الشاشة ، يؤدى إلى كثير من المشكلات النفسية المتعددة مثل السلوك العدواني ، القلق ، وكذلك الاكتئاب.
فلقد أشارت كثير من الدراسات في الولايات المتحدة الأمريكية إلى أن مشاهدة التلفاز تؤثر على السلوك الإنساني ، وتقلل بشكل كبير من النشاطات الاجتماعية. فبمقدار الوقت الذي يقضيه الأشخاص بمشاهدة التلفزيون، بمقدار محدودية ارتباطهم اجتماعياً وقلة نشاطهم. فكما خلص كاناري وسبتزبارن Canary and Spitzbary  (1993)، إلى أن الأشخاص الأكثر مشاهدة للتلفزيون يتسمون بالوحدة مقارنة بغيرهم الأقل مشاهدة.
وفي مجال الدراسات الخاصة بعلم الأوبئة ، فقد حظي التلفاز أيضا بنصيب وافر من هذه الاهتمام. فلقد ربطت كثير من الدراسات بين مشاهدة التلفاز مع قله الحركة الجسمانية والتي تؤثر على الصحة النفسية والفسيولوجية. فقد ربط سدني وزملاءه   Sidney et al. (1998)  بين قضاء وقت طويل أمام جهاز التلفاز وبين الوحدة وقلة الحركة، والذي يعتبر عنصراً أساسيا في الإصابة بأمراض الشرايين والقلب بين البالغين الشباب؛ بينما نظر اندرسون وزملاءه  Anderson et al. (1998) بين مشاهدة التلفاز وبين زيادة معدلات السمنة عند الأطفال وذلك نتيجة لقلة الحركة.
فيعتبر جهاز التلفاز من التقنيات التي حظيت بعدد غير قليل من الدراسات والتي أكدت على وجود تأثير مباشر للاستخدام غير المقنن. وبهذا نستطيع التأكيد على القضية التفاعلية التي يحدثها استخدام الأدوات التكنولوجية المتعددة على السلوك الإنساني بشكل عام. فظهور أي تقنية جديدة بهذا المعنى يرتبط بعلاقة تفاعلية مع السلوك الإنساني ويحدث ويبرز بعض من الآثار الاجتماعية التي قد تتولد نتيجة لهذا الظهور والتطور التكنولوجي.   

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق